المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الإيتاء في القرآن الكريم دراسة مصطلحية موضوعية

سلطان عبد الله مطلق العازمي

صفحة ٢ من ٦

11 المطلب الثاني: نشأة الدراسة المصطلحية سلك العلماء مسلكي ن في تحديدهم لنشأة التفسير الموضوعي بشكل عام. فيرى أصحاب الاتجاه الأول حداثة منهج التفسير الموضوعي في فهم القرآن من أجل بيان هداياته وإعجازه وقدرته على التعامل مع الواقع الذي يعيشه المسلمون. ويتصدر الأستاذ أمين الخولي هذا الاتجاه. أما الاتجاه الثاني فيرى أقدمية هذا المنهج وظهور بذوره الأولى في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم من خلال تفسير القرآن بالقرآن أو من خلال الاهتمام بجمع المتشابه اللفظي للقرآن وما أعقب ذلك من مصنفات في مجاز القرآن ومفرداته وناسخه ومنسوخه وأسباب نزوله وغيرها ويعد عبد الحي الفرماوي، وأحمد الكومي، ومصطفى مسلم، وصلاح الخالدي من أصحاب هذا الاتجاه (1). ترتبط نشأة الدراسة المصطلحية بالمحاولات المستمرة التي تنتهجها الأمم في مختلف العصور لبلوغ غايات محددة . ومنهج التفسير الموضوعي وفقا للطريقة المصطلحية لا تخرج عن هذا المضمون إذ "تمثل نهجا ثابتا يسلكه المفسر معتمدا على مصادر وأدوات خاصة بالتفسير ليبلغ هدفا محددا وفقا لضوابط وقواعد يلتزمها"(2). لقدظهرت عند علماء المسلمين السابقين مؤشرات يمكن عدها بدايات أولية لهذا اللون من التفسير الموضوعي يمكن لأي باحث معاصر أن يستفيد منها ويضيف عليها . ويعد كتاب "مفردت ألفاظ القرآن " للراغب الأصفهاني وكتاب "إصلاح الوجوه والنظائر في القرآن" للخطيب الدامغاني وكتاب "عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ" للسمين الحلبي من أبرز الأمثلة التي تصدرت تلك البدايات(3). وتمثل المدرسة الفاسية المعاصرة في الدراسة المصطلحية للقرآن تجربة علمية رائدة وفريدة أسفر عنها إسهامات علمية من دراسات وبحوث أكسبها شهرة في الأوساط العلمية والبحثية ليس في المغرب فحسب وإنما على مستوى العالم الإسلامي. ويرجع الفضل في وضع الأصول النظرية والقواعد العلمية لهذا النهج في الدراسة المصطلحية إلى جهود العلامة الشاهد البوشيخي(4). 1 – د. جهاد النصيرات، مرجع سابق، ص 116. 2 – د. عبد الرحيم أبو علبة، موسوعة الدخيل في التفسير في القرن الرابع عشر الهجري، ج2، ط1، دار السواقي العلمية، عمان، 2012،ص 420. 4 – د. صلاح الخالدي، مرجع سابق، ص 12. 2 – د. عبد الكبير حميدي، المدرسة الفاسية المعاصرة في الدراسة المصطلحية والتفسير الموضوعي للقرآن الكريم، آفاق الثقافة والتراث، مجلد 22 (06)،2012، ص 6.

عدد الصفحات ٢٠

12 المطلب الثالث: خطوات الدراسة المصطلحية تعد الدراسة المصطلحية واحدة من أساليب التفسير الموضوعي للقرآن الكريم التي يتم من خلالها البحث في لفظة أو أكثر من ألفاظ القرآن الكريم. وتتضمن الدراسة المصطلحية لألفاظ القرآن الكريم بشكل عام خطوتين رئيستين الأولى منهما ترتيب ألفاظ الواردة في القرآن حسب حروف الهجاء، وبعد تجريدها من الزوائد، والتعرض لأصل استخدامها، ثم ثانيا استقراء اللفظ الواحد واستخداماته في القرآن الكريم، وتوضيح تباينها من موضع لآخر(1). ويوضح الكتور نايل أبو زيد خطوات هذا اللون من التفسير الموضوعي من خلال اتباع الخطوات الآتية(2): 1. استقصاء جميع المواضع القرآنية التي استعملت فيها لفظة معينة؛ ويمكن ذلك بالرجوع إلى المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم أو عن طريق الحاسب الآلي وبرمجياته التي حوت القرآن وعلومه. 2. معرفة معاني اللفظة قيد الدراسة بالرجوع إلى القرأن نفسه وما صح من السنة وأقوال الصحابة. 4. العودة إلى كتب التفسير واللغة لفهم استعمالات القرآن المختلفة لتلك اللفظة. 2. استنباط عناصر الموضوع ووضع خطته بعد الدراسة التفصيلية لتلك اللفظة. ويشير الدكتور صلاح الخالدي إلى أن منهج التفسير الموضوعي وفقا لأسلوب المصطلح القرآني يتم على مرحلتين هما(3): أ. مرحلة البحث والجمع: وتتضمن هذه المرحلة ما يلي: 1. اختيار المفردة (أو اللفظة) القرآنية المراد بحثها. 2. تحديد الجذر الثلاثي للمفردة. 1 – مروان أبو راس، دراسة موضوعية في سورة الز مر، رسالة ماجستير غير منشورة، الجامعة الأردنية، الأردن، 1906،ص 14. 2 – د. نايل أبو زيد، دراسات تطبيقية على مناهج البحث في التفسير الموضوعي، ط1، مطبعة الأزهر، الكرك،2006، ص 92. 4 – د. صلاح الخالدي، مرجع سابق، ص 62 – 60.

عدد الصفحات ٢١

13 4. أخذ معنى الجذر الثلاثي من أمهات كتب اللغة ومعاجمها الأساسية. 2. ربط المعنى اللغوي للمفردة القرآني مع الاستعمال القرآني. 1. ربط المفردة القرآنية مع السياق الذي ورد فيه. 6. ترتيب الآيات التي أوردت المفردة بحسب النزول. 1. اطلاع على تفسير الآيات التي أوردت المفردة. 0. ملاحظة البعد الواقعي للمفردة. 9. الوقفة المتأنية الفاحصة أمام الآيات التي أوردت المفردة للتوصل إلى هل هي مصطلح أم لا. ب. مرحلة الترتيب والتبويب والصياغة: وتتضمن: 1. إلقاء نظرة فاحصة على المادة التفسيرية المجمعة. 2. وضع مخطط منهجي موضوعي للبحث. 4. توزيع المادة التفسيرية على فصول المخطط ومباحثه. 2. البدء بصياغة وكتابة كل فصل. 1. الحرص على دقة الصياغة من الناحية الظاهرية والموضوعية. 6. ملاحظة وضع اللطائف واللفتات في مواضعها. 1. ربط المفردة القرآنية بمقاصد القرآن وأهدافه. 0. إخراج البحث بشكل فني مقبول. وحدد العلامة الشاهد البوشيخي كيفية دراسة مفاهيم الألفاظ القرآنية وفقا لمنهج الدراسة المصطلحية بما يراعي خصوصية القرآن الكريم وطبيعة النص القرآني وفق مجموعة من القواعد. ويتضح منهج الدراسة المصطلحية لألفاظ القرآن الكريم من خلال المراحل والنقاط الآتية(1): أو: إحصاء النصوص التي وردت فيها اللفظة ومشتقاتها. ثانيا: تصنيف جميع النصوص المحصاة بعد استخلاصها. ثالثا: دراسة معاني المشتقات في المعاجم اللغوية. 1 – د. عبد الكبير حميدي، المدرسة الفاسية المعاصرة في الدراسة المصطلحية، مرجع سابق، ص 22- 24.

عدد الصفحات ٢٢

14 رابعا: الفهم السليم لمعنى اللفظة ومشتقاتها وفقا لسياق النص الذي وردت فيه. خامسا: تصنيف نتائج الفهم وفقا للعناصر المكونة للمفردة كالسمات الدلالية والعلاقات والضمائم وما يرتبط بها من قضايا. سادسا: تعريف اللفظ تعريفا يحيط بكل عناصره التي تم استخلاصها من مجموع نصوصه. سابعا: تحرير ما تقدم تحريرا يراعي طبيعة المجال العلمي للوصول إلى الفهم الكلي النسقي للقرآن الكريم. ومما يتعيّ ن الإشارة إليه أن منهجية البحث في ال مصطلح القرآن ي بالأسلوب الموضوعي تتضمن بشكل عام تتبع اللفظة القرآنية من خلال جمع الآيات التي وردت فيها اللفظة أو مشتقاتها من مادتها اللغوية ثم تفسيرها واستنباط دلالاتها في مختلف السياقات القرآنية. ويذهب بعض الباحثين المعاصرين إلى أن هذا اللون من ألوان التفسير الموضوعي يشابه في منهجه أسلوب دراسة الموضوع القرآني نظرا لاشتماله على تتبع الكلمة ومحاولة الربط بين دلالاتها في المواضع المختلفة من القرآن(1). واستنادا إلى تلك الوجهة السابقة، من أولئك الباحثين من يقترح نهجا مرحليا مكونا من أربع خطوات للتعامل مع المصطلح القرآني باعتباره خطوة مكملة لدراسة الموضوع القرآني. وتتضمن تلك الخطوات الأربع من وجهة النظر تلك المراحل الآتية: التحضير، والجمع، والتحليل، والتبويب(2) . 1 – د. مصطفى مسلم، مباحث في التفسير الموضوعي، مرجع سابق، ص 24، د. المثنى محمود، نظرية السياق القرآني: دراسة تأصيلية دلالية نقدية، 12، دار وائل للنشر، عمان،2000، ص24. 2 – د. جهاد النصيرات، مرجع سابق، ص 162.

عدد الصفحات ٢٣

15 المبحث الثاني: المصطلح القرآني وعلاقته بالسياق المطلب الأول: مفهوم المصطلح القرآني وأهميته ترتبط كلمة "المصطلح" بالاتفاق على مفهوم ما داخل سياق خاص . وغالبا ما يرتبط المصطلح بتعريف منضبط للمعنى المقصود الإحالة عليه وذلك من خلال مفردات متماسكة ومختصرة وهو ما يعرف بالتعريف الحدي؛ فالمفردة التي تسمى مفهوما يمكن أن تشاركها مفردة أخرى في التعبير عن المعنى نفسه، بينما المفردة التي تسمى مصطلحا تنفرد بالدلالة على المعنى وتنبذ الترادف(1). لقد أكدت تعاليم الشريعة الإسلامية على أهمية إطلاق الألفاظ بما تتضمنها من معاني ومضامين أيما تأكيد. فنجد في قول الله عز وجل مَّا يَلۡفِظ مِن قَوۡلٍ إِلاَّ لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِي د(2) وأيضا في قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تق ولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذابٌ أليم(3) خير دليل على هذا الأمر، وذلك أن المسلمين كانوا يقولون راعنا يا رسول الله، من المراعاة أي أرعنا سمعك، أي فرّ غ سمعك لكلامنا، وكانت هذه اللفظة (شيئا) قبيحا بلغة اليهود(4). فالمسلم محاسب على كل صغيرة وكبيرة، وأنه يتعيّن عليه الإمساك عن الكلام وعدم النطق بأي لفظة إلا بعد كامل وعيه لأبعادها وإدراكه لمضامينها وفي قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "وإنَّ العبدَ ليتكلم بالكلمة من سَخَطِ الله لا ي لقي لها بالا يهوي بها في جهنَّم "(5) دليل واضح على أهمية وضع كل لفظة في موضعها الصحيح، وكذلك الحال في الحديث المروي عن البراء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أخذت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن ثم قل اللهم إني أسلمت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت 1 – د. جهاد النصيرات، مرجع سابق، ص 112. 2 – سورة ق[10.] 4 – سورةالبقرة [102.] 2 – أبو محمد حسين بن مسعود البغوي، تفسير البغوي (معالم التنزيل)، دار طيبة، الرياض، 1991، ج 1، ص144. 5 – محمد بن اسماعيل البخاري، صحيح البخاري،1ج، دار ابن كثير، بيروت، 1994، حديث رقم6201

عدد الصفحات ٢٤

16 ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت واجعلهن من آخر كلامك فإن مت من ليلتك مت وأنت على الفطرة؛ قال: فرددتهن لأستذكرهن فقلت : آمنت برسولك الذي أرسلت ، قال: قل آمنت بنبيك الذي أرسلت ". واختلف العلماء في سبب إنكاره صلى الله عليه وسلم ورده اللفظ ؛ فقيل: إنما رده لأن قوله: ((آمنت برسولك)) يحتمل غير النبي صلى الله عليه وسلم من حيث اللفظ، أو أن سبب الإنكار أن هذا ذكر ودعاء، فينبغي فيه الاقتصار على اللفظ الوارد بحروفه وقد يتعلق الجزاء بتلك الحروف؛ ولعله أوحي إليه صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمات، فيتعين أداؤها بحروفها، وهذا القول حسن، وقيل أيضا : لأن قوله : ((ونبيك الذي أرسلت )) فيه جزالة من حيث صنعة الكلام ، وفيه جمع النبوة والرسالة(1). وفي مجال الدراسات القرآنية تأخذ دراسة المص طلحات والألفاظ أهمية خاصة، حيث إ ن تحديد مفاهيم المعاني يبرز النهج العلمي الذي يوصل إلى الفهم العميق لمعاني القرآن ومقاصده. وتتمثل أهمية الدراسة المصط لحية من خلال ارتباطها واعتمادها على الم صطلحات التي تشكل خلاصة البحث ومفاتيح العلوم ودلاء آبار العلم فمن غير الممكن استيعاب أي علم من غير فهم المصطلحات(2.) 1 – محيي الدين أبي زكريا يحيى بن شرف النووي، صحيح مسلم بشرح النووي، دار الخير، القاهرة، 1996، حديث رقم 2110، حاشية رقم 1، ص191. 2 – د. عبد الكبير حميدي، المدرسة الفاسية المعاصرة في الدراسة المصطلحية، مرجع سابق، ص 10.

عدد الصفحات ٢٥

17 المطلب الثاني: مفهوم السياق القرآني يرتبط المفهوم اللغوي لكلمة السياق بالتتابع ومنه جاء تساوق الإبل بمعنى تتابعها وقد قيل: "ولدت ثلاثة على ساق واحدة" بعنى بعضهم في إثر بعض ليست بينهم جارية(1). وألقى ابن فارس مزيدا من التوضيح على هذا المعنى من خلال بيان أن السياق يدل على التتابع المنتظم بالسير والحركة للوصول إلى غاية محددة من دون حدوث انقطاع أو انفصال(2). وبناء على ما سبق، يمكن الاستدلال من خلال تناول مفهوم لفظة السياق من المنظور اللغوي بأنها تدل على انتظام متوالٍ في الحركة لبلوغ غاية محددة(3). أما اصطلاحا، فيقصد بالسياق "الجمل المحيطة بالتركيب، أي الجمل التي تسبقه والجمل التي تتلوه" فهو يعبر عن بناء كامل من فقرات مترابطة، في علاقته بأي جزء من أجزائه أو تلك الأجزاء التي تسبق أو تتلو مباشرة فقرة أو كلمة معينة(4). ويوجد نوعان من السياق الأول هو السياق الداخلي(اللغوي) ويمثل النص والعلاقات بين أجزائه وبناء عليه تفسر الكلمة أو التركيب من خلال موقعها في النص وعلاقتها بالعناصر اللغوية التي تسبقها وتليها. أما النوع الثاني فهو السياق الخارجي (الحال، أو المقام، أو الموقف) ويمثل ما الظروف والملابسات التي تحيط بالنص(5). ويظهر تعريف للسياق القرآني يربط بشكل جلي بين المفهوم الاصطلاحي والمعنى اللغوي وهو "تتابع المعاني وانتظامها في سلك من الألفاظ القرآنية ؛ لتبلغ غايتها الموضوعية في بيان المعنى المقصود، دون انقطاع أو انفصال"(6) .والحقيقة أن استناد المفهوم الاصطلاحي إلى الأصل اللغوي ينسجم بشكل كبير مع المنهج العلمي لتفسير القرآن الكريم الم نزل بلسان عربي مبين. 1 – ابن منظور، لسان العرب، دار إحياء التراث العربي، ج 10، ط1، بيروت،1900، ص160. 2 – ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ط2، دار الفكر، بيروت،1990، ص290. 4 – د. المثنى محمود، نظرية السياق القرآني: دراسة تأصيلية دلالية نقدية، مرجع سابق، ص 12. 2 – د. سناء حلواني، السياق القرآني في تفسير الزمخشري (الكشاف)، آفاق الثقافة والتراث، مجلد 21 (01)،2014، ص 10. 1 – د. حلمي خليل، الكلمة دراسة لغوية ومعجمية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1900 ، ص210. 6 – د. المثنى محمود، نظرية السياق القرآني، مرجع سابق، ص 11.

عدد الصفحات ٢٦

18 المطلب الثالث: أهمية السياق في فهم المصطلح القرآني يؤدي السياق دورا مهما في بيان المعنى وتوضيحه سواء كان ذلك على مستوى المفردة أم على مستوى التركيب . وتقتصر طبيعة المعنى الذي يقدمه المعجم على المعنى الاجتماعي أو الدلالي من دون الإحاطة بالظروف والملابسات التي تحيط بالكلام فضلا عن اتسامه بالتعدد فكان لا بد من الاستعانة بالسياق من أجل تحديد المعنى(1). إن تعدد دلالة المفردة باختلاف السياق ناتج عن التطور الدلالي الذي تخضع له اللغة. ويصور القرآن الكريم هذا التطور في قصة أهل الكهف، إذ يقول تعالى: وَكَذََٰلِكَ بَعَثۡنََٰهُمۡ لَِِتَسَآءَلُواْ بَيۡنَهُمۡۡۚ قَالَ قَآئِل ِثۡنَا ِثۡتُمۡۡۖ قَالُواْ لََ م ِنۡهُمۡ كَمۡ لََ وۡ بَعۡضَ يَوۡم َ يَوۡمًا أ قَالُ يُّهَ َ حَدَكُم بِوَرِقِكُمۡ هََٰذِهِۦٓ إِلََ ٱلۡمَدِينَةِ فَلۡيَنظُرۡ أ َ ِثۡتُمۡ فَٱبۡعَثُوٓاْ أ عۡلَمُ بِمَا لََ َ واْ رَبُّكُمۡ أزۡ َ آ أكَََٰ طَعَام تِكُم بِرِزۡق ۡ ا فَلۡيَأ م ِنۡهُ وَلَِۡتَلَطَّفۡ وَلََ يُشۡعِرَنَّ حَدًا َ بِكُمۡ أ(2) والظاهر أن لغة أهل المدينة التي عاش فيها أهل الكهف قد تطورت ولم يعد بمقدورهم بيان دلالة ما يريدون عن طريق لغتهم التي مضى عليها أكثر من ثلاث مئة وتسع سنين، ويظهر هذا واضحا جليا في استعمال لفظة "التلطف"(3). وفسر القرطبي لفظة((وليتلطف)) أي في دخول المدينة وشراء الطعام(4) .وبيّن ابن عاشور في تفسيره لهذه الآية أن في لفظة ((وليتلطف)) "أمر لأحد غير معيّن سيوكلونه، وإنما الإجمال في حماية كلامهم لا في الكلام المحكي"، بينما فسر ((ولا يشعرن)) أي "ولا يخبرن بوجودكم أحدا " وأن ذلك يشمل"جميع أحوالهم من عددهم ومكانهم وغير ذلك"(5) . 1 – د. صبحي الصالح، دراسات في فقه اللغة، ط1، دار العلم للملايين، بيروت،1914، ص 400. 2 – سورة الكهف[19.] 4 – محمود القويدر، البحث الدلالي عند الراغب الأصفهاني، رسالة ماجستير غير منشورة، الجامعة المستنصرية، العراق، 1999، ص46. 2 – محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، تفسير القرطبي، دار الفكر، دمشق، د. ت. ، ج 10، ص446. 1 – ابن عاشور، محمد الطاهر، تفسير التحرير والتنوير، دار سحنون للنشر والتوزيع، تونس، د. ت.، ج 4، ص 201- 206.

عدد الصفحات ٢٧

19 ومما يؤكد على أهمية السياق في فهم المصطلح القرآني ما أصبح عرفا لدى الدراسات الموضوعية التطبيقية في القرآن الكريم وذلك عند دراستها للأ لفاظ القرآنية في سياقاتها وفقا لضوابط وأسس ومحددات (1). وتبرز أهمية السياق القرآني لارتباطه بمجموعة من العلوم كترتيب الآيات والسور بوصفه مدخلا أساسيا لتفسير القرآن الكريم، وكذلك ما يتداخل مع مفهوم السياق كعلم المناسبات(2)، إضافة إلى ما يجمعه بالسياق من رابط موضوعي كالتفسير الموضوعي(3) .ويسهم توضيح العلاقة بين السياق وهذه العلوم في تأكيد الصلة بين علوم القرآن المختلفة. ولما كانت هذه الدراسة متعلقة بالتفسير وفقا لأسلوب الدراسة المصطلحية الموضوعي ة، فإنها ستلقي مزيدا من الضوء على العلاقة بين السياق القرآني والتفسير الموضوعي تحديدا. لكي يعد التفسير الموضوعي - سواء أكان متعلقا بمصطلح قرآني أم بموضوع قرآني- أقرب إلى دراسات التفسير من الدراسات العقدية أو الفقهية وغيرها، فإنه لا بد أن يرتبط بالسياق القرآني. فلا يجوز تفسير الآية أو اللفظة باعتبارها الانفرادي نظرا "لتعدد معانيها في حين أن المعنى السياقي يتسم بالتحديد والثبات"(4) . وتتجلى أهمية السياق القرآني من خلالتطرق علماء الإسلام عبر مختلف الأزمان إلى الفوائد الكبيرة التي تجنى من دراسته. فتدبر السياق يثمر في تفعيل النص القرآني وتحليله من خلال ربط مدلولات الألفاظ بما يسبقها ويلحقها. ويعد السياق ثروة حقيقية إذا ما أحسن التعامل معه لسبر مكنونات النص القرآني وبيان أوجه إعجازه. كما أن دراسة السياق يعين على تحديد موضوع السورة وما يرتبط به من معان بصورة نقاط واضحة(5). 1 – د. فضل عباس، إتقان البرهان في علوم القرآن، ط2، دار النفائس، عمان،2010،ص 222، د. جهاد النصيرات، مرجع سابق، ص 119 . 2 – يقصد بعلم المناسبات((معرفة علل ترتيب أجزاء القرآن، وهو سر البلاغة لأنه يؤدي إلى تحقيق مطابقة المعاني لما اقتضاه من الحال، وتتوقف الإجادة فيه على معرفة مقصود السورة المطلوب ذلك فيها من خلال معرفة المقصود من جميع جملها)) البقاعي، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، ج1، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة،1902، ص1. 4 – د. المثنى محمود، نظرية السياق القرآني، مرجع سابق، ص 29. 2 – د. سناء حلواني، السياق القرآني في تفسير الزمخشري (الكشاف)، مرجع سابق، ص 10. 1 – المرجع السابق، ص 11-12.

عدد الصفحات ٢٨

20 وتطرق امام السيوطي رحمه الله إلى علاقة دلالة الألفاظ بالسياق مبينا أن السياق هو المحدد لمعنى اللفظة وأن معنى الكلمة الواحدة قد يختلف باختلا ف السياق الذي ترد فيه "كلما زاد استعمالها وكثر ورودها في نصوص مختلفة"(1). وأشار ابن القيم رحمه الله إلى أهمية السياق بقوله: "السياق يرشد إلى تبيين المجمل، وتعيين المحتمل، والقطع بعدم احتمال غير المراد، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وتنوع الدلالة، وهو ما عدّه من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم"(2) .فلا شك أن الفوائد التي تتأتى من تدبر السياق القرآني تعد كثيرة وتنبع من طبيعة السياق ا لدلالية وأبرزها: (أ) توجيه المتشابه اللفظي، (ب) التنوع الدلالي، (ج) الترجيح الدلالي، (د) تخصيص العام، (هـ) دفع التكرار المعنوي. واستنادا إلى ما سبق يتضح أن للسياق دورا مهما من الناحية التطبيقية على التفسير، فمن خلاله يبرز دور معاني الألفاظ في إيصال الغاية المنشودة من الخطاب القرآني. 1 – السيوطي،المزهر في علوم اللغة وأنواعها، شرح وضبط وتعليق محمد جاد المولى ومحمد أبو الفضل وعلي البجاوي، المكتبة العصرية، بيروت، 1906، ج1، ص469. 2 – ابن القيم، بدائع الفوائد، ج2، دار الكتاب العربي، بيروت، د. ت.، ص 9.

عدد الصفحات ٢٩

21 الفصل الثاني دلالات الإيتاء في القرآن الكريم  المبحث الأول: مفهوم الإيتاء o المطلب الأول: المدلول اللغوي للفظة الإيتاء o المطلب الثاني: المدلول الاصطلاحي للفظة الإيتاء o المطلب الثالث: المقارنة بين الإيتاء والألفاظ القريبة  المبحث الثاني: الإيتاء في السياق القرآني o المطلب الأول: السياقات ذات العلاقة بالتنزيل والأمور السماوية o المطلب الثاني: السياقات ذات العلاقة بالأمور المادية والدنيويّة o المطلب الثالث: السياقات ذات العلاقة بالأمور المعنوية o المطلب الرابع: السياقات ذات العلاقة بالأحكام الشرعية والمعاملات

عدد الصفحات ٣٠

22 الفصل الثاني دلالات الإيتاء في القرآن الكريم تمهيد: امتاز القرآن الكريم بجمال أسلوبه وقوة حجته وبلاغة كلامه. ومن هنا حرصت هذه الدراسة على تناول لفظة الإيتاء حرصا منها على بيان روعة القرآن ال كريم وتفرده في استخدام ألفاظ محددة من دون غيرها وتوظيفها في السياقات المختلفة. ولا شك أن اهتمام القرآن الكريم بهذه الألفاظ أسهم في حفظ اللغة العربية ورفع مستوى العلم البشري تكريما للإنسان وحفظا له من الزيغ والضلال. وتحمل لفظة الإيتاء، كغيرها من ألفاظ القرآن الكريم، في طياتها دلالات وإيحاءات تختلف عن غيرها من الألفاظ القريبة. ولذلك كان هدفا لهذه الدراسة أن تحاول التوسع في دراسة هذه اللفظة للوقوف على معانيها ودلالاتها المختلفة. وللوقوف على دلالات لفظة معينة في القرآن الكريم فإنه لا بد من الإحاطة بمفهومها اللغوي والاصطلاحي. وعلى الرغم من أن المصطلحات تمثل مفاتيح العلوم إلا أن الأصوليين يؤكدون على أن الألفاظ المفردة لا يمكن الإفادة من معانيها المفردة وما تدل عليه، وإنما يستفاد من المعاني المركبة لتلك الألفاظ نظرا لوجودها في جمل تكون هذه الألفاظ من عناصرها(1). ويؤكد الشاطبي على هذا النهج بقوله: "الاعتناء بالمعاني المبثوثة في الخطاب هو المقصود الأعظم" (2) . ومن هنا انصب التركيز في هذه الدراسة على دراسة لفظة الإيتاء ضمن السياقات القرآنية المختلفة للوقوف على دقيق معانيها ودلالاتها. 1 – د. محمود سعد، دلالة الألفاظ على المعاني عند الأصوليين: دراسة منهجية تحليلية، ط1 مكتبة وهبة، القاهرة،2009 ص44. 2 – الشاطبي، الموافقات، ج2 /ص44.

عدد الصفحات ٣١

23 المبحث الأول: مفهوم الإيتاء المطلب الأول: المدلول اللغوي للفظة الإيتاء يعد المدلول اللغوي للألفاظ المرتكز الأساس لتحديد وتوضيح المعنى الاصطلاحي، لذا يتعيّن على أي باحث في ألفاظ القرآن الكريم أن يبيّن المعنى اللغوي للفظة المبحوثة ومن ثم عطف المعنى الاصطلاحي عليه . تعود لفظة الإيتاء إلى الفعل الثلاثي المجرد ((أتى)) ومنها يشتق المصدر الثلاثي ((أتى)) وما يرتبط به من مشتقات عديدة كالإتيان ويأتي ومأتي، والمصدر الرباعي ((آتى)) وما يرتبط به من مشتقات عديدة مثل يؤتي، وإيتاء، وأَت وٌ . وسيركز هذا البحث بصورة رئيسة على لفظة الإيتاء ومشتقاتها مع الإشارة إلى علاقتها بالألفاظ المقاربة لها. وفيما يلي عرض لمعنى الإيتاء ومشتقاتها لغة كما وردت في معاجم اللغة. 1 .لسان العرب لابن منظور: وردت لفظة ((آتى)) إليه الشيء بمعنى ساقه. و((الإيتاء)) الإعطاء، ويقال ((آتيته)) الشيء بمعنى أعطيته إياه. ويقال رجل ((ميتاء)) بمعنى م جازٍ معطاء . ويقال ((آتي نا)) بمعنى أعطي نا أو جازَي نا(1). و((آتاه)) بمعنى أتى به، ومنه قوله تعالى آتِنا غداءَنا أي ائ تِنا به. ويقال ((آتاه)) بمعنى جازاه، و((آتاه)) على الأمر بمعنى طاوعه. وتطلق ((المؤاتاة)) على ح سن الم طاوعة(2). 2 .مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني: الإيتاء هو الإعطاء وخص دفع الصدقة في القرآن بالإيتاء(3) كما في قوله تعالى: وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة(4). 1 – ابن منظور، جمال الدين، لسان العرب، دار إحياء التراث العربي، ط1، بيروت،1900، ج10، ص 61. 2 – ابن منظور، لسان العرب، ج10، مرجع سابق، ص61. 4 – الراغب اصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، ط1، تحقيق صفوان داوودي، دار القلم، دمشق،1992،ص 61. 2 – سورة البقرة [211.]

عدد الصفحات ٣٢

24 وكل موضع ذ كر في وصف الكتاب((آتينا)) فهو أبلغ من كل موضع ذكر فيه ((أوتوا))؛ لأنَّ ((أوتوا)) قد يقال إذا أوتي من لم يكن منه قبول، و((آتيناهم)) يقال فيمن كان منه قبول. وقوله تعالى: آتوني زبر الحديد(1) أي جيئوني(2). 4 .الكليات للكفوي: ورد في الكليات أن ((الإيتاء)) أقوى من الإعطاء إذ لا مطاوع له حيث يقال آتاني فأخذته مع الإشارة إلى أن لفظة ((الإيتاء)) جاءت في أكثر مواضع القرآن فيما له ثبات وقرار، كالحكمة والسبع المثاني، والم لك الذي لا ي ؤتى إلا لذي قوة(3). 2 .من أسرار اللغة للطناحي يجيء الإيتاء بمعنى الإعطاء، فقد قال الله تعالى والذين اهتدوا زادهم هدى وءاتاهم تقواهم(4) أي أعطاهم جزاء اتقائهم(5) . 1 .القاموس المحيط للفيروزآبادي: آتى إليه الشيء أي ساقه إليه. وآتى فلانا شيئا أي أعطاه إياه، وآتى فلانا أي جازاه(6). 6 .معجم مقاييس اللغة لابن فارس آتيت فلانا على أمره مآتاة بمعنى حسن المطاوعة. والإيتاء هو الإعطاء، فتقول آتى يؤتي إيتاء. وتقول هاتِ بمعنى آتِ . ويقال نخل ذو إتاء أي نماء، والإتاء هو نماء الزرع والنخل(7). 4 – سورة الكهف [96.] 2 – الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، مرجع سابق،ص 61. 1 – أبو البقاء الكفوي، الكليات، مرجع سابق، ص 212. 6 – سورة محمد[11.] 1 – د. محمود الطناحي، من أسرار اللغة في الكتاب والسنة، ط، دار الفتح للدراسات والنشر، عمان، 2000، ج1 /ص69. 0 – الفيروزآبادي، القاموس المحيط، ط4، تحقيق مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1994،ص 1622. 1 – ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، مرجع سابق، ج1،ص 11- 12.

عدد الصفحات ٣٣

25 1 .تهذيب اللغة لأبي منصور الأزهري إتاء النخلة ريعها وزكاؤها وكثرة ثمارها، وكذلك إتاء الزرع ريعه. ويقال أتَت النخلة وآتت إيتاء وإتاءة(1). 0 .تاج العروس للزبيدي الأتو هو العطاء . وأتَتِ النخلة والشجرة أَتوا وإتاء بمعنى طلع ثمرها أو بدا صلاحها أو كثر حملها. والإتاء ما يخرج من آكال الشجر. والإتاء كذلك النماء ومنها إتاء الزرع هو ريعه. وآتى إليه الشيء إيتاء بمعنى ساقه وجعله يأتي إليه. وآتى فلانا شيئا إيتاء بمعنى أعطاه إياه، ومنه قوله تعالى: وأوتيت من كل شيء(2) .وآتاهبمعنى أتى به ومنه قوله تعالى: آتنا غداءنا(3) أي ائتنا به. وآتى يستعمل في الإعطاء وفي الإتيان بالشيء، وفي الكشاف اشتهر الإيتاء في معنى الإعطاء وأصله الإحضار .وخص الإ يتاء بالقرآن بدفع الصدقة دون الإعطاء كقوله تعالى : ويؤتون الزكاة(4) .ويقال أتَّى الله لفلان أمره تأتِيَة بمعنى هيَّأه(5). 9 .قاموس الهادي إلى لغة العرب للكرمي آتى الرجل فلانا الشيء بمعنى أعطاه إياه، ومنها ي ؤَاتي إيتاء ومؤاتاة . ويقال ائتوني برجل مثله في الشجاعة. ويقال في الأمر: آتنا حقنا من الميراث. وآتى إليه الشيء بمعنى ساقه. وآتاه على الأمر م ؤاتاة أي وافقه، فهو م ؤاتٍ وذلك م ؤاتى. وآتى الرجل الزكاة بمعنى أداها(6). ومن خلال استعراض مختلف المعاني والسياقات التي أورد تها معاجم اللغة المخت لفة في لفظة الإيتاء ومشتقاتها يمكن الخروج بتصور عام لمعنى لفظة الإيتاء مفاده أنها تتضمن إعطاء الشيء وتيسير السبل لإيصاله مع تَهَيُّؤ واستعداد من يتلقاه. 1 – أبو منصور الأزهري، تهذيب اللغة، ط 1، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 2001، ج12،ص 212. 2 – سورة النمل [24.] 4 – سورة الكهف [62.] 2 – سورة المائدة [11.] 1 – السيد محمد مرتضى الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 2001، ج41،ص 14- 20. 6 – حسين الكرمي، الهادي إلى لغة العرب، ط1، دار لبنان للطباعة والنشر، بيروت، 1992،ج1 ،ص49.

عدد الصفحات ٣٤

26 المطلب الثاني: المدلول الاصطلاحي للفظة الإيتاء يستمد المدلول الاصطلاحي لأي لفظة من حقول العلم المتخصصة، وفي دراستنا هذه سيتم التعرض للمدلول الاصطلاحي للفظة الإيتاء من خلال تتبع ورودها في كتب التفسير القديمة والحديثة وكذلك من خلال البحث في معاجم ألفاظ القرآن الكريم المختلفة لبيان ما إذا كان لهذه اللفظة استعمال مطرد أم أن لها معاني ودلالات مختلفة تختلف باختلاف السياق. 1 .الكشاف للزمخشري اشتهر ورود لفظة الإيتاء في الكشاف للزمخشري بمعنى الإعطاء وأصله الإحضار(1). وفسر الزمخشري لفظة ((آتوني)) في قوله تعالى: آتوني أفرغ عليه قطرا(2) بمعنى جيئوني(3). أما قوله تعالى: يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمةفقد أوتي خيرا كثيرا(4) فقد فسر((يؤتي الحكمة)) بمعنى يوفق للعلم والعمل، أما ((ومن يؤت الحكمة)) فتعني ومن يؤتِه الله الحكمة(5)، وهنا يظهر أن التفسير استخدم اللفظة نفسها في تفسير هذه الآية. 2 .التحرير والتنوير لابن عاشور: أورد أبن عاشور في تفسيره للفظة ((ي ؤتي)) كما في قوله تعالى: وتَِِ خَيۡ ُ ِكۡمَةَ فَقَدۡ أ ِكۡمَةَ مَن يَشَآءُۡۚ وَمَن يُؤۡتَ ٱلۡۡ يُؤۡتِِ ٱلۡۡ لۡبََٰبِ وْلُواْ ٱلَۡۡ ُ ا كَثِي اۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلََّٓ أ (6) قرَن ابن عاشور في تفسيره لهذه الآية معنى الإيتاء بالعطاء وذلك بقوله "الحكمة كلها عطاء من الله تعالى، وان الله يعطيها لمن يشاء"(7) .كما بيّنأن إيتاء الحكمة يرتبط بمشيئة الله تعالى، 1 – أبو القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري ، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1991 ج2 /ص194. 2 – سورة الكهف [96.] 4 –الزمخشري، الكشاف، ج 4 /ص616. 2 – سورة البقرة [269.] 1 –الزمخشري، الكشاف، ج 1 /ص100. 6 – سورة البقرة [269.] 1 – ابن عاشور، محمد الطاهر، تفسير التحرير والتنوير، دار سحنون للنشر والتوزيع، تونس، د. ت.، ج 4، ص61.

عدد الصفحات ٣٥