المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

المختصر القيم لثرات ابن القيم 01

ابن قيم الجوزية

صفحة ٩ من ٧٥

حد تبدٌلها ولا تؽٌٌرها، ولا النظر فٌما خالفها. من اقتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن خالفها واتبع ؼٌر سبٌل المإمنٌن ولاه الله ما تولى وأصلبه جهنم وساءت مصٌراً ." وقال مالك: بلؽنى أن عمر بن الخطاب كان ٌقول: "سُن ت لكم السنن، وفرضت لكم الفرابض، وتُركتم على الواضحة، إلا أن تمٌلوا بالناس ٌمٌنا وشمالاً ."

عدد الصفحات ٨٧

88 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وقال صلى الله تعالى علٌه وسلم: " ٌَحْمِلُ هذا العِلُمَ مِنْ كُل خَلَؾ عُدُولُهُ، ٌَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرٌِؾَ الْؽَالٌِنَ، وَانْتِحَالِ المُبْطِلٌِنَ، وَتَؤْوٌِلَ الْجَاهِلٌِنَ ." فؤخبر أن الؽالبٌن ٌحرفون ما جاء به. والمبطلون ٌنتحلون بباطلهم ؼٌر ما كان علٌه. والجاهلون ٌتؤولونه على ؼٌر تؤوٌله. وفساد الإسلبم من هإلاء الطوابؾ الثلبثة. فلولا أن الله تعالى ٌقٌم لدٌنه من ٌنفى عنه ذلك لجرى علٌه ما جرى على أدٌان الأنبٌاء قبله من هإلاء. 1/159) ________________________________________ فصل ومن ذلك الوسوسة فى مخارج الحروؾ والتنطع فٌها. ونحن نذكر ما ذكره العلماء بؤلفاظهم: قال أبو الفرج بن الجوزى: "قد لبس إبلٌس على بعض المصلٌن فى مخارج الحروؾ، فتراه ٌقول: الحمد، الحمد. فٌخرج بإعادة الكلمة عن قانون أدب الصلبة. وتارة ٌلبس علٌه فى تحقٌق التشدٌد فى إخراج ضاد "المؽضوب" قال: "ولقد رأٌت من ٌخرج بصاقه مع إخراج الضاد لقوة تشدٌده. والمراد تحقٌق الحرؾ حسب. وإبلٌس ٌخرج هإلاء بالزٌادة عن حد التحقٌق، وٌشؽلهم بالمبالؽة فى الحروؾ عن فهم التلبوة. وكل هذه الوساوس من إبلٌس." وقال محمد بن قتٌبة فى مشكل القرآن: "وقد كان الناس ٌقرإون القرآن بلؽاتهم، ثم خلؾ من بعدهم قوم من أهل الأمصار وأبناء العجم لٌس لهم طبع اللؽة، ولا علم التكلؾ، فهفوا فى كثٌر من الحروؾ. وذلوا فؤخلواً . ومنهم رجل ستر الله علٌه عند العوام بالصلبح، وقربه من القلوب بالدٌن. فلم أر فٌمن تتبعت فى وجوه قراءته أكثر تخلٌطاً ولا أشد اضطراباً منه، لأنه ٌستعمل فى الحروؾ ما ٌدعه فى نظٌره، ثم ٌإصل أصلب وٌخالؾ إلى ؼٌره بؽٌر علة، وٌختار فى كثٌر من الحروؾ ما لا مخرج له إلا على طلب الحٌلة الضعٌفة. هذا إلى نبذه فى قراءته مذاهب العرب وأهل الحجاز، بإفراطه فى المد والهمز والإشباع، وإفحاشه فى الإضجاع والإدؼام، وحمله المتعلمٌن على المذهب الصعب، وتعسٌره على الأمة ما ٌسره الله تعالى، وتضٌٌقه ما فسحه الله. ومن العجب أنه ٌقرئ الناس بهذه المذاهب، وٌكره الصلبة بها. ففى أى موضع ٌستعمل هذه القراءة، إن كانت الصلبة لا تجوز بها؟، وكان ابن عٌٌنة ٌرى لمن قرأ فى صلبته بحرفه، أو ابتم بإمام ٌقرأ بقراءته أن ٌعٌد، ووافقه على ذلك كثٌر من خٌار المسلمٌن. منهم بشر بن الحارث، والإمام أحمد بن حنبل، وقد شؽؾ بقراءته عوام الناس وسوقتهم. ولٌس ذلك إلا لما ٌرونه من مشقتها وصعوبتها، وطول اختلبؾ المتعلم إلى المقرئ فٌها. فإذا رأوه قد اختلؾ فى أم الكتاب عشرا. وفى مابة آٌة شهراً، وفى السبع الطوال حولا. ورأوه 1/160) ________________________________________ عند قراءته مابل الشدقٌن، دار الورٌدٌن، راشح الجبٌن، توهموا أن ذلك لفضله فى القراءة وحذقه بها، ولٌس هكذا كانت قراءة رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم، ولا خٌار السلؾ ولا التابعٌن، ولا القراء العالمٌن، بل كانت سهلة رسلة." وقال الخلبل فى الجامع: عن أبى عبد الله، إنه قال: "لا أحب قراءة فلبن"، ٌعنى هذا الذى أشار إلٌه ابن قتٌبة، وكرهها كراهٌة شدٌدة، وجعل ٌعجب من قراءته، وقال: "لا تعجبنى. فإن كان رجل ٌقبل منك فانهه." وحكى عن ابن المبارك عن الربٌع بن أنس: أنه نهاه عنها. وقال الفضل بن زٌاد: "إن رجلبً قال لأبى عبد الله: فما أترك من قراءته؟ قال: الإدؼام، والكسر. لٌس ٌعرؾ فى لؽة من لؽات العرب." وسؤله عبد الله ابنه عنها فقال: "أكره الكسر الشدٌد والإضجاع." وقال فى موضع آخر: "إن لم ٌدؼم ولم ٌضجع ذلك الإضجاع فلب بؤس به."

عدد الصفحات ٨٨

89 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وسؤله الحسن بن محمد بن الحارث: "أتكره أن ٌتعلم الرجل تلك القراءة؟ "، قال: "أكرهه أشد كراهة، إنما هى قراءة محدثة". وكرهها شدٌداً حتى ؼضب. وروى عنه ابن سنٌد أنه سبل عنها فقال: "أكرهها أشد الكراهة"، قٌل له: ما تكره منها؟ قال: "هى قراءة محدثة، ما قرأ بها أحد." وروى جعفر بن محمد عنه أنه سبل عنها فكرهها. وقال: "كرهها ابن إدرٌس"، وأراه قال: وعبد الرحمن بن مهدى. وقال: "ما أدرى، إٌش هذه القراءة؟ " ثم قال: "وقراءتهم لٌست تشبه كلبم العرب." وقال عبد الرحمن بن مهدى "لو صلٌت خلؾ من ٌقرأ بها لأعدت الصلبة." 1/161) ________________________________________ ونص أحمد رحمه الله على أنه ٌعٌد. وعنه رواٌة أخرى: "أنه لا ٌعٌد." والمقصود. أن الأبمة كرهوا التنطع والؽلو فى النطق بالحرؾ. ومن تؤمل هدى رسول الله صلى الله تعالى وآله وسلم، وإقراره أهل كل لسان على قراءتهم تبٌن له أن التنطع والتشدق والوسوسة فى إخراج الحروؾ لٌس من سنته. فصل فى الجواب عما احتج به أهل الوسواس أما قولهم: إن ما نفعله احتٌاط لا وسواساً . قلنا: سموه ما شبتم، فنحن نسؤلكم: هل هو موافق لفعل رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم وأمره، وما كان علٌه أصحابه، أو مخالؾ؟ فإن زعمتم أنه موافق، فبهت وكذب صرٌح. فإذن لا بد من الإقرار بعدم موافقته وأنه مخالؾ له، فلب ٌنفعكم تسمٌة ذلك احتٌاطاً . وهذا نظٌر من ارتكب محظوراً وسماه بؽٌر اسمه، كما ٌسمى الخمر بؽٌر اسمها، والربا معاملة، والتحلٌل الذى لعن رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم فاعله: نكاحاً، ونقر الصلبة الذى أخبر رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم أن فاعله لم ٌصل، وأنه لا تجزٌه صلبته ولا ٌقبلها الله تعالى منه: تخفٌفاً . فهكذا تسمٌة الؽلو فى الدٌن والتنطع: احتٌاطاً . وٌنبؽى أن ٌعلم أن الاحتٌاط الذى ٌنفع صاحبه وٌثٌبه الله علٌه الاحتٌاط فى موافقة السنة، وترك مخالفتها. فالاحتٌاط كل الاحتٌاط فى ذلك، وإلا فما احتاط لنفسه من خرج عن السنة، بل ترك حقٌقة الاحتٌاط فى ذلك. وكذلك المتسرعون إلى وقوع الطلبق فى موارد النزاع الذى اختلؾ فٌه الأبمة، كطلبق 1/162) ________________________________________ لمكره، وطلبق السكران، والبتة، وجمع الثلبث، والطلبق بمجرد النٌة، والطلبق المإجل المعلوم مجا أجله، والٌمٌن بالطلبق، وؼٌر ذلك مما تنازع فٌه العلماء إذا أوقعه المفتى تقلٌدا بؽٌر برهان، وقال: ذلك احتٌاط للفروج. فقد ترك معنى الاحتٌاط. فإنه ٌحرم الفرج على هذا، وٌبٌحه لؽٌره. فؤٌن الاحتٌاط هاهنا؟ بل لو أبقاه على حاله حتى تجمع الأمة على تحرٌمه وإخراجه عمن هو حلبل له، أو ٌؤتى برهان من الله ورسوله على ذلك، لكان قد عمل بالاحتٌاط. ونص على مثل ذلك الإمام أحمد فى طلبق السكران. فقال فى رواٌة أبى طالب: "والذى لا ٌؤمر بالطلبق فإنما أتى خصلة واحدة. والذى ٌؤمر بالطلبق فقد أتى خصلتٌن: حرمها الله علٌه وأحلها لؽٌره". فهذا خٌر من هذا، فلب ٌمكن الاحتٌاط فى وقوع الطلبق إلا حٌث أجمعت الأمة. أو كان هناك نص عن الله ورسوله ٌجب المصٌر إلٌه. قال شٌخنا: "والاحتٌاط حسن، ما لم ٌفض بصاحبه إلى مخالفة السنة. فإذا أفضى إلى ذلك فالاحتٌاط ترك هذا الاحتٌاط"، وبهذا خرج الجواب عن احتجاجهم بقوله صلى الله علٌه وسلم: "مَنْ تَرَكَ الش بُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَ أَ لِدٌِنِه وَعِرْضِهِ " وقوله: "دَعْ مَا ٌَرٌِبُكَ إِلَى مَا لاَ ٌَرٌِبُكَ " وقوله: "الإِثمُ مَا حَاكَ فى الص دْرِ ."

عدد الصفحات ٨٩

90 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي فهذا كله من أقوى الحجج على بطلبن الوسواس. فإن الشبهات ما ٌشتبه فٌه الحق بالباطل، والحلبل بالحرام، على وجه لا ٌكون فٌه دلٌل على أحد الجانبٌن، أو تتعارض الأمارتان عنده، فلب ٌترجح فى ظنه احداها، فٌشتبه علٌه هذا بهذا، فؤرشده النبى صلى الله تعالى علٌه وسلم إلى ترك المشتبه والعدول إلى الواضح الجلى. ومعلوم أن ؼاٌة الوسواس أن ٌشتبه على صاحبه: هل هو طاعة وقربة، أم معصٌة وبدعة؟ هذا أحسن أحواله، والواضح الجلى هو اتباع طرٌق رسول الله صلى الله تعالى علٌه وسلم، وما سنه للؤمة قولا وعملب. فمن أراد ترك الشبهات عدل عن ذلك المشتبه إلى هذا الواضح. فكٌؾ ولا شبهة بحمد الله هناك؟ إذ قد بٌنت بالسنة أنه تنطع وؼلو، فالمصٌر إلٌه ترك للسنة، وأخذ بالبدعة، وترك لما ٌحبه الله تعالى وٌرضاه، وأخذ بما ٌكرهه وٌبؽضه، ولا ٌتقرب به إلٌه البتة، فإنه لا ٌتقرب إلٌه إلا بما شرع، لا بما ٌهواه العبد وٌفعله من تلقاء 1/163) ________________________________________ نفسه. فهذا هو الذى ٌحٌك فى الصدر وٌتردد فى القلب، وهو حوازّ القلوب. وأما التمرة التى ترك رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم أكلها، وقال: "أَخْشَى أنْ تَكُونَ مِنَ الص دَقَةِ ." فذلك من باب اتقاء الشبهات، وترك ما اشتبه فٌه الحلبل بالحرام، فإن التمرة كانت قد وجدها فى بٌته، وكان ٌإتى بتمر الصدقة، ٌقسمه على من تحل له الصدقة، وٌدخل بٌته تمر ٌقتات منه أهله، فكان فى بٌته النوعان، فلما وجد تلك التمرة لم ٌدر علٌه الصلبة والسلبم، من أى النوعٌن هى؟ فؤمسك عن أكلها. فهذا الحدٌث أصل فى الورع واتقاء الشبهات، فما لأهل الوسواس وما له؟. وأما قولكم: إن مالكا أفتى فٌمن طلق ولم ٌدر: أواحدة طلق أم ثلبثا: إنها ثلبث احتٌاطاً، فنعم، هذا قول مالك، فكان ماذا؟ أفحجة هو على الشافعى، وأبى حنٌفة وأحمد، وعلى كل من خالفه فى هذه المسؤلة؟ حتى ٌجب علٌهم أن ٌتركوا قولهم لقوله، وهذا القول مما ٌحتج له، لا مما ٌحتج به، على أن هذا لٌس من باب الوسواس فى شىء وإنما حجة هذا القول: أن الطلبق ٌوجب تحرٌم الزوجة. والرجعة ترفع ذلك التحرٌم، فهو ٌقول: قد تٌقن سبب التحرٌم، وهو الطلبق، وشك فى رفعه بالرجعة، فإنه ٌحتمل أن ٌكون رجعٌا فترفعه الرجعة، وٌحتمل أن ٌكون ثلبثاً، فلب ترفعه الرجعة فقد تٌقن سبب التحرٌم، وشك فٌما ٌرفعه. والجمهور ٌقولون: النكاح متٌقن. والقاطع له المزٌل لحل الفرج مشكوك فٌه، فإنه ٌحتمل أن ٌكون المؤتى به رجعٌاً فلب ٌزٌل النكاح. وٌحتمل أن ٌكون بابنا فٌزٌله، فقد تٌقنا ٌقٌن النكاح، وشككنا فٌما ٌزٌله. فالأصل بقاء النكاح حتى ٌتٌقن ما ٌرفعه. فإن قلتم: فقد تٌقن التحرٌم وشك فى التحلٌل، قلنا: الرجعٌة لٌست بحرام عندكم ولهذا تجوزون وطؤها، وٌكون رجعة، إذا نوى به الرجعة. فإن قلتم: بل هى حرام، والرجعة حصلت بالنٌة حال الوطء. قلنا: لا ٌنفعكم ذلك أٌضاً . 1/164) ________________________________________ فإنه إنما تٌقن تحرٌماً ٌزول بالرجعة، ولم ٌتٌقن تحرٌماً لا تإثر فٌه الرجعة. ولٌس المقصود تقرٌر هذه المسؤلة. والمقصود أنه لا راحة فى ذلك لأهل الوسواس. فصل وأما من حلؾ بالطلبق: أن فى هذه اللوزة حبتٌن، ونحو ذلك، مما لا ٌتٌقنه الحالؾ، فبان كما حلؾ علٌه. فهذا لا ٌحنث عند الأكثرٌن. وكذلك لو لم ٌتبٌن الحال استمر مجهولا. فإن النكاح ثابت بٌقٌن، فلب ٌزٌله بالشك. ولمالك رحمه الله أصل نازعه فٌه ؼٌره. وهو إٌقاع الطلبق بالشك فى الحنث، وإٌقاعه بالشك فى عدده كما تقدم. وإٌقاعه بالشك فى المطلقة. كما لو طلق واحدة من نسابه ثم أنسٌها، ووقؾ الحال مدة الإٌلبء ولم ٌتبٌن، طلق علٌه الجمٌع.

عدد الصفحات ٩٠

91 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وكما لو حلؾ أن هذا فلبن أو حٌوان، وهو ؼٌر متٌقن له، بل هو شاك حال الحلؾ، فتبٌن أن الأمر كما حلؾ علٌه. فإنه ٌحنث عنده، وتطلق امرأته. فمن حلؾ على رجل أنه زٌد فتبٌن أنه ؼٌره، أو لم ٌتبٌن: أهو المحلوؾ علٌه أم لا، حنث عنده. وإن تبٌن أنه المحلوؾ علٌه- وكان حال الٌمٌن لا ٌعلم حقٌقته، ولا ٌؽلب على ظنه. ولا طرٌق له إلى العلم به فى العادة- فإنه ٌحنث عنده لشكه حال الحلؾ. فالحالؾ ٌحنث بالمخالفة لما حلؾ علٌه. أما فى الطلب فبؤن ٌفعل ما حلؾ على تركه، وأما فى الخبر فبؤن ٌتبٌن كذبه. وعند مالك ٌحنث بؤمر آخر، وهو الشك حال الٌمٌن، سواء تبٌن صدقة أم لا. وأبلػ من هذا: أنه ٌحنث من حلؾ بالطلبق على إنسان إلى جانبه إنسان أو حجر: أنه حجر، ونحو ذلك مما لا شك فٌه. وعمدته فى الموضعٌن: أن الحالؾ هازل. فإن من قال: أنت طالق إذ لم تكونى امرأة، أو إن لم أكن رجلبً، لا معنى لكلبمه إلا الهزل، فإن هذا مما لا ؼرض للعقلبء فٌه. قالوا: وإن لم ٌكن هذا هزلا فإن الهزل لا حقٌقة له. 1/165) ________________________________________ وربما عللوا الحنث بؤنه أراد أن ٌجزم الطلبق، ثم ندم، فوصله بما لا ٌفٌد لٌرفعه. وأما فى القسم الأول: فؤصله فٌه: تؽلٌب الحنث بالشك، كمن حلؾ ثم شك: هل حنث أم لا، فإنهم ٌؤمرونه بفراق زوجته، وهل هو للوجوب أم للبستحباب؟ على قولٌن، الأول: لابن القاسم، والثانى: لمالك. فمالك ٌراعى بقاء النكاح، وقد شككنا فى زواله، والأصل البقاء. وابن القاسم ٌقول: قد صار حل الوطء مشكوكاً فٌه، فٌجب علٌه مفارقتها. والأكثرون ٌقولون: لا ٌجب علٌه مفارقتها، ولا ٌستحب له، فإن قاعدة الشرٌعة: أن الشك لا ٌقوى على إزالة الأصل المعلوم، ولا ٌزول الٌقٌن إلا بٌقٌن أقوى منه، أو مساو له. فصل وأما من طلق واحدة من نسابه ثم أنسٌها، أو طلق واحدة مبهمة ولم ٌعٌنها، فقد اختلؾ الفقهاء فى حكم هذه المسؤلة على أقوال: فقال أبو حنٌفة، والشافعى، والثورى، وحماد: ٌختار أٌتهن شاء، فٌوقع علٌها الطلبق فى المبهمة. وأما فى المنسٌة. وأما فى المنسٌة فٌمسك عنهن وٌنفق علٌهن، حتى ٌنكشؾ الأمر. فإن مات الزوج قبل أن ٌقرع، فقال أبو حنٌفة: ٌقسم بٌنهن كلهن مٌراث امرأة. وقال الشافعى: "ٌوقؾ مٌراث امرأة حتى ٌصطلحن." وقالت المالكٌة: إذا طلق واحدة منهن ؼٌر معلومة عنده، بؤن قال: أنت طالق، ولا ٌدرى من هى. طلق الجمٌع. وإن طلق واحدة معلومة ثم أنسٌها، وقؾ عنهن حتى ٌتذكر. فإن طال ذلك ضرب له مدة المولى. فإن تذكر فٌها وإلا طلق علٌه الجمٌع ولو قال: إحداكن طالق، ولم ٌعٌنها بالنٌة طلق الجمٌع. وقال أحمد: "ٌقرع بٌنهن فى الصورتٌن"، نص على ذلك فى رواٌة جماعة من أصحابه، وحكاه عن على وابن عباس. وظاهر المذهب الذى علٌه جل الأصحاب: أنه لا فرق بٌن المبهمة والمنسٌة. 1/166) ________________________________________ وقال صاحب المؽنى: "ٌخرج المبهمة بالقرعة، وأما المنسٌة فإنه ٌحرم علٌه الجمٌع. حتى ٌتٌقن المطلقة، وٌإخذ بنفقة الجمٌع، فإن مات أقرع بٌنهن للمٌراث"، قال: وقد روى إسماعٌل بن سعٌد عن أحمد ما ٌدل على أن القرعة لا تستعمل فى المنسٌة لمعرفة الحل، وإنما تستعمل لمعرفة المٌراث. فإنه قال: "سؤلت أحمد عن الرجل ٌطلق امرأة من نسابه ولا ٌعلم أٌتهن طلق". قال: "أكره أن أقول فى الطلبق بالقرعة". قلت: "أرأٌت إن مات هذا؟ "، قال: "أقول بالقرعة وذلك لأنه تصٌر القرعة على المال". قال: "وجماعة من روى عنه القرعة فى المطلقة المنسٌة إنما هو فى التورٌث. وأما فى الحل فلب ٌنبؽى أم تثبت القرعة". قال: "وهذا قول أكثر أهل العلم."

عدد الصفحات ٩١

92 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي واحتج الشٌخ لصحة قوله: بؤنه اشتبهت علٌه زوجته بؤجنبٌة، فلم تحل له إحداهما بالقرعة، كما لو اشتبهت علٌه بؤجنبٌة لم ٌكن له علٌها عقد، ولأن القرعة لا تزٌل التحرٌم من المطلقة، فلب ٌرفع الطلبق عمن وقع علٌها، ولاحتمال كون المطلقة ؼٌر من خرجت علٌها القرعة. ولهذا لو ذكر أن المطلقة ؼٌرها حرمت علٌه. ولو ارتفع التحرٌم أو زال بالطلبق لما عاد بالذكر. فٌجب بقاء التحرٌم بعد القرعة، كما كان قبلها. قال: "وقد قال الخرقى فٌمن طلق امرأته فلم ٌدر، واحدة طلق أم ثلبثاً، ومن حلؾ بالطلبق لا ٌؤكل تمرة، فوقعت فى تمر، فؤكل منه واحدة: لا تحل له امرأته حتى ٌعلم أنها لٌست التى وقعت الٌمٌن علٌها. فحرمها، مع أن الأصل بقاء النكاح، ولم ٌعارضه ٌقٌن التحرٌم، فهاهنا أولى." قال: "وهكذا الحكم فى كل موضع وقع الطلبق على امرأة بعٌنها، ثم اشتبهت بؽٌرها. مثل أن ٌرى امرأة فى روزنة، أو مولٌة، فٌقول: أنت طالق، ولا ٌعلم عٌنها من نسابه. وكذلك إذا أوقع الطلبق على واحدة من نسابه فى مسؤلة الطابر وشبهها، فإنه ٌحرم علٌه جمٌع نسابه حتى تتبٌن المطلقة. وٌإخذ بنفقة الجمٌع، لأنهن محبوسات علٌه، وإن أقرع بٌنهن لم تفد القرعة شٌبا. ولا ٌحل لمن وقعت علٌها القرعة التزوٌج، لأنها ٌجوز أن تكون ؼٌر المطلقة. ولا ٌحل للزوج ؼٌرها لاحتمال أن تكون المطلقة." وقال أصحابنا: إذا أقرع بٌنهن فخرجت القرعة على إحداهن: ثبت حكم الطلبق فٌها 1/167) ________________________________________ فحل لها النكاح بعد انقضاء عدتها. وحل للزوج مَنْ سواها. كما لو كان الطلبق فى واحدة ؼٌر معٌنة. وقال شٌخنا: الصحٌح استعمال القرعة فى الصورتٌن. قلت: وهو منصوص أحمد فى رواٌة الجماعة. وأما رواٌة الشالنجى فإنه توقؾ، وكره أن ٌقول فى الطلبق بالقرعة، ولم ٌعٌن المنسٌة، ولا المبهمة، وأكثر نصوصه على القرعة فى الصورتٌن. قال فى رواٌة المٌمونى، فٌمن له أربع نسوة طلق واحدة منهن، ولم ٌدر: "ٌقرع بٌنهن، وكذلك فى الأعبد. فإن أقرع بٌنهن، فوقعت القرعة على واحدة، ثم ذكر التى طلق رجعت هذه التى وقعت علٌها القرعة. وٌقع الطلبق على التى ذكر. فإن تزوجت فذاك شىء قد مر." وكذلك نقل أبو الحارث عنه فى رجل له أربع نسوة طلق إحداهن، ولم ٌكن له نٌة فى واحدة بعٌنها: "ٌقرع بٌنهن فؤٌتهن أصابتها القرعة فهى المطلقة، وكذلك إن قصد إلى واحدة بعٌنها ونسٌها." فنص على القرعة فى الصورتٌن، مسوٌاً بٌنهما. والذى أفتى به على رضى الله عنه هو فى المنسٌة. وبه احتج أحمد رحمه الله. قال وكٌع: سمعت عبد الله قال: "سؤلت أبا جعفر عن رجل كان له أربع نسوة وطلق إحداهن، لا ٌدرى أٌتهن طلق"، فقال: قال على رضى الله عنه: "ٌقرع بٌنهن." والأدلة الدالة على القرعة تتناول الصورتٌن، والمنسٌة قد صارت كالمجهولة شرعاً فلب فرق بٌنها وبٌن المبهمة المجهولة، ولأن فى الإٌقاؾ والإمساك حتى ٌتذكر، وتحرٌم الجمٌع علٌه، وإٌجاب النفقة على الجمٌع عدة مفاسد له وللزوجات مندفعة شرعاً، ولأن القرعة أقرب إلى مقاصد الشرع، ومصلحة الزوج والزوجات من تركهن معلقات، لا ذوات أزوج ولا أٌامى، وتركه هو معلقاً، لا ذا زوج ولا عزباً، ولٌس فى الشرٌعة نظٌر ذلك، بل لٌس فٌها وقؾ الأحكام، بل الفصل وقطع الخصومات بؤقرب الطرق. فإذا ضاقت الطرق، ولم ٌبق إلا القرعة، تعٌنت طرٌقاً، كما عٌنها الشارع فى عدة قضاٌا، حٌث لم ٌكن هناك ؼٌرها، ولم 1/168) ________________________________________ ٌوقؾ الأمر إلى وقت الانكشاؾ، فإنه إذا علم أنه لا سبٌل له إلى انكشاؾ الحال، كان إٌقاؾ الأمر إلى آخر العمر من أعظم المفاسد التى لا تؤتى بها الشرٌعة. وؼاٌة ما ٌقدر أن القرعة تصٌب التى لم ٌقع علٌها الطلبق وتخطا المطلقة.

عدد الصفحات ٩٢

علم أنه لا سبٌل له إلى انكشاؾ الحال، كان إٌقاؾ الأمر إلى آخر العمر من أعظم المفاسد التى لا تؤتى بها الشرٌعة. وؼاٌة ما ٌقدر أن القرعة تصٌب التى لم ٌقع علٌها الطلبق وتخطا المطلقة. وهذا لا ٌضرها هاهنا، فإنها لما جهل كونها هى التى وقع علٌها الطلبق صار المجهول كالمعدوم، وكل ما ٌقدر من

عدد الصفحات ٩٢

93 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي المفسدة فى ذلك فمثلها فى العتق سواء. وقد دلت سنة رسول الله علٌه الصلبة والسلبم الصحٌحة الصرٌحة على إخراج المعتق من ؼٌره بالقرعة، وقد نص أحمد على حل البضع بالقرعة. فقال- فى رواٌة ابن منصور وحنبل- إذا زوجها الولٌان من رجلٌن، ولم ٌعلم السابق منهما أقرع بٌنهما، فمن خرجت له القرعة حكم أنه الأول. فإذا قوٌت القرعة على تعٌٌن الزوج فى حل البضع له فلؤن تقوى على تعٌٌن المطلقة فى تحرٌم بضعها عنه أولى. فإن الطلبق مبنى على التؽلٌب والسراٌة، وهو أسرع نفوذا وثبوتا من النكاح من وجوه كثٌرة. وقول الشٌخ أبى محمد، قدس الله تعالى روحه: "إنه اشتبهت علٌه زوجته بؤجنبٌة فلم تحل له إحداهما بالقرعة، كما لو اشتبهت بؤجنبٌة لم ٌكن علٌها عقد." جوابه: بالفرق بٌن حالتى الدوام والابتداء، فإنه هناك شك فى هذه الأجنبٌة هل حصل عقد أم لا؟ والأصل فٌها التحرٌم، فإذا اشتبهت بها الزوجة لم ٌقدم على واحدة منهما. وهاهنا ثبت الحل والنكاح. وحصل الشك بعده، هل ترك التحرٌم فى هذا أو فى هذه. فإما أن ٌحرما جمٌعاً أو ٌحلب جمٌعاً، أو ٌقال له: اختر من ٌنزل علٌه التحرٌم، أو ٌوقؾ الأمر أبدا، أو تستعمل القرعة، والأقسام الأربعة الأول باطلة، لا أصل لها فى السنة، ولم ٌعتبرها الشارع بخلبؾ القرعة. وبالجملة فلب ٌصح إلحاق إحدى الصورتٌن بالأخرى، إذ هناك تحرٌم متٌقن، ونحن 1/169) ________________________________________ نشك فى حله، وهنا حل متٌقن نشك فى تحرٌمه بالنسبة إلى كل واحدة. قوله: ولأن القرعة لا تزٌل التحرٌم من المطلقة، ولا ترفع الطلبق على من وقع علٌه. فٌقال: إذا جهلت المطلقة. ولم ٌكن له سبٌل إلى تعٌٌنها قامت القرعة مقام الشاهد والمخبر بؤنها المطلقة للضرورة، حٌث تعٌنت طرٌقاً، فالمطلقة المجهولة قد صار طلبقها بعٌنها كالمعدوم، ولو كانت مطلقة فى نفس الأمر فإن الشارع لم ٌكلفنا بما فى نفس الأمر، بل بما ظهر وبدا. ولهذا لو نسى الطلبق بالكلٌة وأقام على وطبها حتى توفى، كانت أحكامه أحكام الزوج، والنسب لاحق به، والمٌراث ثابت، وهى مطلقة فى نفس الأمر، ولكن لٌست مطلقة فى حكم الله، كما لو طلع الهلبل فى نفس الأمر ولم ٌره أحد من الناس، أو كان الهلبل تحت الؽٌم، فإنه لا ٌترتب علٌه حكم الشهر، ولا ٌكون طالعاً فى حكم الله تعالى، وإن كان طالعاً فى نفس الأمر، ونظابر هذا كثٌرة جداً . فؽاٌة الأمر: أن هذه مطلقة فى نفس الأمر، ولا علم له بطلبقها، فلب تكون مطلقة فى الحكم، كما لو نسى طلبقها. قوله: ولهذا لو ذكر أن المطلقة ؼٌرها حرمت علٌه، ولو ارتفع التحرٌم أو زال الطلبق لما عاد بالذكر. جوابه: أن القرعة إنما عملت مع استمرار النسٌان، فإذا زال النسٌان بطل عمل القرعة، كما أن المتٌمم إذا قدر على استعمال الماء بطل حكم تٌممه. فإن التراب إنما ٌعمل عند العجز عن الماء، فإذا قدر علٌه بطل حكمه. ونظابر ذلك كثٌرة. منها: أن الاجتهاد إنما ٌعمل به عند عدم النص، فإذا تبٌن النص، فلب اجتهاد إلا فى إبطال ما خالفه. قوله: وقد قال الخرقى فٌمن طلق امرأته ولم ٌدر أواحدة طلق أم ثلبثاً؟ ٌلزمه الثلبث. ومن حلؾ بالطلبق أن لا ٌؤكل تمرة، فوقعت فى تمر، فؤكل منه واحدة لا تحل له امرأته حتى ٌعلم 1/170) ________________________________________ نها لٌست التى وقعت الٌمٌن علٌها فحرمها، مع أن الأصل بقاء النكاح، ولم ٌعارضه ٌقٌن التحرٌم فهاهنا أولى. فٌقال: الخرقى نص على المسؤلتٌن مفرقاً بٌنهما فى مختصره، فقال: وإذا طلق واحدة من نسابه وأنسٌها أخرجت بالقرعة. وقال: ما حكاه الشٌخ عنه فى الموضعٌن. فؤما من شك: هل طلق واحدة أم ثلبثاً، فؤكثر النصوص أنه إنما ٌلزمه واحدة، وهو ظاهر المذهب. والخرقى اختار الرواٌة الأخرى. وهى مذهب مالك، وقد تقدم مؤخذ القولٌن وبٌان

عدد الصفحات ٩٣

عنه فى الموضعٌن. فؤما من شك: هل طلق واحدة أم ثلبثاً، فؤكثر النصوص أنه إنما ٌلزمه واحدة، وهو ظاهر المذهب. والخرقى اختار الرواٌة الأخرى. وهى مذهب مالك، وقد تقدم مؤخذ القولٌن وبٌان الراجح منهما.

عدد الصفحات ٩٣

94 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وعلى القول بلزوم الثلبث فالفرق بٌن ذلك، وبٌن إخراج المنسٌة بالقرعة: أن المجهول فى الشرع كالمعدوم. فقد جهلنا وقوع الطلبق بؤى الزوجتٌن، فلم ٌتحقق تحرٌم إحداهما. ولم ٌكن لنا سبٌل إلى تحرٌمهما ولا إباحتهما. والوقؾ مفسدة ظاهرة فتعٌنت القرعة، بخلبؾ من أوقع على زوجته طلبقاً قد شك فى عدده فإنه قد شك: هل ٌرتفع ذلك الطلبق بالرجعة أولا ٌرتفع بها؟ فؤلزمه بالثلبث. فظهر الفرق بٌنهما على هذا القول. وأما على المشهور من المذهب فلب إشكال. وأما من حلؾ بالطلبق لا ٌؤكل تمرة فوقعت فى تمر، أكل منه واحدة. فقد قال الخرقى: إنه ٌمنع من وطء زوجته حتى ٌتٌقن. وهذا ٌحتمل الكراهة والتحرٌم. ومذهب الشافعى وأبى حنٌفة: أنه لا ٌحنث، ولا ٌحرم علٌه وطء زوجته: هو اختٌار أبى الخطاب، وهو الصحٌح. وإن أراد به التحرٌم فهو ٌشبه ما قاله هو ومالك فٌمن طلق وشك، هل طلق واحدة أم ثلبثاً؟ فصل وأما من حلؾ على ٌمٌن ثم نسٌها. وقولهم: ٌلزمه جمٌع ما ٌحلؾ به، فقول شاذ جدا. ولٌس عن مالك، إنما قاله بعض أصحابه. وسابر أهل العلم على خلبفه. وأنه لا ٌلزمه شىء حتى ٌتٌقن، كما لو شك: هل حلؾ أو لا؟ فإن قٌل: فٌنبؽى أن ٌلزمه كفارة ٌمٌن، لأنها الأقل. قٌل: موجب الأٌمان مختلؾ. فما من ٌمٌن إلا وهى مشكوك فٌها، هل حلؾ بها أم لا؟ 1/171) ________________________________________ وعلى قول شٌخنا: ٌلزمه كفارة ٌمٌن حسب، لأن ذلك موجب الأٌمان كلها عنده. فصل وأما من حلؾ لٌفعلن كذا ولم ٌعٌن وقتا. فعند الجمهور هو على التراخى إلى آخر عمره، إلا أن ٌعٌن بنٌته وقتا، فٌتقٌد به. فإن عزم الترك بالكلٌة حنث حالة عزمه، نص علٌه أحمد. وقال مالك: هو على حنث حتى ٌفعل، فٌحال بٌنه وبٌن امرأته إلى أن ٌؤتى بالمحلوؾ، علٌه وهذا صحٌح على أصله فى سد الذرابع، فإنه إذا كان على التراخى إلى وقت الموت لم ٌكن للٌمٌن فابدة، وصار لا فرق بٌن الحلؾ وعدمه، والحمل فى ذلك على القرٌنة والعرؾ، وإن لم تكن نٌة. ولا ٌكاد الٌمٌن ٌتجرد عن هذه الثلبثة. فصل وأما تعلٌق الطلبق بوقت ٌجا لا محالة، كرأس الشهر والسنة، وآخر النهار ونحوه. فللفقهاء فى ذلك أربعة أقوال: أحدها: أنها لا تطلق بحال، وهذا مذهب ابن حزم، واختٌار أبى عبد الرحمن الشافعى، وهو من أجل أصحاب الوجوه. وحجتهم: أن الطلبق لا ٌقبل التعلٌق بالشرط، كما لا ٌقبله النكاح والبٌع والإجارة والإبراء. قالوا: والطلبق لا ٌقع فى الحال، ولا عند مجا الوقت. أما فى الحال فلؤنه لم ٌوقعه منجزا، وأما عند مجا الوقت فلؤنه لم ٌصدر منه طلبق حٌنبذ، ولم ٌتجدد سوى مجا الزمان. ومجا الزمان لا ٌكون طلبقاً . وقابل هذا القول آخرون، وقالوا: ٌقع الطلبق فى الحال، وهذا مذهب مالك، وجماعة من التابعٌن. 1/172) ________________________________________ وحجتهم أن قالوا: لو لم ٌقع فى الحال لحصل منه استباحة وطء مإقت، وذلك ؼٌر جابز فى الشرع، لأن استباحة الوطء فٌه لا تكون إلا مطلقاً ؼٌر مإقت، ولهذا حرم نكاح المتعة لدخول الأجل فٌه، وكذلك وطء المكاتبة. ألا ترى أنه لو عرى من الأجل، بؤن ٌقول: إن جبتنى بؤلؾ درهم فؤنت حرة، لم ٌمنع ذلك الوطء. قال الموقعون عند الأجل: لا ٌجوز أن ٌإخذ حكم الدوام من حكم الابتداء، فإن الشرٌعة فرقت بٌنهما فى مواضع كثٌرة، فإن ابتداء عقد النكاح فى الإحرام فاسد دون دوامه، وابتداء عقده على المعتدة فاسد دون دوامه، وابتداء عقده على الأمة مع الطول وعدم خوؾ العنت فاسد، دون دوامه، وابتداء عقده على الزانٌة فاسد عند أحمد ومن وافقه دون دوامه. ونظابر ذلك كثٌرة جداً .

عدد الصفحات ٩٤

95 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي قالوا: والمعنى الذى حرم لأجله نكاح المتعة: كون العقد مإقتا من أصله، وهذا العقد مطلق، وإنما عرض له ما ٌبطله وٌقطعه، فلب ٌبطل، كما لو علق الطلبق بشرط وهو ٌعلم أنها تفعله، أو ٌفعله هو ولا بد، ولكن ٌجوز تخلفه. والقول الثالث: أنه إن كان الطلبق المعلق بمجا الوقت المعلوم ثلبثاً وقع فى الحال، وإن كان رجعٌاً لم ٌقع قبل مجٌبه، وهذا إحدى الرواٌتٌن عن الإمام أحمد، نص علٌه فى رواٌة مهنا: "إذا قال: أنت طالق ثلبثاً قبل موتى بشهر: هى طالق الساعة. كان سعٌد بن المسٌب والزهرى لا ٌوقتون فى الطلبق". قال مهنا: فقلت له: "أفتزوج هذه التى قال لها: أنت طالق ثلبثاً قبل موتى بشهر؟ "، قال "لا: ولكن ٌمسك عن الوطء أبدا حتى ٌموت" هذا لفظه. وهو فى ؼاٌة الإشكال، فإنه قد أوقع علٌها الطلبق منجزاً، فكٌؾ ٌمنعها من التزوٌج؟ 1/173) ________________________________________ وقوله "ٌمسك عن الوطء أبدا" ٌدل على أنها زوجته إلا أنه لا ٌطؤها، وهذا لا ٌكون مع وقوع الطلبق. فإن الطلبق إذا وقع زالت أحكام الزوجٌة كلها. فقد ٌقال: أخذ بالاحتٌاط فؤوقع الطلبق، ومنعها من التزوٌج للخلبؾ فى ذلك فحرم وطؤها وهو أثر الطلبق، ومنعها من التزوٌج لأن النكاح لم ٌنقطع بإجماع ولا نص. ووجه هذا: أنه إذا كان الطلبق ثلبثاً لم ٌحل وطإها بعد الأجل. فٌصٌر حال الوطء مإقتاً، وإن كان رجعٌاً جاز له وطإها بعد الأجل. فلب ٌصٌر الحال مإقتا، وهذا أفقه من القول الأول. والقول الرابع: أنها لا تطلق إلا عند مجا الأجل، وهو قول الجمهور. وإنما تنازعوا، هل هو مطلق فى الحال، ومجا الوقت شرط لنفوذ الطلبق، كما لو وكله فى الحال. وقال: لا تتصرؾ إلى رأس الشهر فمجا رأس الشهر شرط لنفوذ تصرفه، لا بحصول الوكالة، بخلبؾ ما إذا قال: إذا جاء رأس الشهر فقد وكلتك. وهذا ٌفرق الشافعى بٌنهما. فٌصحح الأولى وٌبطل الثانٌة، أو ٌقال: لٌس مطلقاً فى الحال. وإنما هو مطلق عند مجا الأجل، فٌقدر حٌنبذ أنه قال: أنت طالق. فٌكون حصول الشرط وتقدٌر حصول: أنت طالق معاً . فعلى التقدٌر الأول: السبب تقدم، وتؤخر شرط تؤثٌره، وعلى التقدٌر الثانى: نفس السبب تؤخر تقدٌر إلى مجا الوقت. وكؤنه قال إذا جاء رأس الشهر فحٌنبذ أنا قابل لك: أنت طالق فإذا جاء رأس الشهر قدر قابلبً لذلك اللفظ المتقدم. فمذهب الحنفٌة: أن الشرط ٌمتنع به وجود العلة. فإذا وجد الشرط وجدت العلة فٌصٌر وجودها مضافاً إلى الشرط، وقٌل تحققه لم ٌكن المعلق علٌه علة، بخلبؾ الوجوب. فإنه ثابت قبل مجا الشرط، فإذا قال: إن دخلت الدار فؤنت طالق، فالعلة للوقوع: التلفظ بالطلبق، والشرط الدخول، وتؤثٌره فى امتناع وجود العلة قبله، فإذا وجد وجدت. وأصحاب الشافعى ٌقولون: أثر الشرط فى تراخى الحكم، والعلة قد وجدت، وإنما تراخى تؤثٌرها إلى وقت مجا الشرط، فالمتقدم عله قد تؤخر تؤثٌرها إلى مجا الشرط. 1/174) ________________________________________ فصل وأما ما أفتى به الحسن وإبراهٌم النخعى ومالك، فى إحدى الرواٌتٌن عنه: أن من شك هل انتقض وضوءه أم لا؟ وجب علٌه أن ٌتوضؤ احتٌاطاً، ولا ٌدخل فى الصلبة بطهارة مشكوك فٌها فهذه مسؤلة نزاع بٌن الفقهاء. وقد قال الجمهور، منهم الشافعى، وأحمد، وأبو حنٌفة، وأصحابهم، ومالك فى الرواٌة الأخرى عنه: إنه لا ٌجب علٌه الوضوء، وله أن ٌصلى بذلك الوضوء الذى تٌقنه وشك فى انتقاضه. واحتجوا بما رواه مسلم فى صحٌحه عن أبى هرٌرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فى بَطْنِهِ شٌَْباً فَؤَشْكَلَ عَلٌَْهِ : أَخَرَجَ مِنْهُ شَىْ أمْ لاَ؟ فَلبَ ٌَخْرُجُ مِنَ المَسْجِدِ حَت ى ٌَسْمَعَ صَوْتاً أَوْ ٌَجِدَ رٌِحاً ." وهذا ٌعم المصلى وؼٌره.

عدد الصفحات ٩٥

96 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وأصحاب القول الأول ٌقولون: الصلبة ثابته فى ذمته بٌقٌن، وهو ٌشك فى براءة الذمة منها بهذا الوضوء، فإنه على تقدٌر بقابه هى صحٌحة، وعلى تقدٌر انتقاضه باطلة، فلم ٌتٌقن براءة ذمته، ولأنه شك فى شرط الصلبة: هل هو ثابت أم لا؟ فلب ٌدخل فٌها بالشك. والآخرون ٌجٌبون عن هذا بؤنها صلبة مستندة إلى طهارة معلومة قد شك فى بطلبنها فلب ٌلتفت إلى الشك، ولا ٌزٌل الٌقٌن به، كما لو شك: هل أصاب ثوبه أو بدنه نجاسة؟ فإنه لا ٌجب علٌه ؼسله، وقد دخل فى الصلبة بالشك. ففرقوا بٌنهما بفرقٌن. أحدهما: أن اجتناب النجاسة لٌس بشرط. ولهذا لا ٌجب نٌته، وإنما هو مانع، والأصل عدمه، بخلبؾ الوضوء، فإنه شرط، وقد شك فى ثبوته، فؤٌن هذا من هذا؟. الثانى: أنه قد كان قبل الوضوء محدثاً، وهو الأصل فٌه. فإذا شك فى بقابه كان ذلك رجوعاً إلى الأصل. ولٌس الأصل فٌه النجاسة، حتى نقول: إذا شك فى حصولها رجعنا إلى أصل النجاسة، فهنا ٌرجع إلى أصل الطهارة، وهناك ٌرجع إلى أصل الحدث. 1/175) ________________________________________ قال الآخرون: أصل الحدث قد زال بٌقٌن الطهارة، فصارت هى الأصل، فإذا شككنا فى الحدث رجعنا إلٌه، فؤٌن هذا من الوسواس المذموم شرعاً، وعقلبً وعرفاً؟. فصل وأما قولكم: إن من خفى علٌه موضع النجاسة من الثوب وجب علٌه ؼسله كله: فلٌس هذا من باب الوسواس، وإنما ذلك من باب ما لا ٌتم الواجب إلا به. فإنه قد وجب علٌه ؼسل جزء من ثوبه ولا ٌعلمه بعٌنه، ولا سبٌل إلى العلم بؤداء هذا الواجب إلا بؽسل جمٌعه. فصل وأما مسؤلة الثٌاب التى اشتبه الطاهر منها بالنجس، فهذه مسؤلة نزاع. فذهب مالك، فى رواٌة عنه، وأحمد: إلى أنه ٌصلى فى ثوب بعد ثوب، حتى ٌتٌقن أنه صلى فى ثوب طاهر. وقال الجمهور، ومنهم أبو حنٌفة، والشافعى، ومالك، فى الرواٌة الأخرى: إنه ٌتحرى فٌصلى فى واحد منها صلبة واحدة، كما ٌتحرى فى القبلة. وقال المزنى وأبو ثور: "بل ٌصلى عرٌاناً ولا ٌصلى فى شىء منها، لأن الثوب النجس فى الشرع كالمعدوم، والصلبة فٌه حرام، وقد عجز عن السترة بثوب طاهر، فٌسقط فرض السترة"، وهذا أضعؾ الأقوال. والقول بالتحرى هو الراجح الظاهر، سواء كثر عدد الثٌاب الطاهرة أو قل. وهو اختٌار شٌخنا. وابن عقٌل ٌفصل، فٌقول: "إن كثر عدد الثٌاب تحرى دفعاً للمشقة، وإن قل عمل بالٌقٌن." قال شٌخنا: "اجتناب النجاسة من باب المحظورات، فإذا تحرى وؼلب على ظنه طهارة ثوب منها فصلى فٌه، لم ٌحكم ببطلبن صلبته بالشك، فإن الأصل عدم النجاسة، وقد شك فٌها فى هذا الثوب، فٌصلى فٌه، كما لو استعار ثوباً أو اشتراه ولا ٌعلم حاله." 1/176) ________________________________________ وقول أبى ثور فى ؼاٌة الفساد. فإنه لو تٌقن نجاسة الثوب لكانت صلبته فٌه خٌراً وأحب إلى الله من صلبته عرٌاناً، بادى السوءة للناظرٌن. وبكل حال فلٌس هذا من الوسواس المذموم. فصل وأما مسؤلة اشتباه الأوانى فكذلك لٌست من باب الوسواس. وقد اختلؾ فٌها الفقهاء اختلبفاً متباٌناً .

عدد الصفحات ٩٦

97 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي فقال أحمد: "ٌتٌمم وٌتركها، وقال مرة ٌرٌقها وٌتٌمم، لٌكون عادماً للماء الطهور بٌقٌن." وقال أبو حنٌفة: "إن كان عدد الأوانى الطاهرة أكثر، تحرى، وإن تساوت أو كثرت النجسة، لم ٌتحر". وهذا اختٌار أبى بكر وابن شاقلبً والنجاد من أصحاب أحمد. وقال الشافعى وبعض المالكٌة: "ٌتحرى بكل حال." وقال عبد الملك بن الماجشون: "ٌتوضؤ بكل واحد منها وضوءا وٌصلى." وقال محمد بن مسلمة من المالكٌة: "ٌتوضؤ من أحدها وٌصلى، ثم ٌؽسل ما أصابه منه، ثم ٌتوضؤ من الآخر وٌصلى." وقالت طابفة- منهم شٌخنا- ٌتوضؤ من أٌها شاء، بناء على أن الماء لا ٌنجس إلا بالتؽٌر، فتستحٌل المسؤلة، ولٌس هذا موضع ذكر حجج هذه الأقوال وترجٌح راجحها. فصل وأما إذا اشتبهت علٌه القبلة، فالذى علٌه أهل العلم كلهم: أنه ٌجتهد وٌصلى صلبة واحدة. 1/177) ________________________________________ وشذ بعض الناس فقال: ٌصلى أربع صلوات إلى أربع جهات، وهذا قول شاذ مخالؾ للسنة، وإنما التزمه قابله فى مسؤلة اشتباه الثٌاب، وهذا ونحوه من وجوه الالتزامات عند المضاٌق، طرداً لدلٌل المستدل مما لا ٌلتفت إلٌها، ولا ٌعول علٌها. ونظٌره: التزام من التزم اشتراط النٌة لإزالة النجاسة، لما ألزمهم أصحاب أبى حنٌفة بذلك، قال بعضهم: نقول به. ونظٌره: إدراك الجمعة والجماعة بإدراك تكبٌرة مع الإمام، لما ألزمت الحنفٌة من نازعها فى ذلك بالتسوٌة بٌن الجمعة والجماعة التزمه بعضهم، وقال: نقول به. فصل وأما من ترك صلبة من ٌوم لا ٌعلم عٌنها، فاختلؾ الفقهاء فى هذه المسؤلة على أقوال. أحدها: أنه ٌلزمه خمس صلوات. نص علٌه أحمد، وهو قول مالك، والشافعى، وأبى حنٌفة وإسحاق، لأنه لا سبٌل له إلى العلم ببراءة ذمته ٌقٌنا إلا بذلك. القول الثانى: أنه ٌصلى رباعٌة ٌنوى بها ما علٌه. وٌجلس عقٌب الثانٌة والثالثة والربعة. وهذا قول الأوزاعى، وزفر بن الهذٌل، ومحمد بن مقاتل من الحنفٌة، بناء على أنه ٌخرج من الصلبة بدون الصلبة على النبى صلى الله تعالى وآله علٌه وسلم، وبدون السلبم، وأن نٌة الفرضٌة تكفى من ؼٌر تعٌٌن، كما فى الزكاة، ولا ٌضر جلوسه عقٌب الثالثة، إن كانت المنسٌة رباعٌة، لأنه زٌادة من جنس الصلبة، لا على وجه العمد. القول الثالث: أنه ٌجزٌه أن ٌصلى فجراً، ومؽربا ورباعٌة ٌنوى ما علٌه. وهذا قول سفٌان الثورى، ومحمد بن الحسن. وٌخرج على المذهب إذا قلنا بؤن نٌة المكتوبة تكفى من ؼٌر تعٌٌن. وقد قال عبد الله بن أحمد: سمعت أبى ٌُسؤل: ما تقول فى رجل ذكر أن علٌه صلبة لم ٌعٌنها، فصلى ركعتٌن وجلس وتشهد، ونوى بها الؽداة ولم ٌسلم، ثم قام فؤتى بركعه وجلس وتشهد ونوى بها المؽرب، وقام ولم ٌسلم، وأتى برابعة ثم جلس، فتشهد ونوى بها ظهراً أو عصراً أو عشاء الآخرة ثم سلم؟ فقال له أبى: "هذا ٌجزٌه، وٌقضى عنه على مذهب العراقٌٌن، 1/178) ________________________________________ لأنهم اعتمدوا فى التشهد على خبر ابن مسعود: "إذَا قُلْتَ هذَا فَقَدْ تَم تْ صَلبَتُكَ ." وأما على مذهب صاحبنا أبى عبد الله الشافعى، ومذهبنا: لا ٌجزئ عنه، لأنا نذهب إلى قوله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "تَحْرٌِمُهَا الت كْبٌِرُ وَتَحْلٌِلُهَا الت سْلٌِمُ ." ونذهب إلى الصلبة على رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم فٌها"، وهذا لفظه.

عدد الصفحات ٩٧

98 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي قال أبو البركات: "هذا من أحمد ٌبٌن أن قضاء الواحدة لا ٌجزٌه، لتعذر التحلٌل المعتبر لا لفوات نٌة التعٌٌن، فإذا قضى ثلبثاً كما قال الثورى- اندفع المفسد- وبكل حال فلٌس فى هذا راحة للموسوسٌن." فصل وأما من شك فى صلبته، فإنه ٌبنى على الٌقٌن، لأنه لا تبرأ ذمته منه بالشك. وأما تحرٌم أكل الصٌد إذا شك صاحبه: هل مات بالجرح أو بالماء؟ وتحرٌم أكله 1/179) ________________________________________ إذا خالط كلببه كلبا من ؼٌره، فهو الذى أمر به رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم، لأنه قد شك فى سبب الحل، والأصل فى الحٌوان التحرٌم. فلب ٌستباح بالشك فى شرط حله، بخلبؾ ما إذا كان الأصل فٌه الحل. فإنه لا ٌحرم بالشك فى سبب تحرٌمه كما لو اشترى ماء أو طعاماً، أو ثوباً لا ٌعلم حاله، جاز شربه وأكله ولبسه. وإن شك هل تنجس أم لا؟ فإن الشرط متى سبق اعتباره، أو كان الأصل عدم المانع، لم ٌلتفت إلى ذلك. فالأول: كما إذا أتى بلحم لا ٌعلم: هل سمى علٌه ذابحه أم لا؟. وهل ذكاه فى الحلق واللبة، واستوفى شروط الذكاة أم لا؟ لم ٌحرم أكله، لمشقة التفتٌش عن ذلك وقد قالت عابشة رضى الله عنها: "ٌَا رَسُولَ اللهِ، إنّ نَاساً مِنَ الأعْرَابَ ٌَؤْتُونَنَا بِالّلحْمِ، لا نَدْرِى أَذَكَرُوا اسْمَ اللهِ عَلٌَْهِ أَمْ لا؟ فَقَالَ : سَم وا أَنْتُمْ وَكُلُوا ." مع أنه قد نهى عن أكل ما لم ٌذكر علٌه اسم الله تعالى. والثانى كما ذكرنا من الماء والطعام واللباس. فإن الأصل فٌها الطهارة، وقد شك فى وجود المتنجس، فلب ٌلتفت إلٌه. فصل وأما ما ذكرتموه عن ابن عمر، وأبى هرٌرة رضى الله عنهما فشا تفردا به، دون الصحابة ولم ٌوافق ابن عمر على ذلك أحد منهم، وكان ابن عمر رضى الله عنهما ٌقول: "إن بى وسواساً فلب تقتدوا بى." وظاهر مذهب الشافعى وأحمد: أن ؼسل داخل العٌنٌن فى الوضوء لا ٌستحب، وإن أمن الضرر. لأنه لم ٌنقل عن رسول الله صلى الله تعالى علٌه وسلم أنه فعله قط، ولا أمر به، وقد نقل وضوءه جماعة كعثمان، وعلى، وعبد الله بن زٌد، والرب ٌع بنت معوذ وؼٌرهم، فلم ٌقل أحد منهم إنه ؼسل داخل عٌنٌه. وفى وجوبه فى الجنابة رواٌتان عن أحمد، أصحهما أنه لا ٌجب، وهو قول الجمهور. وعلى هذا فلب ٌجب ؼسلهما من النجاسة، وأولى لأن المضرة به أؼلب لزٌادة التكرار والمعالجة. 1/180) ________________________________________ وقالت الشافعٌة والحنفٌة: ٌجب، لأن إصابة النجاسة لهما تندر، فلب ٌشق ؼسلهما منها. وؼلب بعض الفقهاء من أصحاب أحمد، فؤوجب ؼسلهما فى الوضوء. وهو قول لا ٌلتفت إلٌه ولا ٌعرّج علٌه. والصحٌح أنه لا ٌجب ؼسلهما فى وضوء ولا جنابة ولا من نجاسة. وأما فعل أبى هرٌرة رضى الله عنه فهو شا تؤوله، وخالفه فٌه ؼٌره، ٌنكرونه علٌه، وهذه المسؤلة تلقب بمسؤلة إطالة الؽرة، وإن كانت الؽرة فى الوجه خاصة. وقد اختلؾ الفقهاء فى ذلك، وفٌها رواٌتان عن الإمام أحمد. إحداهما: ٌستحب إطالتها، وبها قال أبو حنٌفة والشافعى، واختارها أبو البركات ابن تٌمٌة وؼٌره. والثانٌة: لا ٌستحب، وهى مذهب مالك، وهى اختٌار شٌخنا أبى العباس. فالمستحبون ٌحتجون بحدٌث أبى هرٌرة رضى الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ تَعَالى عَلٌْه وَآلِه وَسَل مَ : "أَنْتُمُ الْؽُر المُحَج لونَ ٌوْمَ القٌَِامَةِ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ، فَمنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ فَلٌُْطِلْ ؼر ته وَتَحْ جٌِلَهُ " متفق علٌه، ولأن الحلٌة تبلػ من المإمن حٌث ٌبلػ الوضوء. قال النافون للبستحباب: قال رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "إنّ الله حَد حُدُودًا فَلبَ تَعْتَدُوهَا."

عدد الصفحات ٩٨

99 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي والله سبحانه قد حد المرفقٌن والكعبٌن، فلب ٌنبؽى تعدٌهما، ولأن رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم لم ٌنقل من نقل عنه وضوءه أنه تعداهما، ولأن ذلك أصل الوسواس ومادته، ولأن فاعله إنما ٌفعله قربة وعبادة، والعبادات مبناها على الاتباع، ولأن ذلك ذرٌعة إلى الؽسل إلى الفخذ، وإلى الكتؾ. وهذا مما لا ٌعلم أن النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم وأصحابه لم ٌفعلوه ولا مرة واحدة، ولأن هذا من الؽلو، وقد قال صلى الله تعالى علٌه وسلم: "إٌاكمْ وَالْؽُلُو فى الد ٌنِ ." ولأنه تعمق، وهو منهى عنه، ولأنه عضو من أعضاء الطهارة، فكره مجاوزته كالوجه. 1/181) ________________________________________ وأما الحدٌث فراوٌه عن أبى هرٌرة رضى الله تعالى عنه نعٌم المجمر. وقد قال: "لا أدرى قوله: فمن استطاع منكم أن ٌطٌل ؼرته فلٌفعل، من قول رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم، أو من قول أبى هرٌرة رضى الله عنه؟ "، روى ذلك عنه الإمام أحمد فى المسند. وأما حدٌث الحلٌة، فالحلٌه المزٌنة ما كان فى محله، فإذا جاوز محله لم تكن زٌنة. فصل وأما قولكم: إن الوسواس خٌر مما علٌه أهل التفرٌط والاسترسال، وتمشٌة الأمر كٌؾ اتفق، وإلى آخره. فلعمر الله إنهما لطرفاً إفراط وتفرٌط، وؼلو وتقصٌر، وزٌادة ونقصان، وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن الأمرٌن فى ؼٌر موضع. كقوله: {وَ تجْعَلْ ٌَدَكَ مَؽْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُل الْبَسْطِ [ }الإسراء: 19 . ]وَقوله { :وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقّهُ وَالمِسْكٌِنَ وَابْنَ الس بٌِلِ وَلا تُبَذ رْ تبذٌرا[ }الإسراء: 16 . ]وقوله{ :وَال ذٌِنَ إذَ ا أَنْفقُوا لَمْ ٌُسْرِفُوا وَلَمْ ٌَقْتُروا وَكَانَ بٌَْنَ ذلِكَ قَوَاماً } [الفرقان: 67 . ]وقوله {وَكُلُوا وَاشْرِبوا ولا تسرفوا إِنّهُ لا ٌُحِب المُسْرِفٌِنَ [ }الأعراؾ: 56 ]فدٌن الله بٌن الؽالى فٌه والجافى عنه. وخٌر الناس النمط الأوسط، الذٌن ارتفعوا عن تقصٌر المفرطٌن، ولم ٌلحقوا بؽلو المعتدٌن، وقد جعل الله سبحانه هذه الأمة وسطاً، وهى الخٌار العدل، لتوسطها بٌن الطرفٌن المذمومٌن، والعدل هو الوسط بٌن طرفى الجور والتفرٌط. والآفات إنما ٌنتظرون إلى الأطراؾ، والأوساط محمٌة بؤطرافها، فخٌار الأمور أوساطها. قال الشاعر: كانَتْ هِىَ الوَسَطُ المَحْمِى، فَاكْتَنَفَتْ ... بهَا الحَوَادِثُ حَت ى أَصْبَحَتْ طَرَفَا فصل ومن أعظم مكاٌده التً كاد بها أكثر الناس، وما نجا منها إلا من لم ٌرد الله تعالى فتنته: ما أوحاه قدٌما وحدٌثا إلى حزبه وأولٌابه من الفتنة بالقبور. حتى آل الأمر فٌها إلى 1/182) ________________________________________ أن عبد أربابها من دون الله، وعبدت قبورهم، واتخذت أوثانا، وبنٌت علٌها الهٌاكل، وصورت صور أربابها فٌها، ثم جعلت تلك الصور أجسادا لها ظل، ثم جعلت أصناما، وعبدت مع الله تعالى. وكان أول هذا الداء العظٌم فى قوم نوح، كما أخبر سبحانه عنهم فى كتابه، حٌث ٌقول: {قَالَ نُوح رَب إنهم عَصَوْنِى وَات بَعُوا مَنْ لَمْ ٌَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلا خَسَارًا وَمَكرُوا مَكْرًا كب ارًا وَقَالُوا لا تَذَرُن آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُن وَدا وَلا سُوَاعًا وَلا ٌَؽُوثَ وٌََعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَل وا كَثٌِرًا[ }نوح: 16-14 . ]قال ابن جرٌر: "وكان من خبر هإلاء فٌما بلؽنا ما حدثنا به ابن حمٌد حدثنا مهران عن سفٌان عن موسى عن محمد بن قٌس: أن ٌؽوث وٌعوق ونسراً كانوا قوماً صالحٌن من بنى آدم. وكان لهم أتباع ٌقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذٌن كانوا ٌقتدون بهم: لو صورّناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم. فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دبّ إلٌهم إبلٌس، فقال: إنما

عدد الصفحات ٩٩

لهم أتباع ٌقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذٌن كانوا ٌقتدون بهم: لو صورّناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم. فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دبّ إلٌهم إبلٌس، فقال: إنما كانوا ٌعبدونهم، وبهم ٌسقون المطر، فعبدوهم". قال سفٌان عن أبٌه عن عكرمة قال: "كان بٌن آدم ونوح علٌهما السلبم عشرة قرون، كلهم على الإسلبم". حدثنا ابن عبد الأعلى حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة فى هذه الآٌة

عدد الصفحات ٩٩