المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

المختصر القيم لثرات ابن القيم 01

ابن قيم الجوزية

صفحة ٨ من ٧٥

75 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي علٌه الصلبة والسلبم فى مإاكلة الصبٌان، وأكل طعام عامة المسلمٌن، أنه قد صار نجساً ٌجب علٌه تسبٌع ٌده وفٌه، كما لو ولػ فٌهما كلب أو بال علٌهما هر. ثم إنه بلػ من استٌلبء إبلٌس علٌهم أنهم أجابوه إلى ما ٌشبه الجنون، وٌقارب مذهب السوفسطابٌة الذٌن ٌنكرون حقابق الموجودات، والأمور المحسوسات، وعلم الإنسان بحال نفسه من الأمور الضرورٌات الٌقٌنٌات، وهإلاء ٌؽسل أحدهم عضوه ؼسلب ٌشاهده ببصره وٌكبر، وٌقرأ بلسانه، بحٌث تسمعه أذناه وٌعلمه بقلبه، بل ٌعلمه ؼٌره منه وٌتٌقنه 1/133) ________________________________________ ثم ٌشك: هل فعل ذلك أم لا؟ وكذلك ٌشككه الشٌطان فى نٌته وقصده التى ٌعلمها من نفسه ٌقٌنا، بل ٌعلمها ؼٌره منه بقرابن أحواله. ومع هذا ٌقبل قول إبلٌس فى أنه ما نوى الصلبة، ولا أرادها، مكابرة منه لعٌانه، وجحدا لٌقٌن نفسه، حتى تراه متلددا متحٌراً، كؤنه ٌعالج شٌباً ٌجتذبه، أو ٌجد سٌبًا فى باطنه ٌستخرجه. كل ذلك مبالؽة فى طاعة إبلٌس، وقبول وسوسته، ومن انتهت طاعته لإبلٌس إلى هذا الحد فقد بلػ النهاٌة فى طاعته. ثم إنه ٌقبل قوله فى تعذٌب نفسه وٌطٌعه فى الإضرار بجسده، تارة بالؽوص فى الماء البارد، وتارة بكثرة استعماله وإطالة العرك. وربما فتح عٌنٌه فى الماء البارد، وؼسل داخلهما حتى ٌضر ببصره، وربما أفضى إلى كشؾ عورته للناس، وربما صار إلى حال ٌسخر منه الصبٌان وٌستهزئ به من ٌراه. قلت: ذكر أبو الفرج بن الجوزى عن أبى الوفاء بن عقٌل: "أن رجلبً قال له: أنؽمس فى الماء مرارا كثٌرة وأشك: هل صح لى الؽسل أم لا؟ فما ترى فى ذلك؟ فقال له الشٌخ: اذهب فقد سقطت عنك الصلبة. قال: وكٌؾ؟ قال: لأن النبى صلى الله تعالى علٌه وسلم قال: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلبثَة : المَجْنُونِ حَت ى ٌُفٌِقَ، وَالنّابمِ حَت ى ٌَسْتٌَقِظَ، وَالص بىِّ حَتّى ٌَبْلُػَ ." ومن ٌنؽمس فى الماء مرارا وٌشك هل أصابه الماء أم لا، فهو مجنون." قال: وربما شؽله بوسواسه حتى تفوته الجماعة، وربما فاته الوقت، وٌشؽله بوسوسته فى النٌة حتى تفونه التكبٌرة الأولى، وربما فوت علٌه ركعة أو أكثر، ومنهم من ٌحلؾ أنه لا ٌزٌد على هذا، ثم ٌكذب. قلت: وحكى لى من أثق به عن موسوس عظٌم رأٌته أنا ٌكرر عقد النٌة مرارا عدٌدة فٌشق على المؤمومٌن مشقة كبٌرة، فعرض له أن حلؾ بالطلبق أنه لا ٌزٌد على تلك المرة فلم ٌدعه إبلٌس حتى زاد، ففرق بٌنه وبٌن امرأته، فؤصابه لذلك ؼم شدٌد وأقاما متفرقٌن 1/134) ________________________________________ دهرا طوٌلبً، حتى تزوجت تلك المرأة برجل آخر، وجاءه منها ولد ثم إنه حنث فى ٌمٌن حلفها ففرق بٌنهما وردت إلى الأول بعد أن كاد ٌتلؾ لمفارقتها. وبلؽنى عن آخر أنه كان شدٌد التنطع فى التلفظ بالنٌة والتقعر فى ذلك، فاشتد به التنطع والتقعر ٌوماً إلى أن قال: أصلى، أصلى، مرارا، صلبة كذا وكذا. وأراد أن ٌقول: أداء، فؤعجم الدال، وقال: أذاء لله. فقطع الصلبة رجل إلى جانبه، فقال: ولرسوله وملببكته وجماعة المصلٌن. قال: ومنهم من ٌتوسوس فى إخراج الحرؾ حتى ٌكرره مرارا. قال: فرأٌت منهم من ٌقول: الله أكبر. قال: وقال لى إنسان منهم: قد عجزت عن قول السلبم علٌكم، فقلت له: قل مثل ما قد قلت الآن، وقد استرحت. وقد بلػ الشٌطان منهم أن عذبهم فى الدنٌا قبل الآخرة، وأخرجهم عن اتباع الرسول وأدخلهم فى جملة أهل التنطع والؽلو، وهم ٌحسبون أنهم ٌحسنون صنعاً . فمن أراد التخلص من هذه البلٌة فلٌستشعر أن الحق فى اتباع رسول الله صلى الله تعالى علٌه وسلم فى قوله وفعله، ولٌعزم على سلوك طرٌقة عزٌمة من لا ٌشك أنه على الصراط المستقٌم، وأن ما خالفه من تسوٌل إبلٌس ووسوسته، وٌوقن أنه عدو له لا ٌدعوه إلى خٌر.

عدد الصفحات ٧٥

76 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي {إِن ما ٌَدْعُوا حِزْبَهُ لٌَِكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ الس عٌِرِ [ }فاطر: 6 . ]ولٌترك التعرٌج على كل ما خالؾ طرٌقة رسول الله علٌه الصلبة والسلبم كابنا ما كان، فإنه لا ٌشك أن رسول الله علٌه الصلبة والسلبم كان على الصراط المستقٌم. ومن شك فى هذا فلٌس بمسلم. ومن علمه فإلى أٌن العدول عن سنته؟ وأى شىء ٌبتؽى العبد ؼٌر طرٌقته؟ وٌقول لنفسه: ألست تعلمٌن أن طرٌقة رسول الله صلى الله تعالى علٌه وسلم هى الصراط المستقٌم؟ فإذا قالت له: بلى، قال لها: فهل كان ٌفعل هذا؟ فستقول: لا، فقل لها: فماذا بعد الحق إلا الضلبل؟ وهل بعد طرٌق الجنة إلا طرٌق النار؟ وهل بعد سبٌل الله وسبٌل رسوله إلا سبٌل الشٌطان؟ فإن اتبعت 1/135) ________________________________________ سبٌله كنت قرٌنه، وستقولٌن{ :ٌَا لٌَْتَ بٌَْنى وَبٌَْنَكَ بُعْدَ المَشْرقٌن فَبِبْسَ الْقَرٌِنُ [ }الزخرؾ: 58 . ]ولٌنظر أحوال السلؾ فى متابعتهم لرسول الله صلى الله تعالى علٌه وسلم فلٌقتد بهم ولٌختر طرٌقهم فقد روٌنا عن بعضهم أنه قال: لقد تقدمنى قوم لو لم ٌتجاوزوا بالوضوء الظفر ما تجاوزته. قلت: هو إبراهٌم النخعى. وقال زٌن العابدٌن ٌوماً لابنه: "ٌا بنى، اتخذ لى ثوباً ألبسه عند قضاء الحاجة، فإنى رأٌت الذباب ٌسقط على الشىء ثم ٌقع على الثوب، ثم انتبه فقال: ما كان للنبى صلى الله تعالى علٌه وسلم وأصحابه إلا ثوب واحد، فتركه." وكان عمر رضى الله تعالى عنه ٌهم بالأمر وٌعزم علٌه، فإذا قٌل له: لم ٌفعله رسول الله صلى الله تعالى علٌه وسلم انتهى، حتى إنه قال: "لقد هممت أن أنهى عن لبس هذه الثٌاب، فإنه قد بلؽنى أنها تصبػ ببول العجابز فقال له أبى: ما لك أن تنهى، فإن رسول الله علٌه الصلبة والسلبم قد لبسها ولبست فى زمانه ولو علم الله أن لبسها حرام لبٌنه لرسوله صلى الله علٌه وسلم. فقال عمر: صدقت." ثم لٌعلم أن أصحاب رسول الله صلى الله علٌه وسلم ما كان فٌهم موسوس. ولو كان الوسوسة فضٌلة لما ادخرها الله عن رسوله وصحابته، وهم خٌر الخلق وأفضلهم، ولو أدرك رسول الله صلى الله تعالى علٌه وسلم الموسوسٌن لمقتهم، ولو أدركهم عمر رضى الله تعالى عنه لضربهم وأدبهم، ولو أدركهم الصحابة لبدعوهم، وها أنا أذكر ما جاء فى خلبؾ مذهبهم على ما ٌسره الله تعالى مفصلبً : الفصل الأول: فى النٌة فى الطهارة والصلبة النٌة هى القصد والعزم على فعل الشىء، ومحلها القلب، لا تعلق لها باللسان أصلبً ولذلك لم ٌنقل عن النبى صلى الله تعالى علٌه وسلم ولا عن أصحابه فى النٌة لفظ بحال، ولا سمعنا 1/136) ________________________________________ عنهم ذكر ذلك. وهذه العبارات التى أحدثت عند افتتاح الطهارة والصلبة قد جعلها الشٌطان معتركاً لأهل الوسواس، ٌحبسهم عندها وٌعذبهم فٌها، وٌوقعهم فى طلب تصحٌحها فترى أحدهم ٌكررها وٌجهد نفسه فى التلفظ بها، ولٌست من الصلبة فً شىء، وإنما النٌة قصد فعل الشىء، فكل عازم على فعل فهو ناوٌه، لا ٌتصور انفكاك ذلك عن النٌة فإنه حقٌقتها، فلب ٌمكن عدمها فى حال وجودها، ومن قعد لٌتوضؤ فقد نوى الوضوء، ومن قام لٌصلى فقد نوى الصلبة، ولا ٌكاد العاقل ٌفعل شٌباً من العبادات ولا ؼٌرها بؽٌر نٌة، فالنٌة أمر لازم لأفعال الإنسان المقصودة، لا ٌحتاج إلى تعب ولا تحصٌل. ولو أراد إخلبء أفعاله الاختٌارٌة عن نٌته لعجز عن ذلك. ولو كلفه الله عز وجل الصلبة والوضوء بؽٌر نٌة لكلفه ما لا ٌطٌق، ولا ٌدخل تحت وسعه. وما كان هكذا فما وجه التعب فى تحصٌله؟ وإن شك فى حصول نٌته فهو نوع جنون. فإن علم الإنسان بحال نفسه أمر ٌقٌنى. فكٌؾ ٌشك فٌه عاقل من نفسه؟ ومن قام لٌصلى صلبة الظهر خلؾ الإمام فكٌؾ ٌشك فى ذلك؟ ولو دعاه داع إلى شؽل فى تلك الحال لقال: إنى مشتؽل أرٌد صلبة الظهر، ولو قال

عدد الصفحات ٧٦

ن بحال نفسه أمر ٌقٌنى. فكٌؾ ٌشك فٌه عاقل من نفسه؟ ومن قام لٌصلى صلبة الظهر خلؾ الإمام فكٌؾ ٌشك فى ذلك؟ ولو دعاه داع إلى شؽل فى تلك الحال لقال: إنى مشتؽل أرٌد صلبة الظهر، ولو قال له قابل فى وقت خروجه إلى الصلبة: أٌن تمضى؟ لقال: أرٌد صلبة الظهر مع الإمام، فكٌؾ ٌشك عاقل فى هذا من نفسه وهو ٌعلمه ٌقٌنا؟.

عدد الصفحات ٧٦

77 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي بل أعجب من هذا كله أن ؼٌره ٌعلم بنٌته بقرابن الأحوال، فإنه إذا رأى إنساناً جالساً فى الصؾ فى وقت الصلبة عند اجتماع الناس علم أنه ٌنتظر الصلبة. وإذا رآه قد قام عند إقامتها ونهوض الناس إلٌها علم أنه إنما قام لٌصلى. فإن تقدم بٌن ٌدى المؤمومٌن علم أنه ٌرٌد إمامتهم، فإن رآه فى الصؾ علم أنه ٌرٌد الابتمام. قال: فإذا كان ؼٌره ٌعلم نٌته الباطنة بما ظهر من قرابن الأحوال، فكٌؾ ٌجهلها من نفسه، مع اطلبعه هو على باطنه؟ فقبوله من الشٌطان أنه ما نوى تصدٌق له فى جحد العٌان، وإنكار الحقابق المعلومة ٌقٌناً . ومخالفة للشرع، ورؼبة عن السنة، وعن طرٌق الصحابة. ثم إن النٌة الحاصلة لا ٌمكن تحصٌلها، والموجودة لا ٌمكن إٌجادها؛ لأن من شرط إٌجاد 1/137) ________________________________________ الشىء كونه معدوما، فإن إٌجاد الموجود محال، وإذا كان كذلك فما ٌحصل له بوقوفه شىء، لو وقؾ ألؾ عام. قال: ومن العجب أنه ٌتوسوس حال قٌامه، حتى ٌركع الإمام، فإذا خشى فوات الركوع كبر سرٌعاً وأدركه. فمن لم ٌحصل النٌة فى الوقوؾ الطوٌل حال فراغ باله كٌؾ ٌحصلها فى الوقت الضٌق مع شؽل باله بفوات الركعة؟، ثم ما ٌطلبه إما أن ٌكون سهلبً أو عسٌراً، فإن كان سهلبً فكٌؾ ٌعسره؟ وإن كان عسٌراً فكٌؾ تٌسر عند ركوع الإمام سواه؟ وكٌؾ خفى ذلك على النبى صلى الله تعالى علٌه وسلم وصحابته من أولهم إلى آخرهم، والتابعٌن ومن بعدهم؟ وكٌؾ لم ٌنتبه له سوى من استحوذ علٌه الشٌطان، أفٌظن بجهله أن الشٌطان ناصح له؟ أما علم أنه لا ٌدعو إلى هدى، ولا ٌهدى إلى خٌر؟ وكٌؾ ٌقول فى صلبة رسول الله صلى الله تعالى علٌه وسلم وسابر المسلمٌن الذٌن لم ٌفعلوا فعل هذا الموسوس؟ أهى ناقصة عنده مفضولة؟ أم هى التامة الفاضلة؟ فما دعاه إلى مخالفتهم والرؼبة عن طرٌقهم؟. فإن قال: هذا مرض بلٌت به، قلنا: نعم، سببه قبولك من الشٌطان، ولم ٌعذر الله تعالى أحدا بذلك، ألا ترى أن آدم وحواء لما وسوس لهما الشٌطان فقبلب منه أخرجا من الجنة، ونودى علٌهما بما سمعت، وهما أقرب إلى العذر؛ لأنهما لم ٌتقدم قبلهما من ٌعتبران به، وأنت قد سمعت وحذرك الله تعالى من فتنته، وبٌن لك عداوته، وأوضح لك الطرٌق، فمالك عذر ولا حجة فى ترك السنة والقبول من الشٌطان. قلت: قال شٌخنا: ومن هإلاء من ٌؤتى بعشر بدع لم ٌفعل رسول الله صلى الله تعالى علٌه وسلم ولا أحد من أصحابه واحدة منها، فٌقول: أعوذ بالله من الشٌطان الرجٌم، نوٌت أصلى صلبة الظهر فرٌضة الوقت، أداء لله تعالى، إماما أو مؤموما، أربع ركعات، مستقبل القبلة، ثم ٌزعج أعضاءه وٌحنى جبهته وٌقٌم عروق عنقه، وٌصرح بالتكبٌر. كؤنه ٌكبر على العدو. ولو مكث أحدهم عمر نوح علٌه السلبم ٌفتش: هل فعل رسول الله صلى الله تعالى علٌه وسلم أو أحد من أصحابه شٌباً من ذلك، لما ظفر به، إلا أن ٌجاهر بالكذب البحت. فلو كان 1/138) ________________________________________ فى هذا خٌر لسبقونا إلٌه، ولدلونا علٌه. فإن كان هذا هدى فقد ضلوا عنه، وإن كان الذى كانوا علٌه هو الهدى والحق فماذا بعد الحق إلا الضلبل. قال: ومن أصناؾ الوسواس ما ٌفسد الصلبة، مثل تكرٌر بعض الكلمة، كقوله فى التحٌات: إت إت، التحى التحى، وفى السلبم: أس أس. وقوله فى التكبٌر: أكككبر ونحو ذلك، فهذا الظاهر بطلبن الصلبة به، وربما كان إماماً فؤفسد صلبة المؤمومٌن، وصارت الصلبة التى هى من أكبر الطاعات أعظم إبعاداً له عن الله من الكبابر، وما لم تبطل به الصلبة من ذلك فمكروه وعدول عن السنة، ورؼبة عن طرٌقة رسول الله صلى الله تعالى علٌه وسلم وهدٌه، وما كان علٌه أصحابه. وربما رفع صوته بذلك فآذى سامعٌه، وأؼرى الناس بذمه والوقٌعة فٌه، فجمع على نفسه طاعة إبلٌس

عدد الصفحات ٧٧

عن السنة، ورؼبة عن طرٌقة رسول الله صلى الله تعالى علٌه وسلم وهدٌه، وما كان علٌه أصحابه. وربما رفع صوته بذلك فآذى سامعٌه، وأؼرى الناس بذمه والوقٌعة فٌه، فجمع على نفسه طاعة إبلٌس ومخالفة السنة، وارتكاب شر الأمور ومحدثاتها، وتعذٌب نفسه وإضاعة الوقت، والاشتؽال بما ٌنقص أجره، وفوات ما هو أنفع له، وتعرٌض نفسه لطعن الناس فٌه، وتؽرٌر الجاهل بالاقتداء به؛ فإنه ٌقول: لولا أن ذلك فضل لما اختاره لنفسه، وأساء الظن بما جاءت به السنة، وأنه لا ٌكفى وحده، وانفعال النفس وضعفها للشٌطان، حتى ٌشتد طمعه فٌه وتعرٌضه نفسه للتشدٌد علٌه بالقدر، عقوبة له، وإقامته على الجهل، ورضاه بالخبل فى العقل، كما قال أبو حامد الؽزالى وؼٌره: "الوسوسة سببها إما جهل بالشرع، وإما خبل فى العقل، وكلبهما من أعظم النقابص والعٌوب."

عدد الصفحات ٧٧

78 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي فهذه نحو خمسة عشر مفسدة فى الوسواس، ومفاسده أضعاؾ ذلك بكثٌر. وقد روى مسلم فى صحٌحه من حدٌث عثمان بن أبى العاص قال: قلت: "ٌَا رَسُولَ اللهِ، إِنّ الشٌطان قَدْ حَالَ بٌَْنِى وَبٌَْنَ صَلبتِى ٌُلَبِّسُهَا عَلَى ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى علٌَْهِ وَسلّ م: ذَاكَ شٌَْطَان ٌُقَالُ لَهُ خِنْزَب، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَو ذْ بِاللهِ مِنْهُ، وَاتْفُلْ عَنْ ٌَسَاركَ ثَلبثاً، فَفَعَلْتُ ذلِكَ، فَؤَذْهَبَهُ اللهُ تَعَالَى عَنِّى." فؤهل الوسواس قرة عٌن خنزب وأصحابه، نعوذ بالله عز وجل منه. 1/139) ________________________________________ فصل ومن ذلك الإسراؾ فى ماء الوضوء والؽسل. وقد روى أحمد فى مسنده من حدٌث عبد الله بن عمرو: "أنّ رَسُولَ الله صلّى اللهُ تَعَالَى عَلٌَْهِ وسّلَم مَر بِسَعْد وَهُوَ ٌَتَوَضّؤُ، فَقالَ : لا تُسْرِؾْ، فَقَالَ : ٌَا رَسُولَ اللهِ، أَوَفِى المَاءِ إِسْرَاؾ ؟ قَالَ : نَعَمْ، وَإنْ كُنْتَ عَلَى نَهْر جَار ." وفى جامع الترمذى من حدٌث أبى بن كعب: أَنّ النّبى صلى اللهُ تَعَالَى علٌهِ وسلّمَ قَالَ : "إِنّ لِلْوُضُوءِ شٌَْطاناً ٌُقَالُ لَهُ الْوَلْهَانُ، فَات قُوا وَسْوَاسَ المَاءِ ." وفى المسند والسنن من حدٌث عمرو بن شعٌب عن أبٌه عن جده قال: "جَاءَ أَعْرَابِى إلَى رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ تَعَالَى عَلٌَْهِ وسلّم ٌَسْؤَلُهُ عَن الْوُضُوءِ، فَؤَرَاهُ ثَلبثاً ثلبثاً، وَقالَ : هذا الْوُضُوءُ فَمنْ زَادَ عَلَى هذاَ فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدّى وَظَ لَمَ ." وفى كتاب الشافى لأبى بكر عبد العزٌز من حدٌث أم سعد قالت: قَالَ رسُولُ اللهِ صلّى الله تَعَالَى عَلٌْهِ وسلّم: "ٌُجْزِئُ مِنَ الْوُضُوءِ مُد، والْؽُسْلِ صَاع . وَسٌََؤْتِى قَوْم ٌَسْتَقِل ونَ ذلِكَ، فَؤُولِبِكَ خِلبؾُ أَهْل سُن تى، وَالآخِذ بِسُنتِى فى حَضْرَةِ الْقُدُسِ مُنتَزه أَهْلِ الجن ةِ ." وفى سنن الأثرم من حدٌث سالم بن أبى الجعد عن جابر بن عبد الله قال: "ٌُجْزِئُ مِنَ الْوُضُوءِ المُد ، وَمِنَ الْؽَسْلِ مِنَ الجنَابَةِ الص اعُ، فَقَالَ رَجُل : مَا ٌَكْفٌِنِى، فَؽَضِبَ جَابِر حَتّى تَرَبّ دَ وَجْهُهُ، ثُم قَالَ : قَدْ كَفَى مَنْ هُوَ خٌَْر مِنْكَ وَأَكْثَرُ شَعْراً ." وقد رواه الإمام أحمد فى مسنده مرفوعاً . ولفظه عن جابر قال: قالَ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ تَعَالَى عَلٌْهِ وسلّم: "ٌُجْزِئُ مِنَ الْؽَسْلِ الص اعُ، وَمِنَ الْوُضُوءِ المُد ". وفى صحٌح مسلم عن عابشة رضى الله تعالى عنها: "أَن هَا كَانَتْ تَؽْتَسِلُ هِىَ وَالن بى صلّى اللهُ تَعَالَى عَلٌْهِ وسلّم مِنْ إِنَاء وَاحِد ٌَسَعُ ثَلبَثَةَ أَمْدَاد ، أَوْ قَرٌِباً مِنْ ذلِكَ ." وفى سنن النسابى عن عبٌد بن عمٌر: "أَنّ عَابِشَةَ رَضِىَ اللهُ عَنهَا قَالَتْ : لَقَدْ رَأٌَْتُنى أَؼْتَسِلُ 1/140) ________________________________________ أنَا وَرَسُولُ اللهِ مِنْ هذَا، فَإِذَا تَوْر مَوْضُوع مِثْلُ الص اعِ أوْ دُونَهُ - نَشْرَعُ فٌِهِ جَمٌِعاً، فَؤَفٌِضُ بٌَِدَى عَلَى رَأْسِى ثَلبَثَ مَر ات ، وَمَا أَنْقُضُ لِى شَعْرًا." وفى سنن أبى داود والنسابى عن عباد بن تمٌم عن أم عمارة بنت كعب أن النبى صلى الله تعالى علٌه وسلم: "تَوَضّؤَ فَؤُتِىَ بمِاء فِى إناء قَدْرِ ثُلُثَىِ المُد ." وقال عبد الرحمن بن عطاء: سمعت سعٌد بن المسٌب ٌقول: "إن لى ركوة أو قدحاً، ما ٌسع إلا نصؾ المد أو نحوه، أبول ثم أتوضؤ منه، وأفضل منه فضلبً ". قال عبد الرحمن: "فذكرت ذلك لسلٌمان بن ٌسار فقال: وأنا ٌكفٌنى مثل ذلك". قال عبد الرحمن: "فذكرت ذلك لأبى عبٌدة بن محمد بن عمار بن ٌاسر فقال: وهكذا سمعنا من أصحاب رسول

عدد الصفحات ٧٨

منه فضلبً ". قال عبد الرحمن: "فذكرت ذلك لسلٌمان بن ٌسار فقال: وأنا ٌكفٌنى مثل ذلك". قال عبد الرحمن: "فذكرت ذلك لأبى عبٌدة بن محمد بن عمار بن ٌاسر فقال: وهكذا سمعنا من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى علٌه وسلم"، رواه الأثرم فى سننه. وقال إبراهٌم النخعى: "كانوا أشد استٌفاء للماء منكم، وكانوا ٌرون أن ربع المد ٌجزئ من الوضوء." وهذا مبالؽة عظٌمة، فإن ربع المد لا ٌبلػ أوقٌة ونصفاً بالدمشقى. وفى "الصحٌحٌن" عن أنس قال: "كَانَ رَسُولُ صلى اللهُ تعالى علٌهِ وسلم ٌَتَوَض ؤُ بِالمُد، وٌََؽْتَسِلُ بِالص اعِ إلَى خَمْسَة أمْدَاد."

عدد الصفحات ٧٨

79 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وفى "صحٌح مسلم" عن سفٌنة قال: "كانَ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ تَعَالَى علٌْهِ وَسلم ٌَؽْسِلُهُ الص اعُ مِنَ الجَنَابَةِ، وٌَُوَضبُهُ المُد ." وقال إبراهٌم النخعى: "إنى لأتوضؤ من كوز الحب مرتٌن." وتوضؤ القاسم بن محمد بن أبى بكر الصدٌق بقدر نصؾ المد أو أزٌد بقلٌل. وقال محمد بن عجلبن: "الفقه فى دٌن الله إسباغ الوضوء وقلة إهراق الماء." وقال الإمام أحمد: "كان ٌقال: من قلة فقه الرجل ولعه بالماء" وقال المٌمونى: "كنت أتوضؤ بماء كثٌر: فقال لى أحمد: ٌا أبا الحسن، أترضى أن تكون كذا؟ فتركته." 1/141) ________________________________________ وقال عبد الله بن أحمد: "قلت لأبى: إنى لأكثر الوضوء، فنهانى عن ذلك، وقال ٌا بنى، ٌقال: إن للوضوء شٌطاناً ٌقال له الولهان. قال لى ذلك ؼٌر مرة، ٌنهانى عن كثرة صب الماء، وقال لى: أقلل من هذا الماء ٌا بنى." وقال إسحاق بن منصور: "قلت لأحمد: نزٌد على ثلبث فى الوضوء؟ فقال: لا والله إلا رجل مبتلى." وقال أسود بن سالم، الرجل الصالح شٌخ الإمام أحمد: "كنت مبتلى بالوضوء، فنزلت دجلة أتوضؤ، فسمعت هاتفاً ٌقول: ٌا أسود، ٌحٌى عن سعٌد: الوضوء ثلبث، ما كان أكثرلم ٌرفع، فالتفت فلم أر أحدا." وقد روى أبو داود فى سننه من حدٌث عبد الله بن مُؽف ل قال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى علٌه وسلم ٌقول: "سٌََكُونُ فى هذِهِ الأُم ةِ قَوْمَ ٌَعْتَدُونَ فى الطُهورِ وَالد عَاءِ ." فإذا قرنت هذا الحدٌث بقوله تعالى{ :إِن اللهَ لا ٌُحِب المُعْتَدٌِنَ [ }الأعراؾ: 55 . ]وعلمت أن الله ٌحب عبادته، أنتج لك من هذا أن وضوء الموسوس لٌس بعبادة ٌقبلها الله تعالى، وإن أسقطت الفرض عنه، فلب تفتح أبواب الجنة الثمانٌة لوضوبه ٌدخل من أٌها شاء. ومن مفاسد الوسواس: أنه ٌشؽل ذمته بالزابد على حاجته، إذا كان الماء مملوكاً لؽٌره كماء الحمام، فٌخرج منه وهو مرتهن الذمة بما زاد على حاجته، وٌتطاول علٌه الدٌن حتى ٌرتهن من ذلك بشا كثٌر جداً ٌتضرر به فى البرزخ وٌوم القٌامة. فصل ومن ذلك الوسواس فى انتقاض الطهارة لا ٌلتفت إلٌه. وفى صحٌح مسلم عن أبى هرٌرة رضى الله تعالى عنه، قال رسول الله صلى الله تعالى علٌه وسلم. "إذَا وَجَدَ أَحَدُ كُمْ فى بَطْنِه شٌَْباً فَؤَشْكلَ عَلٌَْهِ : أَخْرَجَ مِنْهُ شَاْ أَمْ لا؟ فَلبَ ٌَخْرُجُ مِنَ المَسْجِد حَت ى ٌَسْمَعَ صَوْتاً أَوْ ٌَجَدَ رٌِحاً ." 1/142) ________________________________________ وفى الصحٌحٌن عن عبد الله بن زٌد قال: "شكِىَ إِلى رَسُولِ صلى اللهُ علٌه وسلَم: الر جُلُ ٌخٌَّلُ إلٌَْهِ أَنّهُ ٌَجِدُ الشّاْ فى الص لبَةِ، قَالَ : لا ٌَنْصَرِؾُ حَت ى ٌَسْمَعَ صَوْتاً أوْ ٌَجَد رٌِحاً ". وفى المسند وسنن أبى داود عن أبى سعٌد الخدرى أن رسول الله صلى الله تعالى علٌه وسلم قال: "إن الشٌّْطَانَ ٌِؤْتِى أَحَدَكُمْ وَهُوَ فى الص لبَةِ، فٌََؤخُذُ بِشَعْرَة مِنْ دُبُرِهِ فٌَُمِد هَا فٌَُرَى أَنّهُ قَدْ أَحْدَثَ، فَلبَ ٌَنْصَرِؾُ حَت ى ٌسْمَعَ صَوْتاً أَوْ ٌَجَدَ رٌِحاً " ولفظ أبى داود: "إِذَا أَتَى الشٌّْطَانُ أَحَدَكُمْ فقَالَ لَهُ : إِنّكَ قَدْ أَحْدَثْتَ، فَلٌَْقُلْ لَهُ : كَذَبْتَ، إِلا مَا وَجَدَ رٌحِاً بِؤَنْفِه أوْ سَمِعَ صَوْتاً بِؤُذُنِهِ ." فؤمر علٌه الصلبة والسلبم بتكذٌب الشٌطان فٌما ٌحتمل صدقه فٌه، فكٌؾ إذا كان كذبه معلوماً متٌقناً، كقوله للموسوس: لم تفعل كذا، وقد فعله؟

عدد الصفحات ٧٩

80 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي قال الشٌخ أبو محمد: وٌستحب للئنسان أن ٌنضح فرجه وسراوٌله بالماء إذا بال، لٌدفع عن نفسه الوسوسة، فمتى وجد بللب قال: هذا من الماء الذى نضحتا، لما روى أبو داود بإسناده عن سفٌان بن الحكم الثقفى، أو الحكم بن سفٌان قال: "كانَ الن بى صلّى الله تَعالى علٌهِ وسلم إِذا بَالَ تَوَضؤَ وٌنتضح." وفى رواٌة: "رَأٌَْتُ رَسُولَ اللهِ صلّى اللهُ علٌهِ وسلَم بَالَ ثُم نَضَحَ فَرْجَهُ ." وكان ابن عمر ٌنضح فرجه حتى ٌبل سراوٌله. وشكا إلى الإمام أحمد بعض أصحابه أنه ٌجد البلل بعد الوضوء، فؤمره أن ٌنضح فرجه إذا بال، قال: "ولا تجعل ذلك من همتك واله عنه." وسبل الحسن أو ؼٌره عن مثل هذا فقال: "اله عنه". فؤعاد علٌه المسؤلة فقال: "أتستدره لا أب لك، أله عنه." فصل ومن هذا ما ٌفعله كثٌر من الموسوسٌن بعد البول وهو عشرة أشٌاء: السلت، والفطر، والنحنحة، والمشى، والقفز، والحبل، والتفقد، والجور، والحشو، والعصابة، والدرجة. 1/143) ________________________________________ أما السلت فٌسلته من أصله إلى رأسه، على أنه قد روى فى ذلك حدٌث ؼرٌب لا ٌثبت، ففى المسند وسنن ابن ماجه عن عٌسى بن ٌزداد عن أبٌه قال: قال: رَسُولُ اللهِ تعالى علٌه وسل م: "إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلٌَْمْسَحْ ذَكَرَهُ ثَلبَثَ مَر ات ." وقال جابر بن زٌد: "إِذَا بُلْتَ فَامْسَح أَسْفَلَ ذَكَرِكَ فإِن هُ ٌَنْقَطِعُ ". رواه سعٌد عنه. قالوا: ولأنه بالسلت والنتر ٌستخرج ما ٌخشى عوده بعد الاستنجاء. قالوا: وإن احتاج إلى مشى خطوات لذلك ففعل فقد أحسن، والنحنحة لٌستخرج الفضلة. وكذلك القفز ٌرتفع عن الأرض شٌباً ثم ٌجلس بسرعة، والحبل ٌتخذ بعضهم حبلبً ٌتعلق به حتى ٌكاد ٌرتفع، ثم ٌنخرط منه حتى ٌقعد، والتفقد: ٌمسك الذكر ثم ٌنظر فى المخرج هل بقى فٌه شىء أم لا. والوجور: ٌمسكه ثم ٌفتح الثقب وٌصب فٌه الماء: والحشو: ٌكون معه مٌل وقطن ٌحشوه به كما ٌحشو الدمل بعد فتحها. والعصابة: ٌعصبه بخرقة، والدرجة ٌصعد فى سلم قلٌلب ثم ٌنزل بسرعة، والمشى ٌمشى خطوات ثم ٌعٌد الاستجمار. قال شٌخنا: "وذلك كله وسواس وبدعة"، فراجعته فى السلت والنتر فلم ٌره، وقال: "لم ٌصح الحدٌث"، قال: "والبول كاللبن فى الضرع إن تركته قر وإن حلبته در." قال: "ومن اعتاد ذلك ابتلى منه بما عوفى منه من لها عنه." قال: "ولو كان هذا سنة لكان أولى الناس به رسول الله علٌه الصلبة والسلبم وأصحابه"، وقد قال الٌهودى لسلمان: "لقد علمكم نبٌكم كل شىء حتى الخرأة، فقال: أجل"، فؤٌن علمنا نبٌنا صلى الله تعالى علٌه وسلم ذلك أو شٌباً منه؟ بلى علم المستحاضة أن تتلجم، وعلى قٌاسها من به سلس البول أن ٌتحفظ، وٌشد علٌه خرقة. فصل ومن ذلك أشٌاء سهل فٌها المبعوث بالحنٌفٌة السمحة فشدد فٌها هإلاء. فمن ذلك المشى حافٌاً فى الطرقات، ثم ٌصلى ولا ٌؽسل رجلٌه، فقد روى أبو داود فى 1/144) ________________________________________ سننه: عن امرأة من بنى عبد الأشهل قالت: "قُلْتُ : ٌَا رَسُولَ اللهِ، إِن لَناَ طَرٌِقاَ إِلى المَسْجِدِ مُنْتِنَةً، فَكٌَْؾَ نَفْعَلُ إِذَا تَطه رْنَا؟ قَال: أَلٌَْسَ بَعْدَهَا طَرٌِق أَطٌَْبُ مِنْهَا؟ قَالَتْ : قُلْتُ : بَلَى، قَالَ : فَهذِهِ بهذِهِ ." وقال عبد الله بن مسعود: "كُن ا لا نَتَوَضّؤُ مِنْ مَوْطِى ء ." وعن على رضى الله عنه: أنه خاص فى طٌن المطر، ثم دخل المسجد فصلى، ولم ٌؽسل رجلٌه.

عدد الصفحات ٨٠

81 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وسبل ابن عباس رضى الله عنهما عن الرجل ٌطؤ العذرة؟ قال: "إن كانت ٌابسة فلٌس بشىء، وإن كانت رطبة ؼسل ما أصابه." وقال حفص: أقبلت مع عبد الله بن عمر عامدٌن إلى المسجد. فلما انتهٌنا عدلت إلى المطهرة لأؼسل قدمى من شىء أصابهما، فقال عبد الله: لا تفعل، فإنك تطؤ الموطىء الردئ، ثم تطؤ بعده الموطا الطٌب- أو قال: النظٌؾ- فٌكون ذلك طهوراً، فدخلنا المسجد جمٌعاً فصلٌنا. وقال أبو الشعثاء: "كان ابن عمر ٌمشى بمنى فى الفروث والدماء الٌابسة حافٌاً، ثم ٌدخل المسجد فٌصلى فٌه، ولا ٌؽسل قدمٌه." وقال عمران بن حُدٌر: كنت أمشى مع أبى مِجْلز إلى الجمعة، وفى الطرٌق عذرات ٌابسة، فجعل ٌتخطاهن وٌقول: ما هذه إلا سوادات، ثم جاء حافٌاً إلى المسجد فصلى، ولم ٌؽسل قدمٌه." وقال عاصم الأحول: "أتٌنا أبا العالٌة، فدعونا بوضوء، فقال: ما لكم؟ ألستم متوضبٌن؟ قلنا: 1/145) ________________________________________ بلى، ولكن هذه الأقذار التى مررنا بها. قال: هل وطبتم على شىء رطب تعلق بؤرجلكم؟ قلنا: لا. فقال: فكٌؾ بؤشد من هذه الأقذار ٌجؾّ، فٌنسفها الرٌح فى رإوسكم ولحاكم"؟ فصل ومن ذلك أن الخؾ والحذاء إذا أصابت النجاسة أسفله أجزأ دلكه بالأرض مطلقاً وجازت الصلبة فٌه بالسنة الثابتة. نص علٌه أحمد. واختاره المحققون من أصحابه قال أبو البركات: ورواٌة: "أَجْزَأَ الد لْكُ مُطْلَقاً ." هى الصحٌحة عندى لما روى أبو هرٌرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم قال: "إِذَا وطِىءَ أَحَدكُمْ بِنَعْلِه الأَذَى فَإِن الت رَابَ لَهُ طَهُور "، وفى لفظ: " إِذَا وَطِىءَ أَحَدُكُمُ الأَذَى بخُفٌّْهِ فَطَهُورُهُمَا الت رَابُ ". رواهما أبو داود. وروى أبو سعٌد الخدرى أن رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم. "صَل ى فَخَلَعَ نَعْلٌَْهِ فَخَلَعَ الن اسُ نِعَالهُمْ فلما انْصَرَؾَ قَالَ : لِمَ خَلَعْتُمْ؟ قَالُوا: ٌَا رَسُولَ اللهِ، رَأٌْنَاكَ خَلَعْتَ فَخَلَعْنَا، فقَالَ : إِن جِبْرٌِلَ أتانى فَؤَخْبَرَنى أَن بهِماَ خَبَثاً، فإِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ المَسْ جِدَ فَلٌَْقلِبْ نَعْلٌَهِ ثُم لٌَِنْظُرْ، فَإِنْ رَأَى خَبَثاً فَلٌَْمْسَحْهُ بِالأرْضِ ثُم لٌُِصَل فٌِهِمَا". رواه الإمام أحمد. وتؤوٌل ذلك: على ما ٌستقذر من مخاط أو نحوه من الطاهرات لا ٌصح، لوجوه: أحدها: أن ذلك لا ٌسمى خبثاً . الثانى: أن ذلك لا ٌإمر بمسحه عند الصلبة فإنه لا ٌبطلها. الثالث: أنه لا تخلع النعل لذلك فى الصلبة، فإنه عمل لؽٌر حاجة، فؤقل أحواله الكراهة. الرابع: أن الدارقطنى روى فى سننه فى حدٌث الخلع من رواٌة ابن عباس: أن النبى علٌه الصلبة والسلبم قال: "إنّ جِبْرٌِلَ أَتَانِى، فَؤَخْبَرَنِى أَ نّ فٌِهِمَا دَمَ حَلَمَة " والحَلَمْ كبار القراد. 1/146) ________________________________________ ولأنه بمحل ٌتكرر ملبقاة النجاسة ؼالبا، فؤجزأ مسحه بالجامد، كمحل الاستجمار، بل أولى. فإن محل الاستجمار ٌلبقى النجاسة فى الٌوم مرتٌن أو ثلبثاً . فصل وكذلك ذٌل المرأة على الصحٌح، وقالت امرأة لأم سلمة: "إنى أطٌل ذٌلى وأمشى فى المكان القذر. فقالت: قال رسول الله صلى الله تعالى علٌه وسلم: "ٌطهره ما بعده" رواه أحمد وأبو داود. وقد رخص النبى علٌه الصلبة والسلبم للمرأة أن ترخى ذٌلها ذراعاً، ومعلوم أنه ٌصٌب القذر ولم ٌؤمرها بؽسل ذلك، بل أفتاهن بؤنه تطهره الأرض. فصل

عدد الصفحات ٨١

82 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي ومما لا تطٌب به قلوب الموسوسٌن: الصلبة فى النعال. وهى سنة رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم وأصحابه، فعلب منه وأمرا. "كانَ ٌُصَلّى فى نَعْلٌَْهِ "، متفق علٌه. وعن شداد بن أوس قال: قَالَ رسُولُ اللهِ صلى اللهُ تَعَالى علٌه وآله وسلم: "خَالِفُوا الٌَْهُودَ، فَإِن هُمْ لا ٌُصَل ونَ فى خِفَافِهِمْ وَلا نِعَالِهمْ ". رواه أبو داود. وقٌل للئمام أحمد: أٌصلى الرجل فى نعلٌه؟ فقال: إى والله. وترى أهل الوسواس إذا بلى أحدهم بصلبة الجنازة فى نعلٌه قام على عقبٌهما كؤنه واقؾ على الجمر، حتى لا ٌصلى فٌهما. 1/147) ________________________________________ وفى حدٌث أبى سعٌد الخدرى: "إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلٌَْنْظُرْ، فَإِنْ رَأَى عَلَى نَعْلٌَْهِ قَذَرًا فَلٌَمْسَحْهُ، وَلٌُْصَل ." فصل ومن ذلك: أن سنة رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: الصلبة حٌث كان، وفى أى مكان كان، سوى ما نهى عنه من المقبرة والحمام وأعطان الإبل، فصح عنه علٌه الصلبة والسلبم أنه قال: "جُعِلَتْ لِىَ الأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُورًا، فَحٌَْثُمَا أدْرَكَتْ رَجُلبً مِنْ أُم تىِ الص لبَةُ فَلٌُْصَل". وكان ٌصلى فى مرابض الؽنم، وأمر بذلك، ولم ٌشترط حابلب. قال ابن المنذر: "أجمع كل من ٌحفظ عنه من أهل العلم على إباحة الصلبة فى مرابض الؽنم، إلا الشافعً". فإنه قال: "أكره ذلك، إلا إذا كان سلٌماً من أبعارها". وقال: أبو هرٌرة رضى الله عنه: قال رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "صَل وا فى مَرَابِضِ الْؽَنَمِ، وَلا تُصَل وا فى أَعْطَانِ الإِبِلِ ". رواه الترمذى وقال: حدٌث حسن صحٌح. وروى الإمام أحمد من حدٌث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "صَل وا فى مَرَابِضِ الَؽْنمِ، وَلاَ تُصَل وا فى أَعْطَانِ الإِبِل، أَوْ مَبَارِكِ الإبِل." وفى المسند أٌضاً، من حدٌث عبد الله بن المؽفل قال: قالَ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ تعالى علٌهِ وآله وسلم: "صَل وا فى مَرَابِضِ الؽنم وَلاَ تُصَل وا فى أَعْطَانِ الإِبِل، فإنّهَا خُلِقَتْ مِنَ الش ٌاطِ ٌنِ ." وفى الباب عن جابر بن سمرة، والبراء بن عازب، وأسٌد بن الحضٌر وذى الؽرة، كلهم رووا عن النبى صلى الله تعالى علٌه وسلم: "صَلوا فى مَرَابِضِ الْؽَنمِ ." وفى بعض ألفاظ الحدٌث: "صَل وا فى مَرَابِضِ الْؽَنمِ، فَإِن فٌِهاَ بَرَكَةً ." 1/148) ________________________________________ وقال: "الأرْضُ كُل هَا مَسْجِد إِلا المَقْبَرَةُ وَالْحَمّامُ ". رواه أهل السنن كلهم، إلا النسابى. فؤٌن هذا الهدىُ من فعل من لا ٌصلى إلا على سجادة تفرش فوق البساط فوق الحصٌر وٌضع علٌها المندٌل؟ ولا ٌمشى على الحصٌر ولا على البساط، بل ٌمشى علٌها نقرا كالعصفور. فما أحق هإلاء بقول ابن مسعود: "لأنتم أهدى من أصحاب محمد أو أنتم على شعبة ضلبلة." وقد صلى النبى علٌه الصلبة والسلبم على حصٌر قد اسودّ من طول ما لبس، فنضح له بالماء وصلى علٌه، ولم ٌفرش له فوقه سجادة ولا مندٌل، وكان ٌسجد على التراب تارة، وعلى الحصى تارة، وفى الطٌن تارة، حتى ٌرى أثره على جبهته وأنفه. وقال ابن عمر: "كانَتِ الكِلبَبُ تُقْبِلُ وَتُدْبِرُ وَتَبُولُ فى المَسْجِدِ، وَلَمْ ٌَكُونُوا ٌَرُش ونَ شٌَْباً مِنْ ذلِكَ ." رواه البخارى، ولم ٌقل "وتبول" وهو عند أبى داود بإسناد صحٌح بهذه الزٌادة. فصل ومن ذلك: أن الناس فى عصر الصحابة والتابعٌن ومن بعدهم كانوا ٌؤتون المساجد حفاة فى الطٌن وؼٌره. قال ٌحٌى بن وثاب: "قلت لابن عباس: الرجل ٌتوضؤ ثم ٌخرج إلى المسجد حافٌاً؟ قال: لا بؤس به."

عدد الصفحات ٨٢

83 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وقال كمٌل بن زٌاد: "رأٌت علٌا رضى الله عنه ٌخوض طٌن المطر ثم دخل المسجد فصلى ولم ٌؽسل رجلٌه." قال إبراهٌم النخعى: "كانوا ٌخوضون الماء والطٌن إلى المسجد فٌصلون." وقال ٌحٌى بن وثاب: "كانوا ٌمشون فى ماء المطر وٌنتضح علٌهم". رواها سعٌد بن منصور فى سننه. 1/149) ________________________________________ وقال ابن المنذر: "وطا ابن عمر بمنى وهو حاؾ فى ماء وطٌن ثم صلى ولم ٌتوضؤ". قال: "وممن رأى ذلك علقمة، والأسود، وعبد الله بن مؽفل وسعٌد بن المسٌب، والشعبى، والإمام أحمد، وأبو حنٌفة، ومالك، وأحد الوجهٌن للشافعٌة"، قال: "وهو قول عامة أهل العلم، ولأن تنجٌسها فٌه مشقة عظٌمة منتفٌة بالشرع، كما فى أطعمة الكفار وثٌابهم، وثٌاب الفساق شربة المسكر وؼٌرهم." قال أبو البركات بن تٌمٌة: "وهذا كله ٌقوى طهارة الأرض بالجفاؾ، لأن الإنسان فى العادة لا ٌزال ٌشاهد النجاسات فى بقعة من طرقاته التى ٌكثر فٌها تردده إلى سوقه ومسجده وؼٌرهما، فلو لم تطهر إذا أذهب الجفاؾ أثرها للزمه تجنب ما شاهده من بقاع النجاسات بعد ذهاب أثرها، ولما جاز له التحفى بعد ذلك، وقد علم أن السلؾ الصالح لم ٌحترزوا من ذلك. وٌعضده أمره علٌه الصلبة والسلبم بمسح النعلٌن بالأرض لمن أتى المسجد ورأى فٌهما خبثاً، ولو تنجست الأرض بذلك نجاسة لا تطهر بالجفاؾ لأمر بصٌانة طرٌق المسجد عن ذلك، لأنه ٌسلكه الحافى وؼٌره." قلت: وهذا اختٌار شٌخنا رحمه الله. وقال أبو قلببة: "جفاؾ الأرض طهورها." فصل ومن ذلك: أن النبى علٌه الصلبة والسلبم سبل عن المذى، فؤمر بالوضوء منه، فقال: "كٌَْؾَ تَرَى بمَا أَ صَابَ ثَوْبى مِنْهُ؟ قَالَ : تَؤْخُذُ كَفا مِنْ مَاء فَتَنْضحُ بِه حٌَْثُ تَرَى أَنّهُ أصَابَهُ ". رواه أحمد والترمذى والنسابى. فجوّز نضح ما أصابه المذى، كما أمر بنضح بول الؽلبم. قال شٌخنا: وهذا هو الصواب، لأن هذه نجاسة ٌشق الأحتراز منها، لكثرة ما ٌصٌب ثٌاب الشاب العزب، فهى أولى بالتخفٌؾ من بول الؽلبم، ومن أسفل الخؾ والحذاء. 1/150) ________________________________________ فصل ومن ذلك: إجماع المسلمٌن على ما سنه لهم النبى صلى الله تعالى علٌه وسلم من جواز الاستجمار بالأحجار فى زمن الشتاء والصٌؾ، مع أن المحل ٌعرق، فٌنضح على الثوب ولم ٌؤمر بؽسله من ذلك. ومن ذلك: أنه ٌعفى عن ٌسٌر أرواث البؽال والحمٌر والسباع، فى إحدى الرواٌتٌن عن أحمد، اختارها شٌخنا لمشقة الاحتراز. قال الولٌد بن مسلم: "قلت للؤوزاعى: فؤبوال الدواب مما لا ٌإكل لحمه، كالبؽل والحمار والفرس؟ فقال: قد كانوا ٌبتلون بذلك فى مؽازٌهم، فلب ٌؽسلونه من جسد ولا ثوب." ومن ذلك: نص أحمد على أن الوَدْىَ ٌعفى عن ٌسٌره كالمذى، وكذلك ٌعفى عن ٌسٌر القا نص علٌه أحمد. وقال شٌخنا: "لا ٌجب ؼسل الثوب ولا الجسد من المِد ة والقٌح والصدٌد"، قال: "ولم ٌقم دلٌل على نجاسته." وذهب بعض أهل العلم إلى أنه طاهر، حكاه أبو البركات. وكان ابن عمر رضى الله عنهما لا ٌنصرؾ منه فى الصلبة، وٌنصرؾ من الدم. وعن الحسن نحوه. وسبل أبو مجلز عن القٌح ٌصٌب البدن والثوب؟ فقال: "لٌس بشىء، إنما ذكر الله الدم ولم ٌذكر القٌح." وقال إسحاق بن راهوٌه: "كل ما كان سوى الدم فهو عندى مثل العرق المنتن وشبهه، ولا ٌوجب وضوءا."

عدد الصفحات ٨٣

84 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وسبل أحمد رحمه الله: الدم والقٌح عندك سواء؟ فقال: "لا، الدم لم ٌختلؾ الناس فٌه، والقٌح قد اختلؾ الناس فٌه". وقال مرة: "القٌح والصدٌد والمِدة عندى أسهل من الدم." ومن ذلك: ما قاله أبو حنٌفة: "أنه لو وقع بعر الفؤر فى حنطة فطحنت، أو فى دهن مابع جاز أكله ما لم ٌتؽٌر، لأنه لا ٌمكن صونه عنه". قال: "فلو وقع فى الماء نجسه." 1/151) ________________________________________ وذهب بعض أصحاب الشافعى إلى جواز أكل الحنطة التى أصابها بول الحمٌر عند الدٌاس من ؼٌر ؼسل. قال: "لأن السلؾ لم ٌحترزوا من ذلك." وقالت عابشة رضى الله عنها: "كُن ا نَؤكُلُ الل حْمَ، وَالد مُ خُطُوط عَلَى القِدْرِ ." وقد أباح الله عز وجل صٌد الكلب وأطلق، ولم ٌؤمر بؽسل موضع فمه من الصٌد ومعضه ولا تقوٌره، ولا أمر به رسوله، ولا أفتى به أحد من الصحابة. ومن ذلك: ما أفتى به عبد الله بن عمر، وعطاء بن أبى رباح، وسعٌد بن المسٌب وطاووس وسالم، ومجاهد، والشعبى، وإبراهٌم النخعى، والزهرى، وٌحٌى بن سعٌد الأنصارى، والحكم، والأوزاعى، ومالك، وإسحاق بن راهوٌه، وأبو ثور والإمام أحمد فى أصح الرواٌتٌن، وؼٌرهم: "أن الرجل إذا رأى على بدنه أو ثوبه نجاسة بعد الصلبة لم ٌكن عالماً بها، أو كان ٌعلمها لكنه نسٌها أو لم ٌنسها، لكنه عجز عن إزالتها أن صلبته صحٌحة، ولا إعادة علٌه." فصل ومن ذلك: أن النبى صلى الله تعالى علٌه وسلم: "كانَ ٌُصَلى وَهُوَ حَامِل أُمَامَةَ بِنْتَ ابْنَ تِه زٌَْنَبَ، فإذَا رَكَعَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا" متفق علٌه. ولأبى داود: "أَن ذلِكَ كانَ فى إحْدَى صَلبَتَىِ العشى." وهو دلٌل على جواز الصلبة فى ثٌاب المربٌة والمرضع والحابض والصبى، ما لم ٌتحقق نجاستها. وقال أبو هرٌرة: "كُن ا مَع الن بى صلى اللهُ تعالى علٌهِ وآله وسلَم فى صَلبَةِ العِشَاءِ فَلم ا سَجَدَ وَثَبَ الَحْسَنُ وَالْحُسٌَنُ عَلَى ظَهْرِهِ، فَلم ا رَفعَ رَأْسَهُ أَخَذَهُمَا بٌَِدَه مِنْ خَلْفِه أَخْذًا رَفٌِقاً وَوَضَعَهُمَا عَلَى الأرْضِ، فَإِذَا عَادَ عَادَا، حَت ى قَضَى صَلبَ تَهُ ". رواه الإمام أحمد. وقال عبد الله بن شداد بن الهاد: عن أبٌه: "خَرَج عَلٌَْنَا رَسُولُ الله صلى الله تعالى علٌهِ وآله وسلم وَهُوَ حامِل الحَسَنَ، والحُسٌَْنَ، فَوَضَعَهُ ثُم كَب رَ لِلص لبَةِ، فَصَلّى فَسَجَدَ بٌَْنَ ظَهْرَانى صَلبَتِه سَجْدَة أَطَ الهَا. فَلم ا قضى الص لبَةَ قَالَ : إن ابْنِى ارْتحَلَنى فَكرهْتُ أَنْ أُعْجِلَهُ ". رواه أحمد والنسابى. وقالت عابشة رضى الله تعالى عنها: "كانَ رَسُولُ صلى اللهُ تعالى علٌه وآله وسلَم ٌُصَلّى بِالل ٌْلِ وَأَنَا إِلَى جَنْبِه، وَأَنَا حَابِض ، وَعَلَى مِرْط وَعَلٌَْهِ بَعْضُهُ ". رواه أبو داود. 1/152) ________________________________________ وقالت: " كُنْتَ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ صلى اللهُ علٌه وسَلم نَبٌِتُ فى الش عَارِ الوَاحِدِ، وَأَنَا طَامِث - حَابِض - فَإِنْ أصَابَهُ مِنى شَىْ ؼَسَلَ مَكَانَهُ، وَلَمَ ٌَعْدُهْ، وَصَلى فٌِهِ " رواه أبو داود. فصل ومن ذلك: أن النبى صلى الله تعالى علٌه وسلم كان ٌلبس الثٌاب التى نسجها المشركون وٌصلى فٌها. وتقدم قول عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه، وهَمّه أن ٌنهى عن ثٌاب بلؽه أنها تصبػ بالبول، وقول أبى له: "مالك أن تنهى عنها، فإن رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم لبسها، ولبست فى زمانه؟ ولو علم الله أنها حرام لبٌنه لرسوله. قال: صدقت." قلت: وعلى قٌاس ذلك: الجوخ، بل أولى بعدم النجاسة من هذه الثٌاب، فتجنبه من باب الوسواس.

عدد الصفحات ٨٤

85 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي ولما قدم عمر بن الخطاب رضى الله عنه الجابٌة استعار ثوباً من نصرانى فلبسه، حتى خاطوا له قمٌصه وؼسلوه. وتوضؤ من نجرة نصرانٌة. وصلى سلمان وأبو الدرداء رضى الله عنهما فى بٌت نصرانٌة. فقال لها أبو الدرداء: "هل فى بٌتك مكان طاهر فنصلى فٌه؟ " فقالت: طهرا قلوبكما، ثم صلٌا اٌن أحببتما. فقال له سلمان: "خذها من ؼٌر فقٌه." فصل ومن ذلك: أن الصحابة والتابعٌن كانوا ٌتوضبون من الحٌاض والأوانى المكشوفة ولا ٌسؤلون: هل أصابتها نجاسة، أو وردها كلب أو سبع؟ ففى الموطإ عن ٌحٌى ابن سعٌد أن عمر رضى الله عنه خرج فً ركب فٌهم عمرو بن العاص، حتى وردوا حوضا، فقال عمرو: "ٌا صاحب الحوض، هل ترد حوضك السباع؟ "، فقال عمر رضى الله عنه: "لا تخبرنا. فإنا نرد على السباع وترد علٌنا." 1/153) ________________________________________ وفى سنن ابن ماجه أن رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "سُبِلَ : أَنَتَوَضّؤُ بمَا أفْضَلَتِ الُحُمرُ؟ قَالَ : نَعمْ، وَبَما أَفْضَلَتِ السبَاعُ ." ومن ذلك: أنه لو سقط علٌه شا من مٌزاب، لا ٌدرى هل هو أو بول. لم ٌجب علٌه أن ٌسؤل عنه. فلو سؤل لم ٌجب على المسبول أن ٌجٌبه ولو علم أنه نجس، ولا ٌجب علٌه ؼسل ذلك. ومر عمر بن الخطاب رضى الله عنه ٌوماً، فسقط علٌه شا من مٌزاب، ومعه صاحب له، فقال: ٌا صاحب المٌزاب ماإك طاهر أو نجس؟ فقال عمر رضى الله عنه: "ٌا صاحب المٌزاب لا تخبرنا ومضى"، ذكره أحمد. قال شٌخنا: "وكذلك إذا أصاب رجله أو ذٌله باللٌل شىء رطب ولا ٌعلم ما هو لم ٌجب علٌه أن ٌشمه وٌتعرؾ ما هو. واحتج بقصة عمر رضى الله عنه فى المٌزاب وهذا هو الفقه، فإن الأحكام إنما تترتب على المكلؾ بعد علمه بؤسبابها، وقبل ذلك هى على العفو. فما عفا الله عنه فلب ٌنبؽى البحث عنه." فصل ومن ذلك: الصلبة مع ٌسٌر الدم، ولا ٌعٌد. قال البخارى: قال الحسن رحمه الله: "مازال المسلمون ٌصلون فى جراحاتهم." قال: "وعصر ابن عمر رضى الله عنهما بثرة، فخرج منها دم فلم ٌتوضؤ، وبصق ابن أبى أو فى دما ومضى فى صلبته. وصلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه وجرحه ٌثعب دما." 1/154) ________________________________________ ومن ذلك: أن المراضع مازلن من عهد رسول الله صلى الله تعالى علٌه وسلم وإلى الآن ٌصلٌن فى ثٌابهن، والرضعاء ٌتقٌبون وٌسٌل لعابهم على ثٌاب المرضعة وبدنها، فلب ٌؽسلن شٌبا من ذلك، لأن رٌق الرضٌع مطهر لقمه لأجل الحاجة. كما أن رٌق الهرة مطهر لفمها. وقد قال رسول الله صلى الله تعالً علٌه وآله وسلم: "إنّهَا لٌَْسَتْ بِنَجِ س، إِنّهَا مِنَ الطّو افٌنَ عَلٌَْكُمْ وَالط و افَاتِ وَكَانَ ٌُصْؽِى لَهَا الإِنَاءَ حَت ى تَشْرَبَ ." وكذلك فعل أبو قتادة. مع العلم الٌقٌنى أنها تؤكل الفؤر والحشرات، والعلم القطعى أنه لم ٌكن بالمدٌنة حٌاض فوق القلتٌن تردها السنانٌر وكلبهما معلوم قطعاً . ومن ذلك: أن الصحابة ومن بعدهم كانوا ٌصلون وهم حاملو سٌوفهم، وقد أصابها الدم. وكانوا ٌمسحونها، وٌجتزبون بذلك. وعلى قٌاس هذا: مسح المرآة الصقٌلة إذا أصابتها النجاسة، فإنه ٌطهرها. وقد نص أحمد على طهارة سكٌن الجزار بمسحها.

عدد الصفحات ٨٥

86 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي ومن ذلك: أنه نص على حبل الؽسال أنه ٌنشر علٌه الثوب النجس، ثم تجففه الشمس، فٌنشر علٌه الثوب الطاهر. فقال: لا بؤس به. وهذا كقول أبى حنٌفة: "إن الأرض النجسة ٌطهرها الرٌح والشمس". وهو وجه لأصحاب أحمد، حتى إنه ٌجوز التٌمم بها. وحدٌث ابن عمر رضى الله عنهما كالنص فى ذلك وهو قوله: "كانت الكلبب تقبل وتدبر وتبول فى المسجد ولم ٌكونوا ٌرشون شٌباً من ذلك." 1/155) ________________________________________ وهذا لا ٌتوجه إلا على القول بطهارة الأرض بالرٌح والشمس. ومن ذلك: أن الذى دلت علٌه سنة رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم وآثار أصحابه: أن الماء لا ٌنجس إلا بالتؽٌر، وإن كان ٌسٌراً . وهذا قول أهل المدٌنة وجمهور السلؾ، وأكثر أهل الحدٌث. وبه أفتى عطاء بن أبى رباح، وسعٌد بن المسٌب، وجابر بن زٌد، والأوزاعى، وسفٌان الثورى، ومالك بن أنس، وعبد الرحمن بن مهدى، واختاره ابن المنذر. وبه قال أهل الظاهر. ونص علٌه أحمد فى إحدى رواٌتٌه. وإختاره جماعة من أصحابنا، منهم ابن عقٌل فى مفرداته وشٌخنا أبو العباس، وشٌخه ابن أبى عمر. وقال ابن عباس رضى الله عنهما: قال رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "المَاء لا ٌُنَجسُهُ شَا" رواه الإمام أحمد. وفى المسند والسنن عن أبى سعٌد قال: "قٌِلَ : ٌَا رَسُولَ اللهِ أَنَتَوَضّؤُ مِنْ بِبْرِ بُضَاعَةَ؟ وَهِىَ بِبْر تُلْقَى فٌِهَا الْحٌِضُ ولُحُومُ الكِلبَبِ وَالن تْنُ فَقَال: المَاءُ طَهُور ، لا ٌُنَجسُهُ شا." قال الترمذى: "هذا حدٌث حسن". وقال الإمام أحمد: "حدٌث ببر بضاعة صحٌح." وفى لفظ للئمام أحمد: "إِنّهُ ٌُسْتَقَىِ لَكَ مِنْ بِبْرِ بُضَاعَةَ، وَهِىَ بِبْر ٌُطْرَحُ فٌِهَا حَاٌِضُ النسَاءِ، وَلَحْمُ الْكِلبَبِ، وَعَذَر الن اسِ؟ فَقَالَ رَسولُ اللهِ تعالى علٌهِ وَسلم : إِن المَاءَ طَهُور لا ٌُنَجسُهُ شَىْ ." وفى سنن ابن ماجه من حدٌث أبى أمامة مرفوعاً : "المَاءُ لا ٌُنَجسُهُ شَىْ إِلاّ مَا ؼَلَبَ عَلَى رٌِحِهِ، أَوْ طَعْمِهِ، أَوْ لَوْنِه ." وفٌها من حدٌث أبى سعٌد الحدرى: أن رسول الله صلى الله تعالى علٌه وسلم: "سُبِلَ عَنِ الْحٌَِاضِ الّتِى بٌَْنَ مَكّةَ وَالمَدٌِنَةِ، تَرِدُهَا السبَاعُ وَالْكِلبَبُ وَالْحُمُرُ، وَعَنِ الطّهَارَةِ بهَا؟ فَقالَ : لَها مَا حَمَلَتْ فى بُطُونهَا وَلنَا مَا ؼَبَرَ طَهُور ." وإن كان فى إسناد هذٌن الحدٌثٌن مقال. فإنا ذكرناهما للبستشهاد لا للبعتماد. وقال البخارى: قال الزهرى: "لا بؤس بالماء ما لم ٌتؽٌر منه طعم أو رٌح أو لون." 1/156) ________________________________________ وقال الزهرى أٌضاً : "إذا ولػ الكلب فى الإناء لٌس له وضوء ؼٌره ٌتوضؤ به ثم ٌتٌمم." قال سفٌان: "هذا الفقه بعٌنه"، ٌقول الله تعالى: {فَلَمْ تجِدُوا مَاءً فَتٌََم مُوا[ }المابدة: 6 . ]وهذا ماء، وفى النفس منه شىء ٌتوضؤ به ثم ٌتٌمم" ونص أحمد رحمه الله فى جب زٌت ولػ فٌه كلب، فقال: "ٌإكل." فصل ومن ذلك: أن النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم كان ٌجٌب من دعاه، فٌؤكل من طعامه وأضافه ٌهودى بخبز شعٌر وإهالة سنخة. وكان المسلمون ٌؤكلون من أطعمة أهل الكتاب. وشرط عمر رضى الله تعالى عنه علٌهم ضٌافة من ٌمر بهم من المسلمٌن، وقال: "أطعموهم مما تؤكلون". وقد أحل الله عز وجل ذلك فى كتابه.

عدد الصفحات ٨٦

87 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي ولما قدم عمر رضى الله عنه الشام صنع له أهل الكتاب طعاماً فدعوه، فقال: "أٌن هو؟ " قالوا: فى الكنٌسة، فكره دخولها، وقال لعلى رضى الله عنه: "اذهب بالناس، فذهب على بالمسلمٌن". فدخلوا وأكلوا، وجعل على رضى الله عنه: ٌنظر إلى الصور، وقال: "ما على أمٌر المإمنٌن لو دخل وأكل؟ ." وكان النبى علٌه السلبم ٌقبل ابنى ابنته فى أفواههما، وٌشرب من موضع فم عابشة رضى الله عنها، وٌتعرق العرق، فٌضع فاه على موضع فٌها، وهى حابض. وحمل أبو بكر رضى الله عنه الحسن على عاتقه ولعابه ٌسٌل علٌه. وأتى رسول الله علٌه السلبم بصبى، فوضعه فى حجره، فبال علٌه فدعا بماء، فنضحه ولم ٌؽسله. وكان ٌإتى بالصبٌان فٌضعهم فى حجره ٌبرك علٌهم، وٌدعو لهم. 1/157) ________________________________________ وهذا الذى ذكرناه قلٌل من كثٌر من السنة، ومن له اطلبع على ما كان علٌه رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم وأصحابه لا ٌخفى علٌه حقٌقة الحال. وقد روى الإمام أحمد فى مسنده عنه صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "بُعِثْتُ بِالْحنٌِفٌِ ةِ السمْحِةِ ." فجمع بٌن كونها حنٌفٌة وكونها سمحة. فهى حنٌفٌة فى التوحٌد، سمحة فى العمل. وضد الأمرٌن: الشرك، وتحرٌم الحلبل، وهما اللذان ذكرهما النبى صلى الله تعالى علٌه وآله فٌما ٌروى عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: "إِنى خَلَقْتُ عِبَادِى حُنَفَاءَ وَإِنّهُمْ أتَتْ هُمُ الشٌَّاطٌِنُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دٌِنْهِمْ، وَحَر مَتْ عَلٌَْهِمْ مَا أَحَلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ ٌُشْرِكُوا بى مَا لَمْ أُنَزلْ بِهِ سُلْطَاناً ." فالشرك وتحرٌم الحلبل قرٌنان. وهما اللذان عابهما الله تعالى فى كتابه على المشركٌن فى سورة الأنعام والأعراؾ. وقد ذم النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم المتنطعٌن فى الدٌن، وأخبر بمهلكهم حٌث ٌقول: "أَلا هَلَكَ المُتَنَطعُونَ، أَلا هَلَكَ المُتَنَطعُونَ، أَلا هَلَكَ المُتَنَطعُونَ ". وقال ابن أبى شٌبة: حدثنا أبو أسامة عن مسعر قال: "أخرج إلى معن بن عبد الرحمن كتاباً، وحلؾ بالله أنه خط أبٌه، فإذا فٌه: قال عبد الله: والله الذى لا إله ؼٌره ما رأٌت أحداً كان أشد على المتنطعٌن من رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم، ولا رأٌت بعده أحداً أشد خوفاً علٌهم من أبى بكر، وإنى لأظن عمر رضى الله عنه كان أشد أهل الأرض خوفاً علٌهم." وكان علٌه الصلبة والسلبم ٌبؽض المتعمقٌن، حتى إنه لما واصل بهم ورأى الهلبل. قال: "لَوْ تَؤَخّرَ الهِلبلُ لَوَاصَلتُ وِصالا ٌَدَعُ المُتَعَمقُونَ تَعَم قَهُمْ، كالمَنكلِ بهِمْ ." 1/158) ________________________________________ وكان الصحابة أقل الأمة تكلفا، اقتداء بنبٌهم صلى الله تعالى وسلم. قال الله تعالى: {قُلْ مَا أَسْؤَلُكُمْ عَلٌَْهِ مِنْ أَجْر وَمَا أَنَا مِنَ المُتَكَلفٌِنَ [ }ص: 86 . ]وقال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: "من كان منكم مستنا فلٌستن بمن قد مات. فإن الحى لا تإمن علٌه الفتنة أولبك أصحاب محمد، كانوا أفضل هذه الأمة: أبرها قلوباً، وأعمقها علما، وأقلها تكلفاً . اختارهم الله تعالى لصحبة نبٌه، ولإقامة دٌنه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على أثرهم وسٌرتهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقٌم." وقال أنس رضى الله عنه: "كنا عند عمر رضى الله عنه، فسمعته ٌقول: نهٌنا عن التكلؾ." وقال مالك: قال عمر بن عبد العزٌز: "سن رسول الله صلى الله تعالى علٌه وسلم وولاة الأمور بعده سننا، الأخذ بها تصدٌق لكتاب الله، واستعمال لطاعة الله، وقوة على دٌن الله، لٌس لأحد تبدٌلها ولا تؽٌٌرها، ولا النظر فٌما خالفها. من اقتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن خالفها واتبع ؼٌر سبٌل المإمنٌن ولاه الله ما تولى وأصلبه جهنم وساءت مصٌراً ."

عدد الصفحات ٨٧