13 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي {وَكَذلِكَ أَوْحٌَْنَا إِلٌَْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِى مَا الْكِتَابُ وَلا الإٌمَانُ وَلكِنْ جَعَلْ نَاهُ نُورًا نَهْدِى به مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنّكَ لَتَهْدِى إلَى صِرَاط مُسْتَقٌم [ }الشورى: 51] . فجمع بٌن الروح الذى ٌحصل به الحٌاة، والنور الذى ٌحصل به الإضاءة والإشراق، وأخبر أن كتابه الذى أنزله على رسوله صلى الله علٌه وآله وسلم متضمن للؤمرٌن، فهو روح تحٌا به القلوب، ونور تستضىء وتشرق به، كما قال تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مٌْتًا فَؤَحٌٌَْْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا ٌَمْشِى بِهِ فى الن اسِ كَمَنْ مَثَلهُ فِى الظ لمَاتِ لٌَْسَ بِخَارِج مِنْهَا[ }الأنعام: 611] . أى أو من كان كافرا مٌت القلب، مؽموراً فى ظلمة الجهل: فهدٌناه لرشده، ووفقناه للئٌمان، وجعلنا قلبه حٌا بعد موته، مشرقا مستنٌراً بعد ظلمته؟ فجعل الكافر لانصرافه عن طاعته، وجهله بمعرفته، وتوحٌده وشرابع دٌنه، وترك الأخذ بنصٌبه من رضاه، والعمل بما ٌإدٌه إلى نجاته وسعادته: بمنزلة المٌت الذى لا ٌنفع نفسه بنافعة، ولا ٌدفع عنها من مكروه، فهدٌناه للئسلبم وأنعشناه به، فصار ٌعرؾ مضار نفسه ومنافعها، وٌعمل فى خلبصها من سخط الله تعالى وعقابه، فؤبصر الحق بعد عماه عنه، وعرفه بعد جهله به، واتبعه بعد إعراضه عنه، وحصل له نور وضٌاء ٌستضىء به، فٌمشى بنوره بٌن الناس، وهم فى سدؾ الظلبم، كما قٌل: لٌَْلى بِوَجْهِكَ مُشْرِق ... وَظَلبمُهُ فى الن اسِ سَارِى الن اسُ فى سُدُؾِ الظّلب ... م وَنَحْنُ فِى ضَوْءِ النّهَارِ ولهذا ٌضرب الله سبحانه وتعالى المثلٌن المابى والنارى لوحٌه ولعباده. أما الأول فكما قال فى سورة الرعد {أَنزَلَ مِنَ الس مَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدٌَِة بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ الس ٌْلُ زَبَدًا رَابٌِاً وَمِم ا ٌُوقِدُونَ عَلٌَْهِ فِى النّارِ ابْتِؽَاءَ حِلٌْة أَوْ مَتَاع زَبَد مِثُلهُ كَذلِكَ ٌَضرِبُ اللهُ الحق وَالْبَاطِلَ فَؤَم ا الزّبَدُ فٌذْهَبُ جُفَاءً وَأَم ا مَا ٌَنْفَعُ الن اسَ فٌََمْكُثُ فِى الأَرْضِ كَذلِكَ ٌَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ [ }الرعد: 67] . (1/21) ________________________________________ فضرب لوحٌه المثل بالماء، لما ٌحصل به من الحٌاة، وبالنار لما ٌحصل بها من الإضاءة والإشراق، وأخبر سبحانه أن الأودٌة تسٌل بقدرها، فواد كبٌر ٌسع ماء كثٌراً، وواد صؽٌر ٌسع ماء قلٌلب. كذلك القلوب مشبهة بالأودٌة، فقلب كبٌر ٌسع علما كثٌراً، وقلب صؽٌر إنما ٌسع بقدره. وشبه ما تحمله القلوب من الشبهات والشهوات، بسبب مخالطة الوحى لها، وإمارته لما فٌها من ذلك، بما ٌحتمله السٌل من الزبد. وشبه بطلبن تلك الشبهات باستقرار العلم النافع فٌها، بذهاب ذلك الزبد، وإلقاء الوادى له، وإنما ٌستقر فٌه الماء الذى به النفع. وكذلك فى المثل الذى بعده: ٌذهب الخبث الذى فى ذلك الجوهر، وٌستقر صفوه. وأما ضرب هذٌن المثلٌن للعباد، فكما قال فى سورة البقرة: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الّذِى اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَم ا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَات لا ٌُبْصِروُنَ صُم بُكْم عُمْى فَهُمْ لا ٌَرْجِعُونَ [ }البقرة: 67-68. ]فهذا المثل النارى ثم قال {أَوْ كَصٌب مِنَ الس مَاءِ فٌِهِ ظُلُمَات وَرَعْد وَبَرْق ٌَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِى آذَانِهِمْ مِنَ الص وَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ [ }البقرة: 69] . فهذا المثل المابى. وقد ذكرنا الكلبم على أسرار هذٌن المثلٌن وبعض ما تضمناه من الحكم فى كتاب المعالم وؼٌره. والمقصود: أن صلبح القلب وسعادته وفلبحه موقوؾ على هذٌن الأصلٌن. قال تعالى: {إِنْ هُوَ إِلا ذِكْر وَقُر آن مُبٌِن لٌُِنْذِرَ مَنْ كَانَ حٌَا[ }ٌس: 69-71] .
عدد الصفحات ١٣فى كتاب المعالم وؼٌره. والمقصود: أن صلبح القلب وسعادته وفلبحه موقوؾ على هذٌن الأصلٌن. قال تعالى: {إِنْ هُوَ إِلا ذِكْر وَقُر آن مُبٌِن لٌُِنْذِرَ مَنْ كَانَ حٌَا[ }ٌس: 69-71] . فؤخبر أن الانتفاع بالقرآن والإنذار به إنما ٌحصل لمن هو حى القلب، كما قال فى موضع آخر: {إِنّ فِ ى ذلِكَ لَذِكرَى لمنْ كَانَ لَهُ قَلْب [ }ق: 57] . وقال تعالى {ٌَا أٌَ هَا ال ذٌنَ آمَنُوا اسْتَجٌبوا للهِ وَلِلر سُولِ إذَا دَعَاكُمْ لما ٌُحٌٌِكُمْ [ }الأنفال: 14] . فؤخبر سبحانه وتعالى أن حٌاتنا إنما هى بما ٌدعونا إلٌه الله والرسول من العلم والإٌمان. فعلم أن موت القلب وهلبكه بفقد ذلك.
عدد الصفحات ١٣14 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وشبه سبحانه من لا ٌستجٌب لرسوله بؤصحاب القبور. وهذا من أحسن التشبٌه، فإن أبدانهم قبور لقلوبهم. فقد ماتت قلوبهم وقبرت فى أبدانهم. فقال الله تعالى: {إن اللهَ ٌُسْمِعُ مَنْ ٌَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِع مَنْ فِى الْقُبُورِ [ }فاطر: 11] . ولقد أحسن القابل: 1/22) ________________________________________ وَفِى الجهلِ قَبْلَ الموْتِ مَوْت لأَهْلِه ... وَأَجْسَامُهُمٍْْ، قَبْلَ القُبُورِ، قُبُورُ وَأَرْوَاحُهُمْ فى وَحْشَة مِنْ جُسُومِهم ... وَلٌَْسَ لَهُمْ حَت ى الن شُورِ نُشُورُ ولهذا جعل سبحانه وحٌه الذى ٌلقٌه إلى الأنبٌاء روحا، كما قال تعالى: {ٌُلْقِى الر وحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ ٌَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ [ }ؼافر: 65 . ]فى موضعٌن من كتابه، وقال {وَكَذلِكَ أَوْحٌَْنَا إلٌَْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا [ }الشورى: 51 ]؛ لأن حٌاة الأرواح والقلوب به، وهذه الحٌاة الطٌبة هى التى خص بها سبحانه من قَبِلَ وحٌه، وعمل به فقال: {مَنْ عَمِلَ صَالحاً مِنْ ذَكَر أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُإْمِن فَلَنُحٌٌَِْن هُ حٌََاةً طٌَِّبَةً وَلَنَجْزٌَِن هُمْ أَجْرَهُمْ بِؤَحسَنِ مَا كَانُوا ٌَعْمَلُونَ } [النحل: 97] . فخصهم سبحانه وتعالى بالحٌاة الطٌبة فى الدارٌن، ومثله قوله تعالى: {وَأَنِ اسْتَؽْفِروُا رَب كُمْ ثُم تُوبوا إِلٌَْهِ ٌُمَتعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إلَى أَجَل مُسَمى وٌَُإْتِ كُل ذِى فَضل فَضْلَهُ [ }هود: 5 . ]ومثله قوله تعالى {لِلّذٌِنَ أَحْسَنُوا فى هذِهِ الد نٌَْا حسَنَة وَلَدَارُ الآخِرَةِ خٌَْر وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتّقٌِنَ [ }النحل:51 ]ومثله قوله تعالى {لِل ذٌِنَ أَحْسَنُوا فِى هذِهِ الد نٌَْا حَسَنَة وَأَرْضُ اللهِ وَاسِعَة [ }الزمر: 61] . فبٌن سبحانه أنه ٌسعد المحسن بإحسانه فى الدنٌا وفى الآخرة، كما أخبر أنه ٌشقى المسىء بإساءته فى الدنٌا والآخرة. قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِى فَإن لَهُ مَعٌِشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ ٌَومَ الْقٌَامَة أَعْمَى[ }طه: 614] . وقال تعالى، وقد جمع بٌن النوعٌن: {فَمَنْ ٌُرِدِ الله أَنْ ٌَهْ دٌَِهُ ٌَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلئِسْلبمِ وَمَنْ ٌُرِدْ أَنْ ٌُضِل هُ ٌَجْعَلْ صَدْرَهُ ضٌَقاً حَرَجاً كَؤَنمَا ٌَص ع د فى الس مَاءِ كَذلِكَ ٌَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الّذٌِنَ لا ٌُإْمِنُونَ [ }الأنعام: 615] . فؤهل الهدى والإٌمان لهم شرح الصدر واتساعه وانفساحه، وأهل الضلبل لهم ضٌق الصدر والحرج. وقال تعالى: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلئِسْلبمِ فَهُوَ عَلَى نُور مِنْ رَبِّهِ [ }الزمر: 11] . فؤهل الإٌمان فى النور وانشراح الصدور، وأهل الضلبل فى الظلمة وضٌق الصدور. وسٌؤتى فى باب طهارة القلب مزٌد تقرٌر لهذا إن شاء الله تعالى. والمقصود: أن حٌاة القلب وإضاءته مادة كل خٌر فٌه، وموته وظلمته مادة كل شر فٌه. 1/23) ________________________________________ الباب الخامس: فى أن حٌاة القلب وصحته لا تحصل إلا بؤن ٌكون مدركا للحق مرٌدا له، مإثرا له على ؼٌره. لما كان فى القلب قوتان: قوة العلم والتمٌٌز، وقوة الإرادة والحب. كان كماله وصلبحه باستعمال هاتٌن القوتٌن فٌما ٌنفعه، وٌعود علٌه بصلبحه وسعادته. فكماله باستعمال قوة العلم فى إدراك الحق، ومعرفته، والتمٌٌز بٌنه وبٌن الباطل، وباستعمال قوة الإرادة والمحبة فى طلب الحق ومحبته وإٌثاره على الباطل. فمن لم ٌعرؾ الحق فهو ضال، ومن عرفه وآثر ؼٌره علٌه فهو مؽضوب علٌه. ومن عرفه واتبعه فهو مُنْعَم علٌه.
عدد الصفحات ١٤15 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى أن نسؤله فى صلبتنا أن ٌهدٌنا صراط الذٌن أنعم الله علٌهم ؼٌر المؽضوب علٌهم ولا الضالٌن، ولهذا كان النصارى أخص بالضلبل؛ لأنهم أمة جهل. والٌهود أخص بالؽضب؛ لأنهم أمة عناد. وهذه الأمة هم المنعم علٌهم. ولهذا قال سفٌان بن عٌٌنة: من فسد من عبادنا ففٌه شبه من النصارى، ومن فسد من علمابنا ففٌه شبه من الٌهود؛ لأن النصارى عبدوا بؽٌر علم، والٌهود عرفوا الحق وعدلوا عنه. وفى المسند والترمذى من حدٌث عدى بن حاتم عن النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم قال: "الٌَْهُودُ مَؽْضُوب عَلٌَْهِمْ وَالن صَارَى ضَال ونَ ." وقد جمع الله سبحانه بٌن هذٌن الأصلٌن فى ؼٌر موضع من كتابه، فمنها قوله تعالى: {وَإِذا سَؤَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَ إِنِّى قَرٌِب أُجٌِبُ دَعْوَةَ الد اعِ إِذَا دَعَانِ فَلٌَْسْتَجٌِبُوا لِى وَلٌُْإْمِنُوا بِى لَعَلّهُمْ ٌَرْشُدُونَ [ }البقرة: 686] . فجمع سبحانه بٌن الاستجابة له والإٌمان به. ومنها قوله عن رسوله صلى الله علٌه وآله وسلم: {فَال ذٌِنَ آمَنُوا به وَعَز رُ وهُ وَنَصَرُوهُ وَات بَعُوا الن ورَ الّذِى أُنْزِلَ مَعَهُ أُولبِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ [ }الأعراؾ: 657 ]وقال تعالى {آلم ذلِكَ الْكِتَابُ لا رٌَْبَ فٌِهِ هُدًى لِلْم ت قٌنَ الذٌنَ ٌُإمِنُونَ بِالْؽٌَْبِ وٌَُقٌمُونَ الص لبةَ وَمِم ا رَزَقْنَاهُمْ ٌُنْفِ قُونَ وَالّذٌِنَ ٌُإْمِنُونَ بَما أُنْزلَ إلٌَْكَ وَمَا أُنْزلَ مِنْ قَبْلِكَ وبِالآخِرةِ هُمْ ٌُوقِنُونَ 1/24) ________________________________________ أُولبكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وأولبِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ [ }البقرة:6-5 . ]وقال تعالى فى وسط السورة{ :وَلكن الْبِر مَنْ آمَنَ باللهِ وَالٌَْوْمِ الآخِرِ وَالملببِكَةِ وَالْكِتَابِ والن بٌٌِِّنَ وَآتى المَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِى الْقُرْبَى وَالٌَْتَامَى وَالمَسَاكٌِنَ وَابْنَ الس بٌِلِ وَالس ابِلٌِنَ وَفَىِ الرقَابِ وَأَقَامَ الص لبة وَآتَى الز كَاةَ ... إلى آخر الآٌة[ }البقرة: 677 ]وقال تعالى{ :وَالْعَصْرِ إِن الإنْسَانَ لَفِى خُسْر إِلا ال ذٌِنَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الص الِحَاتِ وَتَواصَوْا بِالحقِّ وَتَوَاصَوْا بِالص بْرِ [ }العصر: 6- 5] . فؤقسم سبحانه وتعالى بالدهر الذى هو زمن الأعمال الرابحة والخاسرة، على أن كل واحد فى خسر، إلا من كمل قوته العلمٌة بالإٌمان بالله، وقوته العملٌة بالعمل بطاعته. فهذا كماله فى نفسه، ثم كمل ؼٌره بوصٌته له بذلك، وأمره إٌاه به، وبملبك ذلك، وهو الصبر. فكمل نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح، وكمل ؼٌره بتعلٌمه إٌاه ذلك، ووصٌته له بالصبر علٌه، ولهذا قال الشافعى رحمه الله: لو فكر الناس فى سورة والعصر، لكفتهم. وهذا المعنى فى القرآن فى مواضع كثٌرة: ٌخبر سبحانه أن أهل السعادة هم الذٌن عرفوا الحق واتبعوه، وأهلَ الشقاوة هم الذٌن جهلوا الحق وضلوا عنه، أو علموه وخالفوه واتبعوا ؼٌره. وٌنبؽى أن ٌعرؾ أن هاتٌن القوتٌن لا تتعطلبن فى القلب، بل إن استعمل قوته العلمٌة فى معرفة الحق وإدراكه، وإلا استعملها فى معرفة ما ٌلٌق به وٌناسبه من الباطل، وإن استعمل قوته الإرادٌة العملٌة فى العمل به، وإلا استعملها فى ضده، فالإنسان حارث هَم ام بالطبع، كما قال النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "أَصْدَقُ الأَسْمَاءِ : حَارِث وَهَم ام ." فالحارث الكاسب العامل، والهمام المرٌد، فإن النفس متحركة بالإرادة. وحركتها الإرادٌة لها من لوازم ذاتها، والإرادة تستلزم مرادا ٌكون متصو را لها، متمٌزا عندها، فإن لم تتصور الحق وتطلبه وترٌده تصورت الباطل وطلبته، وأرادته ولا بد. وهذا ٌتبٌن بالباب الذى بعده. فنقول: 1/25) ________________________________________
عدد الصفحات ١٥و را لها، متمٌزا عندها، فإن لم تتصور الحق وتطلبه وترٌده تصورت الباطل وطلبته، وأرادته ولا بد. وهذا ٌتبٌن بالباب الذى بعده. فنقول: 1/25) ________________________________________ الباب السادس: فى أنه لا سعادة للقلب، ولا لذة، ولا نعٌم، ولا صلبح إلا بؤن ٌكون الله هو إلهه وفاطره وحده، وهو معبوده وؼاٌة مطلوبه، وأحب إلٌه من كل ما سواه. معلوم أن كل حَىّ سوى الله سبحانه: من ملك أو إنس أو جن أو حٌوان، فهو فقٌر إلى جلب ما ٌنفعه ودفع ما ٌضره، ولا ٌتم ذلك له إلا بتصوره للنافع والضار، والمنفعة من جنس النعٌم واللذة، والمضرة من جنس الألم والعذاب.
عدد الصفحات ١٥16 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي فلب بد له من أمرٌن: أحدهما معرفة ما هو المحبوب المطلوب الذى ٌنتفع به وٌلتذ بإدراكه، والثانى: معرفة المعٌن الموصل المحصل لذلك المقصود. وبإزاء ذلك أمران آخران، أحدهما: مكروه بؽٌض ضار، والثانى: معٌن دافع له عنه، فهذه أربعة أشٌاء: أحدها: أمر هو محبوب مطلوب الوجود. الثانى: أمر مكروه مطلوب العدم. الثالث: الوسٌلة إلى حصول المطلوب المحبوب. الرابع: الوسٌلة إلى دفع المكروه. فهذه الأمور الأربعة ضرورٌة للعبد، بل ولكل حٌوان لا ٌقوم وجوده وصلبحه إلا بها. فإذا تقرر ذلك، فالله تعالى هو الذى ٌجب أن ٌكون هو المقصود المدعو المطلوب، الذى ٌراد وجهه، وٌبتؽى قربه، وٌطلب رضاه، وهو المعٌن على حصول ذلك. وعبودٌة ما سواه والالتفات إلٌه، والتعلق به: هو المكروه الضار، والله هو المعٌن على دفعه، فهو سبحانه الجامع لهذه الأمور الأربعة دون ما سواه. فهو المعبود المحبوب المراد. وهو المعٌن لعبده على وصوله إلٌه وعبادته له. والمكروه البؽٌض إنما ٌكون بمشٌبته وقدرته، وهو المعٌن لعبده على دفعه عنه، كما قال أعرؾ الخلق به صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "أَعُوذ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَأَعُوذُ بِمُعَافَاتِكَ مِنْ 1/26) ________________________________________ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ " وقال: "اللهُم إِنِّى أَسْلَمْتُ نَفْسِى إلٌَْكَ، وَوَج هْتُ وَجْهِى إِلٌَْكَ، وَفَو ضْتُ أَمْرِى إلٌَْكَ، وَأَلْجؤْتُ ظَهْرِى إلٌَْكَ، رَؼْبَةً وَرَهْبَةً إلٌَْكَ، لا مَلْجَؤَ وَلا مَنْجَى مِنْكَ إلا إلٌَْكَ ." فمنه المنجى، وإلٌه الملجؤ، وبه الاستعاذة من شر ما هو كابن بمشٌبته وقدرته، فالإعاذة فعله، والمستعاذ منه فعله، أو مفعوله الذى خلقه بمشٌبته. فالأمر كله له، والحمد كله له، والملك كله له، والخٌر كله فى ٌدٌه، لا ٌحصى أحد من خلقه ثناء علٌه، بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما ٌثنى علٌه كل أحد من خلقه. ولهذا كان صلبح العبد وسعادته فى تحقٌق معنى قوله: {إٌِ اكَ نَعْبُدُ وَإٌِّاكَ نَسْتَعٌِنُ [ }الفاتحة: 5] . فإن العبودٌة تتضمن المقصود المطلوب، لكن على أكمل الوجوه، والمستعان هو الذى ٌستعان به على المطلوب. فالأول: من معنى ألوهٌته، والثانى: من معنى ربوبٌته، فإن الإله هو الذى تؤلهه القلوب: محبة، وإنابة، وإجلبلا، وإكراما، وتعظٌما، وذلا، وخضوعا، وخوفا ورجاء، وتوكلب. والرب تعالى هو الذى ٌربى عبده، فٌعطٌه خلقه، ثم ٌهدٌه إلى مصالحه فلب إله إلا هو ولا رب إلا هو، فكما أن ربوبٌة ما سواه أبطل الباطل، فكذلك إلهٌة ما سواه. وقد جمع الله سبحانه بٌن هذٌن الأصلٌن فى مواضع من كتابه كقوله: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكّلْ عَلٌَْهِ [ }هود: 615 ]وقوله عن نبٌه شعٌب {وَمَا تَوْفٌِقِى إلا بِاللهِ عَلٌَْهِ تَوَكّلْتُ وَإِلٌَْهِ أُنٌِبُ [ }هود: 88 ] وقوله {وَتَوَ كّلْ عَلَى الْحَىِّ ال ذِى لا ٌَمُوتُ وَسَبِّحٍِْ بحمدِهِ [ }الفرقان: 58 ]وقوله{ :وَتَبَتّلْ إِلٌَْهِ تَبْتٌلبً رَب المشْرِقِ والمؽْرِبِ لا إِلهَ إِلا هُوَ فَات خِذْهُ وَكٌِلبً [ }المزمل: 8-9 ]وقوله {قُلْ هُوَ رَبّى لاَ إِلهَ إِلا هُوَ عَلٌَْهِ تَوَك لْتُ وَإِلٌَْهِ مَتَابِ } [الرعد: 51 ]وقوله عن الحنفاءِ أتباع إبراهٌم علٌه لسلبم {رَب نا عَلٌَْكَ تَوَكّلْنَا وَإلٌَْكَ أنَبْنَا وَإِلٌَْكَ المصٌُِر [ }الممتحنة: 4] . (1/27) ________________________________________ فهذه سبعة مواضع تنتظم هذٌن الأصلٌن الجامعٌن لمعنٌى التوحٌد اللذٌن لا سعادة للعبد بدونهما البتة. الوجه الثانى: أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق لعبادته، الجامعة لمعرفته والإنابة إلٌه ومحبته، والإخلبص له، فبذكره
عدد الصفحات ١٦لٌن الجامعٌن لمعنٌى التوحٌد اللذٌن لا سعادة للعبد بدونهما البتة. الوجه الثانى: أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق لعبادته، الجامعة لمعرفته والإنابة إلٌه ومحبته، والإخلبص له، فبذكره تطمبن قلوبهم، وتسكن نفوسهم، وبرإٌته فى الآخرة تقر عٌونهم، وٌتم نعٌمهم، فلب ٌعطٌهم فى الآخرة شٌبا خٌراً لهم ولا أحب إلٌهم، ولا أقر لعٌونهم، ولا أنعم لقلوبهم: من النظر إلٌه، وسماع كلبمه منه بلب واسطة. ولم ٌعطهم فى الدنٌا شٌبا خٌرا لهم ولا أحب إلٌهم، ولا أقر لعٌونهم من الإٌمان به، ومحبته والشوق إلى لقابه، والأنس بقربه، والتنعم بذكره.
عدد الصفحات ١٦17 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وقد جمع النبى صلى الله تعالى علٌه وسلم بٌن هذٌن الأمرٌن فى الدعاء الذى رواه النسابى والإمام أحمد، وابن حبان فى صحٌحه وؼٌرهم، من حدٌث عمار ابن ٌاسر: أن رسول الله صلى الله تعالى علٌه وسلم كان ٌدعو به "اللهم بعلمك الؽٌب، وقدرتك على الخلق، أحٌنى ما علمت الحٌاة خٌرا لى، وتوفنى إذا كانت الوفاة خٌرا لى، وأسؤلك خشٌتك فى الؽٌب والشهادة، وأسؤلك كلمة الحق فى الرضى والؽضب، وأسؤلك القصد فى الفقر والؽنى، وأسؤلك نعٌما لا ٌنفد، وأسؤلك قرة عٌن لا تنقطع، وأسؤلك الرضى بعد القضاء، وأسؤلك برد العٌش بعد الموت، وأسؤلك لذة النظر إلى وجهك، وأسؤلك الشوق إلى لقابك فى ؼٌر ضراء مُضِر ة، ولا فتنة مضلة. اللهم زٌنا بزٌنة الإٌمان، واجعلنا هداة مهتدٌن." فجمع فى هذا الدعاء العظٌم القدر بٌن أطٌب شىء فى الدنٌا، وهو الشوق إلى لقابه سبحانه، وأطٌب شىء فى الآخرة، وهو النظر إلى وجهه سبحانه. ولما كان كمال ذلك وتمامه موقوفا على عدم ما ٌضر فى الدنٌا. وٌفتن فى الدٌن قال: "فى ؼٌر ضرّاء مضرة ولا فتنة مضلة." ولما كان كمال العبد فى أن ٌكون عالما بالحق متبعا له معلماً لؽٌره، مرشدا له قال: "وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مهتدٌنَ ." ولما كان الرضى النافع المحصل للمقصود هو الرضى بعد وقوع القضاء لا قبله، فإن ذلك عزم على الرضى، فإذا وقع القضاء انفسخ ذلك العزم، سؤل الرضى بعده، فإن المقدور ٌكتنفه أمران: الاستخارة قبل وقوعه والرضى بعد وقوعه. فمن سعادة العبد أن ٌجمع بٌنهما، كما فى المسند وؼٌره عنه صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم "إن من سعادة ابن آدم استخارة الله ورضاه 1/28) ________________________________________ بما قضى الله، وإن من شقاوة ابن آدم ترك استخارة الله، وسخطه بما قضى الله تعالى." ولما كانت خشٌة الله عز وجل رأس كل خٌر فى المشهد والمؽٌب، سؤله خشٌته فى الؽٌب والشهادة. ولما كان أكثر الناس إنما ٌتكلم بالحق فى رضاه، فإذا ؼضب أخرجه ؼضبه إلى الباطل، وقد ٌدخله أٌضاً رضاه فى الباطل، سؤل الله عز وجل من توفٌقه لكلمة الحق فى الؽضب والرضى. ولهذا قال بعض السلؾ: لا تكن ممن إذا رضى أدخله رضاه فى الباطل، وإذا ؼضب أخرجه ؼضبه من الحق. ولما كان الفقر والؽنى محنتٌن وبلٌتٌن، ٌبتلى الله بهما عبده. ففى الؽنى ٌبسط ٌده، وفى الفقر ٌقبضها، سؤل الله عز وجل القصد فى الحالٌن، وهو التوسط الذى لٌس معه إسراؾ ولا تقتٌر. ولما كان النعٌم نوعٌن: نوعا للبدن، ونوعا للقلب، وهو قرة العٌن، وكماله بدوامه واستمراره، جمع بٌنهما فى قوله "أسؤلك نعٌما لا ٌنفد، وقرة عٌن لا تنقطع." ولما كانت الزٌنة زٌنتٌن: زٌنة البدن، وزٌنة القلب، وكانت زٌنة القلب أعظمهما قدرا وأجلهما خطرا، وإذا حصلت زٌنة البدن على أكمل الوجوه فى العقبى، سؤل ربه الزٌنة الباطنة فقال: "زٌِّنا بِزٌِنَةِ الإٌمَانِ ." ولما كان العٌش فى هذه الدار لا ٌبرد لأحد كابنا من كان، بل هو محشو بالؽصص والنكد، ومحفوؾ بالآلام الباطنة والظاهرة، سؤل برد العٌش بعد الموت. والمقصود: أنه جمع فى هذا الدعاء بٌن أطٌب ما فى الدنٌا، وأطٌب ما فى الآخرة. فإن حاجة العباد إلى ربهم فى عبادتهم إٌاه وتؤلههم له، كحاجتهم إلٌه فى خلقه لهم، ورزقه إٌاهم، 1/29) ________________________________________ ومعافاة أبدانهم، وستر عوراتهم، وتؤمٌن روعاتهم، بل حاجتهم إلى تؤلهه ومحبته وعبودٌته أعظم، فإن ذلك هو الؽاٌة المقصودة لهم. ولا صلبح لهم ولا نعٌم ولا فلبح ولا لذة ولا سعادة بدون ذلك بحال
عدد الصفحات ١٧18 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي ولهذا كانت "لا إله إلا الله" أحسن الحسنات، وكان توحٌد الإلهٌة رأس الأمر، وأما توحٌد الربوبٌة الذى أقر به المسلم والكافر، وقرره أهل الكلبم فى كتبهم، فلب ٌكفى وحده، بل هو الحجة علٌهم، كما بٌن ذلك سبحانه فى كتابه الكرٌم فى عدة مواضع، ولهذا كان حق الله على عباده أن ٌعبدوه ولا ٌشركوا به شٌبا، كما فى الحدٌث الصحٌح الذى رواه معاذ بن جبل رضى الله عنه عن النبى صلى الله تعالى علٌه وسلم قال: "أتدرى ما حق الله على عباده؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حقه على عباده أن ٌعبدوه ولا ٌشركوا به شٌبا. أتدرى ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حقهم علٌه أن لا ٌعذبهم بالنار"، ولذلك ٌحب سبحانه عباده المإمنٌن الموحدٌن وٌفرح بتوبتهم، كما أن فى ذلك أعظم لذة العبد وسعادته ونعٌمه، فلٌس فى الكابنات شىء ؼٌر الله سبحانه ٌسكن القلب إلٌه، وٌطمبن به وٌؤنس به، وٌتنعم بالتوجه إلٌه، ومن عبد ؼٌره سبحانه وحصل له به نوع منفعة ولذة، فمضرته بذلك أضعاؾ أضعاؾ منفعته، وهو بمنزلة أكل الطعام المسموم اللذٌذ، وكما أن السماوات والأرض لو كان فٌهما آلهة ؼٌره سبحانه لفسدتا، كما قال تعالى: {لَوْ كانَ فٌِهِمَا آلِهَة إلا الله لَفَسَدَتَا[ }الأنبٌاء: 11] . فكذلك القلب إذا كان فٌه معبود ؼٌر الله تعالى فسد فسادا لا ٌرجى صلبحه إلا بؤن ٌخرج ذلك المعبود من قلبه، وٌكون الله تعالى وحده إلهه ومعبوده الذى ٌحبه وٌرجوه، وٌخافه وٌتوكل علٌه وٌنٌب إلٌه. الوجه الثالث: أن فقر العبد إلى أن ٌعبد الله سبحانه وحده لا ٌشرك به شٌبا لٌس له نظٌر فٌقاس به، ولكن ٌشبه من بعض الوجوه حاجة الجسد إلى الؽذاء والشراب والنفس، فٌقاس بها، ولكن بٌنهما فروق كثٌرة، فإن حقٌقة العبد قلبه وروحه، ولا صلبح له إلا بإلهه الحق الذى لا إله إلا هو، فلب ٌطمبن إلا بذكره، ولا ٌسكن إلا بمعرفته وحبه، وهو كادح إلٌه كدحا فملبقٌه، ولا بد له من لقابه، ولا صلبح له إلا بتوحٌد محبته وعبادته وخوفه ورجابه، ولو حصل له من اللذات والسرور بؽٌره ما حصل فلب ٌدوم له ذلك، بل ٌنتقل من نوع إلى نوع، ومن شخص إلى شخص وٌتنعم بهذا فى حال، وبهذا فى حال، وكثٌرا ما ٌكون ذلك الذى 1/30) ________________________________________ ٌتنعم به هو أعظم أسباب ألمه ومضرته. وأما إلهه الحق فلب بد له منه فى كل وقت وفى كل حال، وأٌنما كان فنفس الإٌمان به ومحبته وعبادته وإجلبله وذكره هو ؼذاء الإنسان وقوته، وصلبحه وقوامه، كما علٌه أهل الإٌمان، ودلت علٌه السنة والقرآن، وشهدت به الفطرة والجنان، لا كما ٌقوله من قل نصٌبه من التحقٌق والعرفان، وبُخِس حظه من الإحسان: إن عبادته وذكره وشكره تكلٌؾ ومشقة، لمجرد الابتلبء والامتحان، أو لأجل مجرد التعوٌض بالثواب المنفصل كالمعاوضة بالأثمان، أو لمجرد رٌاضة النفس وتهذٌبها لٌرتفع عن درجة البهٌم من الحٌوان، كما فى مقالات من بُخِسَ حظه من معرفة الرحمن، وقل نصٌبه من ذوق حقابق الإٌمان، وفرح بما عنده من زبَدَ الأفكار وزُبالة الأذهان، بل عبادته ومعرفته وتوحٌده وشكره قرة عٌن الإنسان، وأفضل لذة للروح والقلب والجنان، وأطٌب نعٌم ناله من كان أهلب لهذا الشان، والله المستعان، وعلٌه التكلبن. ولٌس المقصود بالعبادات والأوامر المشقة والكلفة بالقصد الأول، وإن وقع ذلك ضمنا وتبعا فى بعضها، لأسباب اقتضته لابد منها، هى من لوازم هذه النشؤة. فؤوامره سبحانه، وحقه الذى أوجبه على عباده، وشرابعه التى شرعها لهم هى قرة العٌون ولذة القلوب، ونعٌم الأرواح وسرورها، وبها شفاإها وسعادتها وفلبحها، وكمالها فى معاشها ومعادها، بل لا سرور لها ولا فرح ولا لذة ولا نعٌم فى الحقٌقة إلا بذلك، كما قال تعالى:
عدد الصفحات ١٨العٌون ولذة القلوب، ونعٌم الأرواح وسرورها، وبها شفاإها وسعادتها وفلبحها، وكمالها فى معاشها ومعادها، بل لا سرور لها ولا فرح ولا لذة ولا نعٌم فى الحقٌقة إلا بذلك، كما قال تعالى: {ٌَا أٌَ هَا الن اسُ قَدْ جَ اءَتْكُمْ مَوْعِظَة مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاء لمِا فِى الص دُورِ وَهُدًى وَرَحمة لِلْمُإْمِنٌِنَ قُلْ بِفضْلِ اللهِ وَبِرحمتِه فَبِذلِكَ فَلٌَْفْرَحُوا هُوَ خٌَ ر مِم ا ٌجمعُونَ [ }ٌونس: 57- 58] . قال أبو سعٌد الخدرى "فضل الله: القرآن، ورحمته: أن جعلكم من أهله" وقال هلبل بن ٌساؾ "بالإسلبم الذى هداكم إلٌه. وبالقرآن الذى علمكم إٌاه، هو خٌر مما تجمعون: من الذهب والفضة" وكذلك قال ابن عباس والحسن وقتادة "فضله: الإسلبم، ورحمته: القرآن" وقالت طابفة من السلؾ "فضله: القرآن، ورحمته: الإسلبم."
عدد الصفحات ١٨19 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي والتحقٌق: أن كلب منهما فٌه الوصفان، الفضل والرحمة، وهما الأمران اللذان امتن الله بهما على رسوله علٌه الصلبة والسلبم فقال: {وَكَذلِكَ أَوْحٌَْنَا إلٌَْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِى مَا الْكِتَابُ وَلا الإٌِمَانُ [ }الشورى: 51] . و سبحانه إنما رفع من رفع بالكتاب والإٌمان. ووضع من وضع بعدمهما. 1/31) ________________________________________ فإن قٌل: فقد وقع تسمٌة ذلك تكلٌفا فى القرآن كقوله: {لا ٌُكَلِّؾُ اللهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا [ }البقرة: 186 ]وقوله{ :لا نُكَلِّؾُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا [ }الأنعام: 651] . قٌل: نعم، إنما جاء ذلك فى جانب النفى، ولم ٌسم سبحانه أوامره ووصاٌاه وشرابعه تكلٌفا قط، بل سماها روحا ونورا، وشفاء وهدى ورحمة، وحٌاة، وعهدا، ووصٌة، ونحو ذلك. الوجه الرابع: أن أفضل نعٌم الآخرة وأجله وأعلبه على الإطلبق هو النظر إلى وجه الرب جل جلبله، وسماع خطابه، كما فى صحٌح مسلم عن صهٌب رضى الله عنه عن النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد: ٌا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا ٌرٌد أن ٌنجزكموه، فٌقولون: ما هو؟ ألم ٌبٌض وجوهنا، وٌثقل موازٌننا، وٌدخلنا الجنة، وٌُجرنا من النار؟ قال: فٌكشؾ لهم الحجاب، فٌنظرون إلٌه، فما أعطاهم شٌبا أحب إلٌهم من النظر إلٌه" وفى حدٌث آخر: "فلب ٌلتفتون إلى شىء من النعٌم ما داموا ٌنظرون إلٌه" فبٌن النبىّ علٌه الصلبة والسلبم أنهم مع كمال تنعمهم بما أعطاهم ربهم فى الجنة، لم ٌعطهم شٌبا أحب إلٌهم من النظر إلٌه، وإنما كان ذلك أحب إلٌهم لأن ما ٌحصل لهم به من اللذة والنعٌم والفرح والسرور وقرة العٌن، فوق ما ٌحصل لهم من التمتع بالأكل والشرب والحور العٌن، ولا نسبة بٌن اللذتٌن والنعٌمٌن البتة. ولهذا قال سبحانه وتعالى فى حق الكفار: {كَ إِن هُمْ عَنْ رَبِّهِمْ ٌَوْمَ بِذ لمَحْجُوبُونَ ثُم إِن هُمْ لَصالُوا الْجحٌِمِ [ }المطففٌن: 65-66] . فجمع علٌهم نوعى العذاب: عذاب النار، وعذاب الحجاب عنه سبحانه، كما جمع لأولٌابه نوعى النعٌم: نعٌم التمتع بما فى الجنة. ونعٌم التمتع برإٌته، وذكر سبحانه هذه الأنواع الأربعة فى هذه السورة فقال فى حق الأبرار: {إِن الأَبْرَارَ لَفِى نَعٌِم عَلَى الأَرَابِكِ ٌَنْظُرُونَ [ }المطففٌن: 11، 15] . ولقد هضم معنى الآٌة من قال: ٌنظرون إلى أعدابهم ٌعذبون، أو ٌنظرون إلى قصورهم وبساتٌنهم، أو ٌنظر بعضهم إلى بعض، وكل هذا عدول عن المقصود إلى ؼٌره، وإنما المعنى ٌنظرون إلى وجه ربهم، ضد حال الكفار الذٌن هم عن ربهم لمحجوبون. {ثُم إن هُمْ لَصالُوا الجحٌِمِ [ }المطففٌن: 66] . وتؤمل كٌؾ قابل سبحانه ما قاله الكفار فى أعدابهم فى الدنٌا وسخروا به منهم، بضده فى القٌامة، فإن الكفار كانوا إذا مر بهم المإمنون ٌتؽامزون وٌضحكون منهم{ :وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِن هإُلاءِ لَضَال ونَ [ }المطففٌن: 51] (1/32) ________________________________________ فقال تعالى{ :فَالٌَْوْمَ ال ذٌِنَ آمَنُوا مِنَ الْكُف ارِ ٌَضْحَكُونَ [ }المطففٌن: 54 ]مقابلة لتؽامزهم وضحكهم منهم، ثم قال: فؤطلق النظر، ولم ٌقٌده بمنظور دون منظور، وأعلى ما نظروا إلٌه وأجله وأعظمه هو الله سبحانه. والنظر إلٌه أجل أنواع النظر وأفضلها، وهو أعلى مراتب الهداٌة، فقابل بذلك قولهم: {إِن هإُلاءِ لَضال ونَ [ }المطففٌن: 51] . فالنظر إلى الرب سبحانه مراد من هذٌن الموضعٌن ولا بد، إما بخصوصه، وإما بالعموم والإطلبق، ومن تؤمل السٌاق لم ٌجد الآٌتٌن تحتملبن ؼٌر إرادة ذلك، خصوصا أو عموما. فصل: [فى أن لذة النظر إلى وجه الله ٌوم القٌامة تابعة للتلذذ بمعرفته ومحبته فى الدنٌا]
عدد الصفحات ١٩20 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وكما أنه لا نسبة لنعٌم ما فى الجنة إلى نعٌم النظر إلى وجه الأعلى سبحانه، فلب نسبة لنعٌم الدنٌا إلى نعٌم محبته ومعرفته والشوق إلٌه والأنس به، بل لذة النظر إلٌه سبحانه تابعة لمعرفتهم به ومحبتهم له، فإن اللذة تتبع الشعور والمحبة. فكلما كان المحب أعرؾ بالمحبوب، وأشد محبة له كان التذاذه بقربه ورإٌته ووصوله إلٌه أعظم. الوجه الخامس: أن المخلوق لٌس عنده للعبد نفع ولا ضر، ولا عطاء ولا منع، ولا هدى ولا ضلبل، ولا نصر ولا خذلان، ولا خفض ولا رفع، ولا عز ولا ذل، بل الله وحده هو الذى ٌملك له ذلك كله، قال الله تعالى: {مَا ٌَفْتَحِ اللهُ لِلن اسِ مِنْ رَحْمَة فَلب مُمْسِكَ لَهَا وَمَا ٌُمْسِكْ فَلب مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزٌِزُ الَحْكٌِمُ [ }فاطر: 1 ]وقال تعالى{ :وَإِنْ ٌَمْسَسْكَ اللهُ بِضُر فَلب كَاشِؾَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ ٌُردْكَ بِخٌَْر فَلب رَاد لِفَضْلِهِ ٌُصٌِبُ بِهِ مَنْ ٌَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْؽَفُورُ الر حٌِمُ [ }ٌونس: 617 ]وقال تعالى{ :إِنْ ٌَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلب ؼَالبَ لَكُمْ وَإِنْ ٌَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا ال ذِى ٌَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ } [آل عمران:661 . ]وقال تعالى عن صاحب ٌس{ :أَأَت خِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ ٌُرِدْنِ الر حْمنُ بِضُر لا تُؽْنٍِِّ عَنى شَفَاعَتُهُمْ شٌَْباً وَلا ٌُنْقِذُونِ [ }ٌس: 15 ]وقال تعالى{ :ٌَا أٌهَا الن اسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلٌَْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِق ؼٌَْرُ اللهِ ٌَرْزُقُكُمْ مِنَ الس مَاءِ وَالأرْضِ لا إِلَهَ إلا هُوَ فَؤَن ى تُإْفَكُ ونَ [ }فاطر: 5 ]وقال تعالى{ :أَم نْ هذَا الّذِى هُوَ جُنْد لَكُمْ ٌَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الر حْمنِ إنِ الْكَافِرُونَ إِلا 1/33) ________________________________________ فى ؼُرُور أَم نْ هذَا الّذِى ٌَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَج وا فِ ى عُتُو وَنُفُور [ }الملك: 11- 16] . فجمع سبحانه بٌن النصر والرزق، فإن العبد مضطر إلى من ٌدفع عنه عدوه بنصره، وٌجلب له منافعه برزقه، فلب بد له من ناصر ورازق. والله وحده هو الذى ٌنصر وٌرزق، فهو الرزاق ذو القوة المتٌن. ومن كمال فطنة العبد ومعرفته: أن ٌعلم أنه إذا مسه الله بسوء لم ٌرفعه عنه ؼٌره وإذا ناله بنعمة لم ٌرزقه إٌاها سواه. وٌذكر أن الله تعالى أوحى إلى بعض أنبٌابه: "أدْرِكْ لِى لَطٌِؾَ الْفِطْنَةِ، وَخَفِى الل طْؾِ، فَإنِّى أُحِب ذلِكَ . قَالَ : ٌَا رب وَمَا لَطٌِؾُ الْفِطْنَةِ؟ قَالَ : إنْ وَقَعَتْ عَلٌَْكَ ذُبَابَة فَاعْلَمْ أَنِّى أَنَا أَوْقَعْتُهَا فَاسْؤَلْنِى أَرْفَعْهَا . قَالَ : وَمَا خَفِى الل طْؾِ؟ قَالَ : إذَا أَتَتْكَ حَب ة فَاعْلَمْ أَنِّى أَنَا ذَكَرْتُكَ بِهَا" وقد قال تعالى عن السحرة{ :وَمَا هُمْ بِضَارٌِّنَ بِهِ مِنْ أحَد إلا بإِ ذْنِ اللهِ [ }البقرة: 611] . فهو سبحانه وحده الذى ٌكفى عبده وٌنصره وٌرزقه وٌكلإه. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر قال: سمعت وهبا ٌقول: قال الله تعالى فى بعض كتبه: "بِعِز تى، إنّهُ مَنِ اعْتَصَمَ بِى، فَإِنْ كادَتْهُ الس موَاتُ بِمَنْ فٌِهِن ، وَالأرَضُونَ بِمَنْ فٌِهِن ، فَإنِّى أَجْعَلُ لَهُ مِنْ ذلِكَ مَخْرَجاً، وَمَنْ لَمْ ٌَعْتَصِمْ بِى، فَإِنِّى أَقْطَعُ ٌَدٌَْهِ مِنْ أَسْبَابِ الس مَاءِ وَأَخْسِؾُ بِهِ مِنْ تَحْتِ قَدَمٌَْهِ الأرْضَ، فَؤَجْعَلُهُ فى الْهَوَاءِ، ثُم أكِلُهُ إلَى نَ فْسِهِ، كَفِّى لِعَبْدِى مَلؤى، إذَا كانَ عَبْدِى فى طَاعَتِى أعْطٌِِه قَبْلَ أَنْ ٌَسْؤَلَنى، وَأَسْتَجٌِبُ لَهُ قَبْلَ أنْ ٌَدْعُوَنِى، فإنِّى أَعْلَمُ بِحَاجَتِهِ ال تى تَرْفُقُ بِهِ مِنْهُ ."
عدد الصفحات ٢٠َبْدِى مَلؤى، إذَا كانَ عَبْدِى فى طَاعَتِى أعْطٌِِه قَبْلَ أَنْ ٌَسْؤَلَنى، وَأَسْتَجٌِبُ لَهُ قَبْلَ أنْ ٌَدْعُوَنِى، فإنِّى أَعْلَمُ بِحَاجَتِهِ ال تى تَرْفُقُ بِهِ مِنْهُ ." قال أحمد: وحدثنا هاشم بن القاسم حدثنا أبو سعٌد المإدب، حدثنا من سمع عطاء الخراسانى قال: لقٌت وهب بن منبه، وهو ٌطوؾ بالبٌت، فقلت له: حدثنى حدٌثا أحفظه عنك فى مقامى هذا وأوجز، قال نعم: "أَوْحَى اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلى دَاوُدَ : ٌَا دَاوُدُ، أَمَا وَعِز تِى وَعَظَمَتِى لا ٌَعْتَصِمُ بِى عَبْد مِنْ عَبٌِدِى دُ ونَ خَلْقِى - أَعْرِؾُ ذلِكَ مِنْ نٌِتهِ - فَتَكٌِدُهُ الس مواتُ الس بْعُ وَمَنْ فٌِهِن ، وَالأرَضُونَ الس بْعُ وَمَنْ فٌِهِن إِلا جَعَلْتُ لَهُ مِنْ بٌَْنِهن مَخْرَجا؛ أَمَا وَعِز تِى وَعَظَمَتِى لا ٌَعْتَصِمُ عَبْد مِنْ عِبَادِى بِمَخْلُوق دُونى - أَعْرِؾُ ذلِكَ مِن نٌِ تِهَ - إِلا قَطَعْتُ أسبابَ الس ماءِ مِنْ ٌدِه، وَأَسَخْتُ الأرْضَ مِنْ تَحْتِ قَدَمٌَْهِ، ثُم لا أُبَالِى بِؤَىِّ وَاد هَلَكَ ." وهذا الوجه أظهر للعامة من الذى قبله. ولهذا خوطبوا به فى القرآن أكثر من الأول ومنه دعت الرسل إلى الوجه الأول. وإذا تدبر اللبٌب القرآن وجد الله سبحانه ٌدعو عباده 1/34) ________________________________________
عدد الصفحات ٢٠21 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي بهذا الوجه إلى الوجه الأول، وهذا الوجه ٌقتضى التوكل على الله تعالى والاستعانة به، ودعاءه ومسؤلته دون ما سواه، وٌقتضى أٌضا: محبته وعبادته، لإحسانه إلى عبده، وإسباغ نعمه علٌه، فإذا أحبوه وعبدوه وتوكلوا علٌه من هذا الوجه دخلوا منه إلى الوجه الأول. ونظٌر ذلك: من ٌنزل به بلبء عظٌم، أو فاقة شدٌدة، أو خوؾ مقلق، فجعل ٌدعو الله سبحانه وٌتضرع إلٌه، حتى فتح له من لذٌذ مناجاته وعظٌم الإٌمان به، والإنابة إلٌه ما هو أحب إلٌه من تلك الحاجة التى قصدها أولا، ولكنه لم ٌكن ٌعرؾ ذلك أولا حتى ٌطلبه، وٌشتاق إلٌه، وفى نحو ذلك قال القابل: جَزَى اللهُ ٌَوْمَ الر وْعِ خٌَْرًا، فَإِن ه ... أَرَانَا عَلَى عِلبتِهِ أم ثَابِتِ أَرَانَا مَصُونَاتِ اْلحِجابِ، وَلَمْ نَكُنْ ... نَرَاهن إِلا عِنْدَ نَعْتِ الن وَاعِتِ الوجه السادس: أن تعلق العبد بما سوى الله تعالى مضرة علٌه، إذا أخذ منه فوق القدر الزابد على حاجته، ؼٌر مستعٌن به على طاعته، فإذا نال من الطعام والشراب والنكاح واللباس فوق حاجته ضره ذلك، ولو أحب سوى الله ما أحب، فلب بد أن ٌسلبه وٌفارقه، فإن أحبه لؽٌر الله فلب بد أن تضره محبته وٌعذب بمحبوبه، إما فى الدنٌا وإما فى الآخرة، والؽالب أنه ٌعذب به فى الدارٌن، قال تعالى: {وَال ذٌِنَ ٌَكْنِزُونَ الذ هَبَ وَالْفِض ةَ وَلا ٌُنْفقُونَهَا فى سَبٌِلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَاب أَلٌِم * ٌَوْمَ ٌُحْمَى عَلٌَْهَا فى نَارِ جَهَن مَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذَا مَا كَنَزْتُمْ لأنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ [ }التوبة: 54- 55] . وقال تعالى{ :فَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُ مْ إن ما ٌُرٌِدُ اللهُ لٌُعَذِّبَهُمْ بِهَا فى الْحٌََاةِ الد نٌَْا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُم كَافِرُونَ } [التوبة: 55] . ولم ٌصب من قال: إن الآٌة على التقدٌم والتؤخٌر، كالجرجانى، حٌث قال: ٌنتظم قوله {فى الْحٌََاةِ الد نٌَْا}بعد فصل آخر لٌس بموضعه، على تؤوٌل {فَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إن ما ٌُرٌِدُ اللهُ لٌُعَذِّبَهُمْ بِهَا فى الْحٌََاةِ الد نٌَْا[ }التوبة: 55 ] وهذا القول ٌروى عن ابن عباس رضى الله عنهما. وهو منقطع، واختاره قتادة وجماعة، وكؤنهم لما أشكل علٌهم وجه تعذٌبهم بالأموال والأولاد فى الدنٌا، وأن سرورهم ولذتهم ونعٌمهم بذلك، فروا إلى التقدٌم والتؤخٌر. وأما الذٌن رأوا أن الآٌة على وجهها ونظمها فاختلفوا فى هذا التعذٌب، فقال الحسن البصرى: ٌعذبهم بؤخذ الزكاة منها والإنفاق فى الجهاد، واختاره ابن جرٌر، وأوضحه. فقال: العذاب بها إلزامهم بما أوجب الله علٌهم فٌها من حقوقه وفرابضه، إذ كان ٌإخذ منه ذلك، 1/35) ________________________________________ وهو ؼٌر طٌب النفس، ولا راج من الله جزاء، ولا من الآخذ منه حمدا ولا شكرا، بل على صؽار منه وكره. وهذا أٌضا عدول عن المراد بتعذٌبهم فى الدنٌا بها، وذهاب عن مقصود الآٌة. وقالت طابفة: تعذٌبهم بها أنهم ٌتعرضون بكفرهم لؽنٌمة أموالهم، وسبى أولادهم فإن هذا حكم الكافر، وهم فى الباطن كذلك. وهذا أٌضا من جنس ما قبله فإن الله سبحانه أقر المنافقٌن، وعصم أموالهم وأولادهم بالإسلبم الظاهر وتولى سرابرهم، فلو كان المراد ما ذكره هإلاء لوقع مراده سبحانه من ؼنٌمة أموالهم وسبى أولادهم، فإن الإرادة هاهنا كونٌة بمعنى المشٌبة، وما شاء الله كان ولا بد، وما لم ٌشؤ لم ٌكن. والصواب، والله أعلم، أن ٌقال: تعذٌبهم بها هو الأمر المشاهد من تعذٌب طلبب الدنٌا ومحبٌها ومإثرٌها على الآخرة: بالحرص على تحصٌلها، والتعب العظٌم فى
عدد الصفحات ٢١كان ولا بد، وما لم ٌشؤ لم ٌكن. والصواب، والله أعلم، أن ٌقال: تعذٌبهم بها هو الأمر المشاهد من تعذٌب طلبب الدنٌا ومحبٌها ومإثرٌها على الآخرة: بالحرص على تحصٌلها، والتعب العظٌم فى جمعها ومقاساة أنواع المشاق فى ذلك، فلب تجد أتعب ممن الدنٌا أكبر همه، وهو حرٌص بجهده على تحصٌلها. والعذاب هنا هو الألم والمشقة والتعب، كقوله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "الس فَرُ قِطْعَة مِنَ الْعَذَابِ " وقوله: "إِن المٌَِّتَ لٌَُعَذ بُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلٌَْهِ ." أى ٌتؤلم وٌتوجع، لا أنه ٌعاقب بؤعمالهم، وهكذا من كانت الدنٌا كل همه أو أكبر همه كما قال صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم فى الحدٌث الذى رواه الترمذى وؼٌره من حدٌث أنس رضى الله عنه: "مَنْ كانَ تِ الآخِرَةُ هَم هُ جَعَلَ اللهُ ؼِنَاهُ فى قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الد نٌَْا وَهِىَ رَاؼِمَة . وَمَنْ كانَتِ الد نٌَْا هَم هُ جَعَلَ اللهُ فَقْرَهُ بٌَْنَ عٌَْنٌَْهِ، وَفَر قَ عَلٌَْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ ٌؤْتِهِ مِنَ الد نٌْا إِلا مَا قُدِّرَ لَهُ ."
عدد الصفحات ٢١22 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي ومن أبلػ العذاب فى الدنٌا: تشتٌت الشمل وتفرق القلوب، وكون الفقر نصب عٌنى العبد لا ٌفارقه، ولولا سكرة عشاق الدنٌا بحبها لاستؽاثوا من هذا العذاب، على أن أكثرهم 1/36) ________________________________________ لا ٌزال ٌشكو أو ٌصرخ منه. وفى الترمذى أٌضاً عن أبى هرٌرة رضى الله عنه عن النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم قال: "ٌَقُولُ اللهُ تَبَاركَ وَتَعَالَى : ابْنَ آدَم، تَفَر غْ لِعبَادَتِى أَمْلؤ صَدْرَكَ ؼِنًى، وَأَسُد فَقْرَكَ، وَإِنْ لا تَفْعَلْ مَلؤتُ ٌَدٌَْكَ شُؽْلب، وَلَمْ أَسُد فَ قْرَكَ ." وهذا أٌضا من أنواع العذاب، وهو اشتؽال القلب والبدن بتحمل أنكاد الدنٌا ومحاربة أهلها إٌاه، ومقاساة معاداتهم، كما قال بعض السلؾ: من أحب الدنٌا فلٌوطن نفسه على تحمل المصابب. ومحب الدنٌا لا ٌنفك من ثلبث: همّ لازم، وتعب دابم، وحسرة لا تنقضى، وذلك أن محبها لا ٌنال منها شٌبا إلا طمحت نفسه إلى ما فوقه، كما فى الحدٌث الصحٌح عن النبى علٌه الصلبة والسلبم: "لَوْ كَانَ لابْنِ آدَمَ وَادٌَِانِ مِنْ مَال لابْتَؽَى لهَما ثَالِثا." وقد مثل عٌسى ابن مرٌم علٌه السلبم محب الدنٌا بشارب الخمر، كلما ازداد شربا ازداد عطشا. وذكر ابن أبى الدنٌا أن الحسن البصرى كتب إلى عمر بن عبد العزٌز "أما بعد: فإن الدنٌا دار ظعن، لٌست بدار إقامة، إنما أنزل إلٌها آدم علٌه السلبم عقوبة، فاحذرها ٌا أمٌر المإمنٌن، فإن الزاد منها تركها، والؽنى فٌها فقرها، لها فى كل حٌن قتٌل، تذل من أعزها، وتفقر من جمعها. هى كالسم ٌؤكله من لا ٌعرفه، وهو حتفه فكن فٌها كالمداوى جراحه، ٌحتمى قلٌلب، مخافة ما ٌكره طوٌلب، وٌصبر على شدة الدواء مخافة طول البلبء، فاحذر هذه الدار الؽرارة، الخداعة الخت الة، التى قد تزٌنت بخدعها، وفتنت بؽرورها، وختلت بآمالها، وتشوفت لخطابها، فؤصبحت كالعروس المجلوة، فالعٌون إلٌها ناظرة، والقلوب علٌها والهة، والنفوس لها عاشقة، وهى لأزواجها كلهم قاتلة، فعاشق لها قد ظفر منها بحاجته فاؼتر وطؽى، ونسى المعاد فشَؽل بها لُب ه، حتى زّلت عنها قدمه، فعظمت علٌه ندامته، وكثرت حسرته، واجتمعت علٌه سكرات الموت وألمه، وحسرات الفوت. وعاشق لم ٌنل منها بؽٌته، فعاش بؽُصته، وذهب بكمده، ولم ٌدرك منها ما طلب، ولم تسترح نفسه من التعب، فخرج بؽٌر 1/37) ________________________________________ زاد، وقدم على ؼٌر مهاد. فكن أسر ما تكون فٌها أحذر ما تكون لها، فإن صاحب الدنٌا كلما اطمؤن منها إلى سرور أشخصته إلى مكروه، وُصِل الرخاء منها بالبلبء، وجُعل البقاء فٌها إلى فناء. سرورها مشوب بالحزن، أمانٌها كاذبة، وآمالها باطلة، وصفوها كدر، وعٌشها نكد، فلو كان ربنا لم ٌخبر عنها خبرا، ولم ٌضرب لها مثلب، لكانت قد أٌقظت النابم، ونبهت الؽافل. فكٌؾ وقد جاء من الله فٌها واعظ وعنها زاجر؟ فما لها عند الله قدر ولا وزن، ولا نظر إلٌها منذ خلقها. ولقد عرضت على نبٌنا صلى الله علٌه وآله وسلم بمفاتٌحها وخزابنها لا تُنقِصُه عند الله جناح بعوضة، فؤَبَى أن ٌقبلها، كره أن ٌحب ما أبؽض خالقُه، أو ٌرفع ما وضع ملٌكه. فزواها عن الصالحٌن اختٌارا، وبسطها لأعدابه اؼترارا. فٌظن المؽرور بها المقتدر علٌها أنه أُكْرِم بها، ونسى ما صنع الله عز وجل برسوله صلى الله علٌه وسلم حٌن شد الحجر على بطنه." وقال الحسن أٌضا: إن قوما أكرموا الدنٌا فصلبتهم على الخُشب. فؤهٌنوها فؤهنؤ ما تكون إذا أهنتموها. وهذا باب واسع. وأهل الدنٌا وعشاقها أعلم بما ٌقاسونه من العذاب وأنواع الألم فى طلبها. ولما كانت هى أكبر هَمّ من لا ٌإمن بالآخرة، ولا ٌرجو لقاء ربه، كان عذابه بها بحسب حرصه علٌها، وشدة اجتهاده فى طلبها.
عدد الصفحات ٢٢