المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

المختصر القيم لثرات ابن القيم 01

ابن قيم الجوزية

صفحة ٦ من ٧٥

54 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وفى المسند والترمذي من حدٌث أبً سعٌد الخدري قال: "كانَ الن بً صلى الله علٌه وسلم إذا قامَ إِلَى الص لبةِ اسْتَفْتَحَ ثُم ٌَقُولُ : أعُوذُ باللهِ الس مٌِعِ العلٌم مِنَ الشٌّْطَانِ الر جٌِمِ : مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ ." 1/94) ________________________________________ وقال ابن المنذر: "جَاءَ عَن النبىِّ صلى الله علٌه وسلم أَنّهُ كانَ ٌَقُولُ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ : أعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشٌّْطَانِ الر جٌِمِ ." واختار الشافعً وأبو حنٌفة والقاضً فى الجامع أنه كان ٌقول: "أعوذ بالله من الشٌطان الرجٌم" وهو رواٌة عن أحمد، لظاهر الآٌة، وحدٌث ابن المنذر. وعن أحمد من رواٌة عبد الله: "أَعُوذُ بِاللهِ الس مٌِعِ الْعَلٌِمِ مِنَ الشٌّْطَانِ الر جٌِمِ ." لحدٌث أبى سعٌد، وهو مذهب الحسن وابن سٌرٌن، وٌدل علٌه ما رواه أبو داود فى قصة الإفك: "أَنّ النبى صلى الله علٌه وسلم جَلَسَ وَكَشَؾَ عَنْ وَجْهِهِ وَ قَالَ : أَعُوذُ بِاللهِ الس مٌِعِ العلٌم مِنَ الش ٌْطَانِ الر جٌِمِ ." وعن أحمد رواٌة أخرى أنه ٌقول: "أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشٌّْطَانِ الر جٌِمِ إِنّ اللهَ هُوَ الس مٌِعُ الْعَلٌِمُ ." وبه قال سفٌان الثوري ومسلم بن ٌسار، واختاره القاضً فى المجرد وابن عقٌل؛ لأن قوله{ :فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشٌّْطَان الر جٌِمِ [ }فصلت: 56] . ظاهره أنه ٌستعٌذ بقوله "أعوذ بالله من الشٌطان الرجٌم" وقوله فى الآٌة الأخرى{ :فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنّهُ هُوَ الس مٌِعُ الْعَلٌِم} [فصلت: 56] . ٌقتضً أن ٌلحق بالاستعاذة وصفه بؤنه هو السمٌع العلٌم فى جملة مستقلة بنفسها مإكدة بحرؾ "إن" لأنه سبحانه هكذا ذكره. وقال إسحاق: الذى أختاره ما ذكر عن النبً صلى الله علٌه وسلم: "الّلهُم إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشٌّْطَانِ الر جٌِمِ مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِه ." وقد جاء فى الحدٌث تفسٌر ذلك، قال: "وهمزه: المُإتة، ونفخه: الكبر، ونفثه: الشعر." وقال تعالى{ :وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِك مِنْ هَمَزاتِ الشٌَّاطٌِنِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ ٌَحْضُرُونِ [ }المإمنون: 97 - 98] . والهمزات: جمع همزة كتمرات وتمرة. وأصل الهمز الدفع، قال أبو عبٌد عن الكسابً: همزته، ولَمَزْتُهُ، ولهزته، ونهزته- إذا دفعته، والتحقٌق: أنه دفع بنَخْز، وؼمز ٌشبه الطعن، فهو دفع خاص، فهمزات الشٌاطٌن: دفعهم الوساوس والإؼواء إلى القلب، قال ابن عباس والحسن: "همزات الشٌاطٌن: نزؼاتهم ووساوسهم" وفسرت همزاتهم بنفخهم ونفثهم، وهذا قول مجاهد، وفسرت بخنقهم وهو المإتة التى تشبه الجنون. وظاهر الحدٌث أن الهمز نوع ؼٌر النفخ والنفث، وقد ٌقال- وهو الأظهر- إن همزات الشٌاطٌن إذا أفردت دخل فٌها جمٌع إصاباتهم لابن آدم، وإذا قرنت بالنفخ والنفث كانت نوعا خاصا، كنظابر ذلك 1/95) ________________________________________ ثم قال{ :وَأعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ ٌَحْضُرُونِ [ }المإمنون: 98] . قال ابن زٌد: فى أموري. وقال الكلبً: عند تلبوة القرآن، وقال عكرمة: عند النزع والسٌاق، فؤمره أن ٌستعٌذ من نوعً شر إصابتهم له بالهمز وقربهم ودنوهم منه. فتضمنت الاستعاذة أن لا ٌمسوه ولا ٌقربوه، وذكر ذلك سبحانه عقٌب قوله{ :ادْفَعْ بِالتِى هِىَ أَحْسَنُ الس ٌَبةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بمَا ٌصِفُونَ [ }المإمنون: 96] . فؤمره أن ٌحترز من شر شٌاطٌن الإنس بدفع إساءتهم إلٌه بالتى هى أحسن، وأن ٌدفع شر شٌاطٌن الجن بالاستعاذة منهم. ونظٌر هذا قوله فى سورة الأعراؾ{ :خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْؾِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجاهِلٌِنَ [ }الأعراؾ: 699] . فؤمره بدفع شر الجاهلٌن بالإعراض عنهم، ثم أمره بدفع شر الشٌطان بالاستعاذة منه فقال{ :وَإم ا ٌَنْزَؼَن كَ مِنَ الش ٌْطَانِ

عدد الصفحات ٥٤

الْعُرْؾِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجاهِلٌِنَ [ }الأعراؾ: 699] . فؤمره بدفع شر الجاهلٌن بالإعراض عنهم، ثم أمره بدفع شر الشٌطان بالاستعاذة منه فقال{ :وَإم ا ٌَنْزَؼَن كَ مِنَ الش ٌْطَانِ نَزْغ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِن هُ سَ مٌِع عَلٌِم [ }الأعراؾ: 111] .

عدد الصفحات ٥٤

55 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي ونظٌر ذلك قوله فى سورة فصلت{ :وَ تَسْتَوِى الحسَنَةُ وَلا السٌ بِّةُ ادْفَعْ بِالتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإذَا الّذِى بٌَْنَكَ وَبٌَْنَه عَدَاوَة كَؤن هُ وَلِى حَمٌِم [ }فصلت: 54] . فهذا لدفع شر شٌاطٌن الإنس ثم قال{ :وَإِم ا ٌَنْزَؼَن كَ مِنَ الشٌّْطَانِ نَزْغ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِن هُ هُوَ الس مٌِعُ الْعَلٌِم[ }فصلت: 56 ] وقال هاهنا{ :إنه هو السمٌع العلٌم[ }فصلت: 56 ]، فؤكد بإن وبضمٌر الفصل وأتى باللبم فى {السمٌع العلٌم[ }فصلت: 56 . ]وقال فى الأعراؾ{ :إِن هُ سَمٌِع عَ لٌِم [ }الأعراؾ: 111] . وسر ذلك- والله أعلم- أنه حٌث اقتصر على مجرد الاسم ولم ٌإكده أرٌد إثبات مجرد الوصؾ الكافى فً الاستعاذة والإخبار بؤنه سبحانه ٌسمع وٌعلم، فٌسمع استعاذتك فٌجٌبك وٌعلم ما تستعٌذ منه فٌدفعه عنك، فالسمع لكلبم المستعٌذ والعلم بالفعل المستعاذ منه، وبذلك ٌحصل مقصود الاستعاذة، وهذا المعنى شامل للموضعٌن، وامتاز المذكور فى سورة فصلت بمزٌد التؤكٌد والتعرٌؾ والتخصٌص؛ لأن سٌاق ذلك بعد إنكاره سبحانه على الذٌن شكوا فى سمعه لقولهم وعلمهم به، كما جاء فى الصحٌحٌن من حدٌث ابن مسعود قال: "اجتمع عند البٌت ثلبثة نفر قرشٌان وثقفً، أو ثقفٌان وقرشً، كثٌر شحم بطونهم، قلٌل فقه قلوبهم، فقالوا: أترون الله ٌسمع ما نقول؟ فقال أحدهم: ٌسمع إن جهرنا ولا ٌسمع إن أخفٌنا، فقال الآخر: إن سمع بعضه سمع كله، فؤنزل الله عز وجل{ :وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ ٌَشْهَدَ عَلٌَْ كُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصاَرُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلِكنْ ظَنَنْتُمْ أَن اللهَ لا ٌَعْلَمُ كَثٌِراً مما تَعْمَلُونَ }إلى قوله{ :فَؤَصْبَحْتُمْ 1/96) ________________________________________ مِنَ الخاسِرٌِنَ [ }فصلت: 11 - 15] . فجاء التوكٌد فى قوله{ :إِن هُ هُوَ الس مٌِعُ الْعَلٌِمُ [ }فصلت: 56] . فى سٌاق هذا الإنكار: أى هو وحده الذى له كمال قوة السمع وإحاطة العلم، لا كما ٌظن به أعداإه الجاهلون: أنه لا ٌسمع إن أخفوا وأنه لا ٌعلم كثٌرا مما ٌعملون، وحسن ذلك أٌضا: أن المؤمور به فى سورة فصلت دفع إساءتهم إلٌه بإحسانه إلٌهم، وذلك أشق على النفوس من مجرد الإعراض عنهم ولهذا عقبه بقوله{ :وَمَا ٌُلَق اهَا إِلا ال ذٌِنَ صَبَرُوا وَمَا ٌُلَق اهَا إِلا ذُو حَظ عَظٌِم [ }فصلت: 55] . فحسن التؤكٌد لحاجة المستعٌذ. وأٌضا فإن السٌاق هاهنا لإثبات صفات كماله وأدلة ثبوتها وآٌات ربوبٌته وشواهد توحٌده ولهذا عقب ذلك بقوله: {وَمِنْ آٌَاتِهِ اللٌْلُ وَالن هَارُ [ }فصلت: 57 ]وبقوله{ :وَمِنْ آٌَاتِهِ أنك تَرَى الأرْضَ خَاشِعَة[ }فصلت: 59] . فؤتى بؤداة التعرٌؾ الدالة على أن من أسمابه "السمٌع العلٌم" كما جاءت الأسماء الحسنى كلها معرفة، والذى فى الأعراؾ فى سٌاق وعٌد المشركٌن وإخوانهم من الشٌاطٌن ووعد المستعٌذ بؤن له ربا ٌسمع وٌعلم، وآلهة المشركٌن التً عبدوها من دونه لٌس لهم أعٌن ٌبصرون بها ولا آذان ٌسمعون بها، فإنه سمٌع علٌم، وآلهتهم لا تسمع ولا تبصر ولا تعلم، فكٌؾ تُسَو ونها به فً العبادة، فعلمت أنه لا ٌلٌق بهذا السٌاق ؼٌر التنكٌر، كما لا ٌلٌق بذلك ؼٌر التعرٌؾ، والله أعلم بؤسرار كلبمه. ولما كان المستعاذ منه فى سورة "حم المإمن" هو شر مجادلة الكفار فى آٌاته وما ترتب علٌها من أفعالهم المربٌة بالبصر قال{ :إِن ال ذٌِنَ ٌجادِلُونَ فِى آٌَاتِ اللهِ بِؽٌَْرِ سُلْطَان أَتَاهُمْ إنْ فى صُدُورِهِمْ إِلا كِبْر مَا هُمْ بِبَالِؽٌهِ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إن هُ هُوَ الس مٌِعُ الْبَصٌرُ [ }ؼافر: 56] . فإنه لما كان المستعاذ منه كلبمه وأفعالهم المشاهدة عٌانا قال{ :إنه هو السمٌع البصٌر[ }ؼافر: 56 ]، وهناك المستعاذ

عدد الصفحات ٥٥

َاسْتَعِذْ بِاللهِ إن هُ هُوَ الس مٌِعُ الْبَصٌرُ [ }ؼافر: 56] . فإنه لما كان المستعاذ منه كلبمه وأفعالهم المشاهدة عٌانا قال{ :إنه هو السمٌع البصٌر[ }ؼافر: 56 ]، وهناك المستعاذ منه ؼٌر مشاهد لنا، فإنه ٌرانا هو وقبٌله من حٌث لا نراه. بل هو معلوم بالإٌمان وإخبار الله ورسوله. 1/97) ________________________________________ فصل فالقرآن أرشد إلى دفع هذٌن العدوٌن بؤسهل الطرق بالاستعاذة والإعراض عن الجاهلٌن ودفع إساءتهم بالإحسان. وأخبر عن عظم حظ من لَق اه ذلك فإنه ٌنال بذلك كؾ شر عدوه وانقلببه صدٌقا، ومحبة الناس له، وثناءهم علٌه، وقهر

عدد الصفحات ٥٥

56 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي هواه، وسلبمة قلبه من الؽل والحقد وطمؤنٌنة الناس- حتى عدوه- إلٌه. هذا ؼٌر ما ٌناله من كرامة الله وحسن ثوابه ورضاه عنه، وهذا ؼاٌة الحظ عاجلبً وآجلبً، ولما كان ذلك لا ٌنال إلا بالصبر قال{ :وما ٌُلَق اها إلا الذٌن صبروا} [فصلت: 55 ]فإن الن زِق الطابش لا ٌصبر على المقابلة. ولما كان الؽضب مركب الشٌطان، فتتعاون النفس الؽضبٌة والشٌطان على النفس المطمبنة التى تؤمر بدفع الإساءة بالإحسان - أمر أن ٌعاونها بالاستعاذة منه، فتُمِدّ الاستعاذة النفس المطمبنة فتقوى على مقاومة جٌش النفس الؽضبٌة، وٌؤتً مدد الصبر الذى ٌكون النصر معه، وجاء مدد الإٌمان والتوكل، فؤبطل سلطان الشٌطان: {إن هُ لٌَْسَ لَهُ سُلْطَان عَلَى الّذٌِنَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ ٌَتَوَك لُ ونَ [ }النحل: 99] . قال مجاهد وعكرمة والمفسرون: لٌس له حجة. والصواب: أن ٌقال: لٌس له طرٌق ٌتسلط به علٌهم: لا من جهة الحجة، ولا من جهة القدرة. والقدرة داخلة فى مسمى السلطان، وإنما سمٌت الحجة سلطانا؛ لأن صاحبها ٌتسلط بها تسلط صاحب القدرة بٌده، وقد أخبر سبحانه أنه لا سلطان لعدوه على عباده المخلصٌن المتوكلٌن، فقال فى سورة الحجر: {قَالَ رَبِّ بمَا أَؼْوٌَْتَنِى لأزٌَِّنَن لَهُمْ فِى الأرْضِ وَلأؼْوٌَِنّهُمْ أَجْمَعٌِنَ إلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخْلَصٌِنَ قَالَ هذَا صِرَاط عَلَى مُسْتَقٌِم إِن عِبَادِى لَ ٌْسَ لَكَ عَلٌَْهِمْ سُلْطَان إلا مَنِ ات بَعَكَ مِنَ الْؽَاوٌِنَ [ }الحجر: 59 - 41] . وقال فى سورة النحل{ :إِن هُ لٌَْسَ لَهُ سُلْطَان عَلَى الّذٌِنَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ ٌَتَوَكّلُونَ * إِنّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى ال ذٌِنَ ٌَتَوَلّوْنَهُ وَال ذٌِ نَ هُمْ بِهِ مُشرِكُونَ [ }النحل: 99- 611] . فتضمن ذلك أمرٌن: أحدهما نفى سلطانه وإبطاله على أهل التوحٌد والإخلبص. والثانً إثبات سلطانه على أهل الشرك وعلى من تولاه. 1/98) ________________________________________ ولما علم عدو الله أن الله تعالى لا ٌسلطه على أهل التوحٌد والإخلبص قال{ :فَبِعِز تِكَ لأُؼْوٌَِن هُمْ أَجْمعٌِنَ إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلَصٌِنَ [ }ص: 81- 85] . فعلم عدو الله أن من اعتصم بالله، عز وجل، وأخلص له وتوكل علٌه لا ٌقدر على إؼوابه وإضلبله، وإنما ٌكون له السلطان على من تولاه وأشرك مع الله، فهإلاء رعٌته وهو ولٌهم وسلطانهم ومتبوعهم. فإن قٌل: فقد أثبت له السلطان على أولٌابه فى هذا الموضع. فكٌؾ ٌنفٌه فى قوله: {وَلَقَدْ صَد قَ عَلٌَْهِمْ إبْلٌِسُ ظَن هُ فَات بَعُوهُ إلا فَرٌِقاً مِنَ المُإْمِنٌِنَ وَمَا كانَ لَهُ عَلٌَْهِمْ مِنْ سُلْطَان إِ لا لِنَعْلَمَ مَنْ ٌُإْمِنُ بِالآخِرَةِ مِم نْ هُوَ مِنْهَا فِى شَك [ }سبؤ: 11- 16] . قٌل: إن كان الضمٌر فى قوله{ :وَمَا كَانَ لَهُ عَلٌَْهِمْ مِنْ سُلْطَان [ }سبؤ: 16] . عابدا على المإمنٌن فالسإال ساقط، وٌكون الاستثناء منقطعا: أى لكن امتحنّاهم بإبلٌس، لنعلم من ٌإمن بالآخرة ممن هو منها فى شك. وإن كان عابدا على ما عاد علٌه فى قوله{ :وَلَقَدْ صَد قَ عَلٌَْهِمْ إِبْلٌِسُ ظَن هُ فَات بَعُوهُ [ }سبؤ: 11] . وهو الظاهر، لٌصح الاستثناء المنقطع بوقوعه بعد النفى وٌكون المعنى: وما سلطناه علٌهم إلا لنعلم من ٌإمن بالآخرة. قال ابن قُتٌبة: "إن إبلٌس لما سؤل الله تعالى النظرة قال لأؼوٌنهم ولأضلنهم ولآمرنهم بكذا، ولأتخذن من عبادك نصٌباً مفروضا ولٌس هو فى وقت هذه المقالة مستٌقنا أن ما قدره فٌه ٌتم، وإنما قال ظانا، فلما ات بعوه وأطاعوه صدق علٌهم ما ظنه فٌهم، فقال تعالى: وما كان تسلٌطنا إٌاه إلا لنعلم المإمنٌن من الشاكٌن، ٌعنً نعلمهم موجودٌن ظاهرٌن فٌحق القول وٌقع الجزاء."

عدد الصفحات ٥٦

وإنما قال ظانا، فلما ات بعوه وأطاعوه صدق علٌهم ما ظنه فٌهم، فقال تعالى: وما كان تسلٌطنا إٌاه إلا لنعلم المإمنٌن من الشاكٌن، ٌعنً نعلمهم موجودٌن ظاهرٌن فٌحق القول وٌقع الجزاء." وعلى هذا فٌكون السلطان هاهنا على من لم ٌإمن بالآخرة وشك فٌها، وهم الذٌن تولوه وأشركوا به فٌكون السلطان ثابتا لا منفٌا، فتتفق هذه الآٌة مع سابر الآٌات. فإن قٌل: فما تصنع بالتً فى سورة إبراهٌم. حٌث ٌقول لأهل النار: 1/99) ________________________________________

عدد الصفحات ٥٦

57 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي {وَمَا كانَ لًَِ عَلٌَْكُمْ مِنْ سُلْطَان إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لًِ[ }إبراهٌم: 11] . وهذا وإن كان قوله فالله سبحانه أخبر به عنه مقرراً له، لا منكرا، فدل على أنه كذلك. قٌل: هذا سإال جٌد. وجوابه: أن السلطان المنفً فى هذا الموضع: هو الحجة والبرهان، أى ما كان لً علٌكم من حجة وبرهان أحتج به علٌكم، كما قال ابن عباس: "ما كان لً من حجة أحتج بها علٌكم" أى: ما أظهرت لكم حجة إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى، وصدقتم مقالتً، واتبعتمونى بلب برهان ولا حجة. فؤما السلطان الذي أثبته فى قوله{ :إِن ما سُلْطَانُهُ عَلَى ال ذٌِنَ ٌَتَوَل وْنَهُ [ }النحل: 611] . فهو تسلطه علٌهم بالإؼواء والإضلبل، وتمكنه منهم، بحٌث ٌإز هم إلى الكفر والشرك وٌزعجهم إلٌه، ولا ٌدعهم ٌتركونه كما قال تعالى{ :أَلمْ تَرَ أَن ا أرْسَلْنَا الش ٌاطٌِنَ عَلَى الْكَافِرٌِنَ تَإُز هُمْ أزا[ }مرٌم: 85] . قال ابن عباس: "تؽرٌهم إؼراء" وفى رواٌة: "تشلٌهم إشلبء" وفى لفظ: "تحرضهم تحرٌضا" وفى آخر: "تزعجهم إلى المعاصً إزعاجا" وفى آخر: "توقدهم" أى تحركهم كما ٌحرك الماء بالإٌقاد تحته، قال الأخفش: "توهجهم." وحقٌقة ذلك: أن "الأز " هو التحرٌك والتهٌٌج، ومنه ٌقال لؽلٌان القدر: الأزٌز؛ لأن الماء ٌتحرك عند الؽلٌان. ومنه الحدٌث: "لجوفه أزٌز كؤزٌز المرجل من البكاء." قال أبو عبٌدة "الأزٌز" الالتهاب والحركة، كالتهاب النار فى الحطب، ٌقال: إز قِدْرَك، أى ألْهِب تحتها بالنار، وأٌزت القدر إذا اشتد ؼلٌانها، فقد حصل للؤزِّ معنٌان: أحدهما: التحرٌك، والثانً: الإٌقاد والإلهاب، وهما متقاربان، فإنه تحرٌك خاص بإزعاج وإلهاب. فهذا من السلطان الذي له على أولٌابه وأهل الشرك، ولكن لٌس له على ذلك سلطان حجة وبرهان، وإنما استجابوا له بمجرد دعوته إٌاهم، لما وافقت أهواءهم وأؼراضهم، فهم الذٌن أعانوا على أنفسهم ومكنوا عدوهم من سلطانه علٌهم، بموافقته ومتابعته فلما أعطوا 1/100) بؤٌدٌهم واستؤسروا له سُلِّط علٌهم؛ عقوبة لهم. وبهذا ٌظهر معنى قوله سبحانه{ :وَلَنْ ٌَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرٌِنَ عَلَى المُإْمِنٌِنَ سَبٌِلبً [ }النساء: 646] . فالآٌة على عمومها وظاهرها، وإنما المإمنون تصدر منهم من المعصٌة والمخالفة التى تضاد الإٌمان ما ٌصٌر به للكافرٌن علٌهم سبٌل بحسب تلك المخالفة، فهم الذٌن تسببوا إلى جعل السبٌل علٌهم كما تسببوا إلٌه ٌوم أحد بمعصٌة الرسول ومخالفته، والله سبحانه لم ٌجعل للشٌطان على العبد سلطانا، حتى جعل له العبد سبٌلب إلٌه بطاعته والشرك به، فجعل الله حٌنبذ له علٌه تسلطا وقهرا، فمن وجد خٌرا فلٌحمد الله تعالى، ومن وجد ؼٌر ذلك فلب ٌلومن إلا نفسه. فالتوحٌد والتوكل والإخلبص ٌمنع سلطانه، والشرك وفروعه ٌوجب سلطانه، والجمٌع بقضاء مَنْ أزِم ة الأمور بٌده، ومَردها إلٌه، وله الحجة البالؽة، فلو شاء لجعل الناس أمة واحدة، لكن أبت حكمته وحمده وملكه إلا ذلك{ .فَلِله الحمْدُ رَبِّ الس موَاتِ وَ رَبِّ الأرْضِ رَبِّ الْعَالَمٌِنَ وَلَهُ الْكِبْرٌَاء فً الس مواتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزٌِزُ الحكٌمُ [ }الجاثٌة: 56 - 57] . (1/101) ________________________________________ الباب الثالث عشر: فً مكاٌد الشٌطان التً ٌكٌد بها ابن آدم قال الله تعالى إخبارا عن عدوه إبلٌس، لما سؤله عن امتناعه عن السجود لآدم واحتجاجه بؤنه خٌر منه وإخراجه من الجنة أنه سؤله أن ٌُنْظِره، فؤنظره، ثم قال عدو الله: {فَبِما أؼْوٌَْتَنِى لأقْعُدَن لَهُمْ صِرَاطَكَ المُسْتَقٌِمَ ثُم لآتٌَِن هُمْ مِنْ بٌَْنِ أٌْدٌِهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِ مْ وَعَنْ أٌْمَانهِمْ وَعَنْ شَمَابِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أكْثَرهُمْ شَاكِرٌِنَ [ }الأعراؾ: 66- 67] .

عدد الصفحات ٥٧

ِرَاطَكَ المُسْتَقٌِمَ ثُم لآتٌَِن هُمْ مِنْ بٌَْنِ أٌْدٌِهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِ مْ وَعَنْ أٌْمَانهِمْ وَعَنْ شَمَابِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أكْثَرهُمْ شَاكِرٌِنَ [ }الأعراؾ: 66- 67] . قال جمهور المفسرٌن والنحاة: حذؾ "على" فانتصب بالفعل. والتقدٌر: لأقعدن لهم على صراطك. والظاهر: أن الفعل مضمر، فإن القاعد على الشىء ملبزم له، فكؤنه قال: لألزمنه، ولأرصدنه، ولأعوجنه، ونحو ذلك. قال ابن عباس: "دٌنك الواضح" وقال ابن مسعود: "هو كتاب الله" وقال جابر: "هو الإسلبم" وقال مجاهد: "هو الحق."

عدد الصفحات ٥٧

58 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي والجمٌع عبارات عن معنى واحد، وهو الطرٌق الموصل إلى الله تعالى، وقد تقدم حدٌث سبرة بن أبى الفاكه: "إِن الش ٌْطَانَ قَعَ دَ لابْنِ آدَمَ بؤَطْرُقِهِ كُلِّهَا" الحدٌث. فما من طرٌق خٌر إلا والشٌطان قاعد علٌه ٌقطعه على السالك. وقوله{ :ثُم لآتٌَِن هُمْ مِنْ بٌَْنِ أٌْدٌهِمْ [ }الأعراؾ: 67] . قال ابن عباس، فى رواٌة عطٌة عنه: "مِن قِبَل الدنٌا" وفى رواٌة علً عنه "أشككهم فى آخرتهم." وكذلك قال الحسن: "من قبل الآخرة، تكذٌبا بالبعث والجنة والنار." وقال مجاهد: "من بٌن أٌدٌهم من حٌث ٌبصرون" 1/102) ________________________________________ ومن خلفهم. قال ابن عباس: "أرؼبهم فى دنٌاهم" وقال الحسن: "من قبل دنٌاهم أزٌنها لهم وأشَهٌها لهم." وعن ابن عباس رواٌة أخرى: "من قبل الآخرة." وقال أبو صالح: "أشككهم فى الآخرة وأباعدها علٌهم" وقال مجاهد أٌضاً : "من حٌث لا ٌبصرون." وعن أٌمانهم قال ابن عباس: "أشبه علٌهم أمر دٌنهم" وقال أبو صالح: "الحق أشككهم فٌه" وعن ابن عباس أٌضاً : "من قبل حسناتهم." قال الحسن: "من قبل الحسنات أثبطهم عنها." وقال أبو صالح أٌضاً : "من بٌن أٌدٌهم ومن خلفهم وعن أٌمانهم وعن شمابلهم: أُنفِّقُه علٌهم وأُرَؼِّبُهم فٌه." وقال الحسن "وعن شمابلهمالسٌبات ٌؤمرهم بها وٌحثهم علٌها وٌرؼبهم فٌها وٌزٌنها فى أعٌنهم." وصح عن ابن عباس رضً الله عنه أنه قال: "ولم ٌقل من فوقهم؛ لأنه علم أن الله من فوقهم." قال الشعبً: "فالله عز وجل أنزل الرحمة علٌهم من فوقهم." وقال قتادة: "أتاك الشٌطان ٌا ابن آدم من كل وجه ؼٌر أنه لم ٌؤتك من فوقك. لم ٌستطع أن ٌحول بٌنك وبٌن رحمة الله." قال الواحدي: "وقول من قال: الأٌمان كناٌة عن الحسنات، والشمابل كناٌة عن السٌبات، حسن؛ لأن العرب تقول: اجعلنً فى ٌمٌنك، ولا تجعلنً فى شمالك، ترٌد: اجعلنً من المقدمٌن عندك، ولا تجعلنً، من المإخرٌن"، وأنشد لابن الدمٌنة: ألُبْنَى، أفِى ٌُمْنَى ٌَدٌْكِ جَعَلْتِنِى ... فَؤَفْرَحُ، أمْ صٌَ رْتِنِ ى فى شِمَالِكِ؟ وروى أبو عبٌد عن الأصمعى: "هو عندنا بالٌمٌن: أى بمنزلة حسنة، وبضد ذلك هو عندنا بالشمال"، وأنشد: رَأٌَْتُ بَنِى الْعَلبتِ لَم ا تَظَافَرُوا ... ٌَحُوزُونَ سَهْمى بٌَْنَهُمْ فى الش مابِلِ 1/103) ________________________________________ أى ٌنزلونى بالمنزلة السٌبة. وحكى الأزهرى عن بعضهم فى هذه الآٌة {لآَتٌَِن هُمْ مِنْ بٌَْنِ أٌَْدٌِهِمْ [ }الأعراؾ: 67" : ]أى لأؼوٌنهم حتى ٌكذبوا بما تقدم من أمور الأمم السالفة {ومن خلفهم[ }الأعراؾ: 67 ]بؤمر البعث {وَعَنْ أٌَْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَابِلِهِمْ [ }الأعراؾ: 67 : ] أى لأضلنهم فٌما ٌعملون؛ لأن الكسب ٌقال فٌه: ذلك بما كسبت ٌداك، وإن كانت الٌدان لم تجنٌا شٌبا؛ لأنهما الأصل فى التصرؾ، فجعلتا مثلب لجمٌع ما ٌعمل بؽٌرهما." وقال آخرون منهم أبو إسحاق والزمخشرى، واللفظ لأبى إسحاق: ذكر هذه الوجوه للمبالؽة فى التوكٌد، أى: لآتٌنهم من جمٌع الجهات، والله أعلم، أتصرؾ لهم فى الإضلبل من جمٌع جهاتهم.

عدد الصفحات ٥٨

59 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وقال الزمخشرى: ثم لآتٌنهم من الجهات الأربع التى ٌؤتى منها العدو فى الؽالب، وهذا مثل لوسوسته إلٌهم وتسوٌله ما أمكنه وقدر علٌه، كقوله: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِ سَوْطِكَ وَأجْلِبْ عَلٌَهِمْ بِخٌَْلِكَ وَرَجِلِكَ [ }الإسراء: 64] . وهذا ٌوافق ما حكٌناه عن قتادة: "أتاك من كل وجه ؼٌر أنه لم ٌؤتك من فوقك". وهذا القول أعم فابدة ولا ٌناقض ما قاله السلؾ، فإن ذلك على جهة التمثٌل لا التعٌٌن. قال شقٌق: "ما من صباح إلا قعد لى الشٌطان على أربعة مراصد: من بٌن ٌدي، ومن خلفى، وعن ٌمٌنى، وعن شمالً، فٌقول: لا تخؾ فإن الله ؼفور رحٌم، فؤقرأ{ :وَإِنِّى لَؽَف ار لِمنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُم اهْتَدَى[ }طه: 81] . وأما من خلفً فٌخوفنى الضٌعة على من أخلفه، فؤقرأ{ :وَمَا مِنْ دَابّة فى الأرْضِ إلا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا [ }هود: 6] . ومن قبل ٌمٌنً ٌؤتٌنً من قبل النساء، فؤقرأ{ :وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتّقٌِنَ [ }الأعراؾ: 618] . ومن قبل شمالى فٌؤتٌنً من قبل الشهوات، فؤقرأ{ :وَحٌِلَ بٌَْنَهُمْ وَبٌَْنَ مَا ٌَشْتَهُونَ [ }سبؤ: 54] . قلت: السبل التى ٌسلكها الإنسان أربعة لا ؼٌر، فإنه تارة ٌؤخذ على جهة ٌمٌنه، وتارة على شماله، وتارة أمامه، وتارة ٌرجع خلفه، فؤي سبٌل سلكها من هذه وجد الشٌطان علٌها رصدا له، فإن سلكها فى طاعة وجده علٌها ٌُثبِّطه عنها وٌقطعه، أو ٌعوقه وٌبطبه، وإن سلكها لمعصٌة وجده علٌها حاملب له وخادما ومعٌنا وممنٌا، ولو اتفق له الهبوط إلى أسفل لأتاه من هناك. 1/104) ________________________________________ ومما ٌشهد لصحة أقوال السلؾ قوله تعالى{ :وَقٌَ ضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء فَزٌَ نُوا لَهُمْ مَا بٌَْنَ أٌَْدٌِهِمْ وَمَا خَلْفَهُ مْ [ }فصلت: 15] . قال الكلبً: "ألزمناهم قرناء من الشٌاطٌن". وقال مقاتل: "هٌؤنا لهم قرناء من الشٌاطٌن". وقال ابن عباس: "ما بٌن أٌدٌهم من أمر الدنٌا وما خلفهم من أمر الآخرة." والمعنى: زٌنوا لهم الدنٌا حتى آثروها، ودعوهم إلى التكذٌب بالآخرة والإعراض عنها. وقال الكلبى: "زٌنوا لهم ما بٌن أٌدٌهم من أمر الآخرة: أنه لا جنة، ولا نار، ولا بعث، وما خلفهم من أمر الدنٌا: ما هم علٌه من الضلبلة". وهذا اختٌار الفراء. وقال ابن زٌد: "زٌنوا لهم ما مضى من خبث أعمالهم، وما ٌستقبلون منها". والمعنى: على هذا زٌنوا لهم ما عملوه فلم ٌتوبوا منه وما ٌعزمون علٌه فلب ٌنوون تركه. فقول عدو الله تعالى{ :ثُم لآتٌَِن هُمْ مِنْ بٌَْنِ أٌَْدٌِهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ [ }الأعراؾ: 67] . ٌتناول الدنٌا والآخرة، وقوله{ :وَعَنْ أٌَْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَابِلِهِمْ [ }الأعراؾ: 67] . فإن ملك الحسنات عن الٌمٌن ٌستحث صاحبه على فعل الخٌر، فٌؤتٌه الشٌطان من هذه الجهة ٌثبطه عنه، وإن ملك السٌبات عن الشمال ٌنهاه عنها فٌؤتٌه الشٌطان من تلك الجهة ٌحرضه علٌها، وهذا ٌفصل ما أجمله فى قوله{ :فَبِعز تِكَ لأؼْوٌِن هُمْ أَجْمَعٌنَ [ }ص: 81 ]وقال تعالى{ :إِنْ ٌَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثاً وَإِنْ ٌَدْعُونَ إلا شٌَْطَاناً مَرٌِداً لَعَنَهُ اللهُ وَقَالَ لأَت خِذَن مِنْ عِبَادِكَ نَصٌِباً مَفْرُوضا وَلأضِل ن هُمْ وَلأمَنٌَِّن هُمْ وَلآمُرَنّهُمْ فَلٌَُبَتِّكُن آذَانَ الأنْعَامِ وَلآمُرَنّهُمْ فَلٌَُؽٌَِّرُن خَ لْقَ اللهِ وَمَنْ ٌَت خِذِ الش ٌْطَانَ وَلٌِا مِنْ دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خسرَاناً مُبٌِناً ٌَعِدُهُمْ وٌَُمَنٌِّهِمْ وَمَا ٌعِدُهُمُ الش ٌْطَانُ إلا ؼُرُوراً [ }النساء: 667 - 611] . قال الضحاك: "مفروضا أى معلوما" وقال الزجاج: "أى نصٌبا افترضته على نفسى" قال الفراء: "ٌعنى ما جعل له علٌه السبٌل من الناس، فهو كالمفروض." قلت: حقٌقة الفرض هو التقدٌر.

عدد الصفحات ٥٩

7 - 611] . قال الضحاك: "مفروضا أى معلوما" وقال الزجاج: "أى نصٌبا افترضته على نفسى" قال الفراء: "ٌعنى ما جعل له علٌه السبٌل من الناس، فهو كالمفروض." قلت: حقٌقة الفرض هو التقدٌر. والمعنى: أن من اتبع الشٌطان وأطاعه فهو من نصٌبه المفروض وحظه المقسوم، فكل من أطاع عدو الله فهو من مفروضه، فالناس قسمان: نصٌب الشٌطان ومفروضه، وأولٌاء الله وحزبه وخاصته. وقوله {ولأضلنهم}ٌعنى عن الحق {ولأمنٌهم}، قال ابن عباس: "ٌرٌد تعوٌق التوبة وتؤخٌرها." 1/105) ________________________________________

عدد الصفحات ٥٩

60 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وقال الكلبى: "مُنٌَِّهم أنه لا جنة، ولا نار، ولا بعث." وقال الزجاج: "أجمع لهم مع الإضلبل أن أوهمهم أنهم ٌنالون مع ذلك حظهم من الآخرة." وقٌل: "لأمنٌنهم ركوب الأهواء الداعٌة إلى العصٌان والبدع." وقٌل: "أمنٌهم طول البقاء فى نعٌم الدنٌا، فؤطٌل لهم الأمل فٌها لٌإثروها على الآخرة." وقوله{ :وَلآمُرَنّهُمْ فَلٌَُبَتِّكُن آذَانَ الأنْعَامِ [ }النساء: 669] . البتك: القطع وهو فى هذا الموضع: قطع آذان البحٌرة، عن جمٌع المفسرٌن، ومن هاهنا كره جمهور أهل العلم تثقٌب أذنى الطفل للحلق، ورخص بعضهم فى ذلك للؤنثى، دون الذكر، لحاجتها إلى الحلٌة، واحتجوا بحدٌث أم زَرْع ، وفٌه: "أنَاسَ مِنْ حُلِىّ أُذُنَىّ " وقال النبى صلى الله علٌه وسلم: "كُنْتُ لَكِ كَؤَبِى زَرْع لأمِّ زَرْع ." ونص أحمد رحمه الله على جواز ذلك فى حق البنت وكراهته فى حق الصبً. وقوله{ :وَلآمُرَنّهُمْ فَلٌَُؽٌَِّرُن خَلْقَ اللهِ [ }النساء: 669] . قال ابن عباس: "ٌرٌد دٌن الله". وهو قول إبراهٌم، ومجاهد، والحسن، والضحاك، وقتادة، والس دى، وسعٌد بن المسٌ ب، وسعٌد بن جُبٌر. ومعنى ذلك: هو أن الله تعالى فطر عباده على الفطرة المستقٌمة؛ وهى مل ة الإسلبم؛ كما قال تعالى: {فَؤَقِمْ وَجْهَكَ لِلدٌِّنِ حَنٌِفاً فِطْرَتَ اللهِ ال تِى فَطَرَ النّاسَ عَلٌَْهَا لا تَبْدٌِلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدٌِّنُ الْقٌَِّمُ وَلِكن أَكْثَرَ الن اسِ لا ٌَعْلَمُونَ مُنٌِبٌِنَ إلٌَْهِ وَاتّقُوهُ [ }الروم: 51- 56] . ولهذا قال صلى الله علٌه وسلم: "مَا مِنْ مَوْلُود إلا ٌُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَؤَبَوَاهُ ٌُهَوِّدَانِهِ أَوْ ٌُنَصِّرَانِهِ أَوْ ٌُمجِّسَانِهِ كَما تُنْتَجُ الْبَهٌِمَةُ بَهٌِمَةً جَمْعَاءَ، فَهَلْ تُحِس ونَ فٌِهَا مِنْ جَدْعَاءَ، حَت ى تَكُونُوا أنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا ." ثم قرأ أبو هرٌرة{ :فِطرَتَ اللهِ الّتِى فَطَرَ الن اسَ عَلٌَْهَا[ }الروم: 51 ]الآٌة، متفق علٌه. 1/106) ________________________________________ فجمع النبىّ علٌه الصلبة والسلبم بٌن الأمرٌن: تؽٌٌر الفطرة بالتهوٌد والتنصٌر، وتؽٌٌر الخلقة بالجدع، وهما الأمران اللذان أخبر إبلٌس أنه لا بد أن ٌؽٌرهما، فؽٌر فطرة الله بالكفر، وهو تؽٌٌر الخلقة التى خلقوا علٌها، وؼٌر الصورة بالجدع والبتك، فؽٌروا الفطرة إلى الشرك، والخلقة إلى البتك والقطع، فهذا تؽٌٌر خلقة الروح، وهذا تؽٌٌر خلقة الصورة. ثم قال{ :ٌعدهم وٌمنٌهم[ }النساء: 611 ]فوعده ما ٌصل إلى قلب الإنسان، نحو: سٌطول عمرك، وتنال من الدنٌا إربك، وستعلو على أقرانك، وتظفر بؤعدابك، والدنٌا دول ستكون لك كما كانت لؽٌرك، وٌطول أمله، وٌعده بالحسنى على شركه ومعاصٌه، وٌمنٌه الأمانى الكاذبة على اختلبؾ وجوهها، والفرق بٌن وعده وتمنٌته أن الوعد فى الخٌر والتمنٌة فى الطلب والإرادة، فٌعده الباطل الذى لا حقٌقة له- وهو الؽرور- وٌمنٌه المحال الذى لا حاصل له. ومن تؤمل أحوال أكثر الناس وجدهم متعلقٌن بوعده وتمنٌه وهم لا ٌشعرون أنه ٌعد الباطل، وٌمنى المحال، والنفس المهٌنة التى لا قدر لها تؽتذى بوعده وتمنٌته، كما قال القابل: مُنًى إنْ تَكُنْ حَقا تَكُنْ أحْسَنَ المُنَى ... وَإِلا فَقَدْ عِشْنَا بِهَا زَمَناً رَؼْدا فالنفس المبطلة الخسٌسة تلتذ بالأمانى الباطلة والوعود الكاذبة، وتفرح بها، كما ٌفرح بها النساء والصٌبان وٌتحركون لها، فالأقوال الباطلة مصدرها وعد الشٌطان وتمنٌه، فإن الشٌطان ٌمنى أصحابها الظفر بالحق وإدراكه، وٌعدهم الوصول إلٌه من ؼٌر طرٌقه، فكل مبطل فله نصٌب من قوله{ :ٌَعِدُهُمْ وٌَُمَنٌِّهِمْ وَمَا ٌَعِدُهُمُ الش ٌْطَانُ إِلا ؼُرُوراً } [النساء: 611] .

عدد الصفحات ٦٠

أصحابها الظفر بالحق وإدراكه، وٌعدهم الوصول إلٌه من ؼٌر طرٌقه، فكل مبطل فله نصٌب من قوله{ :ٌَعِدُهُمْ وٌَُمَنٌِّهِمْ وَمَا ٌَعِدُهُمُ الش ٌْطَانُ إِلا ؼُرُوراً } [النساء: 611] . ومن ذلك قوله تعالى{ :الش ٌْطَانُ ٌَعِدُكُمُ الفَقْرَ وٌََؤْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللهُ ٌَعِدُكمْ مَؽْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلب [ }البقرة: 168] .

عدد الصفحات ٦٠

61 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي قٌل: {ٌعدكم الفقر[ }البقرة: 168 : ]ٌخوفكم به، ٌقول: إن أنفقتم أموالكم افتقرتم، {وٌؤمركم بالفحشاء[ }البقرة: 168 ] قالوا: هى البخل فى هذا الموضع خاصة، وٌذكر عن مقاتل والكلبى كل فحشاء فى القرآن فهى الزنا إلا فى هذا الموضع فإنها البخل. والصواب: أن الفحشاء على بابها، وهى كل فاحشة، فهى صفة لموصوؾ محذوؾ، فحذؾ موصوفها إرادة للعموم، أى بالفعلة الفحشاء والخلة الفحشاء، ومن جملتها البخل، فذكر سبحانه وعد الشٌطان وأمره ٌؤمرهم بالشر وٌخوفهم من فعل الخٌر، وهذان الأمران هما جماع ما ٌطلبه الشٌطان من الإنسان فإنه إذا خوفه من فعل الخٌر تركه، وإذا أمره بالفحشاء وزٌنها له ارتكبها، وسمى سبحانه تخوٌفه وعد الانتظار الذى خوفه إٌاه كما ٌنتظر الموعود ما وعد به ثم ذكر سبحانه وعده على طاعته، وامتثال أوامره واجتناب نواهٌه، وهى المؽفرة 1/107) ________________________________________ والفضل، فالمؽفرة: وقاٌة الشر، والفضل: إعطاء الخٌر، وفى الحدٌث المشهور: "إن للمَلك بقلب ابن آدم لمة، وللشٌطان لمة، فلمة الملك: إٌعاد بالخٌر، وتصدٌق بالوعد، ولمة الشٌطان: إٌعاد بالشر، وتكذٌب بالوعد"، ثم قرأ: {الش ٌْطَانُ ٌَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وٌََؤْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَ اءِ [ }البقرة: 168 ]الآٌة. فالملك والشٌطان ٌتعاقبان على القلب تعاقب اللٌل والنهار، فمن الناس من ٌكون لٌله أطول من نهاره، وآخر بضده، ومنهم من ٌكون زمنه نهاراً كله، وآخر بضده، نستعٌذ بالله تعالى من شر الشٌطان. فصل ومن كٌده للئنسان: أنه ٌورده الموارد التى ٌخٌل إلٌه أن فٌها منفعته، ثم ٌُصْدِرهُ المصادر التى فٌها عطبه، وٌتخلى عنه وٌسلمه وٌقؾ ٌشمت به، وٌضحك منه، فٌؤمره بالسرقة والزنا والقتل، وٌدل علٌه وٌفضحه، قال تعالى{ :وَإِذْ زٌَ ن لَهُمُ الش ٌْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا ؼَالِبَ لَكُمَ الٌَْوْمَ مِنَ النّ اسِ وَإِنِّى جَار لَكُمْ فَلم ا تَرَاءَتِ الْفِبَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبٌَْهِ وَقالَ إِنِّى بَرِىء مِنْكُمْ إِنِّى أَرَى مَالا تَرَوْنَ إِنِّى أَخَاؾُ الله وَاللهُ شَدٌِدُ الْعِقَابِ [ }الأنفال: 48] . فإنه تراءى للمشركٌن عند خروجهم إلى بدر فى صورة سراقة بن مالك، وقال: أنا جار لكم من بنى كنانة أن ٌقصدوا أهلكم وذرارٌكم بسوء، فلما رأى عدو الله جنود الله تعالى من الملببكة نزلت لنصر رسوله فر عنهم، وأسلمهم، كما قال حسان: 1/108) ________________________________________ دَلاهُمُ بِؽُرُور ، ثُم أَسْلَمَهُمْ ... إِن الخبٌِثَ لمنْ وَالاهُ ؼَر ارُ وكذلك فعل بالراهب الذى قتل المرأة وولدها، أمره بالزنا ثم بقتلها، ثم دل أهلها علٌه، وكشؾ أمره لهم، ثم أمره بالسجود له، فلما فعل فر عنه وتركه. وفٌه أنزل الله سبحانه: {كَمَثَلِ الش ٌْطَانِ إِذْ قَالَ للئِنْسَانِ اكْفُ رْ فَلَم ا كَفَرَ قَالَ إنى بَرِىء مِنْكَ إِنِّى أَخَاؾَ اللهَ رَب الْعَالِمٌنَ [ }الحشر: 66] . وهذا السٌاق لا ٌختص بالذى ذكرت عنه هذه القصة، بل هو عام فى كل من أطاع الشٌطان فى أمره له بالكفر، لٌنصره وٌقضى حاجته، فإنه ٌتبرأ منه وٌسلمه كما ٌتبرأ من أولٌابه جملة فى النار، وٌقول لهم{ :إِنِّى كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ [ }إبراهٌم: 11] . فؤوردهم شر الموارد وتبرأ منهم كل البراءة. وتكلم الناس فى قول عدو الله {إِنًِّ أَخَاؾُ الله َ [ }الأنفال: 48 ]فقال قتادة وابن إسحاق: "صدق عدو الله فى قوله {إِنً أَرَى مَا لا تَرَوْن [ }الأنفال: 48 ]وكذب فى قوله {إِنًِّ أَخَاؾُ الله َ [ }الأنفال: 48 ]و ما به مخافة الله، ولكن علم أنه لا قوة له ولا منعة فؤوردهم وأسلمهم. وكذلك عادة عدو الله بمن أطاعه."

عدد الصفحات ٦١

تَرَوْن [ }الأنفال: 48 ]وكذب فى قوله {إِنًِّ أَخَاؾُ الله َ [ }الأنفال: 48 ]و ما به مخافة الله، ولكن علم أنه لا قوة له ولا منعة فؤوردهم وأسلمهم. وكذلك عادة عدو الله بمن أطاعه." وقالت طابفة: "إنما خاؾ بطش الله تعالى به فى الدنٌا، كما ٌخاؾ الكافر والفاجر أن ٌقتل أو ٌإخذ بجرمه، لا أنه خاؾ عقابه فى الآخرة". وهذا أصح، وهذا الخوؾ لا ٌستلزم إٌمانا ولا نجاة. قال الكلبى: "خاؾ أن ٌؤخذه جبرٌل فٌعرفهم حاله فلب ٌطٌعونه."

عدد الصفحات ٦١

62 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وهذا فاسد، فإنه إنما قال لهم ذلك بعد أن فر ونكص على عقبٌه، إلا أن ٌرٌد أنه إذا عرؾ المشركون أن الذى أجارهم وأوردهم إبلٌس لم ٌطٌعوه فٌما بعد ذلك، وقد أبعد النجعة إن أراد ذلك، وتكلؾ ؼٌر المراد. وقال عطاء: "إنى أخاؾ الله أن ٌهلكنى فٌمن ٌهلك"، وهذا خوؾ هلبك الدنٌا فلب ٌنفعه. 1/109) ________________________________________ وقال الزجاج وابن الأنبارى: "ظن أن الوقت الذى أنظر إلٌه قد حضر". زاد ابن الأنبارى قال: "أخاؾ أن ٌكون الوقت المعلوم الذى ٌزول معه إنظارى قد حضر فٌقع بى العذاب، فإنه لما عاٌن الملببكة خاؾ أن ٌكون وقت الإنظار قد انقضى، فقال ما قال إشفاقا على نفسه." فصل ومن كٌد عدو الله تعالى: أنه ٌخوِّؾ المإمنٌن من جنده وأولٌابه، فلب ٌجاهدونهم ولا ٌؤمرونهم بالمعروؾ، ولا ٌنهونهم عن المنكر، وهذا من أعظم كٌده بؤهل الإٌمان، وقد أخبرنا الله سبحانه عنه بهذا فقال: {إِن مَا ذلِكُمُ الشٌّْطَانُ ٌُخَوِّؾُ أَوْلٌَِاءَهُ فَلب تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُإْمِنٌِنَ [ }آل عمران: 675] . المعنى عند جمٌع المفسرٌن: ٌخوفكم بؤولٌابه. قال قتادة: "ٌعظمهم فى صدوركم، ولهذا قال{ :فَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُإْمِنٌِنَ }فكلما قوى إٌمان العبد زال من قلبه خوؾ أولٌاء الشٌطان، وكلما ضعؾ إٌمان العبد قوى خوفه منهم." ومن مكاٌده أنه ٌسحر العقل دابما حتى ٌكٌده، ولا ٌسلم من سحره إلا من شاء الله، فٌزٌن له الفعل الذى ٌضره حتى ٌخٌل إلٌه أنه من أنفع الأشٌاء، وٌنفر من الفعل الذى هو أنفع الأشٌاء له، حتى ٌخٌل له أنه ٌضره، فلب إله إلا الله. كم فتن بهذا السحر من إنسان، وكم حال به بٌن القلب وبٌن الإسلبم والإٌمان والإحسان؟ وكم جلب الباطل وأبرزه فى صورة مستحسنة، وشنع الحق وأخرجه فى صورة مستهجنة؟ وكم بهرج من الزٌوؾ على الناقدٌن، وكم روّج من الزؼل على العارفٌن؟ فهو الذى سحر العقول حتى ألقى أربابها فى الأهواء المختلفة والآراء المتشعبة، وسلك بهم فى سبل الضلبل كل مسلك وألقاهم من المهالك فى مهلك بعد مهلك، وزٌن لهم عبادة الأصنام، وقطٌعة الأرحام، ووأد البنات، ونكاح الأمهات، ووعدهم الفوز بالجنات مع الكفر والفسوق والعصٌان، وأبرز لهم الشرك فى صورة التعظٌم، والكفر بصفات الرب تعالى وعلوه على عرشه وتكلمه بكتبه فى قالب التنزٌه، وترك الأمر بالمعروؾ والنهى عن المنكر فى قالب التودد إلى الناس، وحسن الخلق معهم، والعمل بقوله: {عَلٌَْكُمْ أنْفُسَكُمْ [ }المابدة: 615] . والإعراض عما جاء به الرسول علٌه الصلبة والسلبم فى قالب التقلٌد، 1/110) ________________________________________ والاكتفاء بقول من هو أعلم منهم، والنفاق والإدهان فى دٌن الله فى قالب العقل المعٌشى الذى ٌندرج به العبد بٌن الناس. فهو صاحب الأبوٌن حٌن أخرجهما من الجنة، وصاحب قابٌل حٌن قتل أخاه، وصاحب قوم نوح حٌن أؼرقوا، وقوم عاد حٌن أهلكوا بالرٌح العقٌم، وصاحب قوم صالح حٌن أهلكوا بالصٌحة، وصاحب الأمة اللوطٌة حٌن خسؾ بهم وأتبعوا بالرجم بالحجارة، وصاحب فرعون وقومه حٌن أخذوا الأخذة الرابٌة، وصاحب عباد العجل حٌن جرى علٌهم ما جرى، وصاحب قرٌش حٌن دعوا ٌوم بدر، وصاحب كل هالك ومفتون. فصل وأول كٌده ومكره: أنه كاد الأبوٌن بالأٌمان الكاذبة: أنه ناصح لهما، وأنه إنما ٌرٌد خلودهما فى الجنة، قال تعالى: {فَوَسْوسَ لَهُمَا الشٌّْطَانُ لٌُِبْدِىَ لَهُمَا مَا وُورِىَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَانَهَاكُمَا رَب كُمَا عَنْ هذِهِ الشّجرَةِ إِ لا أَنْ تَكُونَا مَلَكٌَْنِ أوْ تَكُونَا مِنَ الخالِدٌِنَ وَقَاسَمَهُمَا إنِّى لَكُمَا لَمِنَ النّاصِحٌِنَ فَدَلاهُمَا بِؽُرُور [ }الأعراؾ: 11 - 11] .

عدد الصفحات ٦٢