42 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي ومن علبمات صحته: أن ٌكون أشح بوقته أن ٌذهب ضابعا من أشد الناس شحا بماله. ومنها: أن ٌكون اهتمامه بتصحٌح العمل أعظم منه بالعمل، فٌحرص على الإخلبص فٌه والنصٌحة والمتابعة والإحسان، وٌشهد مع ذلك منة الله علٌه فٌه وتقصٌره فى حق الله. 1/72) ________________________________________ فهذه ست مشاهد لا ٌشهدها إلا القلب الحى السلٌم. وبالجملة فالقلب الصحٌح: هو الذى همه كله فى الله، وحبه كله له، وقصده له، وبدنه له، وأعماله له، ونومه له، وٌقظته له، وحدٌثه والحدٌث عنه أشهى إلٌه من كل حدٌث، وأفكاره تحوم على مراضٌه ومحابه، والخلوة به آثر عنده من الخلطة إلا حٌث تكون الخلطة أحب إلٌه وأرضى له، قرة عٌنه به، وطمؤنٌنته وسكونه إلٌه، فهو كلما وجد من نفسه التفاتا إلى ؼٌره تلب علٌها: {ٌَا أَ ٌ تُهَا النّفْسُ المُطْمَبِن ةُ ارْجِعِى إلى رَبِّكِ رَاضٌَِة مَرْضٌِ ةً [ }الفجر: 17-18] . فهو ٌردد علٌها الخطاب بذلك لٌسمعه من ربه ٌوم لقابه فٌنصبػ القلب بٌن ٌدى إلهه ومعبوده الحق بصبؽة العبودٌة، فتصٌر العبودٌة صفة له وذوقا لا تكلفا، فٌؤتى بها توددا وتحببا وتقربا، كما ٌؤتى المحب المتٌم فى محبة محبوبه بخدمته وقضاء أشؽاله. فكلما عرض له أمر من ربه أو نهى أحس من قلبه ناطقا ٌنطق: "لب ٌْك وسعدٌك، إنى سامع مطٌع ممتثل، ولك على المن ة فى ذلك، والحمد فٌه عابد إلٌك." وإذا أصابه قَدرَ وجد من قلبه ناطقا ٌقول: "أنا عبدك ومسكٌنك وفقٌرك، وأنا عبدك الفقٌر العاجز الضعٌؾ المسكٌن، وأنت ربى العزٌز الرحٌم، لا صبر لى إن لم تصبرنى، ولا قوة لى إن لم تحملنى وتقونى، لا ملجؤ لى منك إلا إلٌك ولا مستعان لى إلا بك، ولا انصراؾ لى عن بابك، ولا مذهب لى عنك." فٌنطرح بمجموعه بٌن ٌدٌه، وٌعتمد بكلٌته علٌه، فإن أصابه بما ٌكره قال: رحمة أهدٌَِتْ إلى، ودواء نافع من طبٌب مشفق، وإن صرؾ عنه ما ٌحب قال: شرا صرؾ عنى: وَكَمْ رُمْتُ أَمْرًا خِرْتَ لِى فى انْصِرَافِهِ وَمَا زِلْتَ بى مِنِّى أَبَر وَأَرْحَمَا فكل ما مسه به من السراء والضراء اهتدى بها طرٌقا إلٌه، وانفتح له منه باب ٌدخل منه علٌه، كما قٌل: ما مَسّنِى قدَر بِكُرْه أوْ رِضًى ... إلا اهْتَدٌَْتُ بِهِ إلٌِْكَ طَرٌِقًا أَمْضِ القَضَاءَ عَلَى الرِّضَى به ... مِنِّى بِهِإنِّى وجَدْتُكَ فى البَلبءِ رَفٌِقا فلل ه هاتٌك القلوب وما انطوت علٌه من الضمابر، وماذا أودعته من الكنوز والذخابر، ولله طٌب أسرارها ولا سٌما ٌوم تبلى السرابر. سٌََبْدُو لهَا طٌِب وَنُور وَبَهْجَة ... وَحُسْنُ ثَنَاء ٌَوْمَ تُبْلَى السرَابرُ 1/73) ________________________________________ تالله، لقد رفع لها علم عظٌم فشمرت له، واستبان لها صراط مستقٌم فاستقامت علٌه، ودعاها ما دون مطلوبها الأعلى فلم تستجب له، واختارت على ما سواه وآثرت ما لدٌه. 1/74) ________________________________________ الباب الحادى عشر: فى علبج مرض القلب من استٌلبء النفس علٌه هذا الباب كالأساس والأصل لما بعده من الأبواب، فإن سابر أمراض القلب إنما تنشؤ من جانب النفس، فالمواد الفاسدة كلها إلٌها تنصب، ثم تنبعث منها إلى الأعضاء. وأول ما تنال القلب. وقد كان رسول الله صلى الله علٌه وسلم ٌقول فى خطبة الحاجة: "الحمدُ لله نَسْتَعٌِنُهُ وَنَسْتَهدٌِهِ، وَنَسْتَؽْفِرُ هُ وَنعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسٌَِّبَاتِ أَعْمَالِنَا."
عدد الصفحات ٤٢43 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وفى المسند والترمذى من حدٌث حُصٌن بن عبٌد أن رسول الله صلى الله علٌه وسلم قال له: "ٌَا حُصٌَْنُ، كَمْ تَعْبُدُ؟ قال: سَبْعَة ، سِت ة فى الأرْضِ وَوَاحِد فى الس ماءِ، قالَ : فَمنِ ال ذِى تُعِد لِرَؼْبَتِكَ وَرَهْبَتِكَ؟ قالَ : ال ذِى فى الس ماءِ . قالَ : أَسْلِمْ حَت ى أُعَلّمَكَ كَلمَات ٌَنْفَعُكَ اللهُ بهَا، فؤَسْلَمَ . فَقَالَ : قُلِ : اللهُم أَلْهِمْنى رُشْدِى، وَقِنِى شَر نَفْسِى ." وقد استعاذ صلى الله علٌه وسلم من شرها عموما، ومن شر ما ٌتولد منها من الأعمال، ومن شر ما ٌترتب على ذلك من المكاره والعقوبات، وجمع بٌن الاستعاذة من شر النفس وسٌبات الأعمال. وفٌه وجهان: 1/74) ________________________________________ أحدهما: أنه من باب إضافة النوع إلى جنسه، أى أعوذ بك من هذا النوع من الأعمال. والثانى: أن المراد به عقوبات الأعمال التى تسوء صاحبها. فعلى الأول: ٌكون قد استعاذ من صفة النفس وعملها. وعلى الثانى: ٌكون قد استعاذ من العقوبات وأسبابها. وٌدخل العمل السٌا فى شر النفس. فهل المعنى: ما ٌسوءنى من جزاء عملى، أو من عملى السٌا؟ وقد ٌترجح الأول، فإن الاستعاذة من العمل السٌا بعد وقوعه إنما هى استعاذة من جزابه وموجبه، وإلا فالموجود لا ٌمكن رفعه بعٌنه. وقد اتفق السالكون إلى الله على اختلبؾ طرقهم، وتباٌن سلوكهم على أن النفس قاطعة بٌن القلب وبٌن الوصول إلى الرب، وأنه لا ٌدخل علٌه سبحانه ولا ٌوصل إلٌه إلا بعد إماتتها وتركها بمخالفتها والظفر بها. فإن الناس على قسمٌن: قسم ظفرت به نفسه فملكته وأهلكته وصار طوعا لها تحت أوامرها. وقسم ظفروا بنفوسهم فقهروها، فصارت طوعا لهم منقادة لأوامرهم. قال بعض العارفٌن: انتهى سفر الطالبٌن إلى الظفر بؤنفسهم. فمن ظفر بنفسه أفلح وأنجح، ومن ظفرت به نفسه خسر وهلك. قال تعالى: {فَؤَم ا مَنْ طَؽَى وَآثَرَ الحٌاةَ ال دنٌَْا * فَإن الجحٌِمَ هِىَ الْمَؤْوَى وَأم ا مَنْ خَاؾَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى الن فْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنّ الجن ةَ هِىَ المَؤْوَى [ }النازعات: 57 - 46] . فالنفس تدعو إلى الطؽٌان وإٌثار الحٌاة الدنٌا، والرب ٌدعو عبده إلى خوفه ونهى النفس عن الهوى. والقلب بٌن الداعٌٌن، ٌمٌل إلى هذا الداعى مرة وإلى هذا مرة وهذا موضع المحنة والابتلبء، وقد وصؾ سبحانه النفس فى القرآن بثلبث صفات: المطمبنة، والأمارة بالسوء، واللوامة. فاختلؾ الناس: هل النفس واحدة، وهذه أوصاؾ لها؟ أم للعبد ثلبث أنفس؟: نفس مطمبنة، ونفس لوامة، ونفس أمارة. فالأول قول الفقهاء والمتكلمٌن وجمهور المفسرٌن وقول محققى الصوفٌة. والثانى قول كثٌر من أهل التصوؾ. 1/75) ________________________________________ والتحقٌق: أنه لا نزاع بٌن الفرٌقٌن، فإنها واحدة باعتبار ذاتها، وثلبث باعتبار صفاتها. فإذا اعتبرت بنفسها فهى واحدة، وإن اعتبرت مع كل صفة دون الأخرى فهى متعددة، وما أظنهم ٌقولون إن لكل أحد ثلبث أنفس قابمة بذاتها مساوٌة للؤخرى فى الحد والحقٌقة، وأنه إذا قبض العبد قبضت له ثلبث أنفس، كل واحدة مستقلة بنفسها. وحٌث ذكر سبحانه النفس، وأضافها إلى صاحبها، فإنما ذكرها بلفظ الإفراد، وهكذا فى سابر الأحادٌث، ولم ٌجا فى موضع واحد "نفوسك" و "نفوسه" ولا "أنفسك" و"أنفسه" وإنما جاءت مجموعة عند إرادة العموم، كقوله: {وَإذَا الن فُوسُ زُوِّجَتْ [ }التكوٌر: 7] أو عند إضافتها إلى الجمع، كقوله صلى الله علٌه وسلم: "إنّمَا أَنْفُسُنَا بٌَِدِ اللهِ ." ولو كانت فى الإنسان ثلبث أنفس لجاءت مجموعة إذا أضٌفت إلٌه ولو فى موضع واحد.
عدد الصفحات ٤٣44 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي فالنفس إذا سكنت إلى الله، واطمؤنت بذكره، وأنابت إلٌه، واشتاقت إلى لقابه، وأنست بقربه، فهى مطمبنة، وهى التى ٌقال لها عند الوفاة. {ٌَا أٌَ تُهَا الن فْسُ المُطْمِبن ةُ ارْجِعِى إلَى رَبِّكِ رَاضٌَِةً مَرْضٌِ ةَ [ }الفجر: 17-18] . قال ابن عباس: "ٌا أٌتها النفس المطمبنة". ارجعى إلى ربك راضٌة مرضٌة ٌقول: المصدقة، وقال قتادة: "هو المإمن، اطمؤنت نفسه إلى ما وعد الله" وقال الحسن: "المطمبنة بما قال الله. والمصدقة بما قال" وقال مجاهد: "هى المنٌبة المخبتة التى أٌقنت أن الله ربها، وضربت جؤشا لأمره وطاعته، وأٌقنت بلقابه." وحقٌقة الطمؤنٌنة: السكون والاستقرار، فهى التى قد سكنت إلى ربها وطاعته وأمره وذكره، ولم تسكن إلى سواه، فقد اطمؤنت إلى محبته وعبودٌته وذكره، واطمؤنت إلى أمره ونهٌه وخبره، واطمؤنت إلى لقابه ووعده، واطمؤنت إلى التصدٌق بحقابق أسمابه وصفاته، واطمؤنت إلى الرضى به ربا، وبالإسلبم دٌنا، وبمحمد رسولا واطمؤنت إلى قضابه وقدره، واطمؤنت إلى كفاٌته وحسْبِه وضمانه، فاطمؤنت بؤنه وحده ربها وإلهها ومعبودها وملٌكها ومالك أمرها كله، وأن مرجعها إلٌه، وأنها لا ؼنى لها عنه طرفة عٌن. 1/76) ________________________________________ وإذا كانت بضد ذلك فهى أمارة بالسوء تؤمر صاحبها بما تهواه: من شهوات الؽى، واتباع الباطل، فهى مؤوى كل سوء، وإن أطاعها قادته إلى كل قبٌح وكل مكروه. وقد أخبر سبحانه أنها أمارة بالسوء، ولم ٌقل "آمرة" لكثرة ذلك منها، وأنه عادتها ودأبها إلا إذا رحمها الله وجعلها زاكٌة تؤمر صاحبها بالخٌر، فذلك من رحمة الله، لا منها. فإنها بذاتها أمارة بالسوء؛ لأنها خلقت فى الأصل جاهلة ظالمة، إلا من رحمه الله، والعدل والعلم طارئ علٌها بإلهام ربها وفاطرها لها ذلك، فإذا لم ٌلهمها رشدها بقٌت على ظلمها وجهلها. فلم تكن أمارة إلا بموجب الجهل والظلم، فلولا فضل الله ورحمته على المإمنٌن ما زكت منهم نفس واحدة. فإذا أراد الله سبحانه بها خٌرا جعل فٌها ما تزكو به وتصلح: من الإرادات والتصورات، وإذا لم ٌرد بها ذلك تركها على حالها التى خلقت علٌها من الجهل والظلم. وسبب الظلم: إما جهل، وإما حاجة. وهى فى الأصل جاهلة. والحاجة لازمة لها، فلذلك كان أمرها بالسوء لازما لها إن لم تدركها رحمة الله وفضله. وبهذا ٌعلم أن ضرورة العبد إلى ربه فوق كل ضرورة، ولا تشبهها ضرورة تقاس بها، فإنه إن أمسك عنه رحمته وتوفٌقه وهداٌته طرفة عٌن خسر وهلك. فصل وأما اللوامة فاختلؾ فى اشتقاق هذه اللفظة، هل هى من التلوم، وهو التلون والتردد، أو هى من اللوم؟ وعبارات السلؾ تدور على هذٌن المعنٌٌن. قال سعٌد بن جبٌر: "قلت لابن عباس: ما اللوامة؟ قال: هى النفس اللبوم." وقال مجاهد: "هى التى تُنَدِّم على ما فات وتلوم علٌه." وقال قتادة: "هى الفاجرة" وقال عكرمة: "تلوم على الخٌر والشر" وقال عطاء عن ابن عباس: "كل نفس تلوم نفسها ٌوم القٌامة، تلوم المحسن نفسه أن لا ٌكون ازداد إحسانا، وتلوم المسىء نفسه أن لا ٌكون رجع عن إساءته." وقال الحسن: "إن المإمن، والله، ما تراه إلا ٌلوم نفسه على كل حالاته؛ ٌستقصرها فى كل ما ٌفعل فٌندم وٌلوم نفسه، وإن الفاجر لٌمضى قدما لا ٌعاتب نفسه." 1/77) ________________________________________ فهذه عبارات من ذهب إلى أنها من اللوم. وأما من جعلها من التلوم فلكثرة ترددها وتلومها، وأنها لا تستقر على حال واحدة.
عدد الصفحات ٤٤45 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي والأول أظهر، فإن هذا المعنى لو أرٌد لقٌل: المتلومة. كما ٌقال: المتلونة والمترددة. ولكن هو من لوازم القول الأول، فإنها لتلومها وعدم ثباتها تفعل الشىء ثم تلوم علٌه. فالتلوم من لوازم اللوم. والنفس قد تكون تارة أمارة، وتارة لوامة، وتارة مطمبنة، بل فى الٌوم الواحد والساعة الواحدة ٌحصل منها هذا وهذا. والحكم للؽالب علٌها من أحوالها، فكونها مطمبنة وصؾ مدح لها. وكونها أمارة بالسوء وصؾ ذم لها. وكونها لوامة ٌنقسم إلى المدح والذم، بحسب ما تلوم علٌه. والمقصود: ذكر علبج مرض القلب باستٌلبء النفس الأمارة علٌه. وله علبجان: محاسبتها، ومخالفتها، وهلبك القلب من إهمال محاسبتها، ومن موافقتها واتباع هواها، وفى الحدٌث الذى رواه أحمد وؼٌره من حدٌث شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله علٌه وسلم: "الكٌَسُ من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله" دان نفسه: أى حاسبها. وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون علٌكم فى الحساب ؼدا أن تحاسبوا أنفسكم الٌوم، وَتَزٌَ نوا للعرض الأكبر، ٌومبذ تعرضون لا تخفى منكم خافٌة." وذكر أٌضا عن الحسن قال: "لا تلقى المإمن إلا ٌحاسب نفسه: وماذا أردت تعملٌن؟ وماذا أردت تؤكلٌن؟ وماذا أردت تشربٌن؟. والفاجر ٌمضى قدما قدما لا ٌحاسب نفسه". وقال قتادة فى قوله تعالى: {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [ }الكهؾ: 18] . أضاع نفسه وؼبن، مع ذلك تراه حافظا لماله مضٌعا لدٌنه. وقال الحسن: "إن العبد لا ٌزال بخٌر ما كان له واعظ من نفسه، وكانت المحاسبة من همته." 1/78) ________________________________________ وقال مٌمون بن مهران: "لا ٌكون العبد تقٌا حتى ٌكون لنفسه أشد محاسبة من الشرٌك لشرٌكه، ولهذا قٌل: النفس كالشرٌك الخو ان، إن لم تحاسبه ذهب بمالك." وقال مٌمون بن مهران أٌضاً : "إن التقى أشد محاسبة لنفسه من سلطان عَاص ، ومن شرٌك شحٌح." وذكر الإمام أحمد عن وهب قال: "مكتوب فى حكمة آل داود: حق على العاقل أن لا ٌؽفل عن أربع ساعات: ساعة ٌناجى فٌها ربه، وساعة ٌحاسب فٌها نفسه، وساعة ٌخلو فٌها مع إخوانه الذٌن ٌخبرونه بعٌوبه وٌصدقونه عن نفسه، وساعة ٌخلى فٌها بٌن نفسه وبٌن لذاتها فٌما ٌحل وٌجمل، فإن فى هذه الساعة عونا على تلك الساعات، وإجماماً للقلوب" وقد روى هذا مرفوعًا من كلبم النبى صلى الله علٌه وسلم. رواه أبو حاتم وابن حبان وؼٌره. وكان الأحنؾ بن قٌس ٌجىء إلى المصباح، فٌضع أصبعه فٌه، ثم ٌقول: حس ٌا حنٌؾ ما حملك على ما صنعت ٌوم كذا؟ ما حملك على ما صنعت ٌوم كذا؟ وٌبكى. وكتب عمر بن الخطاب إلى بعض عماله: "حاسب نفسك فى الرخاء قبل حساب الشدة فإن من حاسب نفسه فى الرخاء قبل حساب الشدة عاد أمره إلى الرضى والؽبطة، ومن ألهته حٌاته وشؽلته أهواإه عاد أمره إلى الندامة والخسارة." وقال الحسن: "المإمن قوام على نفسه، ٌحاسب نفسه لله، وإنما خؾ الحساب ٌوم القٌامة على قوم حاسبوا أنفسهم فى الدنٌا، وإنما شق الحساب ٌوم القٌامة على قوم أخذوا هذا الأمر من ؼٌر محاسبة. إن المإمن ٌفاجبه الشىء وٌعجبه، فٌقول: والله إنى لأشتهٌك. وإنك لمن حاجتى، ولكن والله ما من صلة إلٌك، هٌهات هٌهات، حٌل بٌنى وبٌنك، وٌفرط منه الشىء فٌرجع إلى نفسه، فٌقول: ما أردت إلى هذا؟ مالى ولهذا؟ والله لا أعود إلى هذا أبدا، إن المإمنٌن قوم أوقفهم القرآن وحال بٌنهم وبٌن هلكتهم، إن المإمن أسٌر فى الدنٌا ٌسعى فى فكاك رقبته، لا ٌؤمن شٌبا حتى ٌلقى الله، ٌعلم أنه مؤخوذ علٌه فى سمعه وفى بصره، وفى لسانه، وفى جوارحه، مؤخوذ علٌه فى ذلك كله."
عدد الصفحات ٤٥بٌنهم وبٌن هلكتهم، إن المإمن أسٌر فى الدنٌا ٌسعى فى فكاك رقبته، لا ٌؤمن شٌبا حتى ٌلقى الله، ٌعلم أنه مؤخوذ علٌه فى سمعه وفى بصره، وفى لسانه، وفى جوارحه، مؤخوذ علٌه فى ذلك كله." قال مالك بن دٌنار: "رحم الله عبدا قال لنفسه: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم زمها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله عز وجل، فكان لها قابدا."
عدد الصفحات ٤٥46 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وقد مثلت النفس مع صاحبها بالشرٌك فى المال، فكما أنه لا ٌتم مقصود الشركة من 1/79) ________________________________________ الربح إلا بالمشارطة على ما ٌفعل الشرٌك أولا، ثم بمطالعة ما ٌعمل، والإشراؾ علٌه ومراقبته ثانٌا، ثم بمحاسبته ثالثا، ثم بمنعه من الخٌانة إن اطلع علٌه رابعا، فكذلك النفس: ٌشارطها أولا على حفظ الجوارح السبعة التى حفظها هو رأس المال، والربح بعد ذلك. فمن لٌس له رأس مال، فكٌؾ ٌطمع فى الربح؟ وهذه الجوارح السبعة وهى العٌن، والأذن، والفم، واللسان والفرج، والٌد، والرجل: هى مراكب العطب والنجاة، فمنها عطب من عطب بإهمالها. وعدم حفظها، ونجا من نجا بحفظها ومراعاتها فحفظها أساس كل خٌر، وإهمالها أساس كل شر. قال تعالى{ :قُلْ لِلمُإْمِنٌِنَ ٌَؽُض وا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وٌَحفظُوا فُرُوجَهُمْ [ }النور: 51 . ]وقال تعالى{ :وَ تَمْشِ فى الأرْضِ مَرَحًا إِنّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ وَلَنْ تَبْلُػَ الجبَالَ طُولا[ }الإسراء: 57 ]وقال تعالى{ :وَ تَقْؾُ مَا لٌَْسَ لَكَ بِهِ عِل م إِن الس مْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُإَادَ كُل أُولبِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْبُولاً [ }الإسراء: 56 ]وقال تعالى{ :وَقُلْ لِعِبادى ٌَقُولُوا الّتى هِ ىَ أحْسَنُ [ }الإسراء: 55 ]وَقال تعالى{ :ٌَا أٌَ هَا الذٌِنَ آمَنُوا ات قُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدٌِداً [ }الأحزاب: 71 ]وقال تعالى{ :ٌَا أٌَ هَا ال ذٌِنَ آمَنُوا ات قُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفس مَا قَد مَتْ لِؽَد [ }الحشر: 68] . فإذا شارطها على حفظ هذه الجوارح انتقل منها إلى مطالعتها والإشراؾ علٌها ومراقبتها، فلب ٌهملها، فإنه إن أهملها لحظة رتعت فى الخٌانة ولا بد، فإن تمادى على الإهمال تمادت فى الخٌانة حتى تُذهب رأس المال كله، فمتى أحس بالنقصان انتقل إلى المحاسبة، فحٌنبذ ٌتبٌن له حقٌقة الربح والخسران، فإذا أحَس بالخسران وتٌقنه استدرك منها ما ٌستدركه الشرٌك من شرٌكه: من الرجوع علٌه بما مضى، والقٌام بالحفظ والمراقبة فى المستقبل، ولا مطمع له فى فسخ عقد الشركة مع هذا الخابن، والاستبدال بؽٌره، فإنه لا بد له منه فلٌجتهد فى مراقبته ومحاسبته، ولٌحذر من إهماله. وٌعٌنه على هذه المراقبة والمحاسبة: معرفته أنه كلما اجتهد فٌها الٌوم استراح منها ؼدا إذا صار الحساب إلى ؼٌره، وكلما أهملها الٌوم اشتد علٌه الحساب ؼدا. وٌعٌنه علٌها أٌضا: معرفته أن ربح هذه التجارة سكنى الفردوس، والنظر إلى وجه الرب سبحانه، وخسارتها: دخول النار والحجاب عن الرب تعالى، فإذا تٌقن هذا هان علٌه الحساب الٌوم. فحق على الحازم المإمن بالله والٌوم الآخر أن لا ٌؽفل عن محاسبة نفسه والتضٌٌق علٌها فى حركاتها وسكناتها وخطراتها وخطواتها، فكل نَفَس من أنفاس العمر جوهرة نفٌسة 1/80) ________________________________________ لا حظ لها ٌمكن أن ٌشترى بها كنز من الكنوز لا ٌتناهى نعٌمه أبد الآباد. فإضاعة هذه الأنفاس، أو اشتراء صاحبها بها ما ٌجلب هلبكه: خسران عظٌم لا ٌسمح بمثله إلا أجهل الناس وأحمقهم وأقلهم عقلب. وإنما ٌظهر له حقٌقة هذا الخسران ٌوم التؽابن{ :ٌَوْمَ تَجِدُ كُل نَفْس مَا عَمِلَتْ مِنْ خٌَْر مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوء تَوَد لَوْ أَنّ بٌَْنَهَا وَبٌَْنَهُ أَمَداً بَعٌِدا ًٍآل عمران: 51] . فصل ومحاسبة النفس نوعان: نوع قبل العمل، ونوع بعده. فؤما النوع الأول: فهو أن ٌقؾ عند أول همه وإرادته، ولا ٌبادر بالعمل حتى ٌتبٌن له رجحانه على تركه. قال الحسن رحمه الله: رحم الله عبدا وقؾ عند همه، فإن كان لله مضى، وإن كان لؽٌره تؤخر. وشرح هذا بعضهم فقال: إذا تحركت النفس لعمل من الأعمال وهم به العبد، وقؾ أولا ونظر: هل ذلك العمل مقدور
عدد الصفحات ٤٦ن رحمه الله: رحم الله عبدا وقؾ عند همه، فإن كان لله مضى، وإن كان لؽٌره تؤخر. وشرح هذا بعضهم فقال: إذا تحركت النفس لعمل من الأعمال وهم به العبد، وقؾ أولا ونظر: هل ذلك العمل مقدور له أو ؼٌر مقدور ولا مستطاع؟ فإن لم ٌكن مقدورا لم ٌقدم علٌه، وإن كان مقدورا وقؾ وقفة أخرى ونظر: هل فعله خٌر له من تركه، أو تركه خٌر له من فعله؟ فإن كان الثانً تركه ولم ٌقدم علٌه، وإن كان الأول وقؾ وقفة ثالثة ونظر: هل الباعث علٌه إرادة وجه الله عز وجل وثوابه أو إرادة الجاه والثناء والمال من المخلوق؟ فإن كان الثانً لم
عدد الصفحات ٤٦47 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي ٌقدم، وإن أفضى به إلى مطلوبه، لبلب تعتاد النفس الشرك. وٌخؾ علٌها العمل لؽٌر الله، فبقدر ما ٌخؾ علٌها ذلك ٌثقل علٌها العمل لله تعالى، حتى ٌصٌر أثقل شىء علٌها، وإن كان الأول وقؾ وقفة أخرى ونظر هل هو معان علٌه، وله أعوان ٌساعدونه وٌنصرونه إذا كان العمل محتاجا إلى ذلك أم لا؟ فإن لم ٌكن له أعوان أمسك عنه، كما أمسك النبً صلى الله علٌه وسلم عن الجهاد بمكة حتى صار له شوكة وأنصار، 1/81) ________________________________________ وإن وجده معانا علٌه فلٌقدم علٌه فإنه منصور، ولا ٌفوت النجاح إلا من فوت خصلة من هذه الخصال، وإلا فمع اجتماعها لا ٌفوته النجاح. فهذه أربعة مقامات ٌحتاج إلى محاسبة نفسه علٌها قبل الفعل، فما كل ما ٌرٌد العبد فعله ٌكون مقدورا له، ولا كل ما ٌكون مقدورا له ٌكون فعله خٌرا له من تركه، ولا كل ما ٌكون فعله خٌرا له من تركه ٌفعله لله، ولا كل ما ٌفعله لله ٌكون معانا علٌه، فإذا حاسب نفسه على ذلك تبٌن له ما ٌقدم علٌه، وما ٌحجم عنه. فصل النوع الثانى: محاسبة النفس بعد العمل، وهو ثلبثة أنواع: أحدها: محاسبتها على طاعة قصرت فٌها من حق الله تعالى، فلم توقعها على الوجه الذى ٌنبؽً. وحق الله تعالى فى الطاعة ستة أمور قد تقدمت، وهى: الإخلبص فى العمل، والنصٌحة لله فٌه، ومتابعة الرسول فٌه، وشهود مشهد الإحسان فٌه، وشهود منة الله علٌه فٌه، وشهود تقصٌره فٌه بعد ذلك كله. فٌحاسب نفسه: هل وَف ى هذه المقامات حقها؟ وهل أتى بها فى هذه الطاعة؟. الثانً: أن ٌحاسب نفسه على كل عمل كان تركه خٌرا له من فعله. الثالث: أن ٌحاسب نفسه على أمر مباح، أو معتاد: لم فعله؟ وهل أراد به الله والدار الآخرة؟ فٌكون رابحا، أو أراد به الدنٌا وعاجلها، فٌخسر ذلك الربح وٌفوته الظفر به. فصل وأضر ما علٌه الإهمال، وترك المحاسبة والاسترسال، وتسهٌل الأمور وتمشٌتها، فإن هذا ٌإول به إلى الهلبك، وهذه حال أهل الؽرور: ٌؽمض عٌنٌه عن العواقب، وٌمُشِّى الحال، وٌتكل على العفو، فٌهمل محاسبة نفسه والنظر فى العاقبة. وإذا فعل ذلك سهل علٌه مواقعة 1/82) ________________________________________ الذنوب، وأنس بها، وعسر علٌها فطامها، ولو حضره رشده لعلم أن الحمٌة أسهل من الفطام وترك المؤلوؾ والمعتاد. قال ابن أبى الدنٌا: حدثنً رجل من قرٌش، ذكر أنه من ولد طلحة بن عبٌد الله قال: "كان توبة بن الصمة بالرقة، وكان محاسبا لنفسه، فحسب ٌوما، فإذا هو ابن ستٌن سنة، فحسب أٌامها، فإذا هى أحد وعشرون ألؾ ٌوم وخمسمابة ٌوم، فصرخ، وقال: ٌا وٌلتى، ألقى ربً بؤحد وعشرٌن ألؾ ذنب؟ كٌؾ وفى كل ٌوم آلاؾ من الذنوب؟. ثم خرج مؽشٌا علٌه، فإذا هو مٌت، فسمعوا قابلب ٌقول: "ٌا لك ركضة إلى الفردوس الأعلى."" وجماع ذلك: أن ٌحاسب نفسه أولا على الفرابض، فإن تذكر فٌها نقصا تداركه، إما بقضاء أو إصلبح. ثم ٌحاسبها على المناهً، فإن عرؾ أنه ارتكب منها شٌبا تداركه بالتوبة والاستؽفار والحسنات الماحٌة. ثم ٌحاسب نفسه على الؽفلة، فإن كان قد ؼفل عما خلق له تداركه بالذكر والإقبال على الله تعالى. ثم ٌحاسبها بما تكلم به، أو مشت إلٌه رجلبه، أو بطشت ٌداه، أو سمعته أذناه: ماذا أرادت بهذا؟ ولم فعلته؟ وعلى أي وجه فعلته؟ وٌعلم أنه لابد أن ٌنشر لكل حركة وكلمة منه دٌوانان: دٌوان لم فعلته؟ وكٌؾ فعلته؟ فالأول سإال عن الإخلبص، والثانى سإال عن المتابعة، وقال تعالى:
عدد الصفحات ٤٧48 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي {فَوَرَبِّكَ لَنَسْؤَلَن هُمْ أَجْمعٌِنَ عَم ا كَانُوا ٌعْمَلُونَ [ }الحجر: 91 - 95 ]وقال تعالى {فَلَنَسْبَلَن الّذٌِنَ أُرْسِلَ إلٌَْهِمْ وَلَنَسْبَلَن المُرْسَلٌِنَ فَلَنَقُص ن عَلٌَْهِمْ بِعِلْم وَمَا كُن ا ؼَابِبٌنَ [ }الأعراؾ: 6 - 7 ]وقال تعالى {لٌَِسْؤَلَ الص ادِقٌِنَ عَن صِدْقِهمْ } [الأحزاب: 8] . فإذا سبل الصادقون وحوسبوا على صدقهم فما الظن بالكاذبٌن؟. قال مقاتل: "ٌقول تعالى: أخذنا مٌثاقهم لكً ٌسؤل الله الصادقٌن، ٌعنً النبٌٌن، عن تبلٌػ الرسالة". وقال مجاهد: "ٌسؤل المبلؽٌن المإدٌن عن الرسل، ٌعنً: هل بلؽوا عنهم كما ٌسؤل الرسل، هل بلؽوا عن الله تعالى؟ ." والتحقٌق: أن الآٌة تتناول هذا وهذا، فالصادقون هم الرسل، والمبلؽون عنهم، فٌسؤل الرسل عن تبلٌػ رسالاته وٌسؤل المبلؽٌن عنهم عن تبلٌػ ما بلؽتهم الرسل، ثم ٌسؤل الذٌن بلؽتهم الرسالة ماذا أجابوا المرسلٌن، كما قال تعالى: {وٌََوْمَ ٌُنَادٌِهِمْ فٌََقُولُ مَاذا أَجَبْتُمُ المُرْسَلٌِنَ [ }القصص: 65] . (1/83) ________________________________________ قال قتادة: كلمتان ٌسؤل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلٌن؟ فٌسؤل عن المعبود وعن العبادة. وقال تعالى{ :ثُم لَتُسْؤَلُن ٌَوْمَبِذ عَنِ الن عٌِمِ [ }التكاثر: 8] . قال محمد بن جرٌر: ٌقول الله تعالى: ثم لٌسؤلنكم الله عز وجل عن النعٌم الذي كنتم فٌه فى الدنٌا: ماذا عملتم فٌه؟ من أٌن دخلتم إلٌه؟ وفٌم أصبتموه؟ وماذا عملتم به؟. وقال قتادة: "إن الله سابل كل عبد عما استودعه من نعمته وحقه." والنعٌم المسبول عنه نوعان: نوع أخذ من حله وصرؾ فى حقه، فٌسؤل عن شكره. ونوع أخذ بؽٌر حله وصرؾ فى ؼٌر حقه، فٌسؤل عن مستخرجه ومصرفه. فإذا كان العبد مسبولا ومحاسبا على كل شىء، حتى على سمعه وبصره وقلبه، كما قال تعالى: {إن الس مْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُإَادَ كُل أُولبِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْبُولا[ }الإسراء: 56] . فهو حقٌق أن ٌحاسب نفسه قبل أن ٌناقش الحساب. وقد دل على وجوب محاسبة النفس قوله تعالى: {ٌَا أٌَ هَا ال ذٌِنَ آمَنُوا ات قُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْس مَا قَد مَتْ لِؽَد [ }الحشر: 68] . ٌقول تعالى: لٌنظر أحدكم ما قدم لٌوم القٌامة من الأعمال: أمن الصالحات التى تنجٌه، أم من السٌبات التى توبقه؟ قال قتادة: "ما زال ربكم ٌقرب الساعة حتى جعلها كؽد." والمقصود أن صلبح القلب بمحاسبة النفس، وفساده بإهمالها والاسترسال معها. فصل وفى محاسبة النفس عدة مصالح منها: الاطلبع على عٌوبها، ومن لم ٌطلع على عٌب نفسه لم ٌمكنه إزالته، فإذا اطلع على عٌبها مقتها فى ذات الله تعالى. وقد روى الإمام أحمد عن أبى الدرداء رضً الله عنه قال: "لا ٌفقه الرجل كل الفقه حتى ٌمقت الناس فى جنب الله، ثم ٌرجع إلى نفسه فٌكون لها أشد مقتا." وقال مُطرِّؾ بن عبد الله: "لولا ما أعلم من نفسً لقَلٌْتُ الناس." 1/84) ________________________________________ وقال مصرؾ فى دعابه بعرفة: "اللهم لا ترد الناس لأجلى." وقال بكر بن عبد الله المزنً: "لما نظرت إلى أهل عرفات ظننت أنهم قد ؼفر لهم، لولا أنً كنت فٌهم." وقال أٌوب السختٌانً: "إذا ذكر الصالحون كنتُ عنهم بمعزل."
عدد الصفحات ٤٨49 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي ولما احتضر سفٌان الثوري دخل علٌه أبو الأشهب، وحماد بن سلمة، فقال له حماد: "ٌا أبا عبد الله، ألٌس قد أمنت مما كنت تخافه؟ وتقدم على من ترجوه، وهو أرحم الراحمٌن، فقال: ٌا أبا سلمة، أتطمع لمثلً أن ٌنجو من النار؟ قال: إي والله، إنى لأرجو لك ذلك." وذكر زٌد عن مسلم بن سعٌد الواسطً قال: أخبرنً حماد بن جعفر بن زٌد: أن أباه أخبره قال: "خرجنا فى ؼزاة إلى كابل، وفى الجٌش: صِلة بن أشٌم، فنزل الناس عند العتمة، فصلوا ثم اضطجع فقلت: لأرمقن عمله، فالتمس ؼفلة الناس، حتى إذا قلت: هدأت العٌون وثب فدخل ؼٌضة قرٌبا منا، فدخلت على أثره، فتوضؤ، ثم قام ٌصلً، وجاء أسد حتى دنا منه، فصعدت فى شجرة فتراه التفت أو عده جروا؟ فلما سجد قلت: الآن ٌفترسه، فجلس ثم سلم ثم قال: أٌها السبع، اطلب الرزق من مكان آخر. فولى وإن له لزبٌرا، أقول: تصدع الجبال منه. قال فما زال كذلك ٌصلً حتى كان عند الصبح جلس، فحمد الله تعالى بمحامد لم أسمع بمثلها، ثم قال: اللهم إنى أسؤلك أن تجٌرنً من النار، ومثلى ٌصؽر أن ٌجترئ أن ٌسؤلك الجنة، قال: ثم رجع وأصبح كؤنه بات على الحشاٌا، وأصبحت وبى من الفترة شىء الله به عالم." وقال ٌونس بن عبٌد: "إنى لأجد مابة خصلة من خصال الخٌر ما أعلم أن فى نفسً منها واحدة." وقال محمد بن واسع: "لو كان للذنوب رٌح ما قدر أحد ٌجلس إلى." وذكر ابن أبى الدنٌا عن الخلد بن أٌوب قال: "كان راهب فى بنى إسرابٌل فى صومعة 1/85) ________________________________________ منذ ستٌن سنة. فؤتِىَ فى منامه. فقٌل له: إن فلبنا الإسكافً خٌر منك- لٌلة بعد لٌلة- فؤتى الإسكافً، فسؤله عن عمله. فقال: إنً رجل لا ٌكاد ٌمر بى أحد إلا ظننته أنه فى الجنة وأنا فى النار، ففضل على الراهب بإزرابه على نفسه." وذكر داود الطابً عند بعض الأمراء؛ فؤثنوا علٌه فقال: "لو ٌعلم الناس بعض ما نحن فٌه ما ذل لنا لسان بذكر خٌر أبدا." وقال أبو حفص: "من لم ٌتهم نفسه على دوام الأوقات ولم ٌخالفها فى جمٌع الأحوال، ولم ٌجرها إلى مكروهها فى سابر أوقاته، كان مؽرورا، ومن نظر إلٌها باستحسان شىء منها فقد أهلكها." فالنفس داعٌة إلى المهالك، معٌنة للؤعداء، طامحة إلى كل قبٌح، متبعة لكل سوء؛ فهى تجري بطبعها فى مٌدان المخالفة. فالنعمة التى لا خطر لها: الخروج منها، والتخلص من رقها، فإنها أعظم حجاب بٌن العبد وبٌن الله تعالى، وأعرؾ الناس بها أشدهم إزراء علٌها، ومقتا لها. قال ابن أبى حاتم فى تفسٌره: حدثنا علً بن الحسٌن المقدمً: حدثنا عامر ابن صالح عن أبٌه عن ابن عمر: أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: "اللهم اؼفر لى ظلمى وكفرى، فقال قابل: ٌا أمٌر المإمنٌن، هذا الظلم، فما بال الكفر؟ قال: إن الإنسان لظلوم كفار." قال: وحدثنا ٌونس بن حبٌب: حدثنا أبو داود، عن الصلت بن دٌنار: حدثنا عقبة بن صهبان الهنابى قال: "سؤلت عابشة رضى الله عنها عن قول الله عز وجل: {ثُم أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الذٌن اصْطَفٌَْنَا مِنْ عِبَادِنَا، فَمِنْهُمْ ظَالِم لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُمْ مُقْتَصِد ، وَمِنْهُمْ سَابِق بِالَخٌَْراتِ بِإِذْنِ اللهِ } [فاطر: 51 . ]فقالت: ٌا بنى، هإلاء فً الجنة، أما السابق بالخٌرات فمن مضً علً عهد رسول الله صلى الله علٌه وسلم، شهد له رسول الله صلى الله علٌه وسلم بالجنة والرزق، وأما المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق به، وأما الظالم لنفسه فمثلى ومثلكم، فجعلت نفسها معنا." 1/86) ________________________________________ وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج: حدثنا شرٌك عن عاصم عن أبى وابل عن مسروق، قال: دخل عبد الرحمن علً أم سلمة رضً الله عنها، فقالت:
عدد الصفحات ٤٩50 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي "سَمِعْتُ ال نبً صلً اللهُ وسلم ٌقول: إِن مِنْ أصْحَابى لمَنْ لا ٌَرَانِى بَعْدَ أَنْ أَمُوتَ أَبَدا فَخَرَجَ عَبْدُ الر حمنِ مِنْ عِنْدِهَا مَذْعُوراً، حَت ى دَخَلَ عَلًَ عُمَرَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ . فَقَالَ لهُ : اسْمَعْ مَا تَقُولُ أُ م كَ، فَقَامَ عُمَرُ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ حَت ى أَتَاهَا فَدَخَلَ عَلٌَهَا فَسَؤَلهَا، ثُم قَالَ : أَنْشُدُكِ بِاللهِ، أَمِنْهُمْ أَنَا؟ قالَتْ : لا، وَلَنْ أُبَرئَ بَعْدَكَ أَحَداً ." فسمعت شٌخنا ٌقول: إنما أرادت أنً لا أفتح علٌها هذا الباب، ولم ترد أنك وحدك البرئ من ذلك دون سابر الصحابة. ومقت النفس فى ذات الله من صفات الصدٌقٌن، وٌدنو العبد به من الله سبحانه فى لحظة واحدة أضعاؾ أضعاؾ ما ٌدنو به بالعمل. ذكر ابن أبً الدنٌا عن مالك بن دٌنار قال: "إن قوما من بنً إسرابٌل كانوا فً مسجد لهم فى ٌوم عٌد، فجاء شاب حتى قام على باب المسجد، فقال: لٌس مثلً ٌدخل معكم، أنا صاحب كذا، أنا صاحب كذا؛ ٌزري على نفسه، فؤوحى الله عز وجل إلى نبٌهم: إن فلبنا صدٌق." وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن الحسن بن أنس: حدثنا منذر عن وهب: "أن رجلب سابحا عبد الله عز وجل سبعٌن سنة. ثم خرج ٌوما فقلل عمله وشكا إلى الله تعالى منه. واعترؾ بذنبه فؤتاه آت من الله عز وجل فقال: إن مجلسك هذا أحب إلً من عملك فٌما مضى من عمرك." قال أحمد: وحدثنا عبد الصمد، أبو هلبل، عن قتادة قال: قال عٌسى ابن مرٌم علٌه السلبم: "سلونى، فإنى لٌن القلب، صؽٌر عند نفسى." 1/87) ________________________________________ وذكر أحمد أٌضا عن عبد الله بن رباح الأنصاري قال "كان داود علٌه السلبم ٌنظر أؼمص حلقة فى بنً إسرابٌل فٌجلس بٌن ظهرانٌهم، ثم ٌقول: ٌا رب مسكٌن بٌن ظهرانى مساكٌن." وذكر عن عمران بن موسى القصٌر قال: قال موسى علٌه السلبم: "ٌا رب أٌن أبؽٌك؟ قال: ابؽنى عند المنكسرة قلوبهم، فإنً أدنو منهم كل ٌوم باعا، ولولا ذلك انهدموا." وفى كتاب الزهد للئمام أحمد: "أن رجلب من بنى إسرابٌل تعبد ستٌن سنة فى طلب حاجة. فلم ٌظفر بها. فقال فى نفسه: والله لو كان فٌك خٌر لظفرت بحاجتك، فؤتى فى منامه، فقٌل له: أرأٌت ازدراءك على نفسك تلك الساعة؟ فإنه خٌر من عبادتك تلك السنٌن." ومن فوابد محاسبة النفس: أنه ٌعرؾ بذلك حق الله تعالى علٌه. ومن لم ٌعرؾ حق الله تعالى علٌه فإن عبادته لا تكاد تجدي علٌه، وهى قلٌلة المنفعة جدا. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج: حدثنا جرٌر بن حازم عن وهب قال: "بلؽنً أن نبً الله موسى علٌه السلبم مر برجل ٌدعو وٌتضرع، فقال: ٌا رب ارحمه، فإنً قد رحمته، فؤوحى الله تعالى إلٌه: لو دعانً حتى تنقطع قواه ما استجٌب له حتى ٌنظر فى حقً علٌه." فمن أنفع ما للقلب النظر فى حق الله على العبد. فإن ذلك ٌورثه مقت نفسه، والإزدراء علٌها، وٌخلصه من العجب ورإٌة العمل، وٌفتح له باب الخضوع والذل والانكسار بٌن ٌدي الله، والٌؤس من نفسه، وأن النجاة لا تحصل له إلا بعفو الله ومؽفرته ورحمته، فإن من حقه أن ٌطاع ولا ٌعصى، وأن ٌذكر فلب ٌنسى، وأن ٌشكر فلب ٌكفر. فمن نظر فى هذا الحق الذى لربه علٌه علم علم الٌقٌن أنه ؼٌر مإد له كما ٌنبؽً، وأنه لا ٌسعه إلا العفو والمؽفرة، وأنه إن أحٌل على عمله هلك. فهذا محل نظر أهل المعرفة بالله تعالى وبنفوسهم، وهذا الذى أٌؤسهم من أنفسهم، وعلق رجاءهم كله بعفو الله ورحمته. وإذا تؤملت حال أكثر الناس وجدتهم بضد ذلك، ٌنظرون فى حقهم على الله، ولا ٌنظرون فى حق الله علٌهم. ومن هاهنا انقطعوا عن الله، وحجبت قلوبهم عن معرفته، ومحبته، والشوق إلى لقابه، والتنعم بذكره، وهذا ؼاٌة جهل الإنسان بربه وبنفسه. فمحاسبة النفس هو نظر العبد فى حق الله علٌه أولا، ثم نظره هل قام به كما ٌنبؽً
عدد الصفحات ٥٠وحجبت قلوبهم عن معرفته، ومحبته، والشوق إلى لقابه، والتنعم بذكره، وهذا ؼاٌة جهل الإنسان بربه وبنفسه. فمحاسبة النفس هو نظر العبد فى حق الله علٌه أولا، ثم نظره هل قام به كما ٌنبؽً 1/88)
عدد الصفحات ٥٠51 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي ________________________________________ ثانٌا؟ وأفضل الفكر الفكر فى ذلك؛ فإنه ٌُسٌَِّر القلبَ إلى الله وٌطرحه بٌن ٌدٌه ذلٌلب خاضعًا منكسراً كسراً فٌه جبره، ومفتقرًا فقراً فٌه ؼناه. وذلٌلبً ذلاً فٌه عزه، ولو عمل من الأعمال ما عساه أن ٌعمل؛ فإذا فاته هذا فالذي فاته من البر أفضل من الذي أتى. وقال الإمام أحمد: حدثنا ابن القاسم حدثنا صالح المدنً عن أبً عمران الجونى عن أبً الخلد أن الله تعالى أوحى إلى موسى علٌه السلبم: "إذا ذكرتنً فاذكرنً وأنت تنتفض أعضاإك، وكن عند ذكري خاشعاً مطمبناً، وإذا ذكرتنً فاجعل لسانك من وراء قلبك، وإذا قمت بٌن ٌدي فقم مقام العبد الحقٌر الذلٌل، وذم نفسك فهً أولى بالذم، وناجنى حٌن تناجٌنً بقلب وجل ولسان صادق." ومن فوابد نظر العبد فً حق الله علٌه أن لا ٌتركه ذلك ٌُدِل بعمل أصلب كابنا ما كان، ومن أدل بعمله لم ٌصعد إلى الله تعالى كما ذكر الإمام أحمد عن بعض أهل العلم بالله أنه قال له رجل: "إنً لأقوم فً صلبتى؛ فؤبكى حتى ٌكاد ٌنبت البقل من دموعى؛ فقال له: إنك إن تضحك وأنت تعترؾ لله بخطٌبتك خٌر من أن تبكى وأنت مدل بعملك. فإن صلبة المُدلِّ لا تصعد فوقه. فقال له: أوصنى، قال: علٌك بالزهد فى الدنٌا، وأن لا تنازعها أهلها، وأن تكون كالنحلة إن أكلت أكلت طٌبا، وإن وضعت وضعت طٌبا، وإن وقعت على عود لم تضره ولم تكسره، وأوصٌك بالنصح لله عز وجل نصح الكلب لأهله، فإنهم ٌجٌعونه وٌطردونه وٌؤبى إلا أن ٌحوطهم، وٌنصحهم." ومن هاهنا أخذ الشاطبى قوله: وَقَدْ قٌِلَ : كُنْ كالْكَلْبِ ٌُقْصٌِهِ ... أَهْلُهُوَلا ٌَؤْتلى فى نُصْحِهِمْ مُتَبَتِّلب وقال الإمام أحمد: حدثنا سٌار: حدثنا جعفر: حدثنا الجرٌرى قال: "بلؽنى أن رجلبً من بنً إسرابٌل كانت له إلى الله عز وجل حاجة. فتعبد واجتهد، ثم طلب إلً الله تعالى حاجته، فلم ٌر نجاحا، فبات لٌلته مزرٌا على نفسه. وقال: ٌا نفس، مالك لا [تقضى]حاجتك؟ فبات محزونا قد أزرى على نفسه وألزم الملبمة نفسه، فقال: أما والله ما من قِبَل ربى أتٌت ولكن من قِبَل نفسى أتٌِت، فبات لٌلته مزرٌاً، وألزم نفسه الملبمة، فقضٌت حاجته." 1/89) ________________________________________ الباب الثانى عشر: فى علبج مرض القلب بالشٌطان هذا الباب من أهم أبواب الكتاب وأعظمها نفعاً، والمتؤخرون من أرباب السلوك لم ٌعتنوا به اعتناءهم بذكر النفس وعٌوبها وآفاتها، فإنهم توسعوا فً ذلك، وقصروا فى هذا الباب. ومن تؤمل القرآن والسنة وجد اعتناءهما بذكر الشٌطان وكٌده ومحاربته أكثر من ذكر النفس، فإن النفس المذمومة ذكرت فى قوله{ :إِن الن فْسَ لأم ارَة بِالس وءِ [ }ٌوسؾ: 55] . واللوامة فى قوله{ :وَ أُقْسِمُ بِالن فْسِ اللو امَةِ [ }القٌامة: 1] . وذكرت النفس المذمومة فى قوله{ :وَنَهَى الن فْسَ عَنِ الْهَوَى [ }النازعات: 41] . وأما الشٌطان فذكر فى عدة مواضع، وأفردت له سورة تامة. فتحذٌر الرب تعالى لعباده منه جاء أكثر من تحذٌره من النفس، وهذا هو الذى لا ٌنبؽً ؼٌره، فإن شر النفس وفسادها ٌنشؤ من وسوسته، فهى مركبه وموضع شره، ومحل طاعته، وقد أمر الله سبحانه بالاستعاذة منه عند قراءة القرآن وؼٌر ذلك، وهذا لشدة الحاجة إلى التعوذ منه، ولم ٌؤمر بالاستعاذة من النفس فى موضع واحد، وإنما جاءت الاستعاذة من شرها فى خطبة الحاجة فى قوله صلى الله علٌه وسلم: "وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُ رُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سٌَِّبَاتِ أَعْمَالِنَا." كما تقدم ذلك فى الباب الذى قبله. وقد جمع النبً صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم بٌن الاستعاذة من الأمرٌن فى الحدٌث الذى رواه الترمذي وصححه عن أبً هرٌرة رضى الله عنه:
عدد الصفحات ٥١52 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي "أَنّ أَبَا بكر الصِّدٌقَ رَضى الله عنه قَالَ : ٌا رَسُولَ اللهِ، عَلِّمْنِى شٌْباً أَقولُهُ إِذا أَصْبَحْتُ وَإِذَا أَمْسٌَْتُ، قَالَ قُلِ : اللهُم عَالمَ الْؽٌََبِ وَالشّهَادَةِ، فَاطِرَ الس موَاتِ وَالأرْضِ، رَب كُلِّ شَىْء وَمَلٌِكَهُ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلا أَنْتَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِى وَشَرِّ الش ٌْطَانِ وَشِرْكِهِ وَأَنْ أَقْتَرِؾَ عَلَى نَفْسِى سُوءًا أَوْ أَجرهُ إِلَى مُسْلِم ، قُلْهُ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسٌَْتَ وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ ." 1/90) ________________________________________ فقد تضمن هذا الحدٌث الشرٌؾ الاستعاذة من الشر وأسبابه وؼاٌته، فإن الشر كله إما أن ٌصدر من النفس أو من الشٌطان، وؼاٌته: إما أن تعود على العامل. أو على أخٌه المسلم، فتضمن الحدٌث مصدرى الشر اللذٌن ٌصدر عنهما وؼاٌتٌه اللتٌن ٌصل إلٌهما. فصل قال تعالى{ :فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَ اسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشٌّْطَانِ الر جٌِمِ إِنّهُ لٌَْسَ لَهُ سَلْطَان عَلَى ال ذٌِنَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ ٌَتَوَك لُونَ إِن ما سُلطَانُهُ عَلَى الّذٌِنَ ٌَتَوَل وْنَهُ وَالّذٌِنَ هُمْ بِه مُشْرِكُونَ [ }النحل: 98 - 611] . ومعنى "استعذ بالله" امتنع به واعتصم به والجؤ إلٌه، ومصدره العوذ، والعٌاذ، والمعاذ؛ وؼالب استعماله فى المستعاذ به، ومنه قوله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "لَقَدْ عُذْتِ بمُعَاذ ." وأصل اللفظة: من اللجؤ إلى الشًء والاقتراب منه، ومن كلبم العرب "أطٌب اللحم عوذه" أى الذى قد عاذ بالعظم واتصل به. وناقة عابذ: ٌعوذ بها ولدها، وجمعها "عوذ" كحمر. ومنه فى حدٌث الحدٌبٌة: "مَعَهُمُ العُوذُ المَطَافٌِلُ ." والمطافٌل: جمع مطفل، وهى الناقة التى معها فصٌلها. قالت طابفة منهم صاحب جامع الأصول: استعار ذلك للنساء، أى معهم النساء وأطفالهم، ولا حاجة إلى ذلك، بل اللفظ على حقٌقته. أى قد خرجوا إلٌك بدوابهم 1/91) ________________________________________ ومراكبهم حتى أخرجوا معهم النوق التى معها أولادها، فؤمر سبحانه بالاستعاذة به من الشٌطان عند قراءة القرآن. وفى ذلك وجوه: منها: أن القرآن شفاء لما فً الصدور ٌذهب لما ٌلقٌه الشٌطان فٌها من الوساوس والشهوات والإرادات الفاسدة، فهو دواء لما أمَر ه فٌها الشٌطان، فؤمر أن ٌطرد مادة الداء وٌخلى منه القلب لٌصادؾ الدواء محلبً خالٌا، فٌتمكن منه، وٌإثر فٌه، كما قٌل: أَتَانِى هَوَاهَا قَبْلَ أَنْ أَعْرِؾَ الْهَوى ... فَ صَادَؾَ قَلْباً خَالٌِاً فَتَمَكّنَا فٌجىء هذا الدواء الشافى إلى قلب قد خلب من مزاحم ومضاد له فٌنجع فٌه. ومنها: أن القرآن مادة الهدى والعلم والخٌر فى القلب، كما أن الماء مادة النبات، والشٌطان نار ٌحرق النبات أولا فؤولا، فكلما أحس بنبات الخٌر فى القلب سعى فى إفساده وإحراقه، فؤمر أن ٌستعٌذ بالله عز وجل منه لبلب ٌفسد علٌه ما ٌحصل له بالقرآن. والفرق بٌن هذا الوجه والوجه الذى قبله، أن الاستعاذة فى الوجه الأول لأجل حصول فابدة القرآن، وفى الوجه الثانً لأجل بقابها وحفظها وثباتها. وكؤن من قال: إن الاستعاذة بعد القراءة لاحظ هذا المعنى، وهو لعمر الله ملحظ جٌد، إلا أن السنة وآثار الصحابة إنما جاءت بالاستعاذة قبل الشروع فً القراءة وهو قول جمهور الأمة من السلؾ والخلؾ، وهو محصل للؤمرٌن. ومنها: أن الملببكة تدنو من قارئ القرآن وتستمع لقراءته. كما فى حدٌث أُسٌد ابنُ حضٌَر لما كان ٌقرأ ورأى مثل الظلة فٌها مثل المصابٌح، فقال النبىّ علٌه الصلبة والسلبم: "تِلْكَ المَلببِكُة." والشٌطان ضد الملك وعدوه. فؤمر القارئ أن ٌطلب من الله تعالى مباعدة عدوه عنه حتى ٌحضره خاصته وملببكته،
عدد الصفحات ٥٢لة فٌها مثل المصابٌح، فقال النبىّ علٌه الصلبة والسلبم: "تِلْكَ المَلببِكُة." والشٌطان ضد الملك وعدوه. فؤمر القارئ أن ٌطلب من الله تعالى مباعدة عدوه عنه حتى ٌحضره خاصته وملببكته، فهذه ولٌمة لا ٌجتمع فٌها الملببكة والشٌاطٌن.
عدد الصفحات ٥٢53 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي 1/92) ________________________________________ ومنها: أن الشٌطان ٌجلب على القارئ بخٌله ورجله، حتى ٌشؽله عن المقصود بالقرآن، وهو تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد به المتكلم به سبحانه، فٌحرص بجهده على أن ٌحول بٌن قلبه وبٌن مقصود القرآن، فلب ٌكمل انتفاع القارئ به، فؤمر عند الشروع أن ٌستعٌذ بالله عز وجل منه. ومنها: أن القارئ مُناج لله تعالى كلبمه، والله تعالى أشد أذناً للقارئ الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القٌنة إلى قٌنته. والشٌطان إنما قراءته الشعر والؽناء. فؤمر القارئ أن ٌطرده بالاستعاذة عند مناجاته تعالى واستماع الرب قراءته. ومنها: أن الله سبحانه أخبر أنه ما أرسل من رسول ولا نبً إلا إذا تمنى ألقى الشٌطان فى أمنٌته، والسلؾ كلهم على أن المعنى: إذا تلب ألقى الشٌطان فى تلبوته. كما قال الشاعر فى عثمان: تَمن ى كِتَابَ اللهِ أَو لَ لٌَْلِهِ ... وَآخِرَهُ لاقَى حِمَامَ المَقَادِرِ فإذا كان هذا فعله مع الرسل علٌهم الصلبة والسلبم فكٌؾ بؽٌرهم؟ ولهذا ٌؽلط القارئ تارة وٌخلط علٌه القراءة، وٌشوشها علٌه، فٌخبط علٌه لسانه، أو ٌشوش علٌه ذهنه وقلبه، فإذا حضر عند القراءة لم ٌعدم منه القارئ هذا أو هذا، وربما جمعهما له، فكان من أهم الأمور: الاستعاذة بالله تعالى منه عند القراءة. ومنها: أن الشٌطان أحرص ما ٌكون على الإنسان عندما ٌهم بالخٌر، أو ٌدخل فٌه فهو ٌشتد علٌه حٌنبذ لٌقطعه عنه، وفى الصحٌح عن النبً صلى الله علٌه وسلم: "إِنّ شٌَْطَاناً تَفَلّتَ عَلَى البَارِحَةَ، فؤَرَادَ أَنْ ٌَقْطَعَ عَلَى صَلبتًِ" الحدٌث. وكلما كان الفعل أنفع للعبد وأحب إلى الله تعالى كان اعتراض الشٌطان له أكثر. وفى مسند الإمام أحمد من حدٌث سبرة بن أبى الفاكه أنه سمع النبى صلى الله علٌه وسلم ٌقول: "إِنّ الشٌّْطَانَ قَعَدَ لابْنِ آدَمَ بِؤَطْرُقِهِ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرٌِقِ الإسْلبمِ، فَقَالَ : أَتُسْلِمُ وَتَذَرُ دٌِنَكَ وَدٌِنَ آبَابِكَ وآبَاءِ آبَابِكَ؟ فعصاهُ 1/93) ________________________________________ فَؤَسْلَمَ، ثُم قَعَدَ لَهُ بِطَرٌِقِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ : أَتُهاجِرُ وَتَذَرُ أَرْضَكَ وَسَماءَكَ؟ وَإِنَما مَثَلُ المهَاجِرِ كالفَرَسِ فى الطول فَعَصَاهُ وَهاجَر، ثُم قعَدَ لَهُ بِطَرٌِقِ الْجِهَادِ، وَهُوَ جِهَادُ الن فْسِ وَالمَال فقال: تقَاتِلُ فَتُقْتَلُ، فَتُنْكَحُ المَرْأَةُ وٌَُقْسَمُ المَالُ؟ قَالَ : فَعَصَاهُ فَجَاهَدَ ." فالشٌطان بالرصد للئنسان على طرٌق كل خٌر. وقال منصور عن مجاهد رحمه الله: "ما من رفقة تخرج إلى مكة إلا جهز معهم إبلٌس مثل عدتهم" رواه ابن أبً حاتم فى تفسٌره، فهو بالرصد، ولاسٌما عند قراءة القرآن، فؤمر سبحانه العبد أن ٌحارب عدوه الذى ٌقطع علٌه الطرٌق وٌستعٌذ بالله تعالى منه أولا، ثم ٌؤخذ فى السٌر، كما أن المسافر إذا عرض له قاطع طرٌق اشتؽل بدفعه، ثم اندفع فى سٌره. ومنها: أن الاستعاذة قبل القراءة عنوان وإعلبم بؤن المؤتى به بعدها القرآن، ولهذا لم تشرع الاستعاذة بٌن ٌدى كلبم ؼٌره، بل الاستعاذة مقدمة وتنبٌه للسامع أن الذي ٌؤتً بعدها هو التلبوة، فإذا سمع السامع الاستعاذة استعد لاستماع كلبم الله تعالى، ثم [شرع]ذلك للقارئ، وإن كان وحده، لما ذكرنا من الحكم وؼٌرها. فهذه بعض فوابد الاستعاذة. وقد قال أحمد فى رواٌة حنبل: "لا ٌقرأ فى صلبة ولا ؼٌر صلبة، إلا استعاذ؛ لقوله عز وجل: {فَإذَا قَرَأْتَ القرآن فَاسْتَ عِذْ بِاللهِ مِنَ الشٌّْطَانِ الر جٌِمِ [ }النحل: 98] . وقال فى رواٌة ابن مشٌش: "كلما قرأ ٌستعٌذ." وقال عبد الله بن أحمد: "سمعت أبً كان إذا قرأ استعاذ، ٌقول: أعوذ بالله من الشٌطان الرجٌم، إن الله هو السمٌع العلٌم."
عدد الصفحات ٥٣