المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

المختصر القيم لثرات ابن القيم 01

ابن قيم الجوزية

صفحة ٢٦ من ٧٥

281 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي تَفْلِحُونَ * إنمَا ٌُرٌِدُ الشٌّْطَانُ أَنْ ٌُوقِعَ بٌَْنَكُمُ الْع دَاوَةَ وَالْبَؽْضَاءَ فِى الْخَمْرِ وَالمٌَْسِرِ وٌََصُد كُ مْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الص لبةِ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتهُونَ [ }المابدة: 91 - 96] . ومعلوم أن شارب الخمر لا ٌدوم سكره، بل لا بد أن ٌفٌق، ولعل أوقات إفاقته أكثر من أوقات سكره. وأما سكرة العشق فقل أن ٌستفٌق صاحبها إلا إذا جاءت الرسل تطلبه للقدوم على الله تعالى، ولهذا استمرت سكرة اللوطٌة حتى فاجؤهم عذاب الله وعقوبته 2/153) ________________________________________ وهم فى سكرتهم ٌعمهون، فكٌؾ إذا خرج العشق إلى حد الجنون المطبق؟ كما أنشد محمد بن جعفر الخرابطى فى كتاب اعتلبل القلوب، قال: أنشد الصٌدلانى: قَالَتْ : جُنِنْتَ عَلَى رَأْسِى، فَقُلْتُ لهَا ... العِشق أَعْظَمُ م مِا بِالمَجاَنٌِنِ الْعِشْقُ لا ٌَستَفٌِق الد هْرَ صَاحِبُهُ ... وَإنَما ٌُصْرَعُ المَجْنُونُ فى الْحٌِنِ فصاحبه أحق بؤن ٌشبه بعابد الوثن، والعاكؾ على التماثٌل، فإن عكوؾ قلب العاشق على صورة محبوبه وتمثاله ٌشبه عكوؾ عابد الصنم على صنمه. وإذا كان الشٌطان ٌرٌد أن ٌوقع العدواة والبؽضاء بٌن المسلمٌن فى الخمر والمٌسر، وٌصدهم بذلك عن ذكر الله وعن الصلبة، فالعدواة والبؽضاء والصد الذى ٌوقعه بالعشق أعظم بكثٌر. وجمٌع المعاصى ٌجتمع فٌها هذان الوصفان، وهما العدواة والبؽضاء، والصد عن ذكر الله وعن الصلبة، فإن التحاب والتآلؾ إنما هو بالإٌمان والعمل الصالح، كما قال تعالى{ :إن ال ذٌِنَ آمَنْوا وَعَمِلُوا الص الِحَاتِ سٌََجْعَلُ لَهُمُ الر حْمنُ وُدا } [مرٌم: 96] . أى ٌلقى بٌنهم المحبة، فٌحب بعضهم بعضا، فٌتراحمون، وٌتعاطفون بما جعل الله لبعضهم فى قلوب بعض من المحبة. وقال ابن عباس "ٌحبهم وٌحببهم إلى عبادة." قال هرم بن حٌان "ما أقبل عبد بقلبه إلى الله عز وجل إلا أقبل الله بقلوب المإمنٌن إلٌه حتى ٌرزقه مودتهم ورحمتهم." 2/154) ________________________________________ وأهل المعاصى والفسوق وإن كان بٌنهم نوع مودة وتحاب، فإنها تنقلب عدواة وبؽضا وفى الؽالب ٌتعجل لهم ذلك فى الدنٌا قبل الآخرة، أما فى الآخرة فالأخلبء ٌومبذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقٌن. وقال إمام الحنفاء لقومه{ :إن مَا ات خَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَاناً مَوَد ةَ بٌَْنِكُمْ فى الْحٌََاةِ الد نٌَْا ثُم ٌَوْمَ الْقٌَِامَةِ ٌَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بَبَعْضُ وٌلعن بَعْضُكُمْ بَعْضاً [ }العنكبوت: 15] . فالمعاصى كلها توجب ذلك، وتصد عن ذكر الله وعن الصلبة، وذكر ذلك فى الخمر المٌسر - اللذٌن هما من أواخر المحرمات - تنبٌه على ما فى ؼٌرهما من ذلك، مما حرم قبلهما، وهو أشد تحرٌما منهما، فإن ما ٌوقعه قتل النفوس، وسرقة الأموال، وارتكاب الفواحش من ذلك، وما ٌصد به عن ذكر الله وعن الصلبة أضعاؾ أضعاؾ ما ٌقتضٌه الخمر والمٌسر، والواقع شاهد بذلك. وكم وقع، وهو واقع بٌن الناس - بسبب عشق الصور - من العداوة والبؽضاء، وزوال الألفة والمحبة، وانقلب بها عدواة. وأما صده عن ذكر الله، فقلب العاشق لٌس فٌه موضع لؽٌر معشوقه، كما قٌل: مَا فِى الْفُإَادِ لِؽٌَْرِ حُبِّكَ مَوْضِع ... كَلبّ، وَلا أَحَد سِوَاكَ ٌَحُل هُ وأما صده عن الصلبة، فهو إن لم ٌصد عن صورتها وأعمالها الظاهرة، فإنه ٌصد عن حقٌقتها ومقاصدها الباطنة. فصل ومما ٌبٌن أن هذه الفواحش أصلها المحبة لؽٌر الله تعالى، سواء كان المطلوب المشاهدة أو المباشرة، أو ؼٌر ذلك: أنها فى المشركٌن أكثر منها فى المخلصٌن، وٌوجد فٌهم منها ما لا ٌوجد مثله فى المخلصٌن.

عدد الصفحات ٢٨١

282 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي قال تعالى {ٌَا بَنِى آدَمَ لا ٌَفْتِنَن كُمُ الش ٌْطَانُ كَمَا أخْرَجَ أَبَوٌَْكُمْ مِنَ الْجَن ةِ ٌَنْزِع عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لٌُِرٌَِهُمْا سَوْءاتِهِمَا إِن هُ ٌرَاكُمْ هُوَ وَقَبٌِلُهُ مِنْ حٌَْثُ 2/155) ________________________________________ لا تَرَوْنَهُمْ إِن ا جَعَلْنَا الش ٌَاطٌِنَ أَوْلٌَِاءَ لِلّذٌِنَ لا ٌُإْمِنُونَ وَإذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلٌَْهَا آبَاءنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِن اللهَ لا ٌَؤْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَ الا تَعْلَمُونَ قُلْ أَمَرَ رَبِّى بِالْقِسْطِ وَأَقٌِمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد وَادْعُوهُ مُخْلِصٌِنَ لَهُ الدٌِّنَ - إلى قوله تعالى - قُلْ إِنَما حَر مَ رَبِّى الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنّهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمِ وَالْبَؽْى بِؽٌَرِ الْحَ قِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ ٌُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَالا تَعْلَمُونَ [ }الأعراؾ: 17- 55] . فؤخبر سبحانه أنه جعل الشٌاطٌن أولٌاء للذٌن لا ٌإمنون، وهو قوله{ :أَفَتَت خِذُونَهُ وَذُرٌِّ تَهُ أَوْلٌَِاءَ مِنْ دُوِنى وَهُمْ لَكُمْ عَدُو بِبْسَ لِلظّالمٌنَ بَدَلاً [ }الكهؾ: 51] . وقال تعالى فى الشٌطان{ :إِنّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الّذٌِنَ ٌَتَوَلّوْنَهُ وَالّذٌِنَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [ }النحل: 611] . وأخبر عنه أنه أقسم بعزة ربه أنه ٌؽوى عباده أجمعٌن، واستثنى أهل الإخلبص منهم، وأخبر سبحانه عن أولٌاء الشٌطان: أنهم إذا فعلوا فاحشة احتجوا بتقلٌد أسلبفهم، وزعموا أن الله سبحانه أمرهم بها، فاتبعوا الظن الكاذب والهوى الباطل. قال شٌخنا: وفى هذا الوصؾ نصٌب كبٌر لكثٌر من المنتسبٌن إلى القبلة، من الصوفٌة والعُبّاد، والأمراء، والأجناد، والمتفلسفة، والمتكلمٌن، والعامة وؼٌرهم، ٌستحلون من الفواحش ما حرمه الله ورسوله، ظانٌن أن الله أباحه، أو تقلٌدا لأسلبفهم وأصله العشق الذى ٌبؽضه الله، فكثٌر منهم ٌجعله دٌناً، وٌرى أنه ٌتقرب به إلى الله، إما لزعمه أنه ٌزكى النفس وٌهذبها، وإما لزعمه أنه ٌجمع بذلك قلبه على آدمى، ثم ٌنقله إلى عبادة الله وحده، وإما لزعمه أن الصور الجمٌلة مظاهر الحق ومشاهده، وٌسمٌها "مظاهر الجمال الأحدى" وإما لاعتقاده حلول الرب فٌها، واتحاده بها، ولهذا تجد بٌن نساك هإلاء وفقرابهم وأمرابهم وأصحابهم توافقا وتآلفا على اتخاذ أنداد من دون الله ٌحبونهم كحب الله. إما تَدٌَ ناً، وإما شهوة، وإما جمعاً بٌن الأمرٌن. ولهذا ٌتآلفون وٌجتمون على السماع الشٌطانى، الذى ٌهٌج الحب المشترك، فٌَُهٌِّج من كل قلب ما فٌه من الحب. وسبب ذلك: خلو القلب مما خلق له، من عبادة الله تعالى التى تجمع محبته وتعظٌمه، والخضوع والذل له، والوقوؾ مع أمره، ونهٌه ومحاب ه ومساخطه. فإذا كان فى القلب وجدان حلبوة الإٌمان وذوق طعمه أؼناه ذلك عن محبة الأنداد وتؤلٌهها. وإذا خلب القلب من ذلك احتاج إلى أن ٌستبدل به ما ٌهواه، وٌتخذه إلهه، وهذا من تبدٌل الدٌن، وتؽٌٌر فطرة الله التى 2/156) ________________________________________ فطر علٌها عباده. قال تعالى{ :فَؤَقِمْ وَجْهَكَ لِلدٌِّنِ حَنٌِفاً، فِطْرَةَ اللهِ التى فَطَرَ الن اسَ عَلٌَْهَا. لا تَبْدٌِلَ لِخَلْق الله[ }الروم: 51] . أى نُفس خلق الله لا تبدٌل له، فلب ٌخلق الخلق إلا على الفطرة، كما أن خلقه للؤعضاء على السلبمة من الشق والقطع. ولا تبدٌل لنفس هذا الخلق. ولكن ٌقع التؽٌٌر فى المخلوق بعد خلقه، كما قال النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "

عدد الصفحات ٢٨٢

لق إلا على الفطرة، كما أن خلقه للؤعضاء على السلبمة من الشق والقطع. ولا تبدٌل لنفس هذا الخلق. ولكن ٌقع التؽٌٌر فى المخلوق بعد خلقه، كما قال النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: " كُل مَوْلُود ٌُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَؤَبَوَاهُ ٌَهُوِّدَانِهِ، وٌَُنَصِّرَانِهِ ، وٌَمَجِّسَانِهِ، كَمَا تَنْتَجُ الْبَهمٌَةُ بَهٌِمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تَحِس ونَ فٌِهَا مِنْ جَدْعَاءَ، حَت ى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونهَا ." 2/157) ________________________________________ فالقلوب مفطورة على حب إلهها وفاطرها وتؤلٌهه. فصرؾ ذلك التؤله والمحبة إلى ؼٌره تؽٌٌر للفطرة. ولما تؽٌرت فطر الناس بعث الله الرسل بصلبحها وردها إلى حالتها التى خلقت علٌها فمن استجاب لهم رجع إلى أصل الفطرة، ومن لم ٌستجب لهم استمر على تؽٌٌر الفطرة وفسادها.

عدد الصفحات ٢٨٢

283 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي فصل والفتنة بعشق الصور تنافى أن ٌكون دٌن العبد كله الله، بل ٌنقص من كون دٌنه لله بحسب ما حصل له من فتنة العشق. وربما أخرجت صاحبه من أن ٌبقى معه شا من الدٌن لله. قال تعالى{ :وَقَاتِلُوهُمْ حَت ى لا تَكُونَ فِتْنَة وٌََكُونَ الدٌِّنُ كُل هُ للهِ [ }الأنفال: 59] . فناقض بٌن كون الفتنة وبٌن كون الدٌن كله. فكل منهما ٌناقض الآخر. والفتنة قد فسرت بالشرك. فما حصلت به فتنة القلوب فهو إما شرك، وإما من أسباب الشرك. وهى جنس تحته أنواع من الشبهات، والشهوات. وفتنة الذٌن اتخذوا من دون الله أندادا ٌحبونهم كحب الله من أعظم الفتن. ومنه فتنة أصحاب العجل، كما قال تعالى لموسى{ :إن ا قَ دْ فَتَن ا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ [ }طه: 85] . وكذلك فتنة العشق من أعظم الفتن، قال تعالى{ :وَمِنْهُمْ مَنْ ٌَقُولُ ابْذَنْ لِى وَلا تَفْتِنِّى أَلا فِى الْفِتْنَةِ سَقَطُوا[ }التوبة: 49] . نزلت فى الجد بن قٌس لما ؼزا رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم تبوك قال له "هل لك ٌا جَدّ فى بلبد بنى الأصفر، تتخذ منهم السرارى والوصفاء؟ فقال جَد : ابذن لى فى القعود عنك. فقد عرؾ قومى أنى مؽرم بالنساء، وأنى أخشى إن رأٌت بنات الأصفر أن لا أصبر عنهن، فؤنزل الله تعالى هذه الآٌة." 2/158) ________________________________________ قال ابن زٌد: ٌرٌد لا تفتنى بصباحة وجوههن. وقال أبو العالٌة: لا تعرضنى للفتنة. وقوله تعالى{ :أَ فِى الْفِتْنَةِ سَقَطُوا[ }التوبة: 49] . قال قتادة: "ما سقط فٌه من الفتنة بتخلفه عن رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله سلم والرؼبة بنفسه عنه أعظم." فالفتنة التى فر منها - بزعمه - هى فتنة محبة النساء، وعدم صبره عنهن، والفتنة التى وقع فٌها هى فتنة الشرك والكفر فى الدنٌا، والعذاب فى الآخرة. لفظ الفتنة فى كتاب الله تعالى ٌراد بها الامتحان الذى لم ٌفتتن صاحبه، بل خلص من الافتتان. وٌراد بها الامتحان الذى حصل معه افتتان. فمن الأول: قوله تعالى لموسى علٌه السلبم{ :وَفَتَن اكَ فُتُوناً [ }طه: 41] . ومن الثانى: قوله تعالى{ :وَقَاتِلُوهُمْ حَت ى لا تَكُونَ فِتْنَة[ }الأنفال:59 ]وقوله{ :أَ فِى الْفِتنَةِ سَقَطُوا[ }التوبة: 49] . وٌطلق على ما ٌتناول الأمرٌن، كقوله تعالى{ :الم أَحَسِبَ الن اسُ أَنْ ٌُتْرَكُوا أَنْ ٌَقُولُوا آمَن ا وَهُمْ لا ٌُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَن ا الّذٌِنَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلٌََعْلَمَن اللهُ الّذٌِنَ صَدَقُوا وَلٌََعْلَمَنّ الْكَاذِبٌِنَ [ }العنكبوت: 6 -5] . ومنه قول موسى علٌه السلبم{ :إنْ هِى إِلا فِتْنَتُكَ تُضِل بهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِى مَنْ تَشَاءُ [ }الأعراؾ: 655 . ]أى امتحانك وابتلبإك، تضل بها من وقع فٌها، وتهدى من نجا منها. 2/159) ________________________________________ وتطلق الفتنة على أعم من ذلك، كقوله تعالى: {إن مَا أَمْوَالُ كُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَة[ }التؽابن: 65] . قال مقاتل "أى بلبء، وشؽل عن الآخرة. قال ابن عباس: فلب تطٌعوهم فى معصٌة الله تعالى." وقال الزجاج: أعلمهم الله عز وجل أن الأموال والأولاد مما ٌفتنون به، وهذا عام فى جمٌع الأولاد، فإن الإنسان مفتون بولده، لأنه ربما عصى الله تعالى بسببه، تناول الحرام لأجله، ووقع فى العظابم، إلا من عصمه الله تعالى.

عدد الصفحات ٢٨٣

284 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وٌشهد لهذا ما روى أن النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم "كان ٌخطب، فجاء الحسن والحسٌن رضى الله عنهما، وعلٌهما قمٌصان أحمران ٌعثران، فنزل النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم إلٌهما فؤخذهما، فوضعهما فى حجره على المنبر، وقال: صدق الله{ :إنَما أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَة [ }التؽابن: 65 ]رأٌت هذٌن الصبٌٌن فلم أصبر عنهما." وقال ابن مسعود رضى الله عنه "لا ٌقولن أحدكم: اللهم إنى أعوذ بك من الفتنة، فإنه لٌس منكم أحد إلا وهو مشتمل على فتنة، لأن الله تعالى ٌقول{ :إن مَا أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَة [ }التؽابن: 65 ]فؤٌكم استعاذ فلٌستعذ بالله تعالى من مضُلبت الفتن." ومنه قوله تعالى{ :وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْض فِتْنَةً [ }الفرقان: 11] . وهذا عام فى جمٌع الخلق، امتحن بعضهم ببعض، فامتحن الرسل بالمرسل إلٌهم ودعوتهم إلى الحق والصبر على أذاهم. وتحمل 2/160) ________________________________________ المشاق فى تبلٌؽهم رسالات ربهم، وامتحن المرسل إلٌهم بالرسل، وهل ٌطٌعونهم، وٌنصرونهم، وٌصدقونهم، أم ٌكفرون بهم، وٌردون علٌهم، وٌقاتلونهم؟ وامتحن العلماء بالجهال، هل ٌعلمونهم، وٌنصحونهم، وٌصبرون على تعلٌمهم ونصحهم، وإرشادهم، ولوازم ذلك؟ وامتحن الجهال بالعلماء، هل ٌطٌعونهم، وٌهتدون بهم؟ وامتحن الملوك بالرعٌة، والرعٌة بالملوك، وامتحن الأؼنٌاء بالفقراء، والفقراء بالؽنٌاء، وامتحن الضعفاء بالأقوٌاء، والأقوٌاء بالضعفاء، والسادة بالأتباع والأتباع بالسادة، وامتحن المالك بمملوكه، ومملوكه به، وامتحن الرجل بامرأته وامرأته به، وامتحن الرجال بالنساء والنساء بالرجال، والمإمنٌن بالكفار ولكفار بالمإمنٌن. وامتحن الآمرٌن بالمعروؾ بمن ٌؤمرونهم، وامتحن المؤمورٌن بهم، ولذلك كان فقراء المإمنٌن وضعفاإهم، من أتباع الرسل، فتنة لأؼنٌابهم ورإسابهم، امتنعوا من الإٌمان بعد معرفتهم بصدق الرسل، وقالوا{ :لَوْ كانَ خٌَْراَ مَا سَبَقُونَا إلٌَْهِ [ }الأحقاؾ: 66 ] هإلاء. وقالوا لنوح علٌه السلبم{ :أَنُإْمِنُ لَكَ وَات بَعَ كَ الأَرْذَلُونَ [ }الشعراء: 666] . قال تعالى{ :وَكَذلِكَ فَتَن ا بَعْضَهُمْ بِبَعْض لٌَِقُولُوا أَهإلاء مَن اللهُ عَلٌَْهمْ مِنْ بٌَْنِنَا[ }الأنعام: 55] . فإذا رأى الشرٌؾ الربٌس المسكٌن الذلٌل قد سبقه إلى الإٌمان ومتابعة الرسول حمى وأنؾ أن ٌسلم، فٌكون مثله، وقال: أسلم فؤكون أنا وهذا الوضٌع على حد سواء؟. 2/161) ________________________________________ قال الزجاج: كان الرجل الشرٌؾ ربما أراد الإسلبم، فٌمتنع منه لبلب ٌقال أسلم قبله من هو دونه فٌقٌم على كفره لبلب ٌكون للمسلم السابقة علٌه فى الفضل. ومن كون بعض الناس لبعضهم فتنة، أن الفقٌر ٌقول: لِمَ لَمْ أكن مثل الؽنى؟ وٌقول الضعٌؾ: هلب كنت مثل القوى؟ وٌقول المبتلى، هلب كنت مثل المعافى؟ وقال الكفار{ :لَنْ نُإْمِنَ حَت ى نإتى مِثْلَ مَا أُوتِى رُسلُ اللهِ [ }الأنعام: 614] . قال مقاتل: نزلت فى افتتان المشركٌن بفقراء المهاجرٌن، نحو بلبل، وخباب، وصهٌب، وأبى ذر، وابن مسعود، وعمار، كان كفار قرٌش ٌقولون: انظروا إلى هإلاء الذٌن تبعوا محمدا من موالٌنا وأراذلنا؟ قال الله تعالى{ :إِن هُ كَانَ فَرٌِق مِنْ عِبَادِى ٌَقُولُونَ رَب نَا آمَن ا فَاؼْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَ ا وَأنْتَ خٌَْرُ الر احِمٌِنَ فَاتّخَذْتُموهُمْ سِخْرٌِا حَت ى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِى وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ إنِّى جَزٌَْتُهُمُ الٌَْوْمَ بَما صَبَرُوا أَنّهُمْ هُمُ الْفَابِزُونَ [ }المإمنون: 619- 666] . فؤخبر سبحانه أنه جزاهم على صبرهم، كما قال تعالى{ :وَجَعَلْنَا بَعْضَكمْ لِبَعْض فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ [ }الفرقان: 11] .

عدد الصفحات ٢٨٤

ُوا أَنّهُمْ هُمُ الْفَابِزُونَ [ }المإمنون: 619- 666] . فؤخبر سبحانه أنه جزاهم على صبرهم، كما قال تعالى{ :وَجَعَلْنَا بَعْضَكمْ لِبَعْض فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ [ }الفرقان: 11] . قال الزجاج: أى أتصبرون على البلبء، فقد عرفتم ما وجد الصابرون: قلت: قرن الله سبحانه الفتنة بالصبر هاهنا، وفى قوله{ :ثُم إن رَبّكَ لِل ذٌِنَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُم جَاهَدُوا وَصَبَرُوا } [النحل: 661] .

عدد الصفحات ٢٨٤

285 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي فلٌس لمن قد فتن بفتنة دواء مثل الصبر، فإن صبر كانت الفتنة ممحصة له، ومخلصة من الذنوب، كما ٌخلص الكٌر خبث الذهب والفضة. فالفتنة كٌر القلوب، ومحك الإٌمان، وبها ٌتبٌن الصادق من الكاذب: قال تعالى{ :وَلَقَدْ فَتن ا ال ذٌِنَ مِنْ قَبْلهِمْ فَلٌََعْلَمَن اللهُ الّذٌِنَ صَدَقُوا وَلٌََعْلَمَن الْكَاذِبٌِنَ [ }العنكبوت: 5] . فالفتنة قسمت الناس، إلى صادق وكاذب ومإمن ومنافق، وطٌب وخبٌث . فمن صبر علٌها كانت رحمة فى حقه، ونجا بصبره من فتنة أعظم منها، ومن لم ٌصبر علٌها وقع فى فتنة أشد منها. فالفتنة لا بد منها فى الدنٌا والآخرة، كما قال تعالى: {ٌَوْمَ هُمْ عَلَى الن ار ٌفُتَنُونَ ذُوقُوا فِتْنَتَكمْ هذا الّذِى كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ [ }الذارٌات: 65، 64] . فالنار فتنة من لم ٌصبر 2/162) ________________________________________ على فتنة الدنٌا، قال تعالى فى شجرة الزقوم{ :إِن ا جَعَلْنَاهَا فِتْنَة لِلظ الِمٌنَ [ }الصافات: 65] . قال قتادة: لما ذكر الله تعالى هذه الشجرة افتتن بها الظلمة، فقالوا: ٌكون فى النار شجرة والنار تؤكل الشجر؟ فؤنزل الله عز وجل{ :إِنّهَا شَجَرَة تَخْرُجُ فِى أَصْلِ الْجَحٌِمِ [ }الصافات: 64] . فؤخبرهم أن ؼذاءها من النار، أى ؼذٌت بالنار. قال ابن قتٌبة: قد تكون شجرة الزقوم نبتا من النار، ومن جوهر لا تؤكله النار، وكذلك سلبسل النار وأؼلبلها وأنكالها، وعقاربها وحٌاتها، ولو كانت على ما ٌُعلم لم تبق على النار، وإنما دل نا الله تعالى على الؽابب عنده بالحاضر عندنا، فالأسماء متفقة الدلالة، والمعانى مختلفة، وما فى الجنة من ثمرها وفرشها وشجرها وجمٌع آلاتها على مثل ذلك. والمقصود: أن هذه الشجرة فتنة لهم فى الدنٌا، بتكذٌبهم بها، وفتنة لهم فى الآخرة بؤكلهم منها. وكذلك إخباره سبحانه بؤن عدة الملببكة الموكلٌن بالنار تسعة عشر، كان فتنة للكفار، حٌث قال عدو الله أبو جهل: أٌخوفكم محمد بتسعة عشر، وأنتم الدهم أفٌعجز كل مابة منكم أن ٌبطشوا بواحد منهم، ثم تخرجون من النار؟ فقال أبو الأسد: ٌا معشر قرٌش، إذا كان ٌوم القٌامة فؤنا أمشى بٌن أٌدٌكم على الصراط، فؤدفع عشرة بمنكبى الأٌمن، وتسعة بمنكبى الأٌسر فى النار، ونمضى فندخل الجنة. فكان ذكر هذا العدد فتنة لهم فى الدنٌا، وفتنة لهم ٌوم القٌامة. والكافر مفتون بالمإمن فى الدنٌا، كما أن المإمن مفتون به، ولهذا سؤل المإمنون 2/163) ________________________________________ ربهم أن لا ٌجعلهم فتنة للذٌن كفروا، كما قال الحنفاء{ :رَب نَا عَلٌَْكَ تَوَك لْنَا وَإِلٌَْكَ أَنَبْنَا وَإلٌَْكَ المَصٌِرُ رَب نَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِل ذٌِنَ كَفَرُوا[ }الممتحنة: 4-5] . وقال أصحاب موسى علٌه السلبم{ :رَب نَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنْةً لِلْقَوْمِ الظّالمٌِنَ [ }ٌونس: 85] . قال مجاهد: المعنى، لا تعذبنا بؤٌدٌهم، ولا بعذاب من عندك، فٌقولون: لو كان هإلاء على الحق ما أصابهم هذا. وقال الزجاج: معناه: لا تظهرهم علٌنا، فٌظنوا أنهم على حق، فٌفتنوا بذلك. وقال الفراء: لا تظهر علٌنا الكفار، فٌروا أنهم على حق وأنا على باطل. وقال مقاتل: لا تقتر علٌنا الرزق وتبسطه علٌهم، فٌكون ذلك فتنة لهم. وقد أخبر الله سبحانه أنه قد فتن كلب من الفرٌقٌن بالفرٌق الآخر، فقال: {وَكَذلِكَ فَتَن ا بَعْضَهُمْ بِبَعْض لٌِقُولُوا أَهإلاء مَن اللهُ عَلٌَْهِمْ مِنْ بٌَْنِنَا[ }الأنعام: 51 ]فقال الله تعالى {أَلٌَْسَ اللهُ بِؤَعْلَمَ بِالشّاكِرٌن[ }الأنعام: 55] . والمقصود: أن الله سبحانه فتن أصحاب الشهوات بالصور الجمٌلة، وفتن أولبك بهم، فكل من النوعٌن فتنة للآخر، فمن

عدد الصفحات ٢٨٥

ال الله تعالى {أَلٌَْسَ اللهُ بِؤَعْلَمَ بِالشّاكِرٌن[ }الأنعام: 55] . والمقصود: أن الله سبحانه فتن أصحاب الشهوات بالصور الجمٌلة، وفتن أولبك بهم، فكل من النوعٌن فتنة للآخر، فمن صبر منهم على تلك الفتنة نجا مما هو أعظم منها، ومن أصابته تلك الفتنة سقط فٌما هو شر منها، فإن تدارك ذلك

عدد الصفحات ٢٨٥

286 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي بالتوبة النصح وإلا فبسبٌل من هلك، ولهذا قال النبى صلى الله تعالى علٌه وآله سلم: "مَا تَرَكْتُ بَعْدِى فِتْنَةً أَضَر مِنَ النِّسَاءِ عَلَى الرِّجَالِ " أو كما قال. فالعبد فى هذه الدار مفتون بشهواته ونفسه الأمارة، وشٌطانه المؽوى المزٌن، وقرنابه وما ٌراه، وٌشاهده، مما ٌعجز صبره عنه، وٌتفق مع ذلك ضعؾ الإٌمان والٌقٌن وضعؾ القلب ومرارة الصبر، وذوق حلبوة العاجل، ومٌل النفس إلى زهرة الحٌاة الدنٌا، وكون العوض مإجلب فى دار أخرى ؼٌر هذه الدار التى خلق فٌها، وفٌها نشؤ، فهو مكلؾ بؤن ٌترك شهوته الحاضرة المشاهدة لؽٌب طلب منه الإٌمان به: فَوَ اللهِ، لَوْلا اللهُ ٌُسْعِدُ عَبْدَهُ ... ِتَوْفٌِقِه وَاللهُ بِالْعَبْدِ أَرْحَمُ 2/164) ________________________________________ لمَا ثَبَتَ الإٌمَ انُ ٌَوْماَ بِقَلْبِهِ ... عَلَى هذِه العِلبّتِ، وَالأَمْرُ أَعْظَمُ وَلا طَاوَعَتْهُ النّفْسُ فى تَرْكِ شَهْوَة ... مَخَافَةَ نَار جَمْرهَا ٌَتَضَر مُ وَلا خَاؾَ ٌَوْماً منْ مَقَامِ إلهِهِ ... عَلٌَْهِ بحُكْمِ القِسْطِ، إذْ لٌَْسَ ٌَظْلِمُ فصل والفتنة نوعان: فتنة الشبهات. وهى أعظم الفتنتٌن، وفتنة الشهوات. وقد ٌجتمعان للعبد. وقد ٌنفرد بإحداهما. ففتنة الشبهات من ضعؾ البصٌرة، وقلة العلم، ولا سٌما إذا اقترن بذلك فساد القصد، وحصول الهوى، فهنالك الفتنة العظمى، والمصٌبة الكبرى، فقل ما شبت فى ضلبل سٌا القصد، الحاكم علٌه الهوى لا الهدى، مع ضعؾ بصٌرته، وقلة علمه بما بعث الله به رسوله، فهو من الذٌن قال الله تعالى فٌهم: {إِنْ ٌَتّبِعُونَ إلا الظّن وَمَا تَهْوَى الأَنُفُسُ [ }النجم: 15] . وقد أخبر الله سبحانه أن اتباع الهوى ٌضل عن سبٌل الله، فقال{ :ٌَا دَاوُدُ إِن ا جَعَلْنَاكَ خَلٌِفَةً فِى الأَرْضِ فَاحْكُمْ بٌَْنَ الن اسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتّبِعِ الْهَوَى فٌَضِل كَ عَنْ سَبٌِلِ اللهِ إِن ال ذٌِنَ ٌَضِل ونَ عَنْ سَبٌِلِ اللهِ لَهُمْ عَذَاب شَدٌِد بَما نَسُوا ٌَوْمَ الحِسَابِ } [ص: 16] . وهذه الفتنة مآلها إلى الكفر والنفاق، وهى فتنة المنافقٌن، وفتنة أهل البدع، على حسب مراتب بدعهم. فجمٌعهم إنما ابتدعوا من فتنة الشبهات التى اشتبه علٌهم فٌها الحق بالباطل، والهدى بالضلبل. ولا ٌنُجى من هذه الفتنة إلا تجرٌد اتباع الرسول، وتحكٌمه فى دِقِّ الدٌن وجِلِّه، ظاهره وباطنه، عقابده وأعماله، حقابقه وشرابعه، فٌتلقى عنه حقابق الإٌمان وشرابع الإسلبم. وما ٌثبته الله من الصفات والأفعال، والأسماء، وما ٌنفٌه عنه، كما ٌتلقى عنه وجوب الصلوات وأوقاتها وأعدادها، ومقادٌر نُصبُ الزكاة ومستحقٌها، ووجوب الوضوء والؽسل 2/165) ________________________________________ من الجنابة، وصوم رمضان، فلب ٌجعله رسولا فى شًء دون شًء من أمور الدٌن، بل هو رسول فى كل شًء تحتاج إلٌه الأمة فى العلم والعمل، لا ٌتلقى إلا عنه، ولا ٌإخذ إلا منه، فالهدى كله دابر على أقواله وأفعاله، وكل ما خرج عنها فهو ضلبل، فإذا عقد قلبه على ذلك وأعرض عما سواه، ووزنه بما جاء به الرسول، فإن وافقه قبله، لا لكون ذلك القابل قاله، بل لموافقته للرسالة، وإن خالفه رده، ولو قاله من قاله، فهذا الذى ٌنجٌه من فتنة الشبهات، وإن فاته ذلك أصابه من فتنتها بحسب ما فاته منه. وهذه الفتنة تنشؤ تارة من فهم فاسد، وتارة من نقل كاذب، وتارة من حق ثابت خفى على الرجل فلم ٌظفر به، وتارة من ؼرض فاسد وهوى متبع، فهى من عمى فى البصٌرة، وفساد فى الإرادة. فصل وأما النوع الثانى من الفتنة. ففتنة الشهوات.

عدد الصفحات ٢٨٦

287 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وقد جمع سبحانه بٌن ذكر الفتنتٌن فى قوله{ :كَال ذٌِنَ مِنْ قَبْلِ كُمْ كَانُوا أَشَد مِنْكُمْ قُو ةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالا وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعْوا بِخَلبقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلبقِهِمْ [ }التوبة: 69] . أى تمتعوا بنصٌبهم من الدنٌا وشهواتها، والخلبق هو النصٌب المقدر، ثم قال وخضتم كالذى خاضوا فهذا الخوض بالباطل، وهو الشبهات. فؤشار سبحانه فى هذه الآٌة إلى ما ٌحصل به فساد القلوب والأدٌان، من الاستمتاع بالخلبق، والخوض بالباطل، لأن فساد الدٌن إما أن ٌكون باعتقاد الباطل والتكلم به، أو بالعمل بخلبؾ العلم الصحٌح. فالأول: هو المبدع وما والاها، والثانى: فسق الأعمال. فالأول فساد من جهة الشبهات، والثانى من جهة الشهوات. ولهذا كان السلؾ ٌقولون "احذروا من الناس صنفٌن: صاحب هوى قد فتنه هواه، وصاحب دنٌا أعمته دنٌاه." 2/166) ________________________________________ وكانوا ٌقولون "احذروا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون." وأصل كل فتنة إنما هو من تقدٌم الرأى على الشرع، والهوى على العقل. فالأول: أصل فتنة الشبهة، والثانى: أصل فتنة الشهوة. ففتنة الشبهات تدفع بالٌقٌن، وفتنة الشهوات تدفع بالصبر، ولذلك جعل سبحانه إمامة الدٌن منوطة بهذٌن الأمرٌن، فقال{ :وَجَعَ لْنَا مِنّهُمْ أَبمِةً ٌَهْدُونَ بِؤَمْرِنَا لَمّا صَبَرُوا وكَانُوا بِآٌَاتِنَا ٌُوقِنُونَ [ }السجدة: 14] . فدل على أنه بالصبر والٌقٌن تنال الإمامة فى الدٌن. وجمع بٌنهما أٌضاً فى قوله{ :وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالص بْرِ [ }العصر: 5] . فتواصوا بالحق الذى ٌدفع الشبهات، وبالصبر الذى ٌكؾ عن الشهوات. وجمع بٌنهما فى قوله: {وَاذْكْرُ عِبَادَنَا إبراهٌم وَإِسْحقَ وٌََعْقُوبَ أُولِى الأٌَْدِى وَالأَبْصَارِ [ }ص: 45] . فالأٌدى: القوى والعزابم فى ذات الله، والأبصار: البصابر فى أمر الله. وعبارات السلؾ تدور على ذلك. قال ابن عباس "أولى القوة فى طاعة الله، والمعرفة بالله." وقال الكلبى "أولى القوة فى العبادة، والبصر فٌها." وقال مجاهد "الأٌدى: القوة فى طاعة الله، والأبصار: البصر فى الحق." وقال سعٌد بن جبٌر "الأٌدى: القوة فى العمل، والأبصار: بصرهم بما هم فٌه من دٌنهم." وقد جاء فى حدٌث مرسل "إن الله ٌحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، وٌحب العقل الكامل عند حلول الشهوات." فبكمال العقل والصبر تدفع فتنة الشهوة، وبكمال البصٌرة والٌقٌن تدفع فتنة الشبهة والله المستعان. 2/167) ________________________________________ فصل إذا سلم العبد من فتنة الشبهات والشهوات حصل له أعظم ؼاٌتٌن مطلوبتٌن، بهما سعادته وفلبحه وكماله. وهما الهدى، والرحمة. قال تعالى عن موسى وفتاه: {فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادنَا آتٌَْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَل مْنَاهُ مِنْ لَدُن ا عِلْماً [ }الكهؾ: 65] . فجمع له بٌن الرحمة والعلم، وذلك نظٌر قول أصحاب الكهؾ{ :رَب نَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهٌَِّاْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً } [الكهؾ: 61] . فإن الرشد هو العلم بما ٌنفع، والعمل به. والرشد والهدى إذا أفرد كل منها تضمن الآخر، وإذا قرن أحدهما. فالهدى هو العلم بالحق. والرشد هو العمل به وضدهما الؽَى واتباع الهوى.

عدد الصفحات ٢٨٧

288 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وقد ٌقابل الرشد بالضر والشر. قال تعالى{ :قُلْ إنِّى لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرا وَلا رَشَداً [ }الجن: 16] . وقال مإمنو الجن{ :وَأَن ا لا نَدْرِى أَشَر أُرٌِدَ بِمَنْ فى الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِ هِمْ رَب هُمْ رَشَداً [ }الجن: 61] . فالرشد ٌقابل الؽى، كما فى قوله{ :وَإِنْ ٌَرَوْا سَبٌِلَ الر شْدِ لا ٌَت خذُوهُ سَبٌِلبً، وَإنْ ٌَروْا سَبٌلَ الْؽَى ٌَت خِذوهُ سَبٌِلبً } [الأعراؾ: 646] . وٌقابل الضر والشر كما تقدم، وذلك لأن الؽى سبب حصول الشر والضر ووقوعهما بصاحبه. فالضر والشر ؼاٌة البؽى وثمرته، كما أن الرحمة والفلبح ؼاٌة الهدى وثمرته. فلهذا ٌقابل كل منهما بنقٌضه وسبب نقبضه، فٌقابل الهدى بالضلبل، كقوله{ :ٌُضِل مَنْ ٌَشَاءُ وٌََهْدِى مَنْ ٌَشَاء[ }النحل: 95 ]وقوله {إنْ تَحْرصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِن اللهَ لا ٌَهْدِى مَنْ ٌُضِل [ }النحل: 57 ]وهو كثٌر. وٌقابل بالضلبل والعذاب. كقوله{ :فَمنِ ات بَعَ هُدَاى فَلب ٌَضِل وَلا ٌَشْقَى[ }طه: 615] . فقابل الهدى بالضلبل والشقاء. وجمع سبحانه بٌن الهدى والفلبح، والهدى والرحمة، كما ٌجمع بٌن الضلبل والشقاء والضلبل والعذاب: كقوله{ :إن المُجْرِمٌِنَ فِى ضَلبَل وَسُعُر [ }القمر: 47] . فالضلبل ضد الهدى، والسعر العذاب، وهو ضد الرحمة. 2/168) ________________________________________ وقال{ :وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِى فَإِن لَهُ مَعٌِشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ ٌَوْ مَ الْقٌَِامَةِ أَعْمًَ[ }طه: 614] . والمقصود: أن من سلم من فتنة الشبهات والشهوات جمع له بٌن الهدى والرحمة، والهدى والفلبح. قال تعالى عن أولٌابه{ :رَب نَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إذْ هَدٌَْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَة إِنّكَ أنت الْوَه ا بُ [ }آل عمران: 8 ] وقال تعالى{ :وَلَم ا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْؽَضَبُ أَخَذَ الألْوَاحَ وَفِى نُسْخَتهَا هُدًى وَرَحْمَة لِل ذٌِنَ هُمْ لِربِّهِمْ ٌَرْهَبُونَ } [الأعراؾ: 654 ]وقال تعالى{ :هذا بَصابِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَة لِقَوْم ٌُوقِنُونَ [ }الأعراؾ: 115 ]وقال تعالى{ :لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَة لأُولِى الأَلْبَابِ مَا كانَ حَدٌِثاً ٌُفْتَرَى وَلكِنْ تصدٌِقَ الّذِى بٌَْنَ ٌَدٌََهِ وتفصٌل كُلِّ شَا وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْم ٌُإْمِنُونَ [ }ٌوسؾ: 666 ]وقال تعالى{ :ٌَا أٌَ هَا الن اسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَة مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاء لَمِا فِى الص دُورِ وَهُدًى وَرَحْمَة لِلْمُإْمِنٌِنَ [ }ٌونس: 57] . فقوله: "هذا بصابر من ربكم" عام مطلق، وقوله: "وهدى ورحمة لقوم ٌوقنون" خاص بؤهل الٌقٌن. ونظٌر ذلك قوله {ٌَا أٌَ هَا الن اسُ قَدْ جَاءَتْ كُمْ مَوْعِظَة مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاء لَمِا فِى الص دُورِ وَهُدى وَرَحْمَة لِلْمُإمِنٌِنَ [ }ٌونس: 57] . ونظٌره فى الخصوص قوله تعالى{ :هُدًى لِلْمُتّقٌِنَ [ }البقرة: 1 ]وقوله{ :ٌَهْدِى بِهِ اللهُ مَنِ اُتَبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ الس لبَمِ } [المابدة: 66] . ونظٌره أٌضا قوله{ :هذَا بٌََان لِلن اسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَة لِلْمُتّقٌِنَ [ }آل عمران: 658] . وقد أخبر أنه هدى عام لجمٌع المكلفٌن. فقال{ :إِنْ ٌَتّبِعُونَ إِلا الظ ن وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الهُدْى} [النجم: 15] . فؤخبر سبحانه أن القرآن بصابر لجمٌع الناس. والبصابر جمع بصٌرة، وهى فعٌلة بمعنى مفعلة، أى مبصرة لمن تبصر. ومنه قوله تعالى{ :وَآتٌَْنَا ثُمودَ الن اقَةَ مُبْصِرَةً [ }الإسراء: 59] . (2/169) ________________________________________ أى مبٌنة موجبة للتبصر. وفعل الإبصار ٌستعمل لازما ومتعدٌا. ٌقال: أبصرته، بمعنى أرٌته، وأبصرته، بمعنى

عدد الصفحات ٢٨٨

بْصِرَةً [ }الإسراء: 59] . (2/169) ________________________________________ أى مبٌنة موجبة للتبصر. وفعل الإبصار ٌستعمل لازما ومتعدٌا. ٌقال: أبصرته، بمعنى أرٌته، وأبصرته، بمعنى رأٌته، فمبصرة فى الآٌة: بمعنى مربٌة، لا بمعنى رابٌة، والذٌن ظنوها بمعنى رابٌة ؼلطوا فى الآٌة، وتحٌروا فى معناها.

عدد الصفحات ٢٨٨

289 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي فإنه ٌقال: بصر به، وأبصره، فٌعدى بالباء تارة، والهمزة تارة. ثم ٌقال: أبصرته كذا، أى أرٌته إٌاه، كما ٌقال: بصرته به. وبصر هو به. فهاهنا بصٌرة، وتبصرة، ومبصرة. فالبصٌرة: المبٌنة التى تبصر، والتبصرة مصدر مثل التذكرة، وسمى بها ما ٌوجب التبصرة، فٌقال: هذه الآٌة تبصرة، لكونها آلة التبصر، وموجبه. فالقرآن بصٌرة وتبصرة، وهدى وشفاء، ورحمة، بمعنى عام، وبمعنى خاص. ولهذا ٌذكر الله سبحانه هذا وهذا، فهو هدى للعالمٌن، وموعظة للمتقٌن، وهدى للمتقٌن، وشفاء للعالمٌن، وشفاء للمإمنٌن، وموعظة للعالمٌن، وموعظة للمتقٌن، فهو فى نفسه هدى ورحمة، وشفاء وموعظة. فمن اهتدى به واتعظ واشتفى، كان بمنزلة من استعمل الدواء الذى ٌحصل به الشفاء فهو دواء له بالفعل. وإن لم ٌستعمله، فهو دواء له بالقوة، وكذلك الهدى. فالقرآن هدى بالفعل لمن اهتدى به، وبالقوة لمن ٌهتد به، فإنما ٌهتدى به وٌرحم وٌتعظ المتقون الموقنون. والهدى فى الأصل: مصدر هدى ٌهدى هدى. فمن لم ٌعمل بعلمه لم ٌكن مهتدٌا، كما فى الأثر "من ازداد علما ولم ٌزدد هدى لم ٌزدد من الله تعالى إلا بعدا" ولكن ٌسمى هدى، لأن من شؤنه أن ٌهدى. وهذا أحسن من قول من قال: إنه هدى، بمعنى هاد، فهو مصدر بمعنى الفاعل، كعدل بمعنى العادل، وزور بمعنى الزابر، ورجل صوم أى بمعنى صابم، فإن الله سبحانه قد أخبر أنه ٌهدى به. فالله الهادى، وكتابه الهدى الذى ٌهدى به على لسان رسوله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم. فهاهنا ثلبثة أشٌاء: فاعل وقابل وآله. فالفاعل: هو الله تعالى، والقابل: قلب 2/170) ________________________________________ العبد، والآلة: هو الذى ٌحصل به الهدى، وهو الكتاب المنزل، والله سبحانه ٌهدى خلقه هدى، كما ٌقال: دلهم دلالة، وأرشدهم إرشادا، وبٌن لهم بٌانا. والمقصود: أن المحل القابل هو قلب العبد المتقى، المنٌب إلى ربه، الخابؾ منه، الذى ٌبتؽى رضاه، وٌهرب من سخطه، فإذا هداه الله فكؤنه وصل أثر فعله إلى محل قابل، فٌتؤثر به، فصار هدى له وشفاء ورحمة وموعظة بالوجود والفعل والقبول، وإذا لم ٌكن المحل قابلب وصل إلٌه الهدى فلم ٌإثر فٌه، كما ٌصل الؽذاء إلى محل ؼٌر قابل للبؼتذاء، فإنه لا ٌإثر فٌه شٌبا، بل لا ٌزٌده إلا ضعفا وفسادا إلى فساده، كما قال تعالى فى السورة التى نزلها{ :فَؤَم ا الّذٌِنَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إٌمَاناً وَهُمْ ٌَسْتَبْشِروُنَ وَأَم ا الّذٌِنَ فِى قُلُوبِهمْ مَرَض فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إلَى رِجْسِهِمْ [ }التوبة: 614 - 615 ]، وقال: {وَنُنَز لُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْ مَة لِلْمُإمِنٌِنَ، وَلا ٌزٌِدُ الظّالمٌِنَ إلا خَسَارًا[ }الإسراء: 81] . فتخلؾ الاهتداء ٌكون لعدم قبول المحل تارة، ولعدم آلة الهدى تارة، ولعدم فعل الفاعل، وهو الهادى تارة، ولا ٌحصل الهدى على الحقٌقة إلا عند اجتماع هذه الأمور الثلبثة. وقد قال سبحانه{ :وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فٌِهِمْ خٌَْراً لأَسْمَعَهُمْ، وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [ }الأنفال: 15] . فؤخبر سبحانه أنه قطع عنهم مادة الاهتداء، وهو إسماع قلوبهم وإفهامها ما ٌنفعها، لعدم قبول المحل، فإنه لا خٌر فٌه، فإن الرجل إنما ٌنقاد للحق بالخٌر الذى فٌه، والمٌل إلٌه، والطلب له، ومحبته، والحرص علٌه، والفرح بالظفر به، وهإلاء لٌس فى قلوبهم شًء من ذلك، فوصل الهدى إلٌها ووقع علٌها كما ٌصل الؽٌث النازل من السماء وٌقع على الأرض الؽلٌظة العالٌة، والتى لا تمسك ماء، ولا تنبت كلبء، فلب هى قابلة للماء ولا للنبات، فالماء فى نفسه رحمة وحٌاة، ولكن لٌس فٌها قبول له. ثم أكد الله هذا المعنى فى حقهم بقوله{ :وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [ }الأنفال: 15] .

عدد الصفحات ٢٨٩

للماء ولا للنبات، فالماء فى نفسه رحمة وحٌاة، ولكن لٌس فٌها قبول له. ثم أكد الله هذا المعنى فى حقهم بقوله{ :وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [ }الأنفال: 15] . فؤخبر أن فٌهم مع عدم القبول والفهم آفة أخرى، وهى الكبر والإعراض، وفساد القصد، فلو فهموا لم ٌنقادوا، ولم ٌتبعوا الحق. ولم ٌعملوا به، فالهدى فى حق هإلاء هدى بٌان وإقامة 2/171)

عدد الصفحات ٢٨٩

290 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي ________________________________________ حجة، لا هدى توفٌق وإرشاد، فلم ٌتصل الهدى فى حقهم بالرحمة. وأما المإمنون: فاتصل الهدى فى حقهم بالرحمة، فصار القرآن لهم هدى ورحمة ولأولبك هدى بلب رحمة. والرحمة المقارنة للهدى فى حق المإمنٌن عاجلة وآجلة. فؤما العاجلة فما ٌعطٌهم الله تعالى فى الدنٌا من محبة الخٌر والبر، وذوق طعم الإٌمان، ووجد حلبوته، والفرح والسرور بؤن هداهم الله تعالى لما أضل عنه ؼٌرهم، ولما اختلؾ فٌه من الحق، فهم ٌتقلبون فى نور هداه، وٌمشون به فى الناس، وٌرون ؼٌرهم متحٌرا فى الظلمات، فهم أشد الناس فرحا بما آتاهم ربهم من الهدى، قال تعالى{ :قلْ بِفَضْل اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلكَ فَلٌَْفْرَحُوا هُوَ خٌَْر م مِا ٌَجْمَعُونَ [ }ٌونس: 58] . فؤمر سبحانه عباده المإمنٌن المهتدٌن أن ٌفرحوا بفضله ورحمته. وقد دارت عبارات السلؾ على أن الفضل والرحمة هو العلم والإٌمان والقرآن، واتباع الرسول، وهذا من أعظم الرحمة التى ٌرحم الله بها من ٌشاء من عباده، فإن الأمن والعافٌة والسرور، ولذة القلب ونعٌمه وبهجته، وطمؤنٌنته: مع الإٌمان والهدى إلى طرٌق الفلبح والسعادة، والخوؾ، ولهم، والؽم، والبلبء، والألم، والقلق: مع الضلبل والحٌرة. ومثل هدا بمسافرٌن أحدهما قد اهتدى لطرٌق مقصده، فسار آمنا مطمبنا، والآخر قد ضل الطرٌق فلم ٌدر أٌن ٌتوجه؟ كما قال تعالى{ :قلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا ٌَنْفَ عُنَا وَلا ٌَضُر نَا وَنُرَد عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إذْ هَدَانَا اللهُ كَالّذِى اسْتهْوَتْهُ الشٌَّاطٌِنُ فِى الأَرْضِ حٌَْرَانَ لَهُ أَصْحَاب ٌَدْعُونَهُ إلَى الهُدَى اُبْتِنَا قُلْ إن هُدَى الله هو الُهدَى[ }الأنعام: 76] . فالرحمة التى تحصل لمن حصل له الهدى، هى بحسب هداه، فكلما كان نصٌبه من الهدى أتم كان حظه من الرحمة أوفر، وهذه هى الرحمة الخاصة بعباده المإمنٌن، وهى ؼٌر الرحمة العامة بالبر والفاجر. وقد جمع الله سبحانه لأهل هداٌته بٌن الهدى والرحمة والصلبة علٌهم، فقال تعالى{ :أُولِبكَ عَلٌَْهِمْ صَ لَوَات مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحَمة وَأُولبِكَ هُمْ المُهْتَدُونَ [ }البقرة: 657 . ]قال عمر 2/172) ________________________________________ بن الخطاب رضى الله تعالى عنه "نعم العدلان، ونعمت العلبوة" فبالهدى خلصوا من الضلبل، وبالرحمة نجوا من الشقاء والعذاب، وبالصلبة علٌهم نالوا منزلة القرب والكرامة. والضالون حصل لهم ضد هذه الثلبثة: الضلبل عن طرٌق السعادة، والوقوع فى ضد الرحمة من الألم والعذاب، والذم واللعن، الذى هو ضد الصلبة. ولما كان نصٌب كل عبد من الرحمة على قدر نصٌبه من الهدى كان أكمل المإمنٌن إٌمانا أعظمهم رحمة، كما قال تعالى فى أصحاب رسوله صلى الله علٌه وسلم{ :مُحَم د رَسُولُ الله وَال ذٌِنَ مَعَهُ أَشِد اءُ على الْكُف ارِ رُحَمَاء بٌَْنَهُمْ [ }الفتح: 19] . وكان الصدٌق رضى الله تعالى عنه من أرحم الأمة، وقد روى عن النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم أنه قال: "أرحم أمتى بؤمتى أبو بكر" رواه الترمذى، وكان أعلم الصحابة باتفاق الصحابة، كما قال أبو سعٌد الخدرى رضى الله عنه "وكان أبو بكر رضى الله عنه أعلمنا به، ٌعنى النبى صلى الله تعالى وآله وسلم" فجمع الله له بٌن سعة العلم والرحمة. وهكذا الرجل كلما اتسع علمه اتسعت رحمته، وقد وسع ربنا كل شًء رحمة وعلما. فوسعت رحمته كل شًء، وأحاط بكل شًء علما، فهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، بل 2/173) ________________________________________ هو أرحم بالعبد من نفسه، كما هو أعلم بمصلحة العبد من نفسه، والعبد لجهله بمصالح نفسه وظلمه لها ٌسعى فٌما

عدد الصفحات ٢٩٠

ده من الوالدة بولدها، بل 2/173) ________________________________________ هو أرحم بالعبد من نفسه، كما هو أعلم بمصلحة العبد من نفسه، والعبد لجهله بمصالح نفسه وظلمه لها ٌسعى فٌما ٌضرها وٌإلمها، وٌنقص حظها من كرامته وثوابه، وٌبعدها من قربه، وهو ٌظن أنه ٌنفعها وٌكرمها، وهذا ؼاٌة الجهل والظلم والإنسان ظلوم جهول، فكم من مكرم لنفسه بزعمه، وهو لها مهٌن، ومرفه لها، وهو لها متعب، ومعطٌها بعض ؼرضها ولذتها، وقد حال بٌنها وبٌن جمٌع لذاتها، فلب علم له بمصالحها التى هى مصالحها، ولا رحمة

عدد الصفحات ٢٩٠