63 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي فالوسوسة: حدٌث النفس والصوت الخفى، وبه سمى صوت الحلى وسواسا، ورجل موسوس بكسر الواو، ولا ٌفتح فإنه لحن، وإنما قٌل له: موسوس؛ لأن نفسه توسوس إلٌه، قال تعالى{ :وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلٌَْه مِنْ حَبْلِ الْوَرٌِدِ [ }ق: 66] . وعلم عدو الله أنهما إذا أكلب من الشجرة بدت لهما عوراتهما، فإنها معصٌة، والمعصٌة تهتك ستر ما بٌن الله وبٌن العبد، فلما عصٌا انهتك ذلك الستر فبدت لهما سوآتهما فالمعصٌة تبدى السوأة الباطنة والظاهرة، ولهذا رأى النبى صلى الله تعالى علٌه وسلم فى رإٌاه الزناة والزوانى عراة بادٌة سوآتهم، وهكذا إذا رإى الرجل أو المرأة فى منامه مكشوؾ السوأة ٌدل على فساد فى دٌنه، قال الشاعر: 1/111) ________________________________________ إِنِّى كَؤَنِّى أَرَى مَنْ لا حٌََاءَ لَهُ ... وَلا أمَانَةَ وَسْطَ الن اسِ عُرٌَْانَا فإن الله سبحانه أنزل لباسٌن: لباسا ظاهرا ٌوارى العورة وٌسترها، ولباسا باطنا من التقوى، ٌُجَمِّل العبد وٌستره، فإذا زال عنه هذا اللباس انكشفت عورته الباطنة، كما تنكشؾ عورته الظاهرة بنزع ما ٌسترها. ثم قال{ :مَا نَهَاكُمَا رَب كُمَا عَنْ هذِهِ الشجَرَةِ إِلا أنْ تَكُونَا مَلَكٌْن[ }الأعراؾ: 11] . أى: إلا كراهة أن تكونا ملكٌن، وكراهة أن تخلدا فى الجنة، ومن هاهنا دخل علٌهما لما عرؾ أنهما ٌرٌدان الخلود فٌها، وهذا باب كٌده الأعظم الذى ٌدخل منه على ابن آدم، فإنه ٌجرى منه مجرى الدم حتى ٌصادؾ نفسه وٌخالطها، وٌسؤلها عما تحبه وتإثره، فإذا عرفه استعان بها على العبد، ودخل علٌه من هذا الباب، وكذلك علم إخوانه وأولٌاءه من الإنس إذا أرادوا أؼراضهم الفاسدة من بعضهم بعضا أن ٌدخلوا علٌهم من الباب الذى ٌحبونه وٌهوونه، فإنه باب لا ٌخذل عن حاجته من دخل منه، ومن رام الدخول من ؼٌره فالباب علٌه مسدود، وهو عن طرٌق مقصده مصدود. فشام عدو الله الأبوٌن، فؤحس منهما إٌناساً وركوناً إلى الخلد فى تلك الدار فى النعٌم المقٌم فعلم أنه لا ٌدخل علٌهما من ؼٌر هذا الباب، فقاسمهما بالله إنه لهما لمن الناصحٌن، وقال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكٌن أو تكونا من الخالدٌن. وكان عبد الله بن عباس ٌقرإها ملكٌن بكسر اللبم، وٌقول: لم ٌطمعا أن ٌكونا من الملببكة، ولكن استشرفا أن ٌكونا ملكٌن فؤتاهما من جهة الملك، وٌدل على هذه القراءة قوله فى الآٌة الأخرى{ :قَالَ ٌَا آدَمُ هَلْ أَدُلكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْك لا ٌَبْلَى[ }طه: 611] . وأما على القراءة المشهورة فٌقال: كٌؾ أطمع عدو الله آدم علٌه السلبم أن ٌكون بؤكله من الشجرة من الملببكة، وهو ٌرى الملببكة لا تؤكل ولا تشرب؟ وكان آدم علٌه السلبم أعلم بالله وبنفسه وبالملببكة من أن ٌطمع أن ٌكون منهم بؤكله، ولا سٌما مما نهاه الله عز وجل عنه؟، فالجواب: أن آدم وحواء علٌهما السلبم لم ٌطمعا فى ذلك أصلبً، وإنما كذبهما عدو الله وؼر هما، وخدعهما بؤن سمى تلك الشجرة شجرة الخلد، فهذا أول المكر والكٌد ومنه ورث أتباعه تسمٌة الأمور المحرمة بالأسماء التى تحب النفوس مسمٌاتها، فسموا الخمر: أم الأفراح، 1/112) ________________________________________ وسموا أخاها بلقٌمة الراحة، وسموا الربا بالمعاملة، وسموا المكوس بالحقوق السلطانٌة، وسموا أقبح الظلم وأفحشه شرع الدٌوان، وسموا أبلػ الكفر، وهو جحد صفات الرب، تنزٌها، وسموا مجالس الفسوق مجالس الطٌبة. فلما سماها شجرة الخلد قال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا كراهة أن تؤكلب منها فتخلدا فى الجنة ولا تموتا فتكونان مثل الملببكة الذٌن لا ٌموتون، ولم ٌكن آدم علٌه السلبم قد علم أنه ٌموت بعد، واشتهى الخلود فى الجنة، وحصلت الشبهة
عدد الصفحات ٦٣الشجرة إلا كراهة أن تؤكلب منها فتخلدا فى الجنة ولا تموتا فتكونان مثل الملببكة الذٌن لا ٌموتون، ولم ٌكن آدم علٌه السلبم قد علم أنه ٌموت بعد، واشتهى الخلود فى الجنة، وحصلت الشبهة من قول العدو وإقسامه بالله جهد أٌمانه، أنه ناصح لهما، فاجتمعت الشبهة والشهوة، وساعده القدر، ولما فرغ الله سبحانه من تقدٌره فؤخذتهما سنة الؽَفْلة، واستٌقظ لهما العدو، كما قٌل:
عدد الصفحات ٦٣64 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وَاسْتٌَْقَظُوا وَأَرَادَ اللهُ ؼَفْلَتَهُمْ ... لٌَِنْفُذَ الْقَدَرُ المَحْتُومُ فى الأزَلِ إلا أن هذا الجواب ٌعترض علٌه قوله {أو تكونا من الخالدٌن[ }الأعراؾ: 11 . ]فٌقال: الماكر المخادع لا بد أن ٌكون فٌما ٌمكر به وٌكٌد من التناقض والباطل ما ٌدل على مكره وكٌده، ولا حاجة بنا إلى تصحٌح كلبم عدو الله، والاعتذار عنه، وإنما ٌعتذر عن الأب فى كون ذلك راج علٌه وولج سمعه، فهو لم ٌجزم لهما بؤنهما إن أكلب منها صارا ملكٌن، وإنما ردد الأمر بٌن أمرٌن: أحدهما ممتنع، والآخر: ممكن، وهذا من أبلػ أنواع الكٌد والمكر، ولهذا لما أطمعه فى الأمر الممكن جزم له به ولم ٌردده. فقال{ :ٌَا آدَمُ هَلْ أدُل كَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْك لا ٌْبلَى[ }طه: 611] . فلم ٌدخل أداة الشك هاهنا كما أدخلها فى قوله{ :إ أَنْ تَكونَا مَلَكٌَْنِ أوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدٌِنَ [ }الأعراؾ: 11 ]فتؤمله، ثم قال{ :وَقَاسَمَهُمَا إِنِّى لَكُمَا لَمِنَ الن اصِحٌِنَ [ }الأعراؾ: 16] . فتضمن هذا الخبر أنواعا من التؤكٌد: أحدها: تؤكٌده بالقسم. الثانى: تؤكٌده بإنّ . الثالث: تقدٌم المعمول على العامل، إٌذانا بالاختصاص. أى نصٌحتى مختصة بكما، وفابدتها إلٌكما لا إلى. الرابع: إتٌانه باسم الفاعل الدال على الثبوت واللزوم، دون الفعل الدال على التجدد: أى النصح صفتى وسجٌتى، لٌس أمرا عارضا لى. 1/113) ________________________________________ الخامس: إتٌانه بلبم التؤكٌد فى جواب القسم. السادس: أنه صور نفسه لهما ناصحا من جملة الناصحٌن، فكؤنه قال لهما: الناصحون لكما فى ذلك كثٌر، وأنا واحد منهم، كما تقول لمن تؤمره بشىء: كل أحد معى على هذا وأنا من جملة من ٌشٌر علٌك به. سَعَى نَحْوَهَا حَت ى تجَاوَزَ حَد هُ ... وَكَ ث رَ فَارْتَابَتْ، وَلَوْ شَاءَ قَل لب وورّث عدو الله هذا المكر لأولٌابه وحزبه عند خداعهم للمإمنٌن كما كان المنافقون ٌقولون لرسول الله صلى الله تعالى علٌه وسلم إذا جاءوه{ :نَشْهَدُ إِن كَ لَرَسُولُ اللهِ [ }المنافقون: 6 . ]فؤكدوا خبرهم بالشهادة وبإن وبلبم التؤكٌد، وكذلك قوله سبحانه{ :وٌََحْلِفُونَ بِاللهِ إِن هُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ [ }التوبة: 56] . ثم قال تعالى{ :فَدَلاهُمَا بِؽُرُور [ }الأعراؾ: 11] . قال أبو عبٌدة: "خذلهما وخلبهما، من تدلٌة الدلو، وهو إرسالها فى الببر." وذكر الأزهرى لهذه اللفظة أصلٌن: أحدهما قال: "أصله الرجل العطشان ٌتدلى فى الببر لٌروى من الماء فلب ٌجد فٌها ماء فٌكون قد تدلى فٌها بالؽرور. فوضعت التدلٌة موضع الإطماع فٌما لا ٌجدى نفعا، فٌقال: دلاه، إذا أطمعه"، ومنه قول أبى جندب الهذلى: أَحُص ، فَلبَ أُجٌِرُ وَمَنْ أُجِرْهُ ... فَلٌَْسَ كَمَنْ تَدَل ى بِالْؽُرُورِ أحص: أى أقطع. الثانى: "فدلاهما بؽرور، أى جرأهما على أكل الشجرة، وأصله: دللهما من الدلال والدالة وهى الجراءة"، قال شمر: "ٌقال: ما دَل كَ على أى ما جرأك على"، وأنشد لقٌس بن زهٌر: أَظن الْحِلْمَ دَل عَلَى قَوْمِ ى ... وَقَدْ ٌُسْتَجْهَلُ الر جُلُ الْحَلٌِمُ 1/114) ________________________________________ قلت: أصل التدلٌة فى اللؽة الإرسال والتعلٌق. ٌقال: دلى الشىء فى مهواة، إذا أرسله بتعلٌق. وتدلى الشىء بنفسه. ومنه قوله تعالى{ :فَؤَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَؤَدْلَى دَلْوَهُ [ }ٌوسؾ: 69] .
عدد الصفحات ٦٤65 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي قال عامة أهل اللؽة: ٌقال: أدلى دلوه إذا أرسلها فى الببر. ودلاها بالتخفٌؾ إذا نزعها من الببر، فؤدلى دلوه ٌدلٌه إدلاء إذا أرسلها، ودلاها ٌدلوها دلوا، إذا نزعها وأخرجها، ومنه الإدلاء، وهو التوصل إلى الرجل برحم منه، وٌشاركه فى الاشتقاق الأكبر الدلالة وهى التوصل إلى الشىء بإبانته وكشفه، ومنه الدل وهو ما ٌدل على العبد من أفعاله، وكان عبد الله بن مسعود ٌتشبه برسول الله صلى الله تعالى علٌه وسلم فى هدٌه ودله وسمته، فالهدى الطرٌقة التى علٌها العبد، من أخلبقه وأقواله وأعماله، والدل ما ٌدل من ظاهره على باطنه، والسمت هٌؤته ووقاره ورزانته. والمقصود: ذكر كٌد عدو الله ومكره بالأبوٌن. قال مطرؾ بن عبد الله: "قال لهما إنى خلقت قبلكما، وأنا أعلم منكما، فاتبعانى أرشدكما وحلؾ لهما، وإنما ٌخدع المإمن بالله"، قال قتادة: "وكان بعض أهل العلم ٌقول من خادعنا بالله خدعنا"، فالمإمن ؼر كرٌم والفاجر خب لبٌم، وفى الصحٌح: "أن عٌسى بن مرٌم علٌه السلبم رأى رجلب ٌسرق، فقال: سرقت؟ فقال: لا والله الذى لا إله إلا هو، فقال المسٌح: آمنت بالله وكذبت بصرى." وقد تؤوله بعضهم على أنه لما حلؾ له جوز أن ٌكون قد أخذ من ماله، فظنه المسٌح سرقة، وهذا تكلؾ، وإنما كان الله سبحانه وتعالى فى قلب المسٌح علٌه السلبم أجل وأعظم من أن ٌحلؾ به أحد كاذبا، فلما حلؾ له السارق دار الأمر بٌن تهمته وتهمة بصره، فرد التهمة إلى بصره لما اجتهد له فى الٌمٌن بالله، كما ظن آدم علٌه السلبم صدق إبلٌس لما حلؾ له بالله عز وجل، وقال: ما ظننت أحدا ٌحلؾ بالله تعالى كاذبا. فصل ومن كٌده العجٌب: أنه ٌشام النفس، حتى ٌعلم أى القوتٌن تؽلب علٌها: قوة الإقدام والشجاعة، أم قوة الانكفاؾ والإحجام والمهانة؟. 1/115) ________________________________________ فإن رأى الؽالب على النفس المهانة والإحجام أخذ فى تثبٌطه وإضعاؾ همته وإرادته عن المؤمور به، وثقله علٌه، فهون علٌه تركه، حتى ٌتركه جملة، أو ٌقصر فٌه وٌتهاون ٌه. وإن رأى الؽالب علٌه قوة الإقدام وعلو الهمة أخذ ٌقلل عنده المؤمور به، وٌوهمه أنه لا ٌكفٌه، وأنه ٌحتاج معه إلى مبالؽة وزٌادة فٌقصر بالأول وٌتجاوز بالثانى، كما قال بعض السلؾ: "ما أمر الله سبحانه بؤمر إلا وللشٌطان فٌه نزؼتان: إما إلى تفرٌط وتقصٌر، وإما إلى مجاوزة وؼلوّ . ولا ٌبالى بؤٌهما ظفر." وقد اقتطع أكثر الناس إلا أقل القلٌل فى هذٌن الوادٌٌن: وادى التقصٌر، ووادى المجاوزة والتعدى. والقلٌل منهم جدا الثابت على الصراط الذى كان علٌه رسول الله صلى الله تعالى علٌه وسلم وأصحابه. فقوم قصر بهم عن الإتٌان بواجبات الطهارة، وقوم تجاوز بهم إلى مجاوزة الحد وقوم قصر بهم عن إخراج الواجب من المال، وقوم تجاوز بهم حتى أخرجوا جمٌع ما فى أٌدٌهم وقعدوا كَلب على الناس، مستشرفٌن إلى ما بؤٌدٌهم. وقوم قصر بهم عن تناول ما ٌحتاجون إلٌه من الطعام والشراب واللباس حتى أضروا بؤبدانهم وقلوبهم، وقوم تجاوز بهم حتى أخذوا فوق الحاجة فؤضروا بقلوبهم وأبدانهم. وكذلك قصر بقوم فى حق الأنبٌاء وورثتهم حتى قتلوهم، وتجاوز بآخرٌن حتى عبدوهم. وقصر بقوم فى خلطة الناس حتى اعتزلوهم فى الطاعات، كالجمعة والجماعات والجهاد وتعلم العلم، وتجاوز بقوم حتى خالطوهم فى الظلم والمعاصى والآثام. وقصر بقوم حتى امتنعوا من ذبح عصفور أو شاة لٌؤكله، وتجاوز بآخرٌن حتى جرأهم على الدماء المعصومة. وكذلك قصر بقوم حتى منعهم من الاشتؽال بالعلم الذى ٌنفعهم، وتجاوز بآخرٌن حتى جعلوا العلم وحده هو ؼاٌتهم دون العمل به. وقصر بقوم حتى أطعمهم من العشب ونبات البرٌة دون ؼذاء بنى آدم، وتجاوز بآخرٌن حتى أطعمهم الحرام الخالص.
عدد الصفحات ٦٥66 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وقصر بآخرٌن حتى زٌن لهم ترك سنة رسول الله صلى الله تعالى علٌه وسلم من النكاح فرؼبوا عنه بالكلٌة، وتجاوز بآخرٌن حتى ارتكبوا ما وصلوا إلٌه من الحرام. 1/116) ________________________________________ وقصر بقوم حتى جفوا الشٌوخ من أهل الدٌن والصلبح، وأعرضوا عنهم، ولم ٌقوموا بحقهم، وتجاوز بآخرٌن حتى عبدوهم مع الله تعالى. وكذلك قصر بقوم حتى منعهم قبول أقوال أهل العلم والالتفات إلٌها بالكلٌة، وتجاوز بآخرٌن حتى جعلوا الحلبل ما حللوه والحرام ما حرموه، وقدموا أقوالهم على سنة رسول الله صلى الله تعالى علٌه وسلم الصحٌحة الصرٌحة. وقصر بقوم حتى قالوا: إن الله سبحانه لا ٌقدر على أفعال عباده ولا شاءها منهم، ولكنهم ٌعملونها بدون مشٌبة الله تعالى وقدرته، وتجاوز بآخرٌن حتى قالوا: إنهم لا ٌفعلون شٌبا البتة، وإنما الله سبحانه هو فاعل تلك الأفعال حقٌقة، فهى نفس فعله لا أفعالهم. والعبٌد لٌس لهم قدرة ولا فعل البتة. وقصر بقوم حتى قالوا: إن رب العالمٌن لٌس داخلب فى خلقه ولا بابنا عنهم، ولا هو فوقهم ولا تحتهم ولا خلفهم ولا أمامهم ولا عن أٌمانهم ولا عن شمابلهم، وتجاوز بآخرٌن حتى قالوا: هو فى كل مكان بذاته، كالهواء الذى هو داخل فى كل مكان. وقصر بقوم حتى قالوا: لم ٌتكلم الرب سبحانه بكلمة واحدة البتة، وتجاوز بآخرٌن حتى قالوا: لم ٌزل أزلا وأبدا قابلب: ٌا إبلٌس ما منعك أن تسجد لما خلقت بٌدى، وٌقول لموسى {اذهب إلى فرعون}ف ٌزال هذا الخطاب قابما به ومسموعاً منه، كقٌام صفة الحٌاة به. وقصر بقوم حتى قالوا: إن الله سبحانه لا ٌشفع أحدا فى أحد البتة، ولا ٌرحم أحدا بشفاعة أحد، وتجاوز بآخرٌن حتى زعموا أن المخلوق ٌشفع عنده بؽٌر إذنه، كما ٌشفع ذو الجاه عند الملوك ونحوهم. وقصر بقوم حتى قالوا: إٌمان أفسق الناس وأظلمهم كإٌمان جبرٌل ومٌكابٌل، فضلب عن أبى بكر وعمر، وتجاوز بآخرٌن حتى أخرجوا من الإسلبم بالكبٌرة الواحدة. وقصر بقوم حتى نفوا حقابق أسماء الرب تعالى وصفاته وعطلوه منها، وتجاوز بآخرٌن حتى شبهوه بخلقه ومثلوه بهم. وقصر بقوم حتى عادوا أهل بٌت رسول الله صلى الله علٌه وسلم، وقاتلوهم، واستحلوا حرمتهم، وتجاوز بقوم حتى ادعوا فٌهم خصابص النبوة: من العصمة وؼٌرها. وربما ادعوا فٌهم الإلهٌة. 1/117) ________________________________________ وكذلك قصر بالٌهود فى المسٌح حتى كذبوه ورموه وأمه بما برأهما الله تعالى منه، وتجاوز بالنصارى حتى جعلوه ابن الله، وجعلوه إلها ٌعبد مع الله. وقصر بقوم حتى نفوا الأسباب والقوى والطبابع والؽرابز، وتجاوز بآخرٌن حتى جعلوها أمراً لازماً لا ٌمكن تؽٌٌره ولا تبدٌله، وربما جعلها بعضهم مستقلة بالتؤثٌر. وقصر بقوم حتى تعبدوا بالنجاسات، وهم النصارى وأشباههم، وتجاوز بقوم حتى أفضى بهم الوسواس إلى الآصار والأؼلبل، وهم أشباه الٌهود. وقصر بقوم حتى تزٌنوا للناس وأظهروا لهم من الأعمال والعبادات ما ٌحمدونهم علٌه، وتجاوز بقوم حتى أظهروا لهم من القبابح ومن الأعمال السٌبة ما ٌسقطون به جاههم عندهم، وسموا أنفسهم الملبمٌة. وقصر بقوم حتى أهملوا أعمال القلوب ولم ٌلتفتوا إلٌها وعدوها فضلب، أو فضولا، وتجاوز بآخرٌن حتى قصروا نظرهم وعملهم علٌها، ولم ٌلتفتوا إلى كثٌر من أعمال الجوارح، وقالوا: العارؾ لا ٌسقط وارده لورده. وهذا باب واسع جداً لو تتبعناه لبلػ مبلؽا كثٌراً، وإنما أشرنا إلٌه أدنى إشارة. فصل
عدد الصفحات ٦٦67 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي ومن حٌله ومكاٌده: الكلبم الباطل، والآراء المتهافتة، والخٌالات المتناقضة، التى هى زبالة الأذهان، ونُحاتة الأفكار، والزبد الذى ٌقذؾ به القلوب المظلمة المتحٌرة، التى تعدل الحق بالباطل، والخطؤ بالصواب، قد تقاذفت بها أمواج الشبهات، ورانت علٌها ؼٌوم الخٌالات، فمركبها القٌل والقال، والشك والتشكٌك، وكثرة الجدال، لٌس لها حاصل من الٌقٌن ٌعول علٌه، ولا معتقد مطابق للحق ٌرجع إلٌه، ٌوحى بعضهم إلى بعض زخرؾ القول ؼرورا، فقد اتخذوا لأجل ذلك القرآن مهجورا، وقالوا من عند أنفسهم فقالوا منكرا من القول وزورا فهم فى شكهم ٌعمهون، وفى حٌرتهم ٌترددون، نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كؤنهم لا ٌعلمون، واتبعوا ما تلته الشٌاطٌن على ألسنة أسلبفهم من أهل الضلبل، فهم إلٌه ٌتحاكمون، وبه ٌتخاصمون، فارقوا الدلٌل واتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثٌرا وضلوا عن سواء السبٌل. 1/118) ________________________________________ فصل ومن كٌده بهم وتحٌله على إخراجهم من العلم والدٌن: أن ألقى على ألسنتهم أن كلبم الله ورسوله ظواهر لفظٌة لا تفٌد الٌقٌن، وأوحى إلٌهم أن القواطع العقلٌة والبراهٌن الٌقٌنٌة فى المناهج الفلسفٌة، والطرق الكلبمٌة، فحال بٌنهم وبٌن اقتباس الهدى والٌقٌن من مشْكاة القرآن، وأحالهم على منطق ٌونان، وعلى ما عندهم من الدعاوى الكاذبة العرٌ ة عن البرهان، وقال لهم: تلك علوم قدٌمة صقلتها العقول والأذهان، ومرت علٌها القرون والأزمان، فانظر كٌؾ تلطؾ بكٌده ومكره حتى أخرجهم من الإٌمان والدٌن، كإخراج الشعرة من العجٌن. فصل ومن كٌده: ما ألقاه إلى جُهال المتصوفة من الشطح والطامات، وأبرزه لهم فى قالب الكشؾ من الخٌالات، فؤوقعهم فى أنواع الأباطٌل والترهات، وفتح لهم أبواب الدعاوى الهابلبت، وأوحى إلٌهم: أن وراء العلم طرٌقا إن سلكوه أفضى بهم إلى الكشؾ العٌان، وأؼناهم عن التقٌد بالسنة والقرآن، فحسن لهم رٌاضة النفوس وتهذٌبها، وتصفٌة الأخلبق والتجافى عما علٌه أهل الدنٌا، وأهل الرٌاسة والفقهاء، وأرباب العلوم والعمل على تفرٌػ القلب وخلوه من كل شىء، حتى ٌنتقش فٌه الحق بلب واسطة تعلم، فلما خلب من صورة العلم الذى جاء به الرسول نقش فٌه الشٌطان بحسب ما هو مستعد له من أنواع الباطل، وخٌله للنفس حتى جعله كالمشاهد كشفا وعٌانا، فإذا أنكره علٌهم ورثة الرسل قالوا: لكم العلم الظاهر، ولنا الكشؾ الباطن، ولكم ظاهر الشرٌعة، وعندنا باطن الحقٌقة، ولكم القشور ولنا اللباب، فلما تمكن هذا من قلوبهم سلخها من الكتاب والسنة والآثار كما ٌنسلخ اللٌل عن النهار، ثم أحالهم فى سلوكهم على تلك الخٌالات، وأوهمهم أنها عن الآٌات البٌنات، وأنها من قبل الله سبحانه إلهامات وتعرٌفات فلب تعرض على السنة والقرآن، ولا تعامل إلا بالقبول والإذعان. فلؽٌر الله لا له سبحانه ما ٌفتحه علٌهم الشٌطان من الخٌالات والشطحات، وأنواع 1/119) ________________________________________ لهذٌان. وكلما ازدادوا بعدا وإعراضا عن القرآن وما جاء به الرسول كان هذا الفتح على قلوبهم أعظم. فصل ومن أنواع مكاٌده ومكره: أن ٌدعو العبد بحسن خلقه وطلبقته وبشره إلى أنواع من الآثام والفجور، فٌلقاه من لا ٌخلصه من شره إلا تجهمه والتعبٌس فى وجهه والإعراض عنه، فٌحسن له العدو أن ٌلقاه ببشره، وطلبقة وجهه، وحسن كلبمه، فٌتعلق به، فٌروم التخلص منه فٌعجز، فلب ٌزال العدو ٌسعى بٌنهما حتى ٌصٌب حاجته، فٌدخل على العبد بكٌده من باب حسن الخلق، وطلبقة الوجه، ومن هاهنا وصى أطباء القلوب بالإعراض عن أهل البدع وأن لا ٌسلم علٌهم، ولا ٌرٌهم طلبقة وجهه، ولا ٌلقاهم إلا بالعبوس والإعراض.
عدد الصفحات ٦٧فٌدخل على العبد بكٌده من باب حسن الخلق، وطلبقة الوجه، ومن هاهنا وصى أطباء القلوب بالإعراض عن أهل البدع وأن لا ٌسلم علٌهم، ولا ٌرٌهم طلبقة وجهه، ولا ٌلقاهم إلا بالعبوس والإعراض. وكذلك أوصوا عند لقاء من ٌخاؾ الفتنة بلقابه من النساء والمردان، وقالوا: متى كشفت للمرأة أو الصبى عن بٌاض أسنانك كشفا لك عما هنالك، ومتى لقٌتهما بوجه عابس وقٌت شرهما.
عدد الصفحات ٦٧68 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي ومن مكاٌده: أنه ٌؤمرك أن تلقى المساكٌن وذوى الحاجات بوجه عبوس ولا ترٌهم بشرا ولا طلبقة، فٌطمعوا فٌك، وٌتجرأوا علٌك، وتسقط هٌبتك من قلوبهم، فٌحرمك صالح أدعٌتهم، ومٌل قلوبهم إلٌك، ومحبتهم لك فٌؤمرك بسوء الخلق، ومنع البشر والطلبقة مع هإلاء، وبحسن الخلق والبشر مع أولبك، لٌفتح لك باب الشر، وٌؽلق عنك باب الخٌر. فصل ومن مكاٌده أنه ٌؤمرك بإعزاز نفسك وصونها حٌث ٌكون رضى الرب تعالى فى إذلالها وابتذالها، كجهاد الكفار والمنافقٌن، وأمر الفجار والظلمة بالمعروؾ ونهٌهم عن المنكر، فٌخٌل إلٌك أن ذلك تعرٌض لنفسك إلى مواطن الذل، وتسلٌط الأعداء وطعنهم فٌك، فٌزول جاهك فلب ٌقبل منك بعد ذلك ولا ٌسمع منك. 1/120) ________________________________________ وٌؤمرك بإذلالها وامتهانها حٌث تكون مصلحتها فى إعزازها وصٌانتها، كما ٌؤمرك بالتبذل لذوى الرٌاسات، وإهانة نفسك لهم، وٌخٌل إلٌك أنك تعزها بهم، وترفع قدرها بالذل لهم، وٌذكرك قول الشاعر: أُهٌِنُ لَهُمْ نفسى لأرْفَعهَا بِهِمْ ... وَلَنْ تُكْرَمَ الن فْسُ ال تِى لا تُهٌِنُهَا وؼلط هذا القابل: فإن ذلك لا ٌصلح إلا لله وحده، فإنه كلما أهان العبد نفسه له أكرمه وأعزه، بخلبؾ المخلوق، فإنك كلما أهنت نفسك له ذللت عند الله وعند أولٌابه وهنت علٌه. وٌؤمرك بإذلالها وامتهانها حٌث تكون مصلحتها فى إعزازها وصٌانتها، كما ٌؤمرك بالتبذل لذوى الرٌاسات، وإهانة نفسك لهم، وٌخٌل إلٌك أنك تعزها بهم، وترفع قدرها بالذل لهم، وٌذكرك قول الشاعر: أُهٌِنُ لَهُمْ نفسى لأرْفَعهَا بِهِمْ ... وَلَنْ تُكْرَمَ الن فْسُ ال تِى لا تُهٌِنُهَا وؼلط هذا القابل: فإن ذلك لا ٌصلح إلا لله وحده، فإنه كلما أهان العبد نفسه له أكرمه وأعزه، بخلبؾ المخلوق، فإنك كلما أهنت نفسك له ذللت عند الله وعند أولٌابه وهنت علٌه. فصل ومن كٌده وخداعه: أنه ٌؤمر الرجل بانقطاعه فى مسجد، أو رباط، أو زاوٌة أو تربة، وٌحبسه هناك، وٌنهاه عن الخروج، وٌقول له: متى خرجت تبذلت للناس، وسقطت من أعٌنهم، وذهبت هٌبتك من قلوبهم، وربما ترى فى طرٌقك منكرا، وللعدو فى ذلك مقاصد خفٌة ٌرٌدها منه: منها الكبر، واحتقار الناس، وحفظ الناموس، وقٌام الرٌاسة، ومخالطة الناس تذهب ذلك. وهو ٌرٌد أن ٌزار ولا ٌزور، وٌقصده الناس ولا ٌقصدهم، وٌفرح بمجىء الأمراء إلٌه، واجتماع الناس عنده، وتقبٌل ٌده، فٌترك من الواجبات والمستحبات والقربات ما ٌقربه إلى الله، وٌتعوض عنه بما ٌقرب الناس إلٌه. وقد كان رسول الله صلى الله تعالى علٌه وسلم ٌخرج إلى السوق، قال بعض الحفاظ: "وَكَانَ ٌَشْتَرِى حَاجَتَهُ وٌََحْمِلُهَا بِنَفْسِهِ ." ذكره أبو الفرج بن الجوزى وؼٌره. وكان أبو بكر رضى الله عنه ٌخرج إلى السوق ٌحمل الثٌاب، فٌبٌع وٌشترى. ومر عبد الله بن سلبم رضى الله عنه وعلى رأسه حزمة حطب، فقٌل له: ما ٌحملك على هذا، وقد أؼناك الله عز وجل؟ فقال: أردت أن أدفع به الكبر، فإنى سمعت رسول الله صلى الله تعالى علٌه وسلم ٌقول: "لا ٌَدْخُلُ الجن ةَ عَبْد فِى قلبه مِثْقَالُ ذَر ة مِنَ كِبْر ." وكان أبو هرٌرة رضى الله تعالى عنه ٌحمل الحطب وؼٌره من حوابج نفسه وهو أمٌر على المدٌنة، وٌقول: "افسحوا لأمٌركم، افسحوا لأمٌركم." 1/121) ________________________________________
عدد الصفحات ٦٨69 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وخرج عمر بن الخطاب رضى الله عنه ٌوماً وهو خلٌفة فى حاجة له ماشٌا، فؤعٌى، فرأى ؼلبماً على حمار له، فقال: ٌا ؼلبم احملنى فقد أعٌٌت، فنزل الؽلبم عن الدابة، وقال: اركب ٌا أمٌر المإمنٌن، فقال: لا، اركب أنت وأنا خلفك، فركب خلؾ الؽلبم، حتى دخل المدٌنة والناس ٌرونه. فصل ومن كٌده: أنه ٌؽرى الناس بتقبٌل ٌده، والتمسح به، والثناء علٌه، وسإاله الدعاء، ونحو ذلك، حتى ٌرى نفسه، وٌعجبه شؤنها، فلو قٌل له: إنك من أوتاد الأرض، وبك ٌدفع البلبء عن الخلق، ظن ذلك حقا، وربما قٌل له: إنه ٌتوسل به إلى الله تعالى وٌسؤل الله تعالى به وبحرمته، فٌقضى حاجتهم، فٌقع ذلك فى قلبه، وٌفرح به، وٌظنه حقا، وذلك كل الهلبك، فإذا رأى من أحد من الناس تجافٌا عنه، أو قلة خضوع له، تذمر لذلك ووجد فى باطنه، وهذا شر من أرباب الكبابر المصرٌن علٌها، وهم أقرب إلى السلبمة منه. فصل ومن كٌده: أنه ٌحسن إلى أرباب التخلى والزهد والرٌاضة العمل بهاجسهم وواقعهم، دون تحكٌم أمر الشارع، وٌقولون: القلب إذا كان محفوظا مع الله كانت هواجسه وخواطره معصومة من الخطإ، وهذا من أبلػ كٌد العدو فٌهم. فإن الخواطر والهواجس ثلبثة أنواع: رحمانٌة، وشٌطانٌة، ونفسانٌة، كالرإٌا، فلو بلػ العبد من الزهد والعبادة ما بلػ فمعه شٌطانه ونفسه لا ٌفارقانه إلى الموت، والشٌطان ٌجرى من ابن آدم مجرى الدم، والعصمة إنما هى للرسل صلوات الله وسلبمه علٌهم الذٌن هم وسابط بٌن الله عز وجل وبٌن خلقه، فى تبلٌػ أمره ونهٌه ووعده ووعٌده، ومن عداهم ٌصٌب وٌخطا، ولٌس بحجة على الخلق. وقد كان سٌد المحدثٌن الملهمٌن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، ٌقول الشىء فٌرده علٌه 1/122) ________________________________________ من هو دونه، فٌتبٌن له الخطؤ، فٌرجع إلٌه وكان ٌعرض هواجسه وخواطره على الكتاب والسنة، ولا ٌلتفت إلٌها ولا ٌحكم بها ولا ٌعمل بها. وهإلاء الجهال ٌرى أحدهم أدنى شىء فٌحكم هواجسه وخواطره على الكتاب والسنة، ولا ٌلتفت إلٌهما، وٌقول: حدثنى قلبى عن ربى، ونحن أخذنا عن الحى الذى لا ٌموت، وأنتم أخذتم عن الوسابط، ونحن أخذنا بالحقابق، وأنتم اتبعتم الرسوم، وأمثال ذلك من الكلبم الذى هو كفر وإلحاد، وؼاٌة صاحبه أن ٌكون جاهلب ٌعذر بجهله، حتى قٌل لبعض هإلاء: ألا تذهب فتسمع الحدٌث من عبد الرزاق؟ فقال: ما ٌصنع بالسماع من عبد الرزاق من ٌسمع من الملك الخلبق؟. وهذا ؼاٌة الجهل، فإن الذى سمع من الملك الخلبق موسى بن عمران كلٌم الرحمن. وأما هذا وأمثاله فلم ٌحصل لهم السماع من بعض ورثة الرسول، وهو ٌدعى أنه ٌسمع الخطاب من مرسله، فٌستؽنى به عن ظاهر العلم، ولعل الذى ٌخاطبهم هو الشٌطان، أو نفسه الجاهلة، أو هما مجتمعتٌن، ومنفردتٌن. ومن ظن أنه ٌستؽنى عما جاء به الرسول بما ٌلقى فى قلبه من الخواطر والهواجس فهو من أعظم الناس كفرا. وكذلك إن ظن أنه ٌكتفى بهذا تارة وبهذا تارة، فما ٌلقى فى القلوب لا عبرة به ولا التفات إلٌه إن لم ٌعرض على ما جاء به الرسول وٌشهد له بالموافقة، وإلا فهو من إلقاء النفس والشٌطان. وقد سبل عبد الله بن مسعود عن مسؤلة المفوضة شهرا، فقال بعد الشهر: "أقول فٌها برأٌى فإن ٌكن صوابا فمن الله، وإن ٌكن خطؤ فمنى ومن الشٌطان، والله برىء 1/123) ________________________________________ منه ورسوله." وكتب كاتب لعمر رضى الله عنه بٌن ٌدٌه: هذا ما أرى الله عمر، فقال: لا. امحه واكتب: هذا ما رأى عمر.
عدد الصفحات ٦٩70 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وقال عمر رضى الله عنه أٌضا: "أٌها الناس اتهموا الرأى على الدٌن، فلقد رأٌتنى ٌوم أبى جندل ولو أستطٌع أن أرد أمر رسول الله علٌه السلبم لرددته." واتهام الصحابة لآرابهم كثٌر مشهور، وهم أبر الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأبعدها من الشٌطان، فكانوا أتبع الأمة للسنة، وأشدهم اتهاما لآرابهم، وهإلاء ضد ذلك. وأهل الاستقامة منهم سلكوا على الجادة، ولم ٌلتفتوا إلى شىء من الخواطر والهواجس والإلهامات، حتى ٌقوم علٌها شاهدان. قال الجنٌد: قال أبو سلٌمان الدارانى: "ربما ٌقع فى قلبى النكتة من نكت القوم أٌاما فلب أقبلها إلا بشاهدٌن عدلٌن من الكتاب والسنة." وقال أبو زٌد: "لو نظرتم إلى رجل أعطى من الكرامات حتى ٌتربع فى الهواء، فلب تؽتروا به حتى تنظروا كٌؾ تجدونه عند الأمر والنهى، وحفظ الحدود." 1/124) ________________________________________ وقال أٌضاً : "من ترك قراءة القرآن، ولزوم الجماعات، وحضور الجنابز، وعٌادة المرضى، وادعى بهذا الشؤن، فهو مدّع." وقال سرىّ السقطى: "من ادعى باطن علم ٌنقضه ظاهر حكم فهو ؼالط." وقال الجنٌد: "مذهبنا هذا مقٌد بالأصول بالكتاب والسنة، فمن لم ٌحفظ الكتاب وٌكتب الحدٌث، وٌتفقه، لا ٌقتدى به." وقال أبو بكر الدقاق: "من ضٌع حدود الأمر والنهى فى الظاهر حرم مشاهدة القلب فى الباطن." وقال أبو الحسٌن النورى: "من رأٌته ٌدعى مع الله حالة تخرجه عن حد العلم الشرعى فلب تقربه، ومن رأٌته ٌدعى حالة لا ٌشهد لها حفظ ظاهره فاتهمه على دٌنه." وقال أبو سعٌد الخراز: "كل باطن ٌخالفه ظاهر فهو باطل." وقال الجرٌرى: "أمرنا هذا كله مجموع على فصل واحد: أن تلزم قلبك المراقبة، وٌكون العلم على ظاهرك قابما." وقال أبو حفص الكبٌر الشؤن: "من لم ٌزن أحواله وأفعاله بالكتاب والسنة ولم ٌتهم خواطره فلب تعدوه فى دٌوان الرجال." وما أحسن ما قال أبو أحمد الشٌرازى: "كان الصوفٌة ٌسخرون من الشٌطان، والآن الشٌطان ٌسخر منهم." ونظٌر هذا ما قاله بعض أهل العلم: "كان الشٌطان فٌما مضى ٌهب من الناس، والٌوم الرجل الذى ٌهب من الشٌطان." فصل ومن كٌده: أمرهم بلزوم زى واحد، ولبسة واحدة، وهٌبة ومشٌة معٌنة، وشٌخ معٌن، وطرٌقة مخترعة، وٌفرض علٌهم لزوم ذلك بحٌث ٌلزمونه كلزوم الفرابض، فلب ٌخرجون عنه وٌقدحون فٌمن خرج عنه وٌذمونه، وربما ٌلزم أحدهم موضعاً معٌناً للصلبة لا ٌصلى إلا فٌه، وقد نهى رسول الله صلى الله تعالى علٌه وسلم: "أَنْ ٌُوَطِّنَ الر جُلُ المَكانَ لِلص لبةِ 1/125) ________________________________________ كَمَا ٌُوَطِّن الْبَعٌِرُ ." وكذلك ترى أحدهم لا ٌصلى إلا على سجادة، ولم ٌصل رسول الله علٌه السلبم على سجادة قط ولا كانت السجادة تفرش بٌن ٌدٌه، بل كان ٌصلى على الأرض، وربما سجد فى الطٌن، وكان ٌصلى على الحصٌر، فٌصلى على ما اتفق بسطه، فإن لم ٌكن ثمة شىء صلى على الأرض. وهإلاء اشتؽلوا بحفظ الرسوم عن الشرٌعة والحقٌقة، فصاروا واقفٌن مع الرسوم المبتدعة لٌسوا مع أهل الفقه، ولا مع أهل الحقابق، فصاحب الحقٌقة أشد شىء علٌه التعبد بالرسوم الوضعٌة، وهى من أعظم الحجب بٌن قلبه وبٌن الله،
عدد الصفحات ٧٠71 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي فمتى تقٌد بها حبس قلبه عن سٌره. وكان أخس أحواله الوقوؾ معها، ولا وقوؾ فى السٌر، بل إما تقدم وإما تؤخر، كما قال تعالى: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ ٌَتَقَد مَ أوْ ٌَتَؤَخ رَ [ }المدثر: 57] . ف وقوؾ فى الطرٌق إنما هو ذهاب وتقدم، أو رجوع وتؤخر. ومن تؤمل هدى رسول الله صلى الله تعالى علٌه وسلم وسٌرته وجده مناقضا لهدى هإلاء فإنه كان ٌلبس القمٌص تارة، والقباء تارة، والجبة تارة، والإزار والرداء تارة، وٌركب البعٌر وحده، ومردفا لؽٌره، وٌركب الفرس مسرجا وعرٌانا، وٌركب الحمار، وٌؤكل ما حضر، وٌجلس على الأرض تارة، وعلى الحصٌر تارة، وعلى البساط تارة، وٌمشى وحده تارة، ومع أصحابه تارة، وهدٌه عدم التكلؾ والتقٌد بؽٌر ما أمره به ربه، فبٌن هدٌه وهدى هإلاء بون بعٌد. فصل ومن كٌده الذى بلػ به من الجهال ما بلػ: الوسواس الذى كادهم به فى أمر الطهارة والصلبة عند النٌة، حتى ألقاهم فى الآصار والأؼلبل، وأخرجهم عن اتباع سنة رسول الله صلى الله تعالى علٌه وسلم، وخٌل إلى أحدهم أن ما جاءت به السنة لا ٌكفى حتى ٌضم إلٌه ؼٌره، فجمع لهم بٌن هذا الظن الفاسد، والتعب الحاضر، وبطلبن الأجر أو تنقٌصه. 1/126) ________________________________________ و رٌب أن الشٌطان هو الداعى إلى الوسواس: فؤهله قد أطاعوا الشٌطان، ولبوا دعوته، واتبعوا أمره ورؼبوا عن اتباع سنة رسول الله صلى الله تعالى علٌه وسلم وطرٌقته، حتى إن أحدهم لٌرى أنه إذا توضؤ وضوء رسول الله صلى الله تعالى علٌه وسلم، أو اؼتسل كاؼتساله، لم ٌطهر ولم ٌرتفع حدثه، ولولا العذر بالجهل لكان هذا مشاقة للرسول، فقد كان رسول الله صلى الله تعالى علٌه وسلم ٌتوضؤ بالمد، وهو قرٌب من ثلث رطل بالدمشقى، وٌؽتسل بالصاع وهو نحو رطل وثلث، والموسوس ٌرى أن ذلك القدر لا ٌكفٌه لؽسل ٌدٌه، وصح عنه علٌه السلبم أنه توضؤ مرة مرة، ولم ٌزد على ثلبث، بل أخبر أن: "مَنْ زَادَ عَلٌَْهَا فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَد ى وَظَلَمَ ." فالموسوس مسىء متعد ظالم بشهادة رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم، فكٌؾ ٌتقرب إلى الله بما هو مسىء به متعدّ فٌه لحدوده؟، وصح عنه صلى الله علٌه وسلم أنه كان ٌؽتسل هو وعابشة رضى الله عنها من قصعة بٌنهما فٌها أثر العجٌن، ولو رأى الموسوس من ٌفعل هذا لأنكر علٌه ؼاٌة الإنكار، وقال: ما ٌكفى هذا القدر لؽسل اثنٌن؟ كٌؾ والعجٌن ٌحلله الماء فٌؽٌره؟ هذا والرشاش ٌنزل فى الماء فٌنجسه عند بعضهم، وٌفسده عند آخرٌن، فلب تصح به الطهارة، وكان صلى الله تعالى علٌه وسلم ٌفعل ذلك مع ؼٌر عابشة، مثل مٌمونة وأم سلمة، وهذا كله فى الصحٌح. وثبت أٌضاً فى الصحٌح عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه قال: "كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عَلٌَْهِ وَسلمَ ٌَتَوَض بُونَ مِنْ إِنَاء وَاحِد ." والآنٌة التى كان رسول الله علٌه السلبم وأزواجه وأصحابه ونساإهم ٌؽتسلون منها لم تكن من كبار الآنٌة ولا كانت لها مادة تمدها؛ كؤنبوب الحمام ونحوه، ولم ٌكونوا ٌراعون فٌضانها حتى ٌجرى الماء من حافاتها، كما ٌراعٌه جهال الناس ممن بلى بالوسواس فى جرن الحمام. فهدى رسول الله صلى الله علٌه وسلم الذى من رؼب عنه فقد رؼب عن سنة رسول الله صلى الله علٌه وسلم، جواز الاؼتسال من الحٌاض والآنٌة وإن كانت ناقصة ؼٌر فابضة، ومن انتظر الحوض حتى 1/127) ________________________________________ ٌفٌض، ثم استعمله وحده ولم ٌمكن أحدا أن ٌشاركه فى استعماله فهو مبتدع مخالؾ للشرٌعة. قال شٌخنا: "وٌستحق التعزٌر البلٌػ الذى ٌزجره وأمثاله عن أن ٌشرعوا فى الدٌن ما لم ٌؤذن به الله، وٌعبدوا الله بالبدع لا بالاتباع."
عدد الصفحات ٧١72 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي ودلت هذه السنن الصحٌحة على أن النبى صلى الله تعالى علٌه وسلم وأصحابه لم ٌكونوا ٌكثرون صب الماء، ومضى على هذا التابعون لهم بإحسان. قال سعٌد بن المسٌب: "إنى لأستنجى من كوز الحب وأتوضؤ وأفضل منه لأهلى." وقال الإمام أحمد: "من فقه الرجل قلة ولوعه بالماء." وقال المروزى: "وضؤت أبا عبد الله بالعسكر، فسترته من الناس، لبلب ٌقولوا إنه لا ٌحسن الوضوء لقلة صبه الماء." وكان أحمد ٌتوضؤ فلب ٌكاد ٌبل الثرى. وثبت عنه صلى الله علٌه وسلم فى الصحٌح: "أَ ن هُ تَوَض ؤَ مِنْ إنَاء فَؤَدْخَلَ ٌَدَهُ فٌِهِ ثُم تَمَضْمَضَ وَاُسْتَنْشَقَ ." وكذلك كان صلى الله علٌه وسلم فى ؼسله ٌدخل ٌده فى الإناء، وٌتناول الماء منه، والموسوس لا ٌجوز ذلك، ولعله أن ٌحكم بنجاسة الماء وٌسلبه طهورٌته بذلك. وبالجملة فلب تطاوعه نفسه لاتباع رسول الله صلى الله تعالى علٌه وسلم، وأن ٌؤتى بمثل ما أتى به أبداً، وكٌؾ ٌطاوع الموسوس نفسه أن ٌؽتسل هو وامرأته من إناء واحد قدر الفَرقَ قرٌباً من خمسة أرطال بالدمشقى، ٌؽمسان أٌدٌهما فٌه، وٌفرؼان علٌهما؟ فالمسوس ٌشمبز من ذلك كما ٌشمبز المشرك إذا ذكر الله وحده. قال أصحاب الوسواس: إنما حملنا على ذلك الاحتٌاط لدٌننا، والعمل بقوله صلى الله تعالى علٌه وسلم: "دَعْ مَا ٌَرٌِبُكَ إِلَى مَالا ٌَرٌِبُكَ " وقوله: "مَنِ ات قَى الش بُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدٌِنِهِ وَعِرْضِهَ " وقوله: "الإثْمُ مَا حَاكَ فى الص دْرِ ". 1/128) ________________________________________ وقال بعض السلؾ: "الإثم خَوارْ القلوب"، وقد وجد النبى صلى الله تعالى علٌه وسلم تمرة فقال: "لَوْلا أَنِّى أَخْشَى أَنْ تَكُونَ مِنَ الص دَقَةِ لأكَلْتُهَا." أفلب ٌرى أنه ترك أكلها احتٌاطا؟ وقد أفتى مالك رحمه الله تعالى فٌمن طلق امرأته وشك هل هى واحدة أم ثلبث: بؤنها ثلبث، احتٌاطا للفروج. وأفتى من حلؾ بالطلبق: أن فى هذه اللوزة حبتٌن، وهو لا ٌعلم ذلك، فبان الأمر كما حلؾ علٌه: أنه حانث؛ لأنه حلؾ على ما لا ٌعلم. وقال فٌمن طلق واحدة من نسابه ثم أنسٌها: ٌطلق علٌه جمٌع نسابه احتٌاطا وقطعاً للشك. وقال أصحاب مالك فٌمن حلؾ بٌمٌن ثم نسٌها: إنه ٌلزمه جمٌع ما ٌحلؾ به عادة فٌلزمه الطلبق، والعتاق، والصدقة بثلث المال، وكفارة الظهار، وكفارة الٌمٌن بالله تعالى، والحج ماشٌاً، وٌقع الطلبق فى جمٌع نسابه، وٌعتق علٌه جمٌع عبٌده وإمابه. وهذا أحد القولٌن عندهم. ومذهب مالك أٌضاً إنه إذا حلؾ لٌفعلن كذا: أنه على حنث حتى ٌفعله، فٌحال بٌنه وبٌن امرأته. ومذهبه أٌضاً : أنه إذا قال: إذا جاء رأس الحول فؤنت طالق ثلبثاً : أنها تطلق فى الحال، وهذا كله احتٌاط. وقال الفقهاء: "من خفى علٌه موضع النجاسة من الثوب وجب علٌه ؼسله كله." وقالوا: "إذا كان معه ثٌاب طاهرة وتنجس منها ثٌاب، وشك فٌها، صلى فى ثوب بعد ثوب، بعدد النجس، وزاد صلبة لٌتٌقن براءة ذمته." وقالوا: "إذا اشتبهت الأوانى الطاهرة بالنجسة أراق الجمٌع وتٌمم، وكذلك إذا اشتبهت علٌه القبلة، فلب ٌدرى فى أى جهة، فإنه ٌصلى أربع صلوات عند بعض الأبمة لتبرأ ذمته بٌقٌن." وقالوا: "من ترك صلبة من ٌوم ثم نسٌها وجب علٌه أن ٌصلى خمس صلوات." وقد أمر النبى علٌه الصلبة والسلبم من شك فى صلبته أن ٌبنى على الٌقٌن. 1/129) ________________________________________ وحرم أكل الصٌد إذا شك صاحبه هل مات بسهمه أو بؽٌره، كما إذا وقع فى الماء. وحرم أكله إذا خالط كلبه كلباً آخر، للشك فى تسمٌة صاحبه علٌه.
عدد الصفحات ٧٢73 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وهذا باب ٌطول تتبعه. فالاحتٌاط والأخذ بالٌقٌن ؼٌر مستنكر فى الشرع، وإن سمٌتموه وسواسا. وقد كان عبد الله بن عمر ٌؽسل داخل عٌنٌه فى الطهارة حتى عمى. وكان أبو هرٌرة إذا توضؤ أشرع فى العضد، وإذا ؼسل رجلٌه أشرع فى الساقٌن. فنحن إذا احتطنا لأنفسنا وأخذنا بالٌقٌن وتركنا ما ٌرٌب إلى ما لا ٌرٌب، وتركنا المشكوك فٌه للمتٌقن المعلوم، وتجنبنا محل الاشتباه، لم نكن بذلك عن الشرٌعة خارجٌن ولا فى البدعة والجٌن، وهل هذا إلا خٌر من التسهٌل والاسترسال؟ حتى لا ٌبالى العبد بدٌنه، ولا ٌحتاط له، بل ٌسهل الأشٌاء وٌمشى حالها، ولا ٌبالى كٌؾ توضؤ؟ ولا بؤى ماء توضؤ؟ ولا بؤى مكان صلى؟ ولا ٌبالى ما أصاب ذٌله وثوبه. ولا ٌسؤل عما عهد بل ٌتؽافل، وٌحسن ظنه، فهو مهمل لدٌنه لا ٌبالى ما شك فٌه. وٌحمل الأمور على الطهارة، وربما كانت أفحش النجاسة، وٌدخل بالشك وٌخرج بالشك. فؤٌن هذا ممن استقصى فى فعل ما أمر به، واجتهد فٌه، حتى لا ٌخل بشىء منه، وإن زاد على المؤمور فإنما قصده بالزٌادة تكمٌل المؤمور، وأن لا ٌنقص منه شٌباً؟ قالوا: وجماع ما ٌنكرونه علٌنا احتٌاط فى فعل مؤمور، أو احتٌاط فى اجتناب محظور وذلك خٌر وأحسن عاقبة من التهاون بهذٌن، فإنه ٌفضى ؼالبا إلى النقص من الواجب والدخول فى المحرم، وإذا وازنا بٌن هذه المفسدة ومفسدة الوسواس كانت مفسدة الوسواس أخؾ، هذا إن ساعدناكم على تسمٌته وسواسا، وإنما نسمٌه احتٌاطا واستظهارا فلستم بؤسعد منا بالسنة، ونحن حولها ندندن، وتكمٌلها نرٌد. وقال أهل الاقتصاد والاتباع: قال الله تعالى: {لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللهِ أُسْوَة حَسَنَة لَمِنْ كانَ ٌَرْجُو اللهَ وَالٌَْوْمَ الآخِرَ [ }الأحزاب: 16 ]وقال تعالى{ :قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِب ونَ اللهَ فَاتّبِعُونِى يٍُُحْبِبْكمُ اللهُ [ }آل عمران: 56 ]وقال تعالى{ :وَات بِعُوهُ لَعَل كمْ تَهْتَدُونَ [ }الأعراؾ: 658 ]وقال تعالى{ :وَأنّ هذَا صِرَاطِى مُسْتَقٌِماً فَاتّبعُوهُ وَلا تَت بعُوا الس بُلَ فَتَفَر قَ بِكُمْ عَنْ سَبٌِلِهِ ذلِكُمْ وَص اكُمْ بِهِ لَعَلّكمْ تَت قُونَ } [الأنعام: 655] . (1/130) ________________________________________ وهذا الصراط المستقٌم الذى وصانا باتباعه هو الصراط الذى كان علٌه رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم وأصحابه، وهو قصد السبٌل، وما خرج عنه فهو من السبل الجابرة، وإن قاله من قاله، لكن الجور قد ٌكون جوراً عظٌما عن الصراط، وقد ٌكون ٌسٌراً، وبٌن ذلك مراتب لا ٌحصٌها إلا الله وهذا كالطرٌق الحسى، فإن السالك قد ٌعدل عنه وٌجور جوراً فاحشاً، وقد ٌجور دون ذلك، فالمٌزان الذى ٌعرؾ به الاستقامة على الطرٌق والجور عنه هو ما كان رسول الله صلى الله علٌه وسلم وأصحابه علٌه، والجابر عنه إما مفرط ظالم، أو مجتهد متؤول، أو مقلد جاهل. فمنم المستحق للعقوبة. ومنهم المؽفور له. ومنهم المؤجور أجراً واحداً، بحسب نٌاتهم ومقاصدهم واجتهادهم فى طاعة الله تعالى ورسوله، أو تفرٌطهم. ونحن نسوق من هدى رسول الله صلى الله علٌه وسلم وهدى أصحابه ما ٌبٌن أى الفرٌقٌن أولى باتباعه ثم نجٌب عما احتجوا به بعون الله وتوفٌقه. ونقدم قبل ذلك ذكر النهى عن الؽلو، وتعدى الحدود، والإسراؾ، وأن الاقتصاد والاعتصام بالسنة علٌهما مدار الدٌن. قال الله تعالى{ :ٌَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَؽْلُوا فِى دٌِنِكُمْ [ }النساء: 676 ]وقال تعالى{ :وَ تُسْرِفُوا إِنّهُ لا ٌحِب المُسْرِفٌِنَ } [الأنعام: 646 ]وقال تعالى{ :تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلب تَعْتَدُوهَا[ }البقرة: 119 ]وقال تعالى{ :وَ تَعْتَدُ وا إِن اللهَ لا ٌُحِب
عدد الصفحات ٧٣لى{ :وَ تُسْرِفُوا إِنّهُ لا ٌحِب المُسْرِفٌِنَ } [الأنعام: 646 ]وقال تعالى{ :تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلب تَعْتَدُوهَا[ }البقرة: 119 ]وقال تعالى{ :وَ تَعْتَدُ وا إِن اللهَ لا ٌُحِب المُعْتَدٌِنَ [ }البقرة: 691 ]وقال تعالى{ :ادْعُوا رَب كُمْ تَضَر عًا وَخُفٌَْةً إِنّهُ لا ٌُحِب المُعْتَدٌِنَ [ }الأعراؾ: 55] . وقال ابن عباس رضى الله عنهما: قال رسول الله صلى الله تعالى علٌه وسلم، ؼداة العقبة وهو على ناقته: "الْقُطْ لِى حصى، فَلَقَطْتُ لَهُ سَبعَ حَصٌََات مِنْ حَصَى الخَذْؾِ، فَجَعَلَ ٌَنْفُضُهُن فِى كَفِّهِ وٌََقُولُ : أمْثَالَ هإُلاءِ فَارْمُوا، ثُم قَالَ : أٌَ هَا الن اسُ : إٌِ اكُمْ وَالْؽُلُو فِى الدٌِّنِ، فَإنّمَا أَهْلَكَ الّذٌِنَ مِنْ قَبْلِكُمُ الْؽُلُو فى الدٌِّنِ ." رواه الإمام أحمد والنسابى.
عدد الصفحات ٧٣74 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وقال أنس رضى الله عنه: قال رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "لا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فٌَُشَدِّدُ اللهُ عَلٌَْكُم، فَإِن قَوْمًا شَد دُوا عَلَى أَنْفُسِهمْ فَشَدّدَ اللهُ عَلٌَْهِمْ . فَتِلْكَ بَقَاٌَاهُمْ فى الص وامِعِ وَالدٌِّارِ : رَهْبَانٌِ ةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلٌَْهِمْ ." 1/131) ________________________________________ فنهى النبى صلى الله علٌه وآله وسلم عن التشدٌد فى الدٌن، وذلك بالزٌادة على المشروع، وأخبر أن تشدٌد العبد على نفسه هو السبب لتشدٌد الله علٌه، إما بالقدر، وإما بالشرع. فالتشدٌد بالشرع: كما ٌشدد على نفسه بالنذر الثقٌل، فٌلزمه الوفاء به، وبالقدر كفعل أهل الوسواس. فإنهم شددوا على أنفسهم فشدد علٌهم القدر، حتى استحكم ذلك وصار صفة لازمة لهم. قال البخارى: "وَكَرِ هَ أَهْلُ الْعِلْم الإسْرَاؾَ فٌِه- ٌَعْنى الوُضُوءَ - وَأَنْ ٌُجَاوِزوا فِعْلَ النبى صلّى اللهُ تَعَالَى علٌَْهِ وَسَلّمَ "، وقَالَ ابْنُ عَمَر رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا: "إسْبَاعُ الْوُضُوءِ : الإنْقَاءُ ." فالفقه كل الفقه الاقتصاد فى الدٌن، والاعتصام بالسنة. قال أبى بن كعب رضى الله عنه: "علٌكم بالسبٌل والسنة، فإنه ما من عبد على السبٌل والسنة ذكر الله عز وجل فاقشعر جلده من خشٌة الله تعالى إلا تحاتت عنه خطاٌاه كما ٌتحات عن الشجرة الٌابسة ورقها. وإن اقتصادا فى سبٌل وسنة خٌر من اجتهاد فى خلبؾ سبٌل وسنة. فاحرصوا إذا كانت أعمالكم اقتصادا أن تكون على منهاج الأنبٌاء وسنتهم." قال الشٌخ أبو محمد المقدسى فى كتابه ذم الوسواس: "الحمد لله الذى هدانا بنعمه، وشرفنا بمحمد صلى الله تعالى علٌه وسلم وبرسالته، ووفقنا للبقتداء به والتمسك بسنته، ومن علٌنا باتباعه الذى جعله علماً على محبته ومؽفرته وسببا لكتابة رحمته وحصول هداٌته، فقال سبحانه{ :قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِب ونَ الله َ فَات بِعُونًِ ٌُحْبِبْكُمُ الله ُ وٌََؽْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [ }آل عمران: 56 ]، وقال تعالى{ :وَرَحْمَتًِ وَسِعَتْ كُل شَىْء فَسَؤَكْتُبُهَا لِلّذٌِنَ ٌَتّقُونَ }إلى قوله{ :الّذٌِنَ ٌَت بِعُونَ الر سُولَ النّبى الأمِّى [ }الأعراؾ: 656-657 ]ثم قال{ :فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النبى الأُمِّى الّذِى ٌُإْمِنْ بِاللهِ وَكِلمَاتِهِ وَاتّبِعُوهُ لَعَلّكُمْ تَهْتَدُونَ [ }الأعراؾ: 658 . ]أما بعد: فإن الله سبحانه جعل الشٌطان عدوا للئنسان، ٌقعد له الصراط المستقٌم، وٌؤتٌه من كل جهة وسبٌل، كما أخبر الله تعالى عنه أنه قال{ :لأقْعُدَنّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المسْتَقٌِمَ ثُم لآتٌَِنّهُمْ مِنْ بٌَْنِ أٌَْدٌِهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أٌَمْاَنهم وَعَنْ شَمَابِلِهِ مْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرٌِنَ [ }الأعراؾ: 66-67 . ]وحذرناً الله عز وجل من متابعته، وأمرنا بمعاداته ومخالفته، فقال 1/132) ________________________________________ سبحانه{ :إِنّ الشٌّْطَانَ لَكُمْ عَدُو فَاتّخِذُوهُ عَدُوا[ }فاطر: 6 ]وقال{ :ٌَا بَنِ ى آدَمَ لا ٌَفْتِنَنّكُم الشٌّْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أبَوٌَْكُمْ مِنَ الجن ةِ [ }الأعراؾ: 17 ]وأخبرنا بما صنع بؤبوٌنا تحذٌرا لنا من طاعته، وقطعاً للعذر فى متابعته، وأمرنا الله سبحانه وتعالى باتباع صراطه المستقٌم ونهانا عن اتباع السبل، فقال سبحانه: {وَأَنّ هذَا صِرَاطِى مستقٌماً فَاتبِعُوهُ وَلا تَتّبِعُوا الس بُلَ فَتَفَر قَ بِكُمْ عَنْ سَبٌِلِهِ [ }الأنعام: 655 . ]وسبٌل الله وصراطه المستقٌم هو الذى كان علٌه رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم وصحابته بدلٌل قوله عز وجل{ :ٌس وَالْقُرْآنِ
عدد الصفحات ٧٤تَفَر قَ بِكُمْ عَنْ سَبٌِلِهِ [ }الأنعام: 655 . ]وسبٌل الله وصراطه المستقٌم هو الذى كان علٌه رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم وصحابته بدلٌل قوله عز وجل{ :ٌس وَالْقُرْآنِ الْحكٌِمِ إِنّكَ لَمِنَ المُرْسَلٌِنَ عَلَى صِرَاط مُسْتَقٌِم [ }ٌس: 6- 4 ]وقال{ :وَإِنّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقٌِمً [ }الحج: 67 ]وقال{ :إِنّكَ لَتهْدِى إلَى صِرَاط مُسْتَقٌِم [ }الشورى: 51 ]، فمن اتبع رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم فى قوله وفعله فهو على صراط الله المستقٌم، وهو ممن ٌحبه الله وٌؽفر له ذنوبه، ومن خالفه فى قوله أو فعله فهو مبتدع متبع لسبٌل الشٌطان ؼٌر داخل فٌمن وعد الله بالجنة والمؽفرة والإحسان." فصل ثم إن طابفة الموسوسٌن قد تحقق منهم طاعة الشٌطان، حتى اتصفوا بوسوسته. وقبلوا قوله، وأطاعوه، ورؼبوا عن اتباع رسول الله صلى الله تعالى علٌه وسلم وصحابته، حتى إن أحدهم لٌرى أنه إذا توضؤ وضوء رسول الله علٌه الصلبة والسلبم أو صلى كصلبته، فوضوإه باطل، وصلبته ؼٌر صحٌحة. وٌرى أنه إذا فعل مثل فعل رسول الله
عدد الصفحات ٧٤