144 خلق وىو الذي يحق لو أف يتصرؼ ويملك ما خلق ، وبما أف كل ما سوى الله مخلوؽ فكل ما سوى الله ملك لخالقو وىو الله . "من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنو " ومن اكتماؿ الملك والتصرؼ أف لا يشفع أحد إلا بإذف الخالق ، بل حتى أفضل البشر وىم الرسل والأنبياء – عليهم السلبـ - لا يشفعو ف إلا بعد أف يأذف الله لهم بذلك ، وحتى الملبئكة ، فالشفاعة كلها لله وحده . " يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطو ف بشيء من علمو إلا بما شاء " إنها الإحاطة الكاملة التامة لجميع الخلق ولجميع الأمور في الماضي والحاضر والمستقبل ، المخفي والظاىر ، للئنس والجن بلب استثناء ، كما أنو لا يمكن للعباد أف يعلموا إلا بعد مشيئة الله بذلك والعلم بصفات الخلق وعلومو وأسمائو فهذا ليس للبشر طريق لمعرفتو إلا بعلم الله لهم . " وسع كرسيو السموات والأرض " يا لعظمة ىذا الكرسي - وىو موضع قدمي الرب - يسع السموات والأرض على عظمتها وعظمة ما فيها ، والكرسي ليس ىو أعظم المخلوقات بل ىناؾ ما ىو أعظم منو وىو العرش وىذا لا يعلم قدره إلا الله ، كم تحتار العقوؿ وتقف الأفهاـ أماـ عظمة ىذه المخلوقات فكيف بخالقها سبحانو. إف العبد ليقف أماـ ىذه الآيات وليس لو إلا أف يسلم لخالقها ويتشرؼ فيكوف عبدا لهذا الخالق.
عدد الصفحات ١٤٥145 "ولا يؤ و ده حفظهما وىو العلي العظيم " : لا يثقل و ولا يتعب و حفظ السموات والأرض على عظمتهما وعظمة ما فيهما ، فهو القوي القادر كما أنو العلي بذاتو وقدرتو على جميع مخلوقاتو ، وىو العظيم الذي تتصاغر أمامو عظمة كل المخلوقات وبعد ىذا الاستعراض السريع لبعض معاني ىذه الآية أعتقد لأخي القارئ الكريم أنك أدركت السر والحكمة في كونها أعظم آية في القرآف الك ريم ، فهي بمفردىا تمثل عقيدة المؤمن بربو ، و حقيقة عبوديتو لهذا الخالق العلي العظيم . أما أقصر سورة في القرآف الكريم فهي سورة الكوثر ، قاؿ تعالى: " إِن ا أَعْطَيػْنَاؾَ الْكَوْثػَرَ (ٔ) فَصَل لِرَب كَ وَانْحَرْ ( ٕ) إِ ف شَانِئَكَ ىُوَ الأَْبػْتػَرُ (ٖ)"ٜ٘ٔ. سو رة الكوثر ىي أقصر سور القراف الكريم ، ومع ذلك فهي تمثل حقائق مهمة في حياة المؤمن ، فهي تمثل صورة من صور الأذى الذي تعرض إليو الرسوؿ - ويمكن أف يتعرض لو كل مؤمن - كما أنها تمثل عناية الله ورعايتو لعبده وللمؤمنين معو. وىي كذلك تمثل دفاع الله سبحانو عن عبده ورسولو ػ وىذا ليس خاص بو ػ أماـ كيد أعدائو مما يساعد المؤمن على الثبات على ىذا الدين . وىي تعطينا حقيقة تكررت كثيراً في القراف الكريم وىي: كيف ينبغي للعبد أف يتعامل مع نعم الله ؟ . " إنا أعطيناؾ الكوثر": و الكوثر ىو: الخير الكثير ومن الخير الكثير ما يعطيو الله لرسولو يوـ القيامة نهر يقاؿ لو (الكوثر) طولو شهر ، وعرضو شهر ، ماءه أشد 159 سٕرة انكٕثز
عدد الصفحات ١٤٦146 بياضاً من اللبن ، وطعمو أحلى من العسل ، آنيتو عدد نجوـ السماء ، من يشرب منو لا يظمأ بعده أبدا نسأؿ الله أف يرزقنا ذلك . " فصل لربك وانحر": ىكذا تكوف مقابلة النعم بالعمل الصالح مثل ( الصلبة ) و ( الذبح ) وأف تكوف لله لا لغيره لأنو ىو صاحب الفضل والنعم . " إف شانئك ىو الأبتر": أي أف مَ ن أبغضك وذَ م ك وانتقص منك ىو الأبتر أي المقطوع من كل خير ، مقطوع العمل ومقطوع الذكر الحسن .وأما محمد فهو المستمر ذكره ، والمستمر أجر عملو ، والمستمر أثره حتى تقوـ الساعة . وقد رأينا ذلك وسمعناه فأين ذكر الرسوؿ من ذكر أعدائو ، ومن الذي استمر أثر عملو ، ومن الذي كثر أتباعو وأنصاره أليس ىو الرسوؿ ! وىذا رد على ذاؾ الكافر الذي نزلت فيو ىذه السورة . الذي كاف إذا ذكر الرسوؿ يقوؿ : دعوه فإنو رجل أبتر - أي مقطوع - لا عقب لو - ليس لو أولاد ذكور - فإذا ىلك انقطع ذكره .
عدد الصفحات ١٤٧147 انفصم انرابع تفطير ضىرتي انعصر والإخلاص بعد الحديث عن أعظم سورة وأفضل آية وأقصر سورة ، سنتحدث عن سورة كلماته ا قليلة لكنها تحمل معاني عظيمة لا يستغني عنها كل إنساف ، إنها سورة العصر ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭼ العصر: ٔ - ٖ إف من أولويات المنهج الرباني ، بل الهدؼ الأسمى ىو إسعاد الإنساف باعتباره كائن حي موجود على ىذه الأرض . ولا يعلم خفايا ىذا الإنساف إلا خالقو،كما أنو لا يعلم خفايا ىذا الكوف إلا موجده ، فكما أف في الكوف خفايا وأسرار فكذلك في الإنساف خفايا وأسرار . وسعادة الإنساف لا تكوف إلا بأمرين أثنين : ٔ / إصلبح الفرد الذاتي . ٕ / تعاونو مع بقية أفراد المجتمع الذي يعيش فيو . وعلى مقدار تحقق ىذين الركنين تكوف السعادة ليس للئنساف ف قط بل ولعموـ الناس أجمعين . وصلبح الفرد يكوف بصلبح باطنو وظاىره أو الجوىر والمظهر ، فلب يكو ف صلبحو بأحدىما فقط فهو مخلوؽ من جسد ورح ولابد من التوازف بينهما لكي يحصل العبد على الراحة .
عدد الصفحات ١٤٨148 ولعل ما تعانيو البشرية اليوـ من أزمات نفسية ومشاكل اجتماعية ضخمة جداً – مع كل التقدـ المادي - سببو ىو عدـ التوازف بين متطلبات الجسد والروح وطغياف أحدىما على الآخر ، فقد حققت الحضارة البشرية تقدماً كبيراً في المظاىر ولكنها نسيت الأىم وىو الجوىر أو متطلبات الروح ، ومن ىنا فإف البشرية ستظل تعاني من ىذه المشاكل ما لم تلتفت إلى المنهج الذي يحقق التوازف في الإنساف .وىذا ما تتحدث عنو ىذه السورة القصيرة : " والعصر " يقسم الله بالزماف الذي يعيش فيو الإنساف ويحقق فيو ما يريد وبو يحصل على السعادة أو العكس ، وحينما يقسم الله بشيء فهذا إشارة على أىمية ما سيذكر بعده . " إف الإنساف لفي خسر " ىكذا يخبرنا الخالق بحقيقة يحتاجها كل إنساف وىي : أف كل إنساف في خسارة، والخسارة ىي فقداف رأس الماؿ وأعظم ما يمكن أف يخسره الإنساف ىو الخسارة الأخروية بعد الخسارة الدنيوية . " إلا " تلك ىي البشرى ، وىذا ىو الاستثناء الرباني من الخسارة ، أي أف ىناؾ فريقاً من الناس استطاع أف يفوز وأف يكسب ،ىذا الفريق ىو الذي حقق الصفات الأربع التالية : ٔ / " الذين آمنوا " الإيماف الحق الإيماف الكامل ، الإيماف بأركانو الستة التي ذكرىا الرسوؿ حين سئل عن الإيماف فقاؿ : الإيماف أف تؤمن بالله ملبئكتو وكتبو ورسلو واليو ـ الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره . إيماف يجعل مصدر التلقي والتوجيو واحد ىو الله بلب تشتت ولا ضياع فالذي خلق ورزؽ وأعطى ىو الذي يستحق أف يكوف مصدر التلقي ، الإيماف الذي يحقق الاستقرار النفسي لأنو يجيب على أسئلة كبيرة
عدد الصفحات ١٤٩149 وضخمة تدور في ذىن كل إنساف : من الذي خلقن ا ؟ ولماذا ؟ من الذي يُ سيّ ر الكوف ؟ وكيف ؟ من الذي يرعى شؤوف الناس ؟ لماذا التفاوت بين البشر غني وفقير ، ظالم ومظلوـ ، قوي وضعيف ؟ ىل ىذا عدؿ ؟ ىل ىناؾ حياة أخرى ؟ ما مصيرنا بعد الموت ؟ ٕ / " وعملوا الصالحات " وىذا إحدى ثمرات الإيماف في القلب ، فهو ليس مجرد نظريات تحفظ وتقاؿ فقط بل ويتبعها عمل فهو الإيماف الذي يجعل صاحبو يعمل ، وليس أي عمل وإنما يعمل الصالحات ، وىي الأعماؿ التي ترضي الرب سبحانو وتحقق العبودية للعبد ، فهو إيماف عملي لجميع مناحي الحياة صلبة وصياـ وصدقة .. مما يمثل العلبقة بين العبد وربو ، كما أنو أخلبؽ وسلوؾ للعبد مع أىل بيتو بالشفقة عليهم والسعي في كسب الرزؽ لهم ، وىو أيضاً سلوؾ مع المجتمع في الصدؽ والوفاء بالعه د وحسن المعاملة .. بل حتى مع الحيوانات فهذا الرسوؿ يخبرنا بأف الله قد غفر لبغي من البغايا بسب سقياىا لكلب بعد أف أدركتها الشفقة عليو ورأت ما يعانيو من العطش ، وفي المقابل يعذب الله امرأة ويدخلها النار بسبب ىرة حبستها فلم تطعمها ولم تتركها تآكل من الأرض . ٖ / " وتواصو ا بالحق " وىذه تتعلق بصلبح المجتمع ، فالتواصي بين أفراد المجتمع أمر حتمي ولازـ لكل مجتمع ينشد الفلبح والسعادة ، وخاصة حين يكوف التواصي بالحق وىو فعل الطاعات وترؾ المنهيات ، فهو مجتمع يتواصى بالصلبة والصياـ والصدقة والصدؽ والوفاء بالعهد وحسن التعامل وترؾ الشر ؾ والمسكرات وشرب الخمور والزنا ..إلخ ، ولما كانت ىذه صعبة على النفوس قاؿ الله بعدىا .
عدد الصفحات ١٥٠151 ٗ / " وتواصوا بالصبر " الصبر على ما في ىذه الحياة الدنيا من مصائب ونكبات ، والصبر على مقارعة المنكرات ومجاىدة الباطل والصبر على الأذى ، والصبر على الاستمرار في عمل الطاعات ، فهو ليس صابراً فقط بل يأمر أخاه بالصبر ويحثو عليو. أرأيتم كم سيكوف المجتمع في أطيب حياة ، وكيف ستصبح حياتهم ويحصلوا على السعادة والفلبح ، ومهما حاوؿ البشر أف يحصلوا على السعاة بغير ىذا الطريق فلن يصلوا ، فالخالق واحد والرازؽ واحد والطريق واحد . وبتلك الصفات استطاع المسلموف أف يصلوا إلى أقاصي العالم ويدعوف الناس بأخلبقهم قبل كلبمهم. وأما السورة الثانية التي سنتحدث عنها فهي سورة تعدؿ ثلث القرآف إنها سورة الإخلبص: قاؿ تعالى : " قُلْ ىُوَ الل وُ أَحَدٌ ( ٔ) الل وُ الص مَدُ (ٕ) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (ٖ) وَلَمْ يَكُنْ لَوُ كُفُوًا أَحَدٌ (ٗ) "ٓٙٔ. . ثبت عن الرسوؿ أنو قاؿ ( قل ىو الله أحدتعدؿ ثُ لث القراف ) و قاؿ أيضاً : من قرأ ( قل ىو الله أحد ) عشر مرات بنى الله لو بيتاً في الجنة ) . ولا عجب أف يكوف لهذه السورة ىذا الأجر الكبير والثواب العظيم ، ذلك أنها تتحدث عن أىم موجود في الكوف وتعطي تصوراً للخالق سبحانو ولبعض صفاتو وأسمائو ، وترد على شبو المنحرفين في تصوراتهم عن الله سبحانو وتعالى ، الله الذي خلق الكوف ودبره وسي ره الله الذي لو كل ما في السموات والأرض ، الله الغني عن ٓٙٔ سُزج الإخلاص
عدد الصفحات ١٥١151 عباده والكل محتاج إليو ، الله الذي ليس كمثلو شيء وىو السميع العليم ، الله الواحد الأحد في صفاتو وأسمائو فلب نظير لو ولا شبيو لو ، ىكذا يأمر الله عبده ورسولو أف يقوؿ " قل ىو الله أحد " : الله الكامل في صفاتو ، الذي لا غنى لأي مخلوؽ عنو في كل صغيرة وكبيرة ، ولذا فإف كل المخلوقات تتجو إليو وتلجأ إليو وىو غير محتاج إلى أحد " الله الصمد ". وقد كتب الله على بني البشر أف يكوف بينهم ولا دة فكل إنساف لو أب وأـ وقد يكوف لو أبناء وىذا دليل ضعفو وحاجتو وافتقاره فاحتاج إلى غيره سواء كاف رجل أـ امرأة ، أما الخالق سبحانو فهو ليس لو أبناء كما أنو ليس لو أب ولا حتى زوجو لغناه عن الجميع ومن ىنا فإنو" لم يلد ولم يولد " والله ىو الذي يجمع ىذه الصفات وغيرىا من صفات الكماؿ والجلبؿ ، فهو ليس لو مماثل في ذلك ولا يمكن أف يكوف لو مماثل " ولم يكن لو كفواً أحد " . إنها عقيدة التوحيد التي علمنا إياىا الله عبر كتابو وعلى لساف رسولو ، العقيدة التي تجعل المؤمن موحداً لله في كل حياتو ، فمن الله يأخذ دستوره وحده لأف الله كاملٌ في صفاتو غني عن عباده عالم بمخلوقاتو . وىكذا ينفرد المنهج الرباني عن جميع المناىج الأرضية ، فيرسم للمسلم حياتو ، وكيف تكوف ؟ ويعطيو السعادة الدنيوية والفوز الأخروي ، ولا يمكن لأي منهج مهما كاف أف يقارف أو يشابو المنهج الرباني .
عدد الصفحات ١٥٢152 انفصم انخايص : تفطير انًعىراث كلبمنا عن تفسير آخر سورتين في القرآف الكريم والتي تُسمى ب " المعوذتين " وىما سورة الفلق وسورة الناس ، وإليك تفسيرىما:- : ﭽ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﭼ عن عقبو بن عامر رضي الله عنو قاؿ : أمرني رسوؿ الله أف أقرا بالمعوذات في دبر كل صلبة . بدأت السورة بخطاب الرسوؿ - وىو لأمتو بعد موتو-" قل " وىو إرشاد وتوجيو من الخالق سبحانو إلى عباده الضعفاء الذين لا يستطيعوف أف يدفعوا عن أنفسهم الشر من المخلوقات خاصة عندما يحين وقت حركتها وعملها وىو الصباح ومن ىنا قاؿ الله تعالى " قل أعوذ برب الفلق " والفلق ىو الصبح الذي يأتي بعد ليل مظلم وأمس . ولما كانت المخلوقات عموماً فيها خير وشر فقد أرشدنا الله إلى الاستعاذة من شرور ىذه المخلوقات ػ كل المخلو قات ػ والبقاء على خيرىا والحصوؿ عليو ، ىكذا ىي العناية الربانية لعباده حصوؿ الخير ودفع الشر " من شر ما خلق " ، ويأتي بعدىا إشارة إلى بعض الشرور الخاصة في ظروؼ وأزماف معينو فالليل الظلم الذي يخافو
عدد الصفحات ١٥٣153 الكثير من الناس وما يحصل فيو من جرائم وفواحش ، أكثر شروراً من غيره ، " ومن شر غاسق إذا وقب " وىو الليل إذا أقبل . وأما شرور البشر فهي كثيرة لا تعد ولا تحصى ، وبعض البشر أكثر وأشد شراً وضرراً من غيره ، ومن أولئك : السحرة الذي يدعوف معرفة الغيب ويدعوف القدرة على عمل أشياء خارقة للعادة مما يجعل الكثير من الناس يستسلم لشرورىم ، حتى مع مدنية ىذا العصر نسمع ونقرأ ونرى قصصاً عن السحر وشروره وأضراره. " ومن شر النفاذات في العقد " وىي السواحر التي تنفث بكلمات غريبة وعجيبة ويعقدف عقداً للوصوؿ إلى مطلبهم . " ومن شر حاسد إذا حسد " ومن شرور البشر أيضاً ، أولئك البشر الذين يحبوف زواؿ النعمة عن المحسود بكل ما يقدروف من الأسباب ، فاحتاج الإنساف إلى الاستعاذة بالله من شرىم ،كما أمرنا الخالق سبحانو - ربنا - بالاتصاؿ بو دائماً وأبداً ، فنحن لا نستطيع أف ندفع الشرور بدوف الالتجاء والاستعاذة من رب الفلق ورب الناس . وآخر ما سنتحدث عنو في التفسير ىي آخر سور القرآف ترتيباً في المصحف: : ﭽ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﭼ
عدد الصفحات ١٥٤154 السورة تتحدث عن معركة قديمة قدـ البشر منذ أف خلق الله الإنساف ، كما أنها معركة مستمرة إلى قيا ـ الساعة ، بالإضافة إلى أنها معركة يعيشها كل إنساف ذكر أـ أنثى ، صغير أـ كبير ...الخ وىي معركة جنة أ و نار ، فعدوؾ الشيطاف يريد إدخالك معو إلى جهنم و بئس المصير ، وربك يريد منك الانتصار عليو للفوز بجنة عرضها السموات والأرض ، لذا كانت السورة على قسمين : القسم الأوؿ : " قل أعوذ برب الناس ، ملك الناس ، إلو الناس " يبين الاستعاذة بالرب سبحانو ، الرب الراعي والحامي لعباده ، والملك الحاكم المتصرؼ في ملكو ػ وكل ما سوى الله مملوؾ لو ػ والإلو ىو المستعلي المسير للؤمور كما يشاء. وفي ىذه الصفات الثلبث: حماية من الشر ومن كل شيء فهو رب كل شيء ، وملك كل شيء وإليو كل شيء ، و جاء لفظ ( الناس ) في الصفات الثلبث إشارة إلى كل الناس بدوف تخصيص جنس أو لوف ، وفي ىذا ترقيق لقلوب العباد ليستشعروا حماية الله لهم وبياف لما يمكن أف يعينهم على كيد عدوىم . القسم الثاني : " من شر الو سواس الخناس ، الذي يوسوس في صدور الناس، من الجنة والناس " يبين المستعاذ منو ، أو عدوؾ الذي يريد منك معصية ( الرب ) و( الملك ) و( الإلو ) وىنا يبين لنا الله صفة ىذا العدو ( الوسواس الخناس )الوسواس ىو الصوت الخفي ، والخناس ىو الاختفاء والتراجع ، فهو كما قا ؿ الرسوؿ ": الشيطاف جاثم على قلب ابن آدـ فإذا ذكر الله تعالى خنس ، وإذا غفل وسوس " ىكذا ىو مع بني آدـ ،
عدد الصفحات ١٥٥155 وىكذا شاء الله أف يكوف، والطريق المنجي منو ىو ( ذكر الله ) فهو لا يخنس إلا عند ذكر الله ، فعليك بهذا السلبح الفتاؾ . أما عملو فهو ( الذي يوسوس في صدو ر الناس ) كل الناس بلب استثناء ، ولكن من يستمع إليو ويصغي إليو ويعمل بوسوستو يهلك ، و مَن ذكر الله فقد قتلو . وربما تسأؿ عن ماىية ىذا العدو اللدود ( من الجنة والناس ) قد لا نعلم وسوسة الجن ولكننا بالتأكيد نجد آثارىا في واقعنا وحياتنا اليومية فهو مع كل واحد منا كما قاؿ المصطفى ( ما منكم من أحد إلا وقد وُك ل بو قرينو ) يعني من الجن ، أما وسوسة الإنس فنراىا ونعلمها ونشاىد آثارىا ، فهذا الذي يدعو إلى الفواحش وشرب الخمور ويزينها للناس عموماً ، وبائع الشهوات من الرجاؿ والنساء والكذ اب والمُ خادع......الخ كمٌّ ىائل في البشر ، فما أشد خطر الجن والإنس على العبد الصالح ، ولكنهم يستصغروف ويذلوف بل ويهلكوف حينما نستعيذ ( برب الناس ) ( ملك الناس ) ( الو الناس ). وقبل أف ننهي الحديث عن دستور الإسلبـ إليك ىذه القصة كاف ىناؾ رجل يعيش في مزرعة بإحدى الجباؿ مع حفيده الصغير.كاف الجد يستيقظ كل يوـ في الصباح الباكر ليجلس إلى مائدة المطبخ ليقرأ القرآف ، وكاف حفيدة يتمنى أف يصبح مثلو في كل حركو يفعلها .وذات يوـ سأؿ الحفيد جده: يا جدي ، إنني أحاوؿ أف أقرأ القرآف مثلما تفعل،ولكني كلما حاولت أف أقرأه ، أجد أنني لا أفهم كثيراً منو وإذا فهمت منو شيئاً فإنني أنسى ما فهمتو بمجرد أف أغلق المصحف، فما فائدة قراءة القرآف إذاً ؟؟ كاف الجد يضع بعض الفحم في المدفأة،فتلفت بهدوء وترؾ ما بيده ثم قاؿ خذ سلة الفحم الخالية ىذه وأذىب بها إلى النهر ثم ائتني بها مليئة بالماء ففعل الولد كما
عدد الصفحات ١٥٦156 طلب منو جده و لكنو فوجئ بالماء كلو يتسرب من السلة قبل أف يصل إلى البيت .فابتسم الجد قائلبً لو : ينبغي عليك أف تسرع في المرة القادمة يا بني .فعاود الحفيد الكرة وحاوؿ أف يجري إلى البيت ، ولكن الماء تسرب أيضاً في ىذه المرة . فغضب الولد وقاؿ لجدة :إنو من المستحيل أف آتيك ب سلة من الماء ،والآف سأذىب وأحضر الدلو لكي أملؤه لك .فقاؿ الجد: لا، أنا لم أطلب منك دلواً من الماء ، يبدو أنك لم تبذؿ جهداً كافياً يا ولدي .ثم خرج الجد مع حفيده ليشرؼ بنفسو على تنفيذ عملية ملء السلة بالماء .كاف الحفيد موقناً بأنها عملية مستحيلة ولكنو أراد أف يري جده بالتجربة العملية .فملؤ السلة ماء ثم جرى بأقصى سرعة إلى جده ليريو وىو يلهث . فخاطبو جده قائلبً : أتظن أنو لا فائدة مما فعلت ؟ تعاؿ و انظر إلى السلة ...فنظر الولد إلى السلة المتسخة وأدرؾ للمرة الأولى أنها أصبحت مختلفة لقد تحولت السلة المتسخة بسب الفحم إلى سلة نظيفة تماما ً من الخارج والداخل ، فلما رأى الجد الولد مندىشا ، قاؿ لو : ىذا بالضبط ما يحدث عندما تقرأ القرآف الكريم قد لا تفهم بعضو وقد تنسى ما فهمت أو حفظت من آياتو ولكنك حين تقرأه سوؼ تتغير للؤفضل من الداخل والخارج تماماً مثل ىذه السلة . اسأؿ الله أف يجعل القرآف العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وذىاب ىمومنا، وجلبء أحزاننا وأف يرزقنا تلبوتو في الليل والنهار على الوجو الذي يرضيوِ عنا.
عدد الصفحات ١٥٧157
عدد الصفحات ١٥٨158 جاء رجل إلى رسوؿ الله فقاؿ : يا رسوؿ الله إف فلبنة فذكر من كثرة صلبتها وصدقتها وصيامها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها. قاؿ : ىي في النار . قاؿ: يا رسوؿ الله فإف فلبنة فذكر من قلة صيامها وصلبتها وأنها تصدؽ بالأثوار من الأقط ( نوع من الطعاـ ) ولا تؤذي بلسانها جيرانها . قاؿ :ىي في الجنة الإسلبـ ليس دينا فلسفياً ولا نظريات تقاؿ ولا رىبانية ينقطع فيها العبد عن الناس ، ولكنو منهج حياة يعيش مع العبد في كل شؤوف حياتو ويرشده إلى الصواب، ويبين لو التطبيق العملي لما يجب أف يكوف عليو ، لذا فهو يحث على حسن الخلق والتعامل الحسن مع الناس أجمعين . ومن ىنا فإف لمكارـ الأخلبؽ وحسن الخلق شأف عظيم في الإسلبـ ؛ ذلك أف الخُ لُ ق يعتبر التطبيق العملي لما يحملو العبد من مبادئ ونظريات وقناعات ، فعلى مقدار إيماف العبد تكوف أخلبقو وعلى مقدار يقينو تكوف سلوكياتو، فمن أراد أف يتعرؼ على إيمانو فلينظر إلى أخلبقو وسلوكياتو ويقارنها بأخلبؽ وسلوكي ات النبي الكريم فإف كانت قريبة منها فإيمانو قوي وإف كانت الأخرى فليراجع إيمانو وليجتهد في تقوية إيمانو. كما أوضح الرسوؿ الكريم أف ىناؾ من السلوكيات العملية التي تكوف سبباً في مغفرة الذنوب ودخوؿ الجنة مع إنها في نظر الكثير من الناس أمر يسير ، لكن الشارع الحكيم يريد من المسلمين الارتقاء بالنفس وبالمجتمع ، وأف يسعى الجميع من اجل تحقيق العبودية لله في نفسو وأىلو ومجتمعو والناس أجمعين ، ومن ذلك ما اخبر بو الرسوؿ الكريم حيث قاؿ: كانت شجرة تؤذي الناس ، فأتاه رجل فعزلها عن طريق الناس ، قاؿ: فقاؿ نبي الله : فلقد رأيتو يتقلب في ظلها في الجنة .
عدد الصفحات ١٥٩159 إنو عمل بسيط إزاحة شجرة أو غصن لكنو عند الله كبير ويستحق مَن عملو أف يُ غفر لو ويدخل الجنة ، لأنو فكّ ر في غيره وقاؿ لعلو يؤذي الناس في طريقهم فأزاحو. ولما كاف من الصعب الحديث عن كل الأخلبؽ الإسلبمية فإنا سنشير إلى أ ىم تلك الأخلبؽ ، والتي تكثر الحاجة إليها ولها تأثير كبير على الفرد والمجتمع وسنبدأ بالخطوة الأولى نحو الفلبح – بإذف الله - ولنبدأ بتلك الآيات البينات من كلبـ رب الأرض والسموات :" وَالش مْسِ وَضُحَاىَا ( ٔ) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلبَىَا ( ٕ) وَالنػ هَارِ إِذَ ا جَلب ىَا ( ٖ) وَالل يْلِ إِذَا يػَغْشَاىَا ( ٗ) وَالس مَاءِ وَمَا بػَنَاىَا (٘) وَالأَْرْضِ وَمَا طَحَاىَا ( ٙ) وَنػَفْسٍ وَمَا سَو اىَا ( ٚ)ٔٙٔ. ىل لاحظت تكرار القسم بعدة مخلوقات ؟ دعونا نرجع إلى الآيات مرة أخرى ولنتعرؼ عليها بشيء من الإجماؿ : "وَالش مْسِ وَضُحَاىَا" يقسم الله بضوء الشمس ( ضحاىا ) والشمس وضو ؤ ىا من مخلوقات الله ، والله لو أف يقسم بما شاء من مخلوقاتو ، وليس لنا أف نقسم إلا بالله أو أسمائو وصفاتو ، لقوؿ الرسوؿ الكريم - - : "من أقسم بغير الله فقد كفر أو أشرؾ "، ليس حديثنا عن أحكاـ القسم ولكن بيناه للضرورة ، ولنعد إلى الآيات : "وَالْقَمَرِ إِذَا تَلبَىَا ( ٕ) وَالنػ هَارِ إِذَا جَلب ىَا ( ٖ) وَالل يْلِ إِذَا يػَغْشَاىَا ( ٗ) وَالس مَاءِ وَمَا بػَنَاىَا (٘) وَالأَْرْضِ وَمَا طَحَاىَا ( ٙ) وَنػَفْسٍ وَمَا سَو اىَا " قسم آخر من الله بالقمر إذا تلب الشمس (تَلبَىَا) ، والنهار إذا أوضح ما على الأرض (جَلب ىَا) ، ثم الليل إذا غطى ضوء النهار فتصبح الأرض ظلبـ (يػَغْشَاىَا) ، ثم يقسم بعظمة بناء السماء ٔٙٔ سُزج انشمس 1 - 7
عدد الصفحات ١٦٠