المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

المختصر القيم لثرات ابن القيم 01

ابن قيم الجوزية

صفحة ٤ من ٧٥

32 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وروى العوفى عن ابن عباس فى هذه الآٌة "لا تكن ثٌابك التى تلبس من مكسب ؼٌر طٌب" والمعنى طهرها من أن تكون مؽصوبة، أو من وجه لا ٌحل اتخاذها منه، وروى عن سعٌد بن جبٌر: "وقلبك ونٌتك فطهر" وقال أبو العباس: الثٌاب اللباس. وٌقال: القلب، وعلى هذا ٌنشد: فَسُلِّى ثٌِابِى مِنْ ثٌِاَبِكِ تَنْسُلِى وذهب بعضهم فى تفسٌر هذه الآٌة إلى ظاهرها، وقال: إنه أمر بتطهٌر ثٌابه من النجاسات التى لا تجوز معها الصلبة، وهو قول ابن سٌرٌن، وابن زٌد. وذكر أبو إسحاق: "وثٌابك فقصر" قال: لأن تقصٌر الثوب أبعد من النجاسة، فإنه إذا انجر على الأرض لم ٌإمن أن ٌصٌبه ما ٌنجسه، وهذا قول طاوس. وقال ابن عرفة "معناه: نساءك طهرهن" وقد ٌكنى عن النساء بالثٌاب واللباس. قال تعالى: {أُحِل لَكُمْ لٌَْلَةَ الصٌِّامِ الر فَثُ إلَى نِسابِكُمْ هُن لِبَاس لَكُمْ وَأَنْتُمْ لبَاس لَهُن [ }البقرة: 687] . وٌكنى عنهن بالإزار، ومنه قول الشاعر: أَلا أَبْلِػْ أبَا حَفْص رَسُولاً ... فِدًى لَكَ مِنْ أخِى ثِقَة : إِزَارِى أى أهلى، ومنه قول البراء بن معرور للنبى صلى الله تعالى علٌه وسلم لٌلة العقبة: "لَنَمْنَعنّكَ مِمّا نَمْنَعُ مِنْهُ أُزُرَنَا" أى نساءنا. قلت: الآٌة تعم هذا كله، وتدل علٌه بطرٌق التنبٌه واللزوم، إن لم تتناول ذلك لفظا فإن المؤمور به إن كان طهارة القلب، فطهارة الثوب وطٌب مكسبه تكمٌل لذلك، فإن خبث الملبس ٌكسب القلب هٌبة خبٌثة، كما أن خبث المطعم ٌكسبه ذلك، ولذلك حرم لبس جلود النمور والسباع بنهى النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم عن ذلك فى عدة أحادٌث صحاح لا معارض لها، لما تكسب القلب من الهٌبة المشابهة لتلك الحٌوانات، فإن الملببسة 1/54) ________________________________________ الظاهرة تسرى إلى الباطن، ولذلك حرم لبس الحرٌر والذهب على الذكور لما ٌكتسب القلب من الهٌبة التى تكون لمن ذلك لبسه من النساء وأهل الفخر والخٌلبء. والمقصود: أن طهارة الثوب وكونه من مكسب طٌب هو من تمام طهارة القلب وكمالها، فإن كان المؤمور به ذلك فهو وسٌلة مقصودة لؽٌرها، فالمقصود لنفسه أولى أن ٌكون مؤموراً به وإن كان المؤمور به طهارة القلب وتزكٌة النفس، فلب ٌتم إلا بذلك، فتبٌن دلالة القرآن على هذا وهذا. وقوله{ :أُولِبك الّذِ ٌنَ لَمْ ٌُرِدِ اللهُ أنْ ٌُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ [ }المابدة: 46 ]عقٌب قوله{ :سَم اعُونَ لِلْكَذِبِ سَم اعُونَ لقوم آخرٌن لم ٌؤتوك ٌُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ [ }المابدة: 46] . مما ٌدل على أن العبد إذا اعتاد سماع الباطل وقبوله أكسبه ذلك تحرٌفا للحق عن مواضعه، فإنه إذا قبل الباطل أحبه ورضٌه، فإذا جاء الحق بخلبفه رده وكذبه إن قدر على ذلك، وإلا حرفه، كما تصنع الجهمٌة بآٌات الصفات وأحادٌثها، ٌردون هذه بالتؤوٌل الذى هو تكذٌب بحقابقها، وهذه بكونها أخبار آحاد لا ٌجوز الاعتماد علٌها فى باب معرفة الله تعالى وأسمابه وصفاته. فهإلاء وإخوانهم من الذٌن لم ٌرد الله أن ٌطهر قلوبهم، فإنها لو طهرت لما أعرضت عن الحق، وتعوضت بالباطل عن كلبم الله تعالى ورسوله، كما أن المنحرفٌن من أهل الإرادة لما لم تطهر قلوبهم تعوّضوا بالسماع الشٌطانى عن السماع القرآنى الإٌمانى. قال عثمان بن عفان رضى الله عنه: "لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلبم الله." فالقلب الطاهر، لكمال حٌاته ونوره وتخلصه من الأدران والخبابث، لا ٌشبع من القرآن، ولا ٌتؽذى إلا بحقابقه، ولا ٌتداوى إلا بؤدوٌته، بخلبؾ القلب الذى لم ٌطهره الله تعالى، فإنه ٌتؽذى من الأؼذٌة التى تناسبه، بحسب ما فٌه من النجاسة. فإن القلب النجس كالبدن العلٌل المرٌض، لا تلببمه الأؼذٌة التى تلببم الصحٌح.

عدد الصفحات ٣٢

وٌته، بخلبؾ القلب الذى لم ٌطهره الله تعالى، فإنه ٌتؽذى من الأؼذٌة التى تناسبه، بحسب ما فٌه من النجاسة. فإن القلب النجس كالبدن العلٌل المرٌض، لا تلببمه الأؼذٌة التى تلببم الصحٌح. ودلت الآٌة على أن طهارة القلب موقوفة على إرادة الله تعالى، وأنه سبحانه لما لم ٌرد أن ٌطهر قلوب القابلٌن بالباطل، المحرفٌن للحق، لم ٌحصل لها الطهارة. 1/55)

عدد الصفحات ٣٢

33 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي ________________________________________ و ٌصح أن تفسر الإرادة هاهنا بالإرادة الدٌنٌة، وهى الأمر والمحبة، فإنه سبحانه قد أراد ذلك لهم أمرا ومحبة، ولم ٌرده منهم كونا فؤراد الطهارة لهم وأمرهم بها، ولم ٌرد وقوعها منهم، لما له فى ذلك من الحكمة التى فواتها أكره إلٌه من فوات الطهارة منهم. وقد أشبعنا الكلبم فى ذلك فى كتابنا الكبٌر فى القدر. ودلت الآٌة على أن من لم ٌطهر الله قلبه فلب بد أن ٌناله الخزى فى الدنٌا والعذاب فى الآخرة، بحسب نجاسة قلبه وخبثه. ولهذا حرم الله سبحانه الجنة على من فى قلبه نجاسة وخبث، ولا ٌدخلها إلا بعد طٌبه وطهره. فإنها دار الطٌبٌن. ولهذا ٌقال لهم: {طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدٌِنَ [ }الزمر: 75] . أى ادخلوها بسبب طٌبكم. والبشارة عند الموت لهإلاء دون ؼٌرهم، كما قال تعالى: {الّذٌِنَ تَتَوَف اهُمُ المَلببِكَةُ طٌَِّبٌِنَ ٌَقُولُ ونَ سَلبم عَلٌَْكُمُ ادْخُلُوا الجن ةَ بِمَا كُنْتمْ تَعْمَلُونَ [ }النحل: 51] . فالجنة لا ٌدخلها خبٌث، ولا من فٌه شىء من الخبث. فمن تطهر فى الدنٌا ولقى الله طاهراً من نجاساته دخلها بؽٌر معوق، ومن لم ٌتطهر فى الدنٌا فإن كانت نجاسته عٌنٌة، كالكافر، لم ٌدخلها بحال. وإن كانت نجاسته كسبٌة عارضة دخلها بعد ما ٌتطهر فى النار من تلك النجاسة، ثم ٌخرج منها، حتى إن أهل الإٌمان إذا جازوا الصراط حبسوا على قنطرة بٌن الجنة والنار، فٌهَذ بون وٌنق ون من بقاٌا بقٌت علٌهم، قصرت بهم عن الجنة، ولم توجب لهم دخول النار، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم فى دخول الجنة. والله سبحانه بحكمته جعل الدخول علٌه موقوفا على الطهارة، فلب ٌدخل المصلى علٌه حتى ٌتطهر. وكذلك جعل الدخول إلى جنته موقوفا على الطٌب والطهارة، فلب ٌدخلها إلا طٌب طاهر. فهما طهارتان: طهارة البدن، وطهارة القلب. ولهذا شرع للمتوضا أن ٌقول عقٌب وضوبه: "أَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إِلا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَن مُحّمدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ . الل هُم اجْعَلْنِى مِنَ الت و ابٌِنَ وَاجْعَلْنِى مِنَ المُتَطَهِّرٌِنَ ." فطهارة القلب بالتوبة، وطهارة البدن بالماء. فلما اجتمع له الطهران صلح للدخول على الله تعالى، والوقوؾ بٌن ٌدٌه ومناجاته. 1/56) ________________________________________ وسؤلت شٌخ الإسلبم عن معنى دعاء النبى صلى الله علٌه وسلم: "الّلهُم طَهِّرْنِى مِنْ خَطَاٌَاىَ بِالمَاءِ وَالث لْجِ وَالْبَرَدِ ." كٌؾ ٌطهر الخطاٌا بذلك؟ وما فابدة التخصٌص بذلك؟ وقوله فى لفظ آخر "والماء البارد" والحار أبلػ فى الإنقاء؟. فقال: الخطاٌا توجب للقلب حرارة ونجاسة وضعفا، فٌرتخى القلب وتضطرم فٌه نار الشهوة وتنجسه، فإن الخطاٌا والذنوب له بمنزلة الحطب الذى ٌمد النار وٌوقدها ولهذا كلما كثرت الخطاٌا اشتدت نار القلب وضعفه، والماء ٌؽسل الخبث وٌطفا النار، فإن كان باردا أورث الجسم صلببة وقوة، فإن كان معه ثلج وبرد كان أقوى فى التبرٌد وصلببة الجسم وشدته، فكان أذهب لأثر الخطاٌا. هذا معنى كلبمه، وهو محتاج إلى مزٌد بٌان وشرح. فاعلم أن هاهنا أربعة أمور: أمران حسٌان، وأمران معنوٌان. فالنجاسة التى تزول بالماء هى ومزٌلها حسٌان، وأثر الخطاٌا التى تزول بالتوبة والاستؽفار هى ومزٌلها معنوٌان، وصلبح القلب وحٌاته ونعٌمه لا ٌتم إلا بهذا وهذا. فذكر النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم من كل شطر قسما نبه به على القسم الآخر. فتضمن كلبمه الأقسام الأربعة فى ؼاٌة الاختصار، وحسن البٌان. كما فى حدٌث الدعاء بعد الوضوء: "اللهُم اجْعَلْنِى مِنَ الت و ابٌِنَ وَاجْعَلْنِى مِنَ المُتَطَهِّرٌِنَ ." فإنه ٌتضمن ذكر الأقسام الأربعة. ومن كمال بٌانه صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم، وتحقٌقه لما ٌخبر به، وٌؤمر به:

عدد الصفحات ٣٣

م اجْعَلْنِى مِنَ الت و ابٌِنَ وَاجْعَلْنِى مِنَ المُتَطَهِّرٌِنَ ." فإنه ٌتضمن ذكر الأقسام الأربعة. ومن كمال بٌانه صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم، وتحقٌقه لما ٌخبر به، وٌؤمر به: تمثٌله الأمر المطلوب المعنوى بالأمر المحسوس. وهذا كثٌر فى كلبمه، كقوله فى حدٌث على بن أبى طالب: "سَلِ اللهَ الهُدَى وَالس دَادَ، وَاذْكُرْ بِالْهُدَى هِدَاٌَتَكَ الطّرٌِقَ، وَبِالس دَادِ سَدَادَ الس هْم."

عدد الصفحات ٣٣

34 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي هذا من أبلػ التعلٌم والنصح، حٌث أمره أن ٌذكر إذا سؤل الله الهدى إلى طرٌق رضاه وجنته: كونه مسافرا، وقد ضل عن الطرٌق، ولا ٌدرى أٌن ٌتوجه، فطلع له رجل خبٌر بالطرٌق عالم بها، فسؤله أن ٌدله على 1/57) ________________________________________ الطرٌق، فهكذا شؤن طرٌق الآخرة تمثٌلب لها بالطرٌق المحسوس للمسافر. وحاجة المسافر إلى الله سبحانه: إلى أن ٌهدٌه تلك الطرٌق، أعظم من حاجة المسافر إلى بلد من ٌدله على الطرٌق الموصل إلٌها. وكذلك السداد، وهو إصابة القصد قولا وعملب، فمثله مثل رامى السهم، إذا وقع سهمه فى نفس الشىء الذى رماه، فقد سدد سهمه وأصاب ولم ٌقع باطلب، فهكذا المصٌب للحق فى قوله وعمله بمنزلة المصٌب فى رمٌه. وكثٌرا ما ٌقرن فى القرآن هذا وهذا. فمنه قوله تعالى: {وَتَزَو دُوا فَإن خٌَْرَ الز ادِ الت قْوَى [ }البقرة: 697] . أمر الحاج بؤن ٌتزودوا لسفرهم، ولا ٌسافروا بؽٌر زاد، ثم نبههم على زاد سفر الآخرة، وهو التقوى. فكما أنه لا ٌصل المسافر إلى مقصده إلا بزاد ٌبلؽه إٌاه، فكذلك المسافر إلى الله تعالى والدار الآخرة لا ٌصل إلا بزاد من التقوى، فجمع بٌن الزادٌن، ومنه قوله تعالى: {ٌَا بَنِى آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلٌَْكُمْ لِبَاسًا ٌُوَارِى سَوْءاتِكُ مْ وَرٌِشاً وَلِباسُ الت قْوَى ذلِكَ خٌَْر [ }الأعراؾ: 16] . فجمع بٌن الزٌنتٌن: زٌنة البدن باللباس، وزٌنة القلب بالتقوى، زٌنة الظاهر والباطن، وكمال الظاهر والباطن، ومنه قوله تعالى: {فَمنِ ات بَعَ هُدَاىَ فَلب ٌضِل وَلا ٌَشْقَى[ }طه: 615] . فنفى عنه الضلبل، الذى هو عذاب القلب والروح، والشقاء الذى هو عذاب البدن والروح أٌضا، فهو منعم القلب والبدن بالهدى والفلبح، ومنه قول امرأة العزٌز عن ٌوسؾ علٌه السلبم لما أرته النسوة اللببمات لها فى حبه: {فَذلِكُن ال ذِى لمُتُن نِى فٌِه[ }ٌوسؾ: 51 ]فؤرتهن جماله الظاهر. ثم قالت{ :وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ [ }ٌوسؾ: 51] . فؤخبرت عن جماله الباطن بعفته، فؤخبرتهن بجمال باطنه، وأرتهن جمال ظاهره. فنبه صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم بقوله: "اللهُم طَهِّرْنى مِنْ خطَاٌَاىَ بِالمَاءِ وَالث لْجِ وَالبَرَدِ ." على شدة حاجة البدن والقلب إلى ما ٌطهرهما وٌبردهما وٌقوٌهما، وتضمن دعاإه سإال هذا وهذا، والله تعالى أعلم. وقرٌب من هذا: أنه صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "كان إِذَا خَرَجَ مِنَ الخلبءِ قَالَ : ؼُفْرَانَكَ ." وفى هذا من السر والله أعلم، أن النجو ٌثقل البدن وٌإذٌه باحتباسه، والذنوب تثقل القلب وتإذٌه باحتباسها فٌه، فهما مإذٌان مضران بالبدن والقلب، فحمد الله عند خروجه 1/58) ________________________________________ على خلبصه من هذا المإذى لبدنه، وخفة البدن وراحته، وسؤل أن ٌخلصه من المإذى الآخر وٌرٌح قلبه منه وٌخففه. وأسرار كلماته وأدعٌته صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم فوق ما ٌخطر بالبال. فصل فٌما فى الشرك والزنا واللواطة من الخبث وقد وسم الله سبحانه الشرك والزنا واللواطة بالنجاسة والخبث فى كتابه دون سابر الذنوب وإن كانت مشتملة على ذلك، لكن الذى وقع فى القرآن قوله تعالى: {ٌَا أٌَ هَا ال ذٌِنَ آمَنُوا إِن مَا المُشْرِكُونَ نَجَس [ }التوبة: 18 ]وقوله تعالى فى حق اللوطٌة{ :وَلُوطاً آتٌَْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَج ٌْنَاهُ مِنَ الْقَرٌَْةِ الّتِى كانَتْ تَعْمَلُ الخبَابِثَ إِنّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْء فَاسِقٌِن[ }الأنبٌاء: 74 ]، وقالت اللوطٌة{ :أَخْرِجُوا آلَ لُوط مِنْ قَرٌْتِكُمْ إِن هُمْ أُنَاس ٌَتَطَه رُونَ [ }النمل: 56] . فؤقروا مع شركهم وكفرهم أنهم هم الأخابث الأنجاس، وأن لوطا وآله مطهرون من ذلك باجتنابهم له، وقال تعالى فى حق الزناة:

عدد الصفحات ٣٤

35 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي {الخبٌِثَاتُ لِلْخَ بٌِثٌِنَ وَالَخبٌِثُونَ لِلْخَبٌِثَاتِ [ }النور: 16] . فؤما نجاسة الشرك فهى نوعان: نجاسة مؽلظة، ونجاسة مخففة، فالمؽلظة: الشرك الأكبر الذى لا ٌؽفره الله عز وجل، فإن الله لا ٌؽفر أن ٌشرك به. والمخففة: الشرك الأصؽر، كٌسٌر الرٌاء، والتصنع للمخلوق، والحلؾ به وخوفه ورجابه. ونجاسة الشرك عٌنٌة. ولهذا جعل سبحانه الشرك نجسا، بفتح الجٌم، ولم ٌقل: إنما المشركون نجس، بالكسر، فإن النجس عٌن النجاسة، والنجس، بالكسر، هو المتنجس. فالثوب إذا أصابه بول أو خمر نجس. والبول والخمر نجس. فؤنجس النجاسة الشرك، كما أنه أظلم الظلم. فإن النجَس فى اللؽة والشرع هو المستقذر الذى ٌطلب مباعدته والبعد منه، بحٌث لا ٌلمس ولا ٌشم ولا ٌرى، 1/59) ________________________________________ فض أن ٌخالط وٌلببس لقذارته، ونفرة الطباع السلٌمة عنه. وكلما كان الحى أكمل حٌاة وأصح حٌاء كان إبعاده لذلك أعظم ونفرته منه أقوى. فالأعٌان النجسة إما أن تإذى البدن أو القلب، أو تإذٌهما معا. والنجَس قد ٌإذى برابحته، وقد ٌإذى بملببسته، وإن لم تكن له رابحة كرٌهة. والمقصود: أن النجاسة تارة تكون محسوسة ظاهرة، وتارة تكون معنوٌة باطنة فٌؽلب على الروح والقلب الخبث والنجاسة، حتى إن صاحب القلب الحى لٌشم من تلك الروح والقلب رابحة خبٌثة ٌتؤذى بها، كما ٌتؤذى من ٌشم رابحة الن تْن، وٌظهر ذلك كثٌرا فى عرقه، حتى لٌوجد لرابحة عرقه نتنا. فإن نَتْن الروح والقلب ٌتصل بباطن البدن أكثر من ظاهره. والعرق ٌفٌض من الباطن، ولهذا كان الرجل الصالح طٌب العرق. وكان رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم أطٌب الناس عرقا. قالت أم سلٌم، وقد سؤلها رسول الله علٌه الصلبة والسلبم عنه وهى تلتقطه "هو من أطٌب الطٌب" فالنفس النجسة الخبٌثة ٌقوى خبثها ونجاستها حتى ٌبدو على الجسد. والنفس الطٌبة بضدها، فإذا تجردت وخرجت من البدن وجد لهذه كؤطٌب نفحة مسك وُجدت على وجه الأرض، ولتلك كؤنتن رٌح جٌفة وجدت على وجه الأرض. والمقصود: أن الشرك لما كان أظلم الظلم، وأقبح القبابح، وأنكر المنكرات، كان أبؽض الأشٌاء إلى الله تعالى وأكرهها له، وأشدها مقتا لدٌه. ورتب علٌه من عقوبات الدنٌا والآخرة ما لم ٌرتبه على ذنب سواه، وأخبر أنه لا ٌؽفره، وأن أهله نجس، ومنعهم من قربان حرمه، وحرم ذبابحهم ومناكحتهم، وقطع الموالاة بٌنهم وبٌن المإمنٌن، وجعلهم أعداء له سبحانه ولملببكته ورسله وللمإمنٌن، وأباح لأهل التوحٌد أموالهم ونساءهم وأبناءهم، وأن ٌتخذوهم عبٌدا، وهذا لأن الشرك هضم لحق الربوبٌة، وتنقٌص لعظمة الإلهٌة، وسوء ظن 1/60) ________________________________________ برب العالمٌن، كما قال تعالى: {وٌَُعَذِّبَ المُنَافِقٌِنَ وَالمُنَافِقاتِ وَالمُشْرِكٌِنَ وَالمُشْرِكَاتِ الظ انٌِّنَ بِاللهِ ظَن الس وْء عَلٌَْهِمْ دَابرَة الس وْءِ وَؼَضِبَ اللهُ عَلٌَْهمْ وَأعَد لَهُمْ جَهَنّمَ وَسَاءَتْ مَصٌِراً [ }الفتح: 6] . فلم ٌجمع على أحد من الوعٌد والعقوبة ما جمع على أهل الإشراك، فإنهم ظنوا به ظن السوء، حتى أشركوا به، ولو أحسنوا به الظن لوحّدوه حق توحٌده، ولهذا أخبر سبحانه عن المشركٌن أنهم ما قدروه حق قدره فى ثلبثة مواضع من كتابه وكٌؾ ٌقدره حق قدره من جعل له عدلا وندا، ٌحبه، وٌخافه، وٌرجوه، وٌذل له، وٌخضع له، وٌهرب من سخطه، وٌإثر مرضاته؟ قال تعالى: {وَمِنَ الن اسِ مَنْ ٌَت خِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا ٌَ حِب ونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ [ }البقرة: 665] . وقال تعالى{ :الحمدُ للهِِّ ال ذِى خَلَقَ الس مواتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظ لُمَاتِ وَالن ورَ ثُم ال ذٌِنَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ٌَعْدِلُونَ [ }الأنعام: 6] .

عدد الصفحات ٣٥

36 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي أى ٌجعلون له عَدْلا فى العبادة والمحبة والتعظٌم. وهذه هى التسوٌة التى أثبتها المشركون بٌن الله وبٌن آلهتهم، وعرفوا، وهم فى النار، أنها كانت ضلبلا وباطلب، فٌقولون لآلهتهم وهم فى النار معهم: {تَاللهِ إِنْ كُن ا لَفِى ضَلبل مُبٌِن إِذْ نُسَوٌِّكُم بِرَبِّ الْعَالَمٌِنَ [ }الشعراء: 97-98] . ومعلوم أنهم ما سووهم به فى الذات والصفات والأفعال، ولا قالوا: إن آلهتهم خلقت السماوات والأرض، وأنها تحٌى وتمٌت، وإنما سووها به فى محبتهم لها، وتعظٌمهم لها، وعبادتهم إٌاها، كما ترى علٌه أهل الإشراك ممن ٌنتسب إلى الإسلبم. ومن العجب أنهم ٌنسبون أهل التوحٌد إلى التنقص بالمشاٌخ والأنبٌاء والصالحٌن، وما ذنبهم إلا أن قالوا: إنهم عبٌد لا ٌملكون لأنفسهم ولا لؽٌرهم ضرا ولا نفعا، ولا موتا ولا حٌاة ولا نشورا، وأنهم لا ٌشفعون لعابدٌهم أبدا، بل قد حرم الله شفاعتهم لهم، ولا ٌشفعون لأهل التوحٌد إلا بعد إذن الله لهم فى الشفاعة، فلٌس لهم من الأمر شىء، بل الأمر كله لله، والشفاعة كلها له سبحانه، والولاٌة له، فلٌس لخلقه من دونه ولى ولا شفٌع. 1/61) ________________________________________ فالشرك والتعطٌل مبنٌان على سوء الظن بالله تعالى، ولهذا قال إبراهٌم إمام الحنفاء لخصمابه من المشركٌن: {أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرٌِدُونَ فَما ظَن كُمْ بِرَبِّ الْعَالَمٌِنَ [ }الصافات: 86-87] . وإن كان المعنى: ما ظنكم به أن ٌعاملكم وٌجازٌكم به، وقد عبدتم معه ؼٌره، وجعلتم له ندا؟ فؤنت تجد تحت هذا التهدٌد: ما ظننتم بربكم من السوء حتى عبدتم معه ؼٌره؟ فإن المشرك إما أن ٌظن أن الله سبحانه ٌحتاج إلى من ٌدبر أمر العالم معه: من وزٌر، أو ظهٌر، أو عون. وهذا أعظم التنقٌص لمن هو ؼنى عن كل ما سواه بذاته، وكل ما سواه فقٌر إلٌه بذاته، وإما أن ٌظن أن الله سبحانه إنما تتم قدرته بقدرة الشرٌك، وإما أن ٌظن بؤنه لا ٌعلم حتى ٌعلمه الواسطة، أو لا ٌرحم حتى ٌجعله الواسطة ٌرحم، أو لا ٌكفى عبده وحده، أو لا ٌفعل ما ٌرٌد العبد حتى ٌشفع عنده الواسطة، كما ٌشفع المخلوق عند المخلوق، فٌحتاج أن ٌقبل شفاعته لحاجته إلى الشافع وانتفاعه به، وتكثره به من القلة، وتعززه به من الذلة، أو لا ٌجٌب دعاء عباده حتى ٌسؤلوا الواسطة أن ترفع تلك الحاجات إلٌه، كما هو حال ملوك الدنٌا، وهذا أصل شرك الخلق. أو ٌظن أنه لا ٌسمع دعاءهم لبعده عنهم، حتى ٌرفع الوسابط إلٌه ذلك، أو ٌظن أن للمخلوق علٌه حقا، فهو ٌقسم علٌه بحق ذلك المخلوق علٌه، وٌتوسل إلٌه بذلك المخلوق، كما ٌتوسل الناس إلى الأكابر والملوك بمن ٌعز علٌهم ولا ٌمكنهم مخالفته، وكل هذا تنقص للربوبٌة، وهضم لحقها، ولو لم ٌكن فٌه إلا نقص محبة الله تعالى وخوفه ورجابه، والتوكل علٌه، والإنابة إلٌه، من قلب المشرك، بسبب قسمته ذلك بٌنه سبحانه وبٌن من أشرك به، فٌنقص وٌضعؾ أو ٌضمحل ذلك التعظٌم والمحبة والخوؾ والرجاء، بسبب صرؾ أكثره أو بعضه إلى من عبده من دونه- لكفى فى شناعته. فالشرك ملزوم لتنقص الرب سبحانه، والتنقص لازم له ضرورة، شاء المشرك أم أبى، ولهذا اقتضى حمده سبحانه وكمال ربوبٌته أن لا ٌؽفره، وأن ٌخلد صاحبه فى العذاب الألٌم، وٌجعله أشقى البرٌة. فلب تجد مشركا قط إلا وهو متنقص لله سبحانه، وإن زعم أنه ٌعظمه بذلك. كما أنك لا تجد مبتدعا إلا وهو متنقص للرسول صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم، وإن زعم أنه معظم له بتلك البدعة. فإنه ٌزعم أنها خٌر من السنة وأولى بالصواب، أو ٌزعم أنها هى السنة، وإن كان مستبصرا فى بدعته فهو مشاق لله ورسوله. 1/62) ________________________________________ فالمتنقصون المنقوصون عند الله تعالى ورسوله وأولٌابه: هم أهل الشرك والبدعة ولا سٌما من بَنَى دٌنه على أن كلبم

عدد الصفحات ٣٦

هو مشاق لله ورسوله. 1/62) ________________________________________ فالمتنقصون المنقوصون عند الله تعالى ورسوله وأولٌابه: هم أهل الشرك والبدعة ولا سٌما من بَنَى دٌنه على أن كلبم الله ورسوله أدلة لفظٌة لا تفٌد الٌقٌن، ولا تؽنى من الٌقٌن والعلم شٌبا. فٌالله للمسلمٌن، أى شىء فات من هذا التنقص؟. وكذلك من نفى صفات الكمال عن الرب تعالى، خشٌة ما ٌتوهمه من التشبٌه والتجسٌم فقد جاء من التنقص بضد ما وصؾ الله سبحانه نفسه من الكمال. والمقصود: أن هاتٌن الطابفتٌن هم أهل التنقص فى الحقٌقة، بل هم أعظم الناس تنقصا، لبس علٌهم الشٌطان حتى ظنوا أن تنقصهم هو الكمال. ولهذا كانت البدعة قرٌنة الشرك فى كتاب الله تعالى، قال تعالى:

عدد الصفحات ٣٦

37 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي {قُلْ إِنّمَا حَر مَ رَبِّىَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَؽْىَ بؽٌر الَحْقِّ وَأَنْ تُشْ رِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ ٌُنَزِّلْ بِهِ سُلطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [ }الأعراؾ: 55] . فالإثم والبؽى قرٌنان، والشرك والبدعة قرٌنان. فصل وأما نجاسة الذنوب والمعاصى، فإنها بوجه آخر، فإنها لا تستلزم تنقٌص الربوبٌة، ولا سوء الظن بالله عز وجل. ولهذا لم ٌرتب الله سبحانه علٌها من العقوبات والأحكام ما رتبه على الشرك، وهكذا استقرت الشرٌعة على أنه ٌعفى عن النجاسة المخففة، كالنجاسة فى محل الاستجمار، وأسفل الخؾ، والحذاء، وبول الصبى الرضٌع وؼٌر ذلك، مالا ٌعْفَى عن المؽلظة. وكذلك ٌعفى عن الصؽابر ما لا ٌعفى عن الكبابر، وٌعفى لأهل التوحٌد المحض الذى لم ٌشوبوه بالشرك ما لا ٌعفى لمن لٌس كذلك فلو لقى الموحد الذى لم ٌشرك بالله شٌبا 1/63) ________________________________________ البتة ربه بقراب الأرض خطاٌا أتاه بقرابها مؽفرة، ولا ٌحصل هذا لمن نقص توحٌده وشابه بالشرك. فإن التوحٌد الخالص الذى لا ٌشوبه شرك لا ٌبقى معه ذنب. فإنه ٌتضمن من محبة الله تعالى وإجلبله، وتعظٌمه، وخوفه، ورجابه وحده ما ٌوجب ؼسل الذنوب، ولو كانت قراب الأرض، فالنجاسة عارضة، والدافع لها قوى فلب تثبت معه، ولكن نجاسة الزنا واللواط أؼلظ من ؼٌرهما من النجاسات، من جهة أنها تفسد القلب، وتضعؾ توحٌده جدا، ولهذا كان أحظى الناس بهذه النجاسة أكثرهم شركاء، فكلما كان الشرك فى العبد أؼلب كانت هذه النجاسة والخبابث فٌه أكثر، وكلما كان أعظم إخلبصا كان منها أبعد، كما قال تعالى عن ٌوسؾ الصدٌق علٌه السلبم. {كَذلِكَ لِنَصْرِؾَ عَنْهُ الس وءَ وَالْفَحْشَاءَ إن هُ مِنْ عِبَادِنَا المخْلَصٌِنَ [ }ٌوسؾ: 14] . فإن عشق الصور المحرمة نوع تعبد لها، بل هو من أعلى أنواع التعبد، ولا سٌما إذا استولى على القلب وتمكن منه صار تتٌما، والتتٌم التعبد، فٌصٌر العاشق عابدا لمعشوقه، وكثٌرا ما ٌؽلب حبه وذكره والشوق إلٌه، والسعى فى مرضاته، وإٌثار محابه على حب الله وذكره، والسعى فى مرضاته، بل كثٌرا ما ٌذهب ذلك من قلب العاشق بالكلٌة، وٌصٌر متعلقا بمعشوقه من الصور، كما هو مشاهد، فٌصٌر المعشوق هو إلهه من دون الله عز وجل ٌقدم رضاه وحبه على رضى الله وحبه، وٌتقرب إلٌه ما لا ٌتقرب إلى الله، وٌنفق فى مرضاته ما لا ٌنفقه فى مرضاة الله، وٌتجنب من سخطه ما لا ٌتجنب من سخط الله تعالى، فٌصٌر آثر عنده من ربه: حبا، وخضوعا، وذلا، وسمعا، وطاعة. ولهذا كان العشق والشرك متلبزمٌن، وإنما حكى الله سبحانه العشق عن المشركٌن من قوم لوط، وعن امرأة العزٌز، وكانت إذ ذاك مشركة، فكلما قوى شرك العبد بُلىَ بعشق الصور، وكلما قوى توحٌده صرؾ ذلك عنه. والزنا واللواطة كمال لذتهما إنما ٌكون مع العشق ولا ٌخلو صاحبهما منه، وإنما لِتنقله من محل إلى محل لا ٌبقى عشقه مقصورا على محل واحد بل ٌنقسم على سهام كثٌرة، لكل محبوب نصٌب من تؤلهه وتعبده. 1/64) ________________________________________ فلٌس فى الذنوب أفسد للقلب والدٌن من هاتٌن الفاحشتٌن، ولهما خاصٌة فى تبعٌد القلب من الله، فإنهما من أعظم الخبابث، فإذا انصبػ القلب بهما بعد ممن هو طٌب، لا ٌصعد إلٌه إلا طٌب، وكلما ازداد خبثا ازداد من الله بعدا، ولهذا قال المسٌح علٌه السلبم فٌما رواه الإمام أحمد فى كتاب الزهد: "لا ٌكون البطالون من الحكماء، ولا ٌلج الزناة ملكوت السماء." ولما كانت هذا حال الزنا كان قرٌبا للشرك فى كتاب الله تعالى. قال الله تعالى:

عدد الصفحات ٣٧

لبم فٌما رواه الإمام أحمد فى كتاب الزهد: "لا ٌكون البطالون من الحكماء، ولا ٌلج الزناة ملكوت السماء." ولما كانت هذا حال الزنا كان قرٌبا للشرك فى كتاب الله تعالى. قال الله تعالى: {الز انِى لا ٌَنْكِحُ إِلا زَانٌَِةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالز انٌَِةُ لا ٌَنْكِحُهَا إِلا زَان أَوْ مُشْرِك وَحُرمَ ذلِكَ عَلَى المُإْمِنٌِنَ [ }النور: 5] .

عدد الصفحات ٣٧

38 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي والصواب: القول بؤن هذه الآٌة محكمة ٌعمل بها لم ٌنسخها شىء، وهى مشتملة على خبر وتحرٌم، ولم ٌؤت من ادعى نسخها بحجة البتة، والذى أشكل منها على كثٌر من الناس واضح بحمد الله تعالى، فإنهم أشكل علٌهم قوله{ :الز انِى لا ٌَنْكِحُ إِلا زَانٌَِةً أَوْ مُشْرِكَةً [ }النور: 5 ]هل هو خبر أو نهى، أو إباحة؟ فإن كان خبرا فقد رأٌنا كثٌرا من الزناة ٌنكح عفٌفة، وإن كان نهٌا فٌكون قد نهى الزانى أن ٌتزوج إلا بزانٌة أو مشركة، فٌكون نهٌاً له عن نكاح المإمنات العفابؾ، وإباحة له فى نكاح المشركات والزوانى، والله سبحانه لم ٌرد ذلك قطعاً، فلما أشكل علٌهم ذلك طلبوا للآٌة وجها ٌصح حملها علٌه. فقال بعضهم: المراد من النكاح الوطء والزنا، فكؤنه قال: الزانى لا ٌزنى إلا بزانٌة أو مشركة. وهذا فاسد، فإنه لا فابدة فٌه، وٌصان كلبم الله تعالى عن حمله على مثل ذلك، فإنه من المعلوم أن الزانى لا ٌزنى إلا بزانٌة، فؤى فابدة فى الإخبار بذلك؟ ولما رأى الجمهور فساد هذا التؤوٌل أعرضوا عنه. ثم قالت طابفة: هذا عام اللفظ خاص المعنى، والمراد به رجل واحد وامرأة واحدة وهى عناق البَؽِى وصاحبها فإنه أسلم، واستؤذن رسول الله صلى الله تعالى علٌه وسلم فى نكاحها فنزلت هذه الآٌة. 1/65) ________________________________________ وهذا أٌضاً فاسد، فإن هذه الصورة المعٌنة وإن كانت سبب النزول فالقرآن لا ٌقتصر به على محال أسبابه ولو كان كذلك لبطل الاستدلال به على ؼٌرها. وقالت طابفة: بل الآٌة منسوخة بقوله{ :وَأَنْكِحُوا الأٌَامَى مِنْكُمْ [ }النور: 51] . وهذا أفسد من الكل، فإنه لا تعارض بٌن هاتٌن الآٌتٌن، ولا تناقض إحداهما الأخرى، بل أمر سبحانه بإنكاح الأٌامى، وحرم نكاح الزانٌة، كما حرم نكاح المعتدة والمحرمة، وذوات المحارم، فؤٌن الناسخ والمنسوخ فى هذا؟. فإن قٌل: فما وجه الآٌة؟. قٌل: وجهها، والله أعلم، أن المتزوج أمر أن ٌتزوج المحصنة العفٌفة، وإنما أبٌح له نكاح المرأة بهذا الشرط، كما ذكر ذلك سبحانه فى سورتى النساء والمابدة والحكم المعلق على الشرط ٌنتفى عند انتفابه، والإباحة قد علقت على شرط الإحصان، فإذا انتفى الإحصان انتفت الإباحة المشروطة به، فالمتزوج إما أن ٌلتزم حكم الله وشرعه الذى شرعه على لسان رسوله، أو لا ٌلتزمه، فإن لم ٌلتزمه فهو مشرك لا ٌرضى بنكاحه إلا من هو مشرك مثله، وإن التزمه وخالفه ونكح ما حرم علٌه، لم ٌصح النكاح، فٌكون زانٌا، فظهر معنى قوله: {لا ٌَنْكِحُ إِلا زَانٌِةً أَوْ مُشْرِكَةً [ }النور: 5] وتبٌن ؼاٌة البٌان وكذلك حكم المرأة. وكما أن هذا الحكم هو موجب القرآن وصرٌحه فهو موجب الفطرة. ومقتضى العقل، فإن الله سبحانه حرم على عبده أن ٌكون قَرْنانًا دٌَ وثا زوج بؽى، فإن الله تعالى فطر الناس على استقباح ذلك واستهجانه، ولهذا إذا بالؽوا فى سب الرجل قالوا زوج قحبة، فحرم الله على المسلم أن ٌكون كذلك. فظهرت حكمة التحرٌم وبان معنى الآٌة، والله الموفق. ومما ٌوضح التحرٌم، وأنه هو الذى ٌلٌق بهذه الشرٌعة الكاملة: أن هذه الجناٌة من المرأة تعود بفساد فراش الزوج وفساد النسب الذى جعله الله تعالى بٌن الناس لتمام مصالحهم، 1/66) ________________________________________ وعده من جملة نعمه علٌهم، فالزنا ٌفضى إلى اختلبط المٌاه، واشتباه الأنساب، فمن محاسن الشرٌعة: تحرٌم نكاح الزانٌة، حتى تتوب وتستبرأ. وأٌضاً فإن الزانٌة خبٌثة، كما تقدم بٌانه، والله سبحانه جعل النكاح سببا للمودة والرحمة والمودة وخالص الحب، فكٌؾ تكون الخبٌثة مودودة للطٌب، زوجا له، والزوج سمى زوجا من الازدواج وهو الاشتباه فالزوجان الاثنان المتشابهان،

عدد الصفحات ٣٨

39 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي والمنافرة ثابتة بٌن الطٌب والخبٌث شرعاً وقَدَرًا، فلب ٌحصل معها الازدواج والتراحم والتواد، فلقد أحسن كل الإحسان من ذهب إلى هذا المذهب، ومنع الرجل أن ٌكون زوج قحبة. فؤٌن هذا من قول من جوز أن ٌتزوجها وٌطؤها اللٌلة، وقد وطبها الزانى البارحة، وقال: ماء الزانى لا حرمة له، فهب أن الأمر كذلك، فماء الزوج له حرمة، فكٌؾ ٌجوز اجتماعه مع ماء الزانى فى رحم واحد؟ والمقصود: أن الله سبحانه سمى الزوانى والزناة خبٌثٌن وخبٌثات، وجنس هذا الفعل قد شرعت فٌه الطهارة، وإن كان حلبلا، وسمى فاعله جنبا، لبعده عن قراءة القرآن، وعن الصلبة، وعن المساجد، فمنع من ذلك كله حتى ٌتطهر بالماء. فكذلك إذا كان حراما ٌبعد القلب عن الله تعالى، وعن الدار الآخرة، بل ٌحول بٌنه وبٌن الإٌمان، حتى ٌحدث طهرا كاملب بالتوبة، وطهرًا لبدنه بالماء. وقول اللوطٌة: {أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرٌَْتِكُمْ إِنّهُمْ أُنَاس ٌَتَطَه رُونَ [ }الأعراؾ: 81] . من جنس قوله سبحانه فى أصحاب الأخدود: {وَمَا نَقَموا مِنْهُمْ إِلا أَنْ ٌُإْمِنُوا بِاللهِ الْعَزٌِزِ الحمٌِدِ [ }البروج: 8 ]وقوله تعالى{ :قُلْ ٌَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِن ا إِلا أَنْ آمَن ا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلٌَْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ [ }المابدة: 59] . وهكذا المشرك إنما ٌنقم على الموحد تجرٌده للتوحٌد، وأنه لا ٌشوبه بالإشراك. وهكذا المبتدع: إنما ٌنقم على السنى تجرٌده متابعة الرسول، وأنه لم ٌشبها بآراء الرجال، ولا بشىء مما خالفها. فصبر الموحد المتبع للرسول على ما ٌنقمه علٌه أهل الشرك والبدعة خٌر له وأنفع، وأسهل علٌه من صبره على ما ٌنقمه الله ورسوله علٌه من موافقة أهل الشرك والبدعة. إذَا لَمْ ٌَكُنْ بُد مِنَ الص بْرِ فَ اصْطَبِرْ ... عَلَى الحقِّ ذَاكَ الص بْرُ تُحْمَدُ عُقْبَاهُ 1/67) ________________________________________ الباب العاشر: فى علبمات مرض القلب وصحته كل عضو من أعضاء البدن خلق لفعل خاص، به كماله فى حصول ذلك الفعل منه، ومرضه: أن ٌتعذر علٌه الفعل الذى خلق له، حتى لا ٌصدر منه، أو ٌصدر مع نوع من الاضطراب، فمرض الٌد: أن ٌتعذر علٌها البطش، ومرض العٌن: أن ٌتعذر علٌها النظر والرإٌة، ومرض اللسان: أن ٌتعذر علٌه النطق، ومرض البدن: أن ٌتعذر علٌه حركته الطبٌعٌة أو ٌضعؾ عنها، ومرض القلب: أن ٌتعذر علٌه ما خلق له من المعرفة بالله ومحبته والشوق إلى لقابه، والإنابة إلٌه، وإٌثار ذلك على كل شهوته، فلو عرؾ العبد كل شىء ولم ٌعرؾ ربه، فكؤنه لم ٌعرؾ شٌبا، ولو نال كل حظ من حظوظ الدنٌا ولذاتها وشهواتها ولم ٌظفر بمحبة الله، والشوق إلٌه، والأنس به، فكؤنه لم ٌظفر بلذة ولا نعٌم ولا قرة عٌن، بل إذا كان القلب خالٌا عن ذلك عادت تلك الحظوظ واللذات عذابا له ولا بد، فٌصٌر معذبا بنفس ما كان منعما به من جهتٌن من جهة حسرة فوته، وأنه حٌل بٌنه وبٌنه، مع شدة تعلق روحه به، ومن جهة فوت ما هو خٌر له وأنفع وأدوم، حٌث لم ٌحصل له، فالمحبوب الحاصل فات، والمحبوب الأعظم لم ٌظفر به، وكل من عرؾ الله أحبه، وأخلص العبادة له ولا بد، ولم ٌإثر علٌه شٌبا من المحبوبات، فمن آثر علٌه شٌبا من المحبوبات فقلبه مرٌض، كما أن المعدة إذا اعتادت أكل الخبٌث وآثرته على الطٌب سقطت عنها شهوة الطٌب، وتعوضت بمحبة ؼٌره. وقد ٌمرض القلب وٌشتد مرضه، ولا ٌعرؾ به صاحبه، لاشتؽاله وانصرافه عن معرفة صحته وأسبابها، بل قد ٌموت وصاحبه لا ٌشعر بموته، وعلبمة ذلك أنه لا تإلمه جراحات القبابح، ولا ٌوجعه جهله بالحق وعقابده الباطلة، فإن القلب إذا كان فٌه حٌاة تؤلم بورود القبٌح علٌه، وتؤلم بجهله بالحق بحسب حٌاته. وَمَا لِجُرْح بَمٌِّت إٌلبمُ 1/68) ________________________________________

عدد الصفحات ٣٩

وعقابده الباطلة، فإن القلب إذا كان فٌه حٌاة تؤلم بورود القبٌح علٌه، وتؤلم بجهله بالحق بحسب حٌاته. وَمَا لِجُرْح بَمٌِّت إٌلبمُ 1/68) ________________________________________ وقد ٌشعر بمرضه، ولكن ٌشتد علٌه تحمل مرارة الدواء والصبر علٌها، فهو ٌإثر بقاء ألمه على مشقة الدواء، فإن دواءه فى مخالفة الهوى، وذلك أصعب شىء على النفس ولٌس لها أنفع منه.

عدد الصفحات ٣٩

40 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وتارة ٌوطن نفسه على الصبر، ثم ٌنفسخ عزمه، ولا ٌستمر معه لضعؾ علمه وبصٌرته وصبره: كمن دخل فى طرٌق مخوؾ مفض إلى ؼاٌة الأمن، وهو ٌعلم أنه إن صبر علٌه انقضى الخوؾ وأعقبه الأمن، فهو محتاج إلى قوة صبر، وقوة ٌقٌن بما ٌصٌر إلٌه، ومتى ضعؾ صبره وٌقٌنه رجع من الطرٌق، ولم ٌتحمل مشقتها، ولا سٌما إن عدم الرفٌق، واستوحش من الوحدة، وجعل ٌقول: أٌن ذهب الناس فلى بهم أسوة. وهذه حال أكثر الخلق، وهى التى أهلكتهم، فالصبر الصادق لا ٌستوحش من قلة الرفٌق ولا من فقده إذا استشعر قلبه مرافقة الرعٌل الأول، الذٌن أنعم الله علٌهم من النبٌٌن والصدٌقٌن والشهداء والصالحٌن وحسن أولبك رفٌقا، فتفرد العبد فى طرٌق طلبه دلٌل على صدق طلبه. ولقد سُبِلَ إسحاق بن راهوٌه عن مسؤلة فؤجاب عنه. فقٌل له: إن أخاك أحمد ابن حنبل ٌقول فٌها بمثل ذلك. فقال: ما ظننت أن أحدا ٌوافقنى علٌها ولم ٌستوحش بعد ظهور الصواب له من عدم الموافقة، فإن الحق إذا لاح وتبٌن لم ٌحتج إلى شاهد ٌشهد به والقلب ٌبصر الحق كما تبصر العٌن الشمس. فإذا رأى الرابى الشمس لم ٌحتج فى علمه بها واعتقاده أنها طالعة إلى من ٌشهد بذلك وٌوافقه علٌه. وما أحسن ما قال أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعٌل المعروؾ بؤبى شامة فى كتاب الحوادث والبدع: "حٌث جاء به الأمر بلزوم الجماعة فالمراد به لزوم الحق واتباعه، وإن كان المتمسك به قلٌلب والمخالؾ له كثٌرا" لأن الحق هو الذى كانت علٌه الجماعة الأولى من عهد النبى صلى الله تعالى علٌه وسلم وأصحابه، ولا نظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم. قال عمرو بن مٌمون الأودى: "صحبت معاذا بالٌمن. فما فارقته حتى وارٌته فى التراب بالشام، ثم صحبت بعده أفقه الناس عبد الله بن مسعود رضى الله عنه، فسمعته ٌقول: علٌكم بالجماعة، فإن ٌد الله على الجماعة، ثم سمعته ٌوما من الأٌام وهو ٌقول: سٌََلى علٌكم ولاة ٌإخرون الصلبة عن مواقٌتها، فصلوا الصلبة لمٌقاتها، فهى الفرٌضة، وصلوا معهم فإنها لكم نافلة. قال قلت: ٌا أصحاب محمد ما أدرى ما تحدثونا؟ قال: وما ذاك؟ قلت: تؤمرنى بالجماعة وتحضنى علٌها ثم تقول: صل الصلبة وحدك، وهى 1/69) ________________________________________ الفرٌضة، وصل مع الجماعة وهى نافلة؟ قال: ٌا عمرو بن مٌمون، قد كنت أظنك من أفقه أهل هذه القرٌة، تدرى ما الجماعة؟ قلت: لا: قال: إن جمهور الجماعة: الذٌن فارقوا الجماعة. الجماعة ما وافق الحق، وإن كنت وحدك" وفى طرٌق أخرى: "فضرب على فخذى وقال: وٌحك، إن جمهور الناس فارقوا الجماعة. وإن الجماعة ما وافق طاعة الله عز وجل"، قال نعٌم بن حماد: "ٌعنى إذا فسدت الجماعة فعلٌك بما كانت علٌه الجماعة قبل أن تفسد، وإن كنت وحدك، فإنك أنت الجماعة حٌنبذ" ذكره البٌهقى وؼٌره. وقال أبو شامة عن مبارك عن الحسن البصرى قال: "السنة، والذى لا إله إلا هو بٌن الؽالى والجافى، فاصبروا علٌها رحمكم الله، فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فٌما مضى وهم أقل الناس فٌما بقى: الذٌن لم ٌذهبوا مع أهل الإتراؾ فى إترافهم، ولا مع أهل البدع فى بدعهم، وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم، فكذلك إن شاء الله فكونوا." وكان محمد بن أسلم الطوسى، الإمام المتفق على إمامته، مع رتبته أتبع الناس للسنة فى زمانه، حتى قال: "ما بلؽنى سنة عن رسول الله صلى الله تعالى علٌه وسلم إلا عملت بها، ولقد حرصت على أن أطوؾ بالبٌت راكبا، فما مكنت من ذلك"، فسبل بعض أهل العلم فى زمانه عن السواد الأعظم الذٌن جاء فٌهم الحدٌث: "إذَا اخْتَلَؾَ الن اسُ فَعَلٌَكُمْ بِالس وَادِ الأعْظَمِ ". فقال: "محمد بن أسلم الطوسى هو السواد الأعظم" وصدق والله، فإن العصر إذا كان فٌه إمام عارؾ

عدد الصفحات ٤٠

أعظم الذٌن جاء فٌهم الحدٌث: "إذَا اخْتَلَؾَ الن اسُ فَعَلٌَكُمْ بِالس وَادِ الأعْظَمِ ". فقال: "محمد بن أسلم الطوسى هو السواد الأعظم" وصدق والله، فإن العصر إذا كان فٌه إمام عارؾ بالسنة داع إلٌها فهو الحجة، وهو الإجماع، وهو السواد الأعظم، وهو سبٌل المإمنٌن التى من فارقها واتبع سواها ولاه الله ما تولى، وأصلبه جهنم، وساءت مصٌرا. والمقصود: أن من علبمات أمراض القلوب عدولها عن الأؼذٌة النافعة الموافقة لها إلى الأؼذٌة الضارة، وعدولها عن دوابها النافع إلى دوابها الضار، فهنا أربعة أمور: ؼذاء نافع، ودواء شاؾ، وؼذاء ضار، ودواء مهلك. فالقلب الصحٌح ٌإثر النافع الشافى على الضار المإذى، والقلب المرٌض بضد ذلك. وأنفع الأؼذٌة ؼذاء الإٌمان، وأنفع الأدوٌة دواء القرآن، وكل منهما فٌه الؽذاء والدواء.

عدد الصفحات ٤٠

41 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي ومن علبمات صحته أٌضا: أن ٌرتحل عن الدنٌا حتى ٌنزل بالآخرة، وٌحل فٌها حتى ٌبقى كؤنه من أهلها وأبنابها، جاء إلى هذه الدار ؼرٌبا ٌؤخذ منها حاجته، وٌعود إلى وطنه، 1/70) ________________________________________ كما قال النبىِّ علٌه الصلبة والسلبم لعبد الله بن عمر: "كُنْ فى الد نٌْا كَؤَنّكَ ؼَرٌِب أَوْ عَابِرُ سَبٌل ، وَعُد نَفْسَكَ مِنْ أَهْلِ القبُورِ ." فَحَى عَلَى جَن اتِ عَدْن ... فَإِنهَامَنَازِلُكَ الأولَى وَفٌِهَا المُخٌَّمُ وَلكِن نَا سَبْىُ العَدُوِّ، فَهَلْ ... تَرَىنَعُودُ إلَى أَوْطَانِنَا وَنُسَل مُ؟ وقال على بن أبى طالب رضى الله عنه "إن الدنٌا قد ترحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ترحلت مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنٌا فإن الٌوم عمل ولا حساب، وؼدا حساب ولا عمل." وكلما صح القلب من مرضه ترحل إلى الآخرة وقرب منها حتى ٌصٌر من أهلها، وكلما مرض القلب واعتل آثر الدنٌا واستوطنها، حتى ٌصٌر من أهلها. ومن علبمات صحة القلب أنه لا ٌزال ٌضرب على صاحبه حتى ٌنٌب إلى الله وٌخبت إلٌه، وٌتعلق به تعلق المحب المضطر إلى محبوبه، الذى لا حٌاة له ولا فلبح ولا نعٌم ولا سرور إلا برضاه وقربه والأنس به، فبه ٌطمبن، وإلٌه ٌسكن، وإلٌه ٌؤوى، وبه ٌفرح، وعلٌه ٌتوكل، وبه ٌثق، وإٌاه ٌرجو، وله ٌخاؾ. فذكره قوته وؼذاإه ومحبته، والشوق إلٌه حٌاته ونعٌمه ولذته وسروره، والالتفات إلى ؼٌره والتعلق بسواه داإه، والرجوع إلٌه دواإه، فإذا حصل له ربه سكن إلٌه واطمؤن به وزال ذلك الاضطراب والقلق، وانسدت تلك الفاقة، فإن فى القلب فاقة لا ٌسدها شىء سوى الله تعالى أبدا، وفٌه شعث لا ٌلمه ؼٌر الإقبال علٌه، وفٌه مرض لا ٌشفٌه ؼٌر الإخلبص له، وعبادته وحده، فهو دابما ٌضرب على صاحبه حتى ٌسكن وٌطمبن إلى إلهه ومعبوده، فحٌنبذ ٌباشر روح الحٌاة، وٌذوق طعمها، وٌصٌر له حٌاة أخرى ؼٌر حٌاة الؽافلٌن المعرضٌن عن هذا الأمر الذى له خلق الخلق، ولأجله خلقت الجنة والنار، وله أرسلت الرسل ونزلت الكتب، ولو لم ٌكن جزاء إلا نفس وجوده لكفى به جزاء وكفى بفوته حسرة وعقوبة. 1/71) ________________________________________ قال بعض العارفٌن: "مساكٌن أهل الدنٌا، خرجوا من الدنٌا وما ذاقوا أطٌب ما فٌها"، وقال آخر "إنه لٌمر بى أوقات أقول فٌها إن كان أهل الجنة فى مثل هذا إنهم لفى عٌش طٌب." وقال آخر: "والله ما طابت الدنٌا إلا بمحبته وطاعته، ولا الجنة إلا برإٌته ومشاهدته." وقال أبو الحسٌن الوراق: "حٌاة القلب فى ذكر الحى الذى لا ٌموت، والعٌش الهنى الحٌاة مع الله تعالى لا ؼٌر." ولهذا كان الفوت عند العارفٌن بالله أشد علٌهم من الموت؛ لأن الفوت انقطاع عن الحق، والموت انقطاع عن الخلق، فكم بٌن الانقطاعٌن؟،. وقال آخر: "من قرت عٌنه بالله تعالى قرت به كل عٌن، ومن لم تقر عٌنه بالله تقطع قلبه على الدنٌا حسرات." وقال ٌحٌى بن معاذ: "من سر بخدمة الله سرت الأشٌاء كلها بخدمته، ومن قرت عٌنه بالله قرت عٌون كل واحد بالنظر إلٌه." ومن علبمات صحة القلب: أن لا ٌفتر عن ذكر ربه، ولا ٌسؤم من خدمته، ولا ٌؤنس بؽٌره، إلا بمن ٌدله علٌه، وٌذكره به، وٌذاكره بهذا الأمر. ومن علبمات صحته: أنه إذا فاته وِرْدُه وجد لفواته ألما أعظم من تؤلم الحرٌص بفوات ماله وفقده. ومن علبمات صحته: أنه ٌشتاق إلى الخدمة، كما ٌشتاق الجابع إلى الطعام والشرب. ومن علبمات صحته: أن ٌكون همه واحدا، وأن ٌكون فى الله. ومن علبمات صحته: أنه إذا دخل فى الصلبة ذهب عنه همه وؼمه بالدنٌا، واشتد علٌه خروجه منها، ووجد فٌها راحته ونعٌمه، وقرة عٌنه وسرور قلبه.

عدد الصفحات ٤١