ٌا وعشاقها أعلم بما ٌقاسونه من العذاب وأنواع الألم فى طلبها. ولما كانت هى أكبر هَمّ من لا ٌإمن بالآخرة، ولا ٌرجو لقاء ربه، كان عذابه بها بحسب حرصه علٌها، وشدة اجتهاده فى طلبها. وإذا أردت أن تعرؾ عذاب أهلها بها فتؤمل حال عاشق فان فى حب معشوقه، وكلما رام قربا من معشوقه نؤى عنه، ولا ٌفى له وٌهجره وٌصل عدوه. فهو مع معشوقه فى أنكد عٌش، ٌختار الموت دونه، فمعشوقه قلٌل الوفاء، كثٌر الجفاء، كثٌر الشركاء، سرٌع الاستحالة، عظٌم الخٌانة، كثٌر التلون، لا ٌؤمن عاشقه معه على نفسه ولا على ماله، مع أنه لا صبر له عنه ولا ٌجد عنه سبٌلب إلى سلوة ترٌحه، ولا وصال ٌدوم له، فلو لم ٌكن لهذا العاشق عذاب إلا هذا
عدد الصفحات ٢٢23 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي العاجل لكفى به، فكٌؾ إذا حٌل بٌنه وبٌن لذاته كلها، وصار معذبا بنفس ما كان ملتذا به على قدر لذته به، التى شؽلته عن سعٌه فى طلب زاده، ومصالح معاده؟، وسنعود إلى تمام الكلبم فى هذا الباب فى باب ذكر علبج مرض القلب بحب الدنٌا إن شاء الله تعالى، إذ المقصود بٌان أن من أحب شٌبا سوى الله تعالى، ولم تكن محبته له 1/38) ________________________________________ لله تعالى، ولا لكونه معٌنا له على طاعة الله تعالى: عذب به فى الدنٌا قبل ٌوم القٌامة. كما قٌل: أَنْتَ الْقَتٌِلُ بِكلِّ مَنْ أَحْبَبْتَهُ ... فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ فى الْهَوى مَنْ تَصْطَفِى فإذا كان ٌوم المعاد ولّى الحكَم العدل سبحانه كل محب ما كان ٌحبه فى الدنٌا. فكان معه: إما منعما أو معذبا. ولهذا: "ٌُمَث لُ لِصاحِبِ المَالِ مَالُهُ شُجَاعاً أَقْرَعَ ٌَؤْخُذُ بِلِهزمَتٌَه، ٌعنى شدقٌه، ٌقُولُ : أنَا مَالُكَ، أَنَا كَنزُكَ، وٌَُصَفّحُ لَهُ صَفَابحَ مِنْ نَار ٌُكْوَى بِهَا جَبٌِنُهُ وَجَنبهُ وَظَهْرُهُ ." وكذلك عاشق الصور إذا اجتمع هو ومعشوقه على ؼٌر طاعة الله تعالى جمع الله بٌنهما فى النار، وعذب كل منهما بصاحبه. قال تعالى: {الأخِلبءُ ٌَوْمَبذ بَعْضهُمْ لِبَعْض عَدُو إلا المُت قٌِنَ [ }الزخرؾ: 67] . وأخبر سبحانه أن الذٌن توادوا فى الدنٌا على الشرك ٌكفر بعضهم ببعض ٌوم القٌامة، وٌلعن بعضهم بعضا ومؤواهم النار وما لهم من ناصرٌن. فالمحب مع محبوبه دنٌا وأخرى. ولهذا ٌقول الله تعالى ٌوم القٌامة للخلق: "أَلٌَْسَ عَدْلا مِنِّى أَنْ أُوَلّى كُل رَجُل مِنْكُمْ مَا كَانَ ٌَتَوَل ى فى دَارِ الد نٌْا؟ ." وقال صلى الله تعالى علٌه وسلم: "المَرْءُ مَ عَ مَنْ أَحَبّ ". وقال تعالى{ :وٌََوْمَ ٌَعَض الظ الِمُ عَلَى ٌَدٌَْهَ ٌَقُولُ ٌَا لٌَْتَنى اتّخَذْتُ مَعَ الر سُولِ سَبٌلبً ٌَا وٌَْلَتَا لٌَْتَنِى لَمْ أَتّخِذْ فُلبناً خَلٌِلب لَقَدْ أَضَلّنِى عَنِ الذكْرِ بَعْدَ إذْ جَاءنى وَكَانَ الش ٌْطَانُ لِلئِ نْسَانِ خَذُولاً [ }الفرقان: 17 - 19 . ]وقال تعالى{ :اُحْشُرُوا الّذٌِنَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا ٌَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الجحٌِمِ وَقِفُوهُمْ إن هُمْ مَسْبُولُونَ مَالَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ [ }الصافات: 11 - 15] . قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه "أزواجهم: أشباههم ونظراإهم" وقال تعالى{ :وَإِذَا الن فُوسُ زُوِّجَتْ [ }التكوٌر:7] . فقرن كل شكل إلى شكله، وجعل معه قرٌنا وزوجا: البر مع البر، والفاجر مع الفاجر. والمقصود: أن من أحب شٌبا سوى الله عز وجل فالضرر حاصل له بمحبوبه: إن وجد وإن فقد، فإنه إن فقده عذب بفراقه وتؤلم على قدر تعلق قلبه به، وإن وجده كان ما ٌحصل 1/39) ________________________________________ له من الألم قبل حصوله، ومن النكد فى حال حصوله، ومن الحسرة علٌه بعد فوته، أضعاؾ أضعاؾ ما فى حصوله له من اللذة: فَمَ ا فى الأرْضِ أَشْقَى مِنْ مُحِب ... وَإِنْ وَجَدَ الهَوَى حُلْوَ المذَاقِ تَرَاهُ بَاكًٌِا فى كلِّ ... حَال مَخَافَةَ فُرْقة ، أَوْ لاشْتٌِاقِ فٌََبْكِى إنْ نَؤَوْا، شَوْقاً إلٌَْهِمْ ... وٌََبْكِى إِنْ دَنَوْا، حَذرَ الْفِرَاقِ فَتَسْخنُ عٌَْنُهُ عِنْدَ الت لبقى ... وَتَسْخنُ عٌَْنُهُ عِنْدَ الْفِرَاقِ وهذا أمر معلوم بالاستقراء والاعتبار والتجارب، ولهذا قال النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم فى الحدٌث الذى رواه الترمذى وؼٌره: "الدنٌا ملعونة، ملعون ما فٌها إلا ذكر الله وما والاه" فذِكْره: جمٌع أنواع طاعته، فكل من كان فى طاعته فهو ذاكره، وإن لم ٌتحرك لسانه بالذكر، وكل من والاه الله فقد أحبه وقربه؛ فاللعنة لا تنال ذلك إلا بوجهه، وهى نابلة كل ما عداه.
عدد الصفحات ٢٣24 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي الوجه السابع: أن اعتماد العبد على المخلوق وتوكله علٌه ٌوجب له الضرر من جهته هو ولا بد، عكس ما أمله منه، فلب بد أن ٌخذل من الجهة التى قدر أن ٌنصر منها، وٌذم من حٌث قدر أن ٌحمد، وهذا أٌضا كما أنه ثابت بالقرآن والسنة فهو معلوم بالاستقراء والتجارب، قال تعالى: {وَات خَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لٌَِكُونُوا لَهُمْ عِزا كَلب سٌَكْفُرُونَ بِعِبَادَتهِمْ وٌََكُونُو نَ عَلٌَْهِمْ ضِدا [ }مرٌم: 86- 81 ]وقال تعالى{ :وَات خَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلّهُمْ ٌُنْصَرُونَ لا ٌَسْتَطٌِعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْد مُحْضَرُونَ [ }ٌس: 74- 75] . أى ٌؽضبون لهم وٌحاربون، كما ٌؽضب الجند وٌحارب عن أصحابه، وهم لا ٌستطٌعون نصرهم، بل هم كَل علٌهم. وقال تعالى: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلِكنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَؼْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الّتِى ٌَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ شَىْء لَم ا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ ؼٌَْرَ تَتْبٌِب [ }هود: 616 . ]أى ؼٌر تخسٌر، وقال تعالى{ :فَ تَدْعُ مَعَ اللهِ إلهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذ بٌِنَ } [الشعراء: 165 ]وقال تعالى{ :لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً [ }الإسراء: 11] . فإن المشرك ٌرجو بشركه النصر تارة، والحمد والثناء تارة، فؤخبر سبحانه أن مقصوده ٌنعكس علٌه، وٌحصل له الخذلان والذم. والمقصود: أن هذٌن الوجهٌن فى المخلوق وضدهما فى الخالق سبحانه. فصلبح القلب 1/40) ________________________________________ وسعادته وفلبحه فى عبادة الله تعالى والاستعانة به، وهلبكه وشقاإه وضرره العاجل والآجل فى عبادة المخلوق والاستعانة به. الوجه الثامن: أن الله سبحانه ؼنى كرٌم، عزٌز رحٌم. فهو محسن إلى عبده مع ؼناه عنه، ٌرٌد به الخٌر، وٌكشؾ عنه الضر، لا لجلب منفعه إلٌه من العبد، ولا لدفع مضرة، بل رحمة منه وإحسانا. فهو سبحانه لم ٌخلق خلقه لٌتكثر بهم من قلة، ولا لٌعتز بهم من ذلة، ولا لٌرزقوه قوة، ولا لٌنفعوه، ولا لٌدفعوا عنه، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الجِن وَالإنْسَ إِلا لٌَِعْبُدُونِ مَا أُرٌِدُ منْهُمْ مِنْ رِزْق وَمَا أُرٌِدُ أَنْ ٌُطْعِمُونِ إِنّ اللهَ هُوَ الر ز اقُ ذُو الْقُو ةِ المَتٌِنُ } [الذارٌات: 56 - 58 ]وقال تعالى{ :وَقُلِ الحمْدُ للهِ ِ الّذِى لَمْ ٌَت خِذْ وَلَدًا وَلَمْ ٌَكُنْ لَهُ شَرٌِك فى اُلملْكِ وَلَمْ ٌَكُنْ لَهُ وَلِى مِنَ الذ لِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبٌِراً [ }الإسراء: 666] . فهو سبحانه لا ٌوالى من ٌوالٌه من الذل، كما ٌوالى المخلوق المخلوق، وإنما ٌوالى أولٌاءه إحسانا ورحمة ومحبة لهم. وأما العباد فإنهم كما قال عز وجل: {وَاللهُ الْؽَنِى وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ [ }محمد: 58] . فهم لفقرهم وحاجتهم إنما ٌحسن بعضهم إلى بعض لحاجته إلى ذلك وانتفاعه به عاجلبً أو آجلبً . ولولا تصور ذلك النفع لما أحسن إلٌه. فهو فى الحقٌقة إنما أراد الإحسان إلى نفسه، وجعل إحسانه إلى ؼٌره وسٌلة وطرٌقا إلى وصول نفع ذلك الإحسان إلٌه. فإنه إما أن ٌحسن إلٌه لتوقع جزابه فى العاجل، فهو محتاج إلى ذلك الجزاء، أو معاوضة بإحسانه، أو لتوقع حمده وشكره. وهو أٌضاً إنما ٌحسن إلٌه لٌحصل منه ما هو محتاج إلٌه من الثناء والمدح، فهو محسن إلى نفسه بإحسانه إلى الؽٌر. وإما أن ٌرٌد الجزاء من الله تعالى فى الآخرة، فهو أٌضاً محسن إلى نفسه بذلك، وإنما أخر جزاءه إلى ٌوم فقره وفاقته، فهو ؼٌر ملوم فى هذا القصد، فإنه فقٌر محتاج، وفقره وحاجته أمر لازم له من لوازم ذاته، فكماله أن ٌحرص على ما ٌنفعه ولا ٌعجز عنه، وقال تعالى:
عدد الصفحات ٢٤، وإنما أخر جزاءه إلى ٌوم فقره وفاقته، فهو ؼٌر ملوم فى هذا القصد، فإنه فقٌر محتاج، وفقره وحاجته أمر لازم له من لوازم ذاته، فكماله أن ٌحرص على ما ٌنفعه ولا ٌعجز عنه، وقال تعالى: {إِنْ أحْسَنْتُمْ أٍََحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ [ }الإسراء: 7 ]وقال{ :وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خٌَْر ٌُوَؾ إلٌَْكمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ [ }البقرة: 171] . وقال تعالى، فٌما رواه عنه رسوله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: " ٌَا عِبَادِى: إِن كُمْ لَنْ تَبْلُؽُوا نَفْعِى فَتَنْفَعُونِى، وَلَنْ تَبْلُؽُوا ضُرِّي فَتَضُر ونِى، ٌا عِبَادِى: إِنّمَا هِىَ أَعْماَلكُم أُحْصٌِهَا لَكُمْ، ثُم أُوَفٌِّكُمْ إٌ اهَا، فَمَنْ وَجَدَ خٌَْراً فَلٌَْحْمَدِ اللهَ، وَمَنْ وَجَدَ ؼٌْرَ ذلِكَ فَلب ٌَلُومَن إلا نَفْسَهُ ." 1/41)
عدد الصفحات ٢٤25 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي ________________________________________ فالمخلوق لا ٌقصد منفعتك بالقصد الأول، بل إنما ٌقصد انتفاعه بك. والرب تعالى إنما ٌرٌد نفعك لا انتفاعه به، وذلك منفعة محضة لك خالصة من المضرة، بخلبؾ إرادة المخلوق نفعك، فإنه قد ٌكون فٌه مضرة علٌك، ولو بتحمل منته. فتدبر هذا فإن ملبحظته تمنعك أن ترجو المخلوق أو تعامله دون الله عز وجل، أو تطلب منه نفعا، أو دفعا أو تعلق قلبك به، فإنه إنما ٌرٌد انتفاعه بك لا محض نفعك، وهذا حال الخلق كلهم بعضهم مع بعض، وهو حال الولد مع والده، والزوج مع زوجه، والمملوك مع سٌده، والشرٌك مع شرٌكه. فالسعٌد من عاملهم لله تعالى لا لهم، وأحسن إلٌهم لله تعالى، وخاؾ الله تعالى فٌهم، ولم ٌخفهم مع الله تعالى، ورجا الله تعالى بالإحسان إلٌهم، ولم ٌرجهم مع الله، وأحبهم بِ حُبِّ الله، ولم ٌحبهم مع الله تعالى، كما قال أولٌاء الله عز وجل{ :إِنمَا نُطعمكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرٌِدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكورًا[ }الإنسان: 9] . الوجه التاسع: أن العبد المخلوق لا ٌعلم مصلحتك حتى ٌعرفه الله تعالى إٌاها، ولا ٌقدر على تحصٌلها لك، حتى ٌقدره الله تعالى علٌها، ولا ٌرٌد ذلك حتى ٌخلق الله فٌه إرادة ومشٌبة. فعاد الأمر كله لمن ابتدأ منه، وهو الذى بٌده الخٌر كله، وإلٌه ٌرجع الأمر كله، فتعلق القلب بؽٌره رجاء وخوفا وتوكلب وعبودٌة: ضرر محض، لا منفعة فٌه، وما ٌحصل بذلك من المنفعة فهو سبحانه وحده الذى قدرها وٌسرها وأوصلها إلٌك. الوجه العاشر: أن ؼالب الخلق إنما ٌرٌدون قضاء حوابجهم منك، وإن أضر ذلك بدٌنك ودنٌاك، فهم إنما ؼرضهم قضاء حوابجهم ولو بمضرتك، والرب تبارك وتعالى إنما ٌرٌدك لك، وٌرٌد الإحسان إلٌك لك لا لمنفعته، وٌرٌد دفع الضرر عنك، فكٌؾ تعلق أملك ورجاءك، وخوفك بؽٌره؟ وجماع هذا أن تعلم: "أَن الَخلْقَ كُلّهُمْ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ ٌَنْفَعُوكَ بِشَىْء لَمْ ٌَنْفَعُوكَ إِلا بِشَىْء قَدْ كَتَبَهُ اللهُ تَعَالَى لَكَ، ولَوِ اجْتَمَعُوا كُل هُمْ عَلَى أَنْ ٌَضُر وكَ بِشَىْء لَمْ ٌَضُر وكَ إلا بشَىْء قَدْ كَتَبَهُ اللهُ تَعَالَى عَلٌَْكَ " قال تعالى{ :قُلْ لَنْ ٌُصٌِبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَولانَا وَعَلَى اللهِ فَلٌَْتَوَك لِ المُإْمِنُونَ [ }التوبة: 56] . (1/42) ________________________________________ خاتمة لهذا الباب لما كان الإنسان؛ بل وكل حى متحرك بالإرادة، لا ٌنفك عن علم وإرادة وعمل بتلك الإرادة، وله مراد مطلوب، وطرٌق وسبب ٌوصل إلٌه، معٌن علٌه، وتارة ٌكون السبب منه، وتارة من خارج منفصل عنه، وتارة منه ومن الخارج، فصار الحى مجبولا على أن ٌقصد شٌبا وٌرٌده، وٌستعٌن بشىء وٌعتمد علٌه فى حصول مراده. والمراد قسمان: أحدهما: ما هو مراد لنفسه. والثانى: ما هو مراد لؽٌره. والمستعان قسمان؛ أحدهما: ما هو مستعان بنفسه، والثانى: ما هو تبع له وآلة. فهذه أربعة أمور: مراد لنفسه، ومراد لؽٌره، ومستعان بنفسه، ومستعان بكونه آلة وتبعا للمستعان بنفسه. فلب بد للقلب من مطلوب ٌطمبن إلٌه، وٌنتهى إلٌه محبته. ولا بد له من شىء ٌتوصل به؛ وٌستعٌن به فى حصول مطلوبه، والمستعان مدعو ومسبول، والعبادة والاستعانة كثٌرا ما ٌتلبزمان، فمن اعتمد القلب علٌه فى رزقه ونصره ومتفعته ونفعه خضع له، وذل له، وانقاد له وأحبه من هذه الجهة، وإن لم ٌحبه لذاته، لكن قد ٌؽلب علٌه حكم الحال حتى ٌحبه لذاته، وٌنسى مقصوده منه، وأما من أحبه القلب وأراده وقصده فقد لا ٌستعٌن به، وٌستعٌن بؽٌره علٌه كمن أحب مالا أو منصبا أو امرأة، فإن علم أن محبوبه قادر على تحصٌل ؼرضه استعان به، فاجتمع له محبته والاستعانة به. فالأقسام أربعة: محبوب لنفسه وذاته، مستعان بنفسه.
عدد الصفحات ٢٥ستعٌن بؽٌره علٌه كمن أحب مالا أو منصبا أو امرأة، فإن علم أن محبوبه قادر على تحصٌل ؼرضه استعان به، فاجتمع له محبته والاستعانة به. فالأقسام أربعة: محبوب لنفسه وذاته، مستعان بنفسه. فهذا أعلى الأقسام، ولٌس ذلك إلا لله وحده. وكل ما سواه فإنما ٌنبؽى أن ٌحب تبعا لمحبته، وٌستعان به لكونه آلة وسببا. الثانى: محبوب لؽٌره ومستعان به أٌضاً، كالمحبوب الذى هو قادر على تحصٌل ؼرض محبه الثالث: محبوب مستعان علٌه بؽٌره
عدد الصفحات ٢٥26 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي الرابع: مستعان به ؼٌر محبوب فى نفسه. فإذا عرؾ ذلك تبٌن مَن أحق هذه الأقسام الأربعة بالعبودٌة والاستعانة، وأن محبة ؼٌره واستعانته به إن لم تكن وسٌلة إلى محبته واستعانته، وإلا كانت مضرة على العبد، ومفسدتها أعظم من مصلحتها. والله المستعان وعلٌه التكلبن. 1/43) ________________________________________ الباب السابع: فى أن القرآن متضمن لأدوٌة القلب، وعلبجه من جمٌع أمراضه قال الله عز وجل{ :ٌَا أٌَ هَا الن اسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظة مِن ربكُمْ وَشِفَاء لِمَا فى الص دُ ورِ [ }ٌونس: 57 ]وقال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَة لِلْمإْمِنٌِنَ [ }الإسراء: 81] . وقد تقدم أن جماع أمراض القلب هى أمراض الشبهات والشهوات. والقرآن شفاء للنوعٌن. ففٌه من البٌنات والبراهٌن القطعٌة ما ٌبٌن الحق من الباطل، فتزول أمراض الشبه المفسدة للعلم والتصور والإدراك، بحٌث ٌرى الأشٌاء على ما هى علٌه، ولٌس تحت أدٌم السماء كتاب متضمن للبراهٌن والآٌات على المطالب العالٌة: من التوحٌد، وإثبات الصفات، وإثبات المعاد والنبوات، ورد النحل الباطلة والآراء الفاسدة، مثل القرآن. فإنه كفٌل بذلك كله، متضمن له على أتم الوجوه وأحسنها، وأقربها إلى العقول وأفصحها بٌانا. فهو الشفاء على الحقٌقة من أدواء الشبه والشكوك، ولكن ذلك موقوؾ على فهمه ومعرفة المراد منه. فمن رزقه الله تعالى ذلك أبصر الحق والباطل عٌانا بقلبه، كما ٌرى اللٌل والنهار، وعلم أن ما عداه من كتب الناس وآرابهم ومعقولاتهم بٌن علوم لا ثقة بها، وإنما هى آراء وتقلٌد. وبٌن ظنون كاذبة لا تؽنى من الحق شٌبا. وبٌن أمور صحٌحة لا منفعة للقلب فٌها. وبٌن علوم صحٌحة قد وعروا الطرٌق إلى تحصٌلها، وأطالوا الكلبم فى إثباتها، مع قلة نفعها. فهى: "لَحْمُ جَمَل ؼَثّ عَلَى رَأْسِ جَبَل وَعْر ، لا سَهْل فٌَُرْتَقَى، ولا سَمٌِن فٌَنتفلُ ." وأحسن ما عند المتكلمٌن وؼٌرهم فهو فى القرآن أصح تقرٌرا وأحسن تفسٌرا، فلٌس عندهم إلا التكلؾ والتطوٌل والتعقٌد، كما قٌل: ٍَلوْلا الت نَافُسُ فى الد نٌَْا لَما وُضِعَتْ ... كُتْبُ الت نَاظُرِ، لا المُؽْنى وَلا الْعُمَدُ ٌُحَلِّلُونَ بِزَعْم مِنْهُمُ عُقَدًا ... وَبِالذِى وَضَعُوهُ زَادَتِ العُقَدُ 1/44) ________________________________________ فهم ٌزعمون أنهم ٌدفعون بالذى وضعوه الشبه والشكوك، والفاضل الذكى ٌعلم أن الشبه والشكوك زادت بذلك. ومن المحال أن لا ٌحصل الشفاء والهدى، والعلم والٌقٌن من كتاب الله تعالى وكلبم رسوله، وٌحصل من كلبم هإلاء المتحٌرٌن المتشككٌن الشاكٌن، الذٌن أخبر الواقؾ على نهاٌات إقدامهم بما انتهى إلٌه من مٌراثهم، حٌث ٌقول: نهَاٌَةُ إِقدَامِ الْعُقُولِ عِ قَالُ ... وَأَكثَرُ سعْىِ الْعَالَمٌِنَ ضَلبَلُ وَأَرْوَاحُنَا فِى وَحْشَة مِنْ جُسُومِنَا ... وَحَاصِلُ دُنٌَْانَا أَذًى وَوَبَالُ وَلمْ نَسْتَفِدْ مِنْ بَحْثِنَا طُولَ عُمرِنَاسِوى ... أَنْ جَمَعْنَا فٌِه قٌِلَ وَقَالوا لقد تؤملت الطرق الكلبمٌة، والمناهج الفلسفٌة، فما رأٌتها تشفى علٌلب، ولا تروى ؼلٌلب. ورأٌت أقرب الطرق طرٌقة القرآن، أقرأ فى الإثبات: {الر حمنُ عَلَى الْعَرْش اسْتَوَى [ }طه: 5 ]، {إلٌَْهِ ٌَصْعَدُ الْكَلمُ الط ٌِّبُ وَالْعَمَلُ الص الِحُ ٌَرْفَعُهُ [ }فاطر: 61 ]وأقرأ فى النفى{ :لٌَْسَ كَمِ ثْلِهِ شَىْء [ }الشورى: 66 ]، {وَ ٌُحٌِطُونَ بِهِ عِلماً [ }طه: 661] . ومن جرب مثل تجربتى عرؾ مثل معرفتى. فهذا إنشاده وألفاظه فى آخر كتبه. وهو أفضل أهل زمانه على الإطلبق فى علم الكلبم والفلسفة، وكلبم أمثاله فى مثل ذلك كثٌر جدا قد ذكرناه فى كتاب الصواعق وؼٌره.
عدد الصفحات ٢٦ل تجربتى عرؾ مثل معرفتى. فهذا إنشاده وألفاظه فى آخر كتبه. وهو أفضل أهل زمانه على الإطلبق فى علم الكلبم والفلسفة، وكلبم أمثاله فى مثل ذلك كثٌر جدا قد ذكرناه فى كتاب الصواعق وؼٌره. وذكرنا قول بعض العارفٌن بكلبم هإلاء "آخر أمر المتكلمٌن الشك، وآخر أمر المتصوفٌن الشطح" والقرآن ٌوصلك إلى نفس الٌقٌن فى هذه المطالب التى هى أعلى مطالب العباد، ولذلك أنزله من تكلم به. وجعله شفاء لما فى الصدور، وهدى ورحمة للمإمنٌن.
عدد الصفحات ٢٦27 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وأما شفاإه لمرض الشهوات فذلك بما فٌه من الحكمة والموعظة الحسنة بالترؼٌب والترهٌب، والتزهٌد فى الدنٌا، والترؼٌب فى الآخرة، والأمثال والقصص التى فٌها أنواع العبر والاستبصار، فٌرؼب القلب السلٌم إذا أبصر ذلك فٌما ٌنفعه فى معاشه ومعاده وٌرؼب عما ٌضره، فٌصٌر القلب محبا للرشد، مبؽضا للؽى. فالقرآن مزٌل للؤمراض الموجهة للئرادات الفاسدة، فٌصلح القلب، فتصلح إرادته، وٌعود إلى فطرته التى فطر علٌها، فتصلح أفعاله 1/45) ________________________________________ الاختٌارٌة الكسبٌة، كما ٌعود البدن بصحته وصلبحه إلى الحال الطبٌعى، فٌصٌر بحٌث لا ٌقبل إلا الحق، كما أن الطفل لٌس بقابل إلا اللبن. وَعَادَ الْفَتَى كَالطِّفْلِ، لٌَْسَ بِقَابِل ... سِوَى المَحْضِ شٌَْباً، وَاسْتَراحَتْ عَوَاذِلُهْ فٌتؽذى القلب من الإٌمان والقرآن بما ٌزكٌه وٌقوٌه، وٌإٌده وٌفرحه، وٌسره وٌنشطه، وٌثبت ملكه، كما ٌتؽذى البدن بما ٌنمٌه وٌقوٌه. وكل من القلب والبدن محتاج إلى أن ٌتربى؛ فٌنمو وٌزٌد حتى ٌكمل وٌصلح فكما أن البدن محتاج إلى أن ٌزكو بالأؼذٌة المصلحة له والحمٌة عما ٌضره، فلب ٌنمو إلا بإعطابه ما ٌنفعه، ومنع ما ٌضره، فكذلك القلب لا ٌزكو ولا ٌنمو، ولا ٌتم صلبحه إلا بذلك، ولا سبٌل له إلى الوصول إلى ذلك إلا من القرآن، وإن وصل إلى شىء منه من ؼٌره فهو نزر ٌسٌر لا ٌحصله به تمام المقصود، وكذلك الزرع لا ٌتم إلا بهذٌن الأمرٌن، فحٌنبذ ٌقال: زكا الزرع وكمل. ولما كانت حٌاته ونعٌمه لا تتم إلا بزكاته وطهارته لم ٌكن بد من ذكر هذا وهذا، فنقول: 1/46) ________________________________________ الباب الثامن: فى زكاة القلب الزكاة فى اللؽة: هى النماء والزٌادة فى الصلبح، وكمال الشىء، ٌقال: زكا الشىء إذا نما، قال الله تعالى: {خُذْ مِنْ أمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكٌِّهِمْ بِهَا[ }التوبة: 615] . فجمع بٌن الأمرٌن: الطهارة والزكاة، لتلبزمهما. فإن نجاسة الفواحش والمعاصى فى القلب بمنزلة الأخلبط الردٌبة فى البدن، وبمنزلة الدؼل فى الزرع، وبمنزلة الخبث فى الذهب والفضة والنحاس والحدٌد، فكما أن البدن إذا استفرغ من الأخلبط الردٌبة تخلصت القوة الطبٌعٌة منها فاستراحت، فعملت عملها بلب معوق ولا ممانع، فنما البدن، فكذلك القلب إذا تخلص من الذنوب بالتوبة فقد استفرغ من تخلٌطه، فتخلصت إرادة القلب وإرادته للخٌر، فاستراح 1/46) ________________________________________ من تلك الجواذب الفاسدة والمواد الردٌبة: زكا ونما، وقوى واشتد، وجلس على سرٌر ملكه، ونفذ حكمه فى رعٌته، فسمعت له وأطاعت. فلب سبٌل له إلى زكاته إلا بعد طهارته كما قال تعالى: {قُلْ لِلمُإْمِنٌِنَ ٌؽُض وا مِنْ أبْصَارِهْمِ وٌََحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أزْكَى لَهُمْ إن اللهَ خَبٌِر بِمَا ٌصْنَعُونَ [ }النور: 51] . فجعل الزكاة بعد ؼض البصر وحفظ الفرج. ولهذا كان ؼض البصر عن المحارم ٌوجب ثلبث فوابد عظٌمة الخطر، جلٌلة القدر: إحداها: حلبوة الإٌمان ولذته، التى هى أحلى وأطٌب وألذ مما صرؾ بصره عنه وتركه لله تعالى فإن من ترك شٌبا لله عوضه الله عز وجل خٌرا منه، والنفس مولعة بحب النظر إلى الصور الجمٌلة، والعٌن رابد القلب. فٌبعث رابده لنظر ما هناك، فإذا أخبره بحسن المنظور إلٌه وجماله، تحرك اشتٌاقا إلٌه، وكثٌرا ما ٌتعب وٌتعب رسوله ورابده كما قٌل: وَكُنْتَ مَتَى أَرْسَلْتَ طَرْفَكَ رَابِدًا ... لِقلبكَ ٌَوْماً أتْ عَبَتْكَ المنَاظِرُ رَأٌَْتَ ال ذِى لا كُل هُ أَنْتَ قَادِر ٍِ ... عَلٌَْه وَلا عَنْ بَعْضِهِ أَنْتَ صَابرُ فإذا كؾ الرابد عن الكشؾ والمطالعة استراح القلب من كلفة الطلب والإرادة، فمن أطلق لحظاته دامت حسراته، فإن النظر ٌولد المحبة.
عدد الصفحات ٢٧قَادِر ٍِ ... عَلٌَْه وَلا عَنْ بَعْضِهِ أَنْتَ صَابرُ فإذا كؾ الرابد عن الكشؾ والمطالعة استراح القلب من كلفة الطلب والإرادة، فمن أطلق لحظاته دامت حسراته، فإن النظر ٌولد المحبة. فتبدأ علبقة ٌتعلق بها القلب بالمنظور إلٌه. ثم تقوى فتصٌر صبابة. ٌنصب إلٌه القلب بكلٌته. ثم
عدد الصفحات ٢٧28 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي تقوى فتصٌر ؼراما ٌلزم القلب، كلزوم الؽرٌم الذى لا ٌفارق ؼرٌمه. ثم ٌقوى فٌصٌر عشقا. وهو الحب المفرط. ثم ٌقوى فٌصٌر شؽفا. وهو الحب الذى قد وصل إلى شَؽاؾ القلب وداخله. ثم ٌقوى فٌصٌر تتٌماً . والتتٌم التعبد ومنه تٌمه الحب إذا عَب ده. وتٌم الله عبد الله. فٌصٌر القلب عبدا لمن لا ٌصلح أن ٌكون هو عبدا له. وهذا كله جناٌة النظر فحٌنبذ ٌقع القلب فى الأسر. فٌصٌر أسٌرا بعد أن كان ملكا، ومسجونا بعد أن كان مطلقا. ٌتظلم من الطرْؾ وٌشكوه. والطرْؾ ٌقول: أنا رابدك ورسولك، وأنت بعثتنى. وهذا إنما ابتُلى به القلوب الفارؼة من حب الله والإخلبص له، فإن القلب لا بد له من التعلق بمحبوب. فمن لم ٌكن الله وحده محبوبه وإلهه ومعبوده فلب بد أن ٌنعقد قلبه لؽٌره. قال تعالى عن ٌوسؾ الصدٌق علٌه السلبم: {كَذلِكَ لِنَصْرِؾَ عَنْهُ الس وءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلَصٌِنَ [ }ٌوسؾ: 14] . فامرأة العزٌز لما كانت مشركة وقعت فٌما وقعت فٌه، مع كونها ذات زوج، وٌوسؾ علٌه السلبم لما كان مخلصا لله تعالى نجا من ذلك مع كونه شابا عزَبا ؼرٌبا مملوكا. 1/47) ________________________________________ لفابدة الثانٌة فى ؼض البصر: نور القلب وصحة الفراسة. قال أبو شجاع الكرمانى: "من عمر ظاهره باتباع السنة، وباطنه بدوام المراقبة، وكؾ نفسه عن الشهوات، وؼض بصره عن المحارم، واعتاد أكل الحلبل لم تخطا له فراسة" وقد ذكر الله سبحانه قصة قوم لوط وما ابتلوا به، ثم قال بعد ذلك: {إِن فِى ذلِكَ لآٌَات لِلْمُتَوَسِّمٌِنَ [ }الحجر: 75] . وهم المتفرسون الذٌن سلموا من النظر المحرم والفاحشة، وقال تعالى عقٌب أمره للمإمنٌن بؽض أبصارهم وحفظ فروجهم: {اللهُ نُورُ الس مواتِ وَالأرْضِ [ }النور: 55] . وسر هذا الخبر: أن الجزاء من جنس العمل. فمن ؼض بصره عما حرم الله عز وجل علٌه عوضه الله تعالى من جنسه ما هو خٌر منه، فكما أمسك نور بصره عن المحرمات أطلق الله نور بصٌرته وقلبه، فرأى به ما لم ٌره من أطلق بصره ولم ٌؽضه عن محارم الله تعالى، وهذا أمر ٌحسه الإنسان من نفسه. فإن القلب كالمرآة، والهوى كالصدأ فٌها. فإذا خلصت المرآة من الصدأ انطبعت فٌها صورة الحقابق كما هى علٌه. وإذا صدبت لم ٌنطبع فٌها صورة المعلومات. فٌكون علمه وكلبمه من باب الخرص والظنون. الفابدة الثالثة قوة القلب وثباته وشجاعته، فٌعطٌه الله تعالى بقوته سلطان النصرة، كما أعطاه بنوره سلطان الحجة، فٌجمع له بٌن السلطانٌن، وٌهرب الشٌطان منه، كما فى الأثر: "إن الّذِى ٌُخَالِؾُ هَوَاهُ ٌَفْرَقُ الش ٌْطَانُ مِنْ ظِلِّهِ ". ولهذا ٌوجد فى المتبع هواه من ذل النفس وضعفها ومهانتها ما جعله الله لمن عصاه، فإنه سبحانه جعل العز لمن أطاعه والذل لمن عصاه. قال تعالى: {وَللهِ ِ الْعِز ةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُإْمِنٌِنَ [ }المنافقون: 8 ]وقال تعالى{ :وَ تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُإْمِنٌِنَ } [آل عمران: 659 ]وقال تعالى{ :مَنْ كَانَ ٌُرٌِدُ الْعِ ز ةَ فَلل هِ الْعِز ةُ جَمٌِعاً [ }فاطر: 61] . أى من كان ٌطلب العزة فلٌطلبها بطاعة الله: بالكلم الطٌب، والعمل الصالح، وقال بعض السلؾ: "الناس ٌطلبون العز بؤبواب الملوك ولا ٌجدونه إلا فى طاعة الله" وقال الحسن: "وإن هَمْلَجَتْ بهم البراذٌن، وطقطقت بهم البؽال إن ذل المعصٌة لفى قلوبهم، أبى الله عز وجل إلا أن ٌُذِل من عصاه، وذلك أن من أطاع الله تعالى فقد والاه، ولا ٌذل من والاه الله، كما فى دعاء القنوت: "إِن هُ لا ٌَذِل مَنْ وَالٌَْتَ وَلا ٌَعِز مَنْ عَادٌَْتَ ." 1/48) ________________________________________
عدد الصفحات ٢٨ع الله تعالى فقد والاه، ولا ٌذل من والاه الله، كما فى دعاء القنوت: "إِن هُ لا ٌَذِل مَنْ وَالٌَْتَ وَلا ٌَعِز مَنْ عَادٌَْتَ ." 1/48) ________________________________________ والمقصود: أن زكاة القلب موقوفة على طهارته، كما أن زكاة البدن موقوفة على استفراؼه من أخلبطه الردٌبة الفاسدة، قال تعالى:
عدد الصفحات ٢٨29 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي {وَلوْ فَضْلُ اللهِ عَلٌَْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَد أَبَدًا وَلكِن اللهَ ٌُزَكِّى مَنْ ٌَشَاءُ وَاللهُ سَ مٌِع عَلٌِم [ }النور: 16] . وذكر ذلك سبحانه عقٌب تحرٌم الزنا والقذؾ ونكاح الزانٌة، فدل على أن التزكى هو باجتناب ذلك. وكذلك قوله تعالى فى الاستبذان على أهل البٌوت: {وَإنْ قٌِلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ [ }النور: 18] . فإنهم إذا أمروا بالرجوع لبلب ٌطلعوا على عورة لم ٌحب صاحب المنزل أن ٌط لع علٌها كان ذلك أزكى لهم، كما أن رد البصر وؼضه أزكى لصاحبه، وقال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَل ى[ }الأعلى: 64- 65] . وقال تعالى عن موسى علٌه السلبم فى خطابه لفرعون: {هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَك ى[ }النازعات: 68 ]وقال تعالى {وَوٌَل لِلْمُشْرِكٌِنَ الّذٌِنَ لا ٌُإْتُونَ الز كاةَ [ }فصلت: 6- 7] . قال أكثر المفسرٌن من السلؾ ومن بعدهم: هى التوحٌد: شهادة أن لا إله إلا الله، والإٌمان الذى به ٌزكو القلب، فإنه ٌتضمن نفى إلهٌة ما سوى الحق من القلب، وذلك طهارته، وإثبات إلهٌته سبحانه؛ وهو أصل كل زكاة ونماء، فإن التزكى- وإن كان أصله النماء والزٌادة والبركة- فإنما ٌحصل بإزالة الشر. فلهذا صار التزكى ٌنتظم الأمرٌن جمعٌاً . فؤصل ما تزكو به القلوب والأرواح. هو التوحٌد: والتزكٌة جعل الشىء زكٌا، إما فى ذاته، وإما فى الاعتقاد والخبر عنه، كما ٌقال: عد لته وفس قته، إذا جعلته كذلك فى الخارج، أو فى الاعتقاد والخبر. وعلى هذا فقوله تعالى: {فَ تُزَك وا أَنْفُسَكُمْ [ }النجم: 51 ]هو على ؼٌر معنى {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَك اهَا[ }الشمس: 9] . أى لا تخبروا بزكاتها وتقولوا: نحن زاكون صالحون متقون، ولهذا قال عقٌب ذلك: {هُوَ أَعْلُم بِمَنِ ات قَى[ }النجم: 51] . وكان اسم "زٌنب" "برة" فقال: "تُزَكِّى نَفْسهَا؟ " فسماها رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم "زٌنب" وقال: "الله أَعْلمُ بِؤَهْلِ الْبِرِّ مِ نْكُمْ " وكذلك قوله: 1/49) ________________________________________ {أَلَمْ تَرَ إِلى الّذٌِنَ ٌُزَك ونَ أنْفُسَهُم[ }النساء: 49] . أى ٌعتقدون زكاءها وٌخبرون به، كما ٌزكى المزكى الشاهد، فٌقول عن نفسه ما ٌقول المزكى فٌه، كما قال الله تعالى: {بَلِ اللهُ ٌُ زَكِّى مَنْ ٌَشَاءُ [ }النساء: 49] . أى هو الذى ٌجعله زاكٌا، وٌخبر بطاعة الله فٌصٌر زاكٌاً، وهذا بخلبؾ قوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَك اهَا[ }الشمس: 9 ]فإنه من باب قوله{ :هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَك ى[ }النازعات: 68 ]أى تعمل بطاعة الله تعالى، فتصٌر زاكٌا، ومثله قوله{ :قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَك ى[ }الأعلى: 64] . وقد اختلؾ فى الضمٌر المرفوع فى قوله: زكاها فقٌل: هو الله. أى أفلحت نفس زكاها الله عز وجل، وخابت نفس دساها، وقٌل: إن الضمٌر ٌعود على فاعل أفلح، وهو "مَن" سواء كانت موصولة أو موصوفة، فإن الضمٌر لو عاد على الله سبحانه لقال: قد أفلح من زكاه وقد خاب من دساه. والأولون ٌقولون "من" وإن كان لفظها مذكرا فإذا وقعت على مإنث جاز إعادة الضمٌر علٌها بلفظ المإنث، مراعاة للمعنى، وبلفظ المذكر مراعاة للفظ، وكلبهما من الكلبم الفصٌح، وقد وقع فى القرآن اعتبار لفظها ومعناها، فالأول كقوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ ٌَسْتَمِعُ إِلٌَْكَ [ }الأنعام: 15 ]فؤفرد الضمٌر، والثانى كقوله{ :وَمِنْهُمْ مَنْ ٌَسْتَمِعُونَ إِلٌَْكَ [ }ٌونس: 41] . قال المرجحون للقول الأول: ٌدل على صحة قولنا: ما رواه أهل السنن من حدٌث ابن أبى ملٌكة عن عابشة رضى الله
عدد الصفحات ٢٩مٌر، والثانى كقوله{ :وَمِنْهُمْ مَنْ ٌَسْتَمِعُونَ إِلٌَْكَ [ }ٌونس: 41] . قال المرجحون للقول الأول: ٌدل على صحة قولنا: ما رواه أهل السنن من حدٌث ابن أبى ملٌكة عن عابشة رضى الله عنها قالت: "أتٌْتُ لٌَْلَةً، فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ علٌهِ وسلّمَ ٌقُولُ : رَبِّ أَعْطِ نَفْسِى تَقْوَاهَا، وزَكِّهَا، أنْتَ خٌَْرُ مَنْ زَكّاهَا، أَنْتَ وَلٌِ هَا وَمَوْلاهَا ."
عدد الصفحات ٢٩30 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي فهذا الدعاء كالتفسٌر لهذه الآٌة، وأن الله تعالى هو الذى ٌزكى النفوس فتصٌر زاكٌة، فالله هو المزكى، والعبد هو المتزكى. والفرق بٌنهما فرق ما بٌن الفاعل والمطاوع. قالوا: والذى جاء فى القرآن من إضافة الزكاة إلى العبد إنما هو بالمعنى الثانى، دون الأول. كقوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَك ى[ }الأعلى: 64 ]، وقوله{ :هَلْ لَكَ إِلَى أَ نْ تَزَك ى[ }النازعات: 68] . أى تقبل تزكٌة الله تعالى لك، فتتزكى؟ قالوا: وهذا هو الحق. فإنه لا ٌفلح إلا من زكاه الله تعالى. قالوا: وهذا اختٌار ترجمان القرآن ابن عباس، فإنه قال فى رواٌة على بن أبى طلحة وعطاء والكلبى: "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَك ى اللهُ تَعَالَ ى نَفْسَه" وقال ابن زٌد: "قَدْ أَفلَحَ مَنْ زَك ى اللهُ تعالى نَفْسَهُ ." 1/50) ________________________________________ واختاره ابن جرٌر. قالوا: وٌشهد لهذا القول أٌضا قوله فى أول السورة: {فَؤَلهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [ }الشمس: 8] . قالوا: وأٌضا فإنه سبحانه وتعالى أخبر أنه خالق النفس وصفاتها. وذلك فى معنى التسوٌة. قال أصحاب القول الآخر: ظاهر الكلبم ونظمه الصحٌح: ٌقتضى أن ٌعود الضمٌر على "من" أى أفلح من زكى نفسه. هذا هو المفهوم المتبادر إلى الفهم، بل لا ٌكاد ٌفهم ؼٌره، كما إذا قلت: هذه جارٌة قد ربح من اشتراها، وصلبة قد سعد من صلبها، وضالة قد خاب من آواها. ونظابر ذلك. قالوا: والنفس مإنثة، فلو عاد الضمٌر على الله سبحانه لكان وجه الكلبم: قد أفلحت نفس زكاها، أو أفلحت من زكاها، لوقوع "مَن" على النفس. قالوا: وإن جاز تفرٌػ الفعل من التاء لأجل لفظ "من" كما تقول: قد أفلح من قامت منكن، فذاك حٌث لا ٌقع اشتباه والتباس. فإذا وقع الاشتباه لم ٌكن بد من ذكر ما ٌزٌله. قالوا: و "مَن" موصولة بمعنى الذى. ولو قٌل: قد أفلح الذى زكاها الله لم ٌكن جابزا، لعود الضمٌر المإنث على الذى، وهو مذكر. قالوا: وهو سبحانه قصد نسبة الفلبح إلى صاحب النفس إذا زكى نفسه. ولهذا فرغ الفعل من التاء، وأتى ب "من" التى هى بمعنى "الذى" وهذا الذى علٌه جمهور المفسرٌن، حتى أصحاب ابن عباس رضى الله عنهما. وقال قتادة: {قَدْ أفْلَحَ مَنْ زَكّاهَا[ }الشمس: 9] . "من عمل خٌرا زكاها بطاعة الله عز وجل" وقال أٌضا: "قد أفلح من زكى نفسه بعمل صالح" وقال الحسن: "قد أفلح من زكى نفسه فؤصلحها وحملها على طاعة الله تعالى، وقد خاب من أهلكها وحملها على معصٌة الله تعالى" قال ابن قتٌبة: "ٌرٌد أفلح من زكى نفسه، أى نماها وأعلبها بالطاعة والبر والصدقة، واصطناع المعروؾ." {وَقَدْ خَابَ مَنْ دَس اهَا[ }الشمس: 61] . أى نقصها وأخفاها بترك عمل البر وركوب المعاصى. والفاجر أبدا خفى المكان، زَمِن المروءة، ؼامض الشخص، ناكس الرأس. فمرتكب الفواحش قد دس نفسه وقمعها، ومصطنع المعروؾ قد شهر نفسه ورفعها. وكانت أجواد العرب تنزل الربى وٌفاع الأرض 1/51) ________________________________________ لتشهر أماكنها للمعتفٌن. وتوقد النٌران فى اللٌل للطارقٌن. وكانت اللبام تنزل الأولاج والأطراؾ والأهضام، لتخفى أماكنها على الطالبٌن، فؤولبك أعلوا أنفسهم وزكوها، وهإلاء أخفوا أنفسهم ودسوها. وأنشد: وَبَو اب بٌَْتِ كَ فى مَعْلَم ... رَحٌبِ المَباءَةِ وَالمَسْرَحِ كَفٌَْتَ الْعُفَاةَ طِلببَ الْقِرَى ... وَنَبحَ الْكلببِ لِمُسْتَنْبِح فهذان قولان مشهوران فى الآٌة. وفٌها قول ثالث: أن المعنى: خاب من دس نفسه مع الصالحٌن ولٌس منهم، حكاه الواحدى، قال: ومعنى هذا: أنه أخفى نفسه فى الصالحٌن، ٌرى الناس أنه منهم وهو منطو على ؼٌر ما ٌنطوى علٌه الصالحون.
عدد الصفحات ٣٠31 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وهذا- وإن كان حقا فى نفسه- لكن فى كونه هو المراد بالآٌة نظر، وإنما ٌدخل فى الآٌة بطرٌق العموم. فإن الذى ٌدس نفسه بالفجور إذا خالط أهل الخٌر دس نفسه فٌهم، والله تعالى أعلم. 1/52) ________________________________________ الباب التاسع: فى طهارة القلب من أدرانه ونجاساته ... لباب التاسع: فى طهارة القلب من أدرانه ونجاساته هذا الباب وإن كان داخلب فٌما قبله، كما بٌنا أن الزكاة لا تحصل إلا بالطهارة، ولكنا أفردناه بالذكر لبٌان معنى طهارته، وشدة الحاجة إلٌها، ودلالة القرآن والسنة علٌها. قال الله تعالى: {ٌَا أٌَ هَا الْمُد ثِّرُ قُمْ فَؤَنْذِرْ وَرَبّكَ فَكَبِّرْ وَثٌِاَبَكَ فَطَهِّرْ [ }المدثر: 6- 4 ]وقال تعالى{ :أُولبِكَ الّذٌِنَ لَمْ ٌُرِدِ اللهُ أَنْ ٌُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فى الد نٌَْا خِزْى وَلَهُمْ فى الآخِرَةِ عَذَاب عَظٌِم [ }المابدة: 46] . وجمهور المفسرٌن من السلؾ ومن بعدهم على أن المراد بالثٌاب هاهنا القلب، والمراد بالطهارة إصلبح الأعمال والأخلبق. 1/52) ________________________________________ قال الواحدى: اختلؾ المفسرون فى معناه، فروى عطاء عن ابن عباس رضى الله عنهما قال "ٌعنى من الإثم، ومما كانت الجاهلٌة تجٌزه" وهذا قول قتادة ومجاهد، قالا: "نفسك فطهرها من الذنب" ونحوه قول الشعبى وإبراهٌم والضحاك والزهرى. وعلى هذا القول: "الثٌاب" عبارة عن النفس، والعرب تكنى بالثٌاب عن النفس ومنه قول الشماخ: رَمَوْهَا بِؤَثْوَاب خِفَاؾ ، فَلب تَرَى ... لَها شَبهًا إلا الن عَامَ المُنَفرَا رموها ٌعنى الركاب بؤبدانهم. وقال عنترة: فَشَكَكْتُ بِالر مْحِ الأَصَمِّثٌِاَبَهُ ... لٌَْسَ الْكَرٌِمُ عَلَى الْقَنَى بِمُحَر مِ ٌعنى نفسه. وقال فى رواٌة الكلبى: ٌعنى لا تؽدر، فتكون ؼادرا دنس الثٌاب. وقال سعٌد بن جبٌر: "كان الرجل إذا كان ؼادرا قٌل: دنس الثٌاب، وخبٌث الثٌاب" وقال عكرمة: "لا تلبس ثوبك على معصٌة، ولا على فُجْرة " وروى ذلك عن ابن عباس، واحتج بقول الشاعر: وَإنِّى بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ ؼَادِر ... لَبِسْتُ، وَلا مِنْ خِزٌَْة أَتَقَن عُ وهذا المعنى أراد من قال فى هذه الآٌة "وعملك فؤصلح" وهو قول أبى رزٌن ورواٌة منصور عن مجاهد وأبى رَوْق، وقال الس دى: ٌقال للرجل إذا كان صالحا: إنه لطاهر الثٌاب، وإذا كان فاجراً : إنه لخبٌث الثٌاب. قال الشاعر: لا هُم إن عَامِرَ بْنَ جَهْمِ ... أوْ ذَمَ حَجا فى ثٌِاب دُسْمِ ٌعنى أنه متدنس بالخطاٌا، وكما وصفوا الؽادر الفاجر بدنس الثوب وصفوا الصالح بطهارة الثوب، قال امرإ القٌس: ثٌِابُ بِنى عَوْؾ طَهَارَى نَقٌِ ة ٌرٌد أنهم لا ٌؽدرون، بل ٌفون، وقال الحسن: "خُلقُ ك فحسنه"، وهذا قول القرطبى، وعلى هذا: الثٌاب عبارة عن الخلق؛ لأن خلق الإنسان ٌشتمل على أحواله اشتمال ثٌابه على نفسه. 1/53) ________________________________________ ..
عدد الصفحات ٣١