المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

المختصر القيم لثرات ابن القيم 01

ابن قيم الجوزية

صفحة ٢٥ من ٧٥

لْملببِكَةِ اُسْجُدُوا لآدَمَ }إلى آخر القصة [البقرة: 51 - 58 ] وقوله{ :تَنَز لُ المَلببِكَةُ وَالر وحُ فٌِها بِإذْنِ رَبهِّمْ [ }القدر: 4] . وما بٌن هاتٌن السورتٌن فى سور القرآن. بل لا تخلو سورة من سور القرآن عن ذكر الملببكة تصرٌحا، أو تلوٌحا، أو إشارة. وأما ذكرهم فى الأحادٌث النبوٌة فؤكثر وأشهر من أن ٌذكر. ولهذا كان الإٌمان بالملببكة علٌهم السلبم أحد الأصول الخمس التى هى أركان الإٌمان، وهى الأٌمان بالله، وملببكته، وكتبه، ورسله، والٌوم الآخر. فلنرجع إلى المقصود. وهو أن حركات العالم العلوى والسفلى بالملببكة. فالحركات الإرادٌة كلها تابعة للئرادة التى تحرك المرٌد إلى فعل ما ٌفعله، والحركة الطبٌعٌة سببها ما فى 2/131)

عدد الصفحات ٢٦٩

270 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي ________________________________________ المتحرك من المٌل والطلب لكماله وانتهابه، كحركة النار، وحركة النبات، وحركة الرٌاح. وكذلك حركة الجسم الثقٌل إلى أسفل فإنه بطبعه ٌطلب مستقره من المركز، ما لم ٌعقه عنه عابق. وأما الحركة القسرٌة: كحركته بالقسر إلى العلو، فتابعه لإرادة القاسر له، فلم ٌبق حركة أصلٌة إلا عن الإرادة والمحبة. فصل فإذا عرؾ ذلك فالمحبة هى التى تحرك المحب فى طلب محبوبه الذى ٌكمل بحصوله له، فتحرك محب الرحمن، ومحب القرآن، ومحب العلم والإٌمان، ومحب المتاع والأثمان، ومحب الأوثان والصلبان، ومحب النسوان والمردان، ومحب الأوطان ومحب الإخوان فتثٌر من كل قلب حركة إلى محبوبه من هذه الأشٌاء. فٌتحرك عند ذكر محبوبه منه دون ؼٌره، ولهذا تجد محب النسوان والصبٌان، ومحب قرآن الشٌطان بالأصوات والألحان لا ٌتحرك عند سماع العلم وشواهد الإٌمان، ولا عند تلبوة القرآن، حتى إذا ذكر له محبوبه اهتز له وربا، وتحرك باطنه وظاهره شوقا إلٌه وطربا لذكره. فكل هذه المحاب باطلة مضمحلة سوى محبة الله وما والاها، من محبة رسوله، وكتابه، ودٌنه، وأولٌابه. فهذه المحبة تدوم وتدوم ثمرتها ونعٌمها بدوام من تعلقت به، وفضلها على سابر المحاب كفضل من تعلقت به على ما سواه. وإذا انقطعت علببق المحبٌن، وأسباب توادهم وتحابهم لم تنقطع أسبابها. قال تعالى{ :إذّ تَبَر أَ الّذٌِنَ ات بِعُوا مِنَ الّذٌِنَ اُت بَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتقَطّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ [ }البقرة: 666] . قال عطاء عن ابن عباس رضى الله عنهما: "المودة." وقال مجاهد: "تواصلهم فى الدنٌا." وقال الضحاك: "ٌعنى تقطعت بهم الأرحام، وتفرقت بهم المنازل فى النار." وقال أبو صالح: "الأعمال." 2/132) ________________________________________ والكل حق. فإن الأسباب هى الوُصَل التى كانت بٌنهم فى الدنٌا، تقطعت بهم أحوج ما كانوا إلٌها. وأما أسباب الموحدٌن المخلصٌن لله فاتصلت بهم ودام اتصالها بدوام معبودهم ومحبوبهم. فإن السبب تبع لؽاٌته فى البقاء والانقطاع. فصل إذا تبٌن أصل هذا فؤصل المحبة المحمودة التى أمر الله تعالى بها وخلق خلقه لأجلها: هى محبته وحده لا شرٌك له، المتضمنة لعبادته دون عبادة ما سواه. فإن العبادة تتضمن ؼاٌة الحب بؽاٌة الذل، ولا ٌصلح ذلك إلا لله عز وجل وحده. ولما كانت المحبة جنسا تندرج تحته أنواع متفاوتة فى القدر والوصؾ، كان أؼلب ما ٌذكر فٌها فى حق الله تعالى: ما ٌختص به وٌلٌق به، كالعبادة والإنابة والإخبات، ولهذا لا ٌذكر فٌها لفظ العشق والؽرام، والصبابة، والشؽؾ، والهوى، وقد ٌذكر لها لفظ المحبة، كقوله{ :ٌحُب هُمْ وٌَ حُب ونِهُ [ }المابدة: 54 ]وقوله {قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِب ونَ اللهَ فَات بِعُونِى ٌُحْبْبِكْمْ اللهُ [ }آل عمران: 56 ]وقوله {وَالّذٌِنَ آمَنُوا أَشَد حُبا للهِ [ }البقرة: 665] . ومدار كتب الله تعالى المنزلة من أولها إلى آخرها على الأمر بتلك المحبة ولوازمها والنهى عن محبة ما ٌضادها وملبزمتها، وضرب الأمثال والمقاٌٌس لأهل المحبتٌن، وذكر قصصهم ومآلهم، ومنازلهم، وثوابهم، وعقابهم، ولا ٌجد حلبوة الإٌمان، بل لا ٌذوق طعمه، إلا من كان الله ورسوله أحب إلٌه مما سواهما، كما فى الصحٌحٌن من حدٌث أنس رضى الله عنه عن النبى صلى الله تعالى علٌه وآله سلم قال: "ثَلبَث مَنْ كُن فٌِهِ وَجَدَ حَلبَوَة الإٌمَانِ - وفى لفظ: لا ٌَجُد طَعْمَ الإٌِمَانِ إلا مَنْ كانَ فٌِهِ ثَلبثُ : مَنْ كانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أحَب إلٌَْهِ م مِا سِوَاهُما، وَأَنْ ٌُحِب المَرْءَ لا ٌُحِب هُ إلا للهِ ، وأَنْ ٌَكْرَهَ أنْ ٌَرْجِعَ فى الْكُفْرِ بَعْدَ إذْ أَنُقَذَهُ اللهُ تعالى مِنْهُ، كما ٌَكْرَهُ أَنْ ٌُلقَى فى الن ارِ ."

عدد الصفحات ٢٧٠

271 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وفى الصحٌحٌن أٌضا عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "وَال ذِى نَفْسِى بٌَِدِهِ لا ٌُإْمِنُ أَحَدُكُمْ حَت ى أكُونَ أَحَب إلٌَْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالن اسِ أَجَمَعٌِنَ ." 2/133) ________________________________________ ولهذا اتفقت دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم، على عبادة الله وحده لا شرٌك له. وأصل العبادة وتمامها وكمالها هو المحبة، وإفراد الرب سبحانه بها، فلب ٌشرك العبد به فٌها ؼٌره. والكلمة المتضمنة لهذٌن الأصلٌن هى الكلمة التى لا ٌدخل فى الإسلبم إلا بها، ولا ٌعصم دمه وماله إلا بالإتٌان بها، ولا ٌنجو من عذاب الله إلا بتحقٌقها بالقلب واللسان وذكرها أفضل الذكر، كما فى صحٌح ابن حبان عنه صلى الله تعالى علٌه وسلم: "أَفْضَلُ الذِّكْرِ لا إِلهَ إلاّ اللهُ ." والآٌة المتضمنة لها ولتفضٌلها سٌدة آى القرآن، والسورة المختصة بتحقٌقها تعدل ثلث القرآن، بها أرسل الله سبحانه جمٌع رسله، وأنزل جمٌع كتبه، وشرع جمٌع شرابعه، قٌاما بحقها وتكمٌلب لها. وهى التى ٌدخل بها العبد على ربه، وٌصٌر فى جواره وهى مفزع أولٌابه وأعدابه، فإن أعداءه إذا مسهم الضر فى البر والبحر فزعوا إلى توحٌده، وتبرءوا من شركهم، ودعوه مخلصٌن له الدٌن. وأما أولٌاإه فهى مفزعهم فى شدابد الدنٌا والآخرة. ولهذا كانت دعوات المكروب "لا إله إلا الله العظٌم الحلٌم، لا إله إلا الله رب العرش العظٌم، لا إله الله رب السماوات ورب الأرض رب العرش الكرٌم." ودعوة ذى النون التى ما دعاً بها مكروب إلا فرج الله كربه "لا إله إلا أنت، سبحانك إنى كنت من الظالمٌن." وقال ثوبان رضى الله تعالى عنه "كان رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم إذا راعه 2/134) ________________________________________ أمر قال: الله ربى لا أشرك به شٌبا" وفى لفظ قال: " هو الله لا شرٌك له." وقالت أسماء بنت عمٌس رضى الله عنها "علمنى رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم كلمات أقولها عند الكرب: الله، الله ربى، لا أشرك به شٌبا." وفى الترمذى من حدٌث إبراهٌم بن محمد بن سعد بن أبى وقاص عن أبٌه عن جده عن النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم قال: "دَعْوَةُ ٌُونُسَ إِذْ نَادَى فى بَطْنِ الْحُوتِ : لا إِلهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّى كُنْتُ مِنَ الظّالمٌِنَ، فَإنّهُ لَ مْ ٌَدْعُ بِهَا مُسْلِم فى شَاْ إلا اُسْتُجٌِبَ لَهُ ." وفى "مسند الإمام أحمد" مرفوعا "دَعوَاتُ المَكْرُوبِ : الّلهُم رَحْمَتكَ أَرْجُو، فَلب تَكِلْنِى إلَى نَفْسِى طَرْفَةَ عٌَْنِ، وَأَصْلِحْ لِى شَؤْنِى كُلّهُ، لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ ." فالتوحٌد ملجؤ الطالبٌن، ومفزع الهاربٌن، ونجاة المكروبٌن، وؼٌاث الملهوفٌن، وحقٌقته إفراد الرب سبحانه بالمحبة والإجلبل التعظٌم، والذل والخضوع. فصل فإذا عرؾ أن كل حركة فؤصلها الحب والإرادة، فلب بد من محبوب مراد لنفسه، لا ٌطلب وٌحب لؽٌره، إذ لو كان كل محبوب ٌحب لؽٌره لزم الدور أو التسلسل فى العلل والؽاٌات، وهو باطل باتفاق العقلبء، والشًء قد ٌحب من وجه دون وجه، ولٌس شًء ٌحب لذاته من كل وجه إلا الله عز وجل وحده، الذى لا تصلح الألوهٌة إلا له، فلو كان فى السماوات والأرض آلهة إلا الله لفسدتا. والإلهٌة التى دعت الرسل أممهم إلى توحٌد الرب بها: هى العبادة والتؤلٌه. ومن لوازمها: توحٌد الربوبٌة الذى أقر به المشركون، فاحتج الله علٌهم به، فإنه ٌلزم من الإقرار به الإقرار بتوحٌد الإلهٌة. 2/135)

عدد الصفحات ٢٧١

272 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي ________________________________________ فصل وكل حى فله إرادة وعمل بحسبه، وكل متحرك فله ؼاٌة ٌتحرك إلٌها، ولا صلبح له إلا أن تكون ؼاٌة حركته ونهاٌة مطلبه: هو الله وحده. كما لا وجود له إلا أن ٌكون الله وحده هو ربه وخالقه، فوجوده بالله وحده، وكماله أن ٌكون لله وحده. فما لا ٌكون به لا ٌكون، ومالا ٌكون له لا ٌنفع ولا ٌدوم، ولهذا قال تعالى{ :لَوْ كانَ فٌِهِ مَا آلَهِة إِلا اللهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبٌاء: 11] . ولم ٌقل لعدمتا، إذ هو سبحانه قادر على أن ٌبقٌهما على وجه الفساد، لكن لا ٌمكن أن تكونا صالحٌن إلا بؤن ٌكون فاطرهما وخالقهما هو المعبود وحده لا شرٌك له، فإن صلبح الأعمال والحركات بصلبح نٌاتها ومقاصدها، فكل عمل فهو تابع عامله وقصده وإرادته. وتقسٌم الأعمال إلى صالح فاسد، هو باعتبارها فى ذواتها تارة وباعتبار مقاصدها ونٌاتها تارة. وأما تقسٌم المحبة والإرادة إلى نافعة وضارة، فهو باعتبار متعلقها، ومحبوبها، ومرادها، فإن كان المحبوب المراد هو الذى لا ٌنبؽى أن ٌحب لذاته وٌراد لذاته إلا هو، وهو المحبوب الأعلى، الذى لا صلبح للعبد، ولا فلبح، ولا نعٌم، ولا سرور، إلا بؤن ٌكون هو وحده محبوبه، ومراده، وؼاٌة مطلوبه، كانت محبته نافعة له. وإن كان محبوبه ومراده ونهاٌة مطلوبه ؼٌره كانت محبته ضارة ؼٌره كانت محبته ضارة له وعذابا شقاء. فالمحبة النافعة هى التى تجلب لصاحبها ما ٌنفعه من السعادة والنعٌم، والمحبة الضارة هى التى تجلب لصاحبها ما ٌضره من الشقاء والألم والعناء. فصل إذا تبٌن هذا فالحى العالم الناصح لنفسه لا ٌإثر محبة ما ٌضره وٌشقى به وٌتؤلم به، ولا ٌقع ذلك إلا من فساد تصوره ومعرفته، أو من فساد قصده وإرادته. فالأول: جهل، والثانى ظلم: والإنسان خلق فى الأصل ظلوماً جهولا، ولا ٌنفك عن 2/136) ________________________________________ الجهل والظلم إلا بؤن ٌعلمه الله ما ٌنفعه، وٌلهمه رشده، فمن أراد به الخٌر علمه ما ٌنفعه، فخرج به عن الجهل، ونفعه بما علمه، فخرج به عن الظلم، ومتى لم ٌرد به خٌرا أبقاه على أصل الخلقة، كما فى المسند من حدٌث عبد الله بن عمرو عن النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم قال: "إِن اللهَ خَلَقَ خَلْقَهُ فى ظُلْمَة ، ثُم ألْقَى عَلٌَْهِمْ مِنْ نُورِهِ، فمَنْ أصَابَ هُ ذلِكَ الن ورُ اُهْتَدَى، وَمَنْ أخْطؤَهُ ضَل ." فالنفس تهوى ما ٌضرها ولا ٌنفعها، لجهلها بمضرته لها تارة، ولفساد قصدها تارة، ولمجموعهما تارة، وقد ذم الله تعالى فى كتابه من أجاب داعى الجهل والظلم، فقال{ :فَإِنْ لَمْ ٌَسْتَجٌِبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَن مَ ا ٌَت بِعُونَ أَهْوَاءهَمْ وَمَنْ أَضَل م مِنِ اتبَعَ هَوَاهُ بِؽٌَْرِ هُدًى مِنَ اللهِ إِن اللهَ لا ٌَهْدِى الْقَوْمَ الظّالمٌِن[ }القصص: 51 ]وقال {إِنْ ٌَت بِعُونَ إلا الظّن وَمَا تهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ الْهُدَى[ }النجم: 15] . فؤصل كل خٌر: هو العلم والعدل، وأصل كل شر: هو الجهل والظلم. وقد جعل الله سبحانه للعدل المؤمور به حدا، فمن تجاوزه كان ظالما معتدٌا، وله من الذم والعقوبة بحسب ظلمه وعدوانه، الذى خرج به عن العدل، ولهذا قال سبحانه وتعالى{ :وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُ سْرِفُوا إنّهُ لا ٌُحِب المُسْرِفٌِنَ } [الأعراؾ: 56] . قال فٌمن ابتؽى سوى زوجته أو ملك ٌمٌنه: {فَمَن اُبْتَؽَى وَرَاءَ ذلِكَ فَؤُولِبكَ هُمُ الْعَادُونَ [ }المإمنون: 7 ]وقال {وَ تَعْتَدُوا إن اللهَ لا ٌُحِب المُعْتَدٌِنَ [ }البقرة: 691] . والمقصود: أن محبة الظلم والعدوان سببها فساد العلم. أو فساد القصد، أو فسادهما جمٌعا.

عدد الصفحات ٢٧٢

273 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وقد قٌل: إن فساد القصد من فساد العلم، وإلا فلو علم ما فى الضار من المضرة ولوازمها حقٌقة العلم لما آثره، ولهذا من علم من طعام شهى لذٌذ أنه مسموم فإنه لا ٌقدم علٌه، فضعؾ علمه بما فى الضار من وجوه المضرة، وضعؾ عزمه عن اجتنابه ٌوقعه فى ارتكابه، ولهذا كان الإٌمان الحقٌقى هو الذى ٌحمل صاحبه على فعل ما ٌنفعهُ، وترك ما ٌضره، فإذا لم ٌفعل هذا ولم ٌترك هذا لم ٌكن إٌمانه على الحقٌقة، وإنما معه من الإٌمان بحسب ذلك. فإن المإمن بالنار حقٌقة الإٌمان، حتى كؤنه ٌراها، لا ٌسلك طرٌقها 2/137) ________________________________________ الموصلة إلٌها، فضلب عن أن ٌسعى فٌها بجهده، والمإمن بالجنة حقٌقة الإٌمان لا تطاوعه نفسه أن ٌقعد عن طلبها، وهذا أمر ٌجده الإنسان فى نفسه فٌما ٌسعى فٌه فى الدنٌا من المنافع، أو التخلص منه من المضار. فصل إذا تبٌن هذا، فالعبد أحوج شا إلى معرفة ما ٌضره لٌجتنبه، وما ٌنفعه لٌحرص علٌه وٌفعله، فٌحب النافع: وٌبؽض الضار، فتكون محبته وكراهته موافقتٌن لمحبة الله تعالى وكراهته، وهذا من لوازم العبودٌة والمحبة، ومتى خرج عن ذلك أحب ما ٌسخطه ربه وكره ما ٌحبه، فنقصت عبودٌته بحسب ذلك. وهاهنا طرٌقان: العقل، والشرع. أما العقل، فقد وضع الله سبحانه فى العقول والفطر استحسان الصدق والعدل، والإحسان، والبر، والعفة، والشجاعة، ومكارم الأخلبق، وأداء الأمانات، وصلة الأرحام، ونصٌحة الخلق، والوفاء بالعهد، وحفظ الجوار، ونصر المظلوم، والإعانة على نوابب الحق، وقرى الضٌؾ، وحمل الكل، ونحو ذلك. ووضع فى العقول والفطر استقباح أضداد ذلك، ونسبة هذا الاستحسان والاستقباح إلى العقول والفطر كنسبة استحسان شرب الماء البارد عند الظمؤ، وأكل الطعام اللذٌذ النافع عند الجوع، ولبس ما ٌدفبه عند البرد، فكما لا ٌمكنه أن ٌدفع عن نفسه وطبعه استحسان ذلك ونفعه. فكذلك لا ٌدفع عن نفسه وفطرته استحسان صفات الكمال ونفعها، واستقباح أضدادها، ومن قال: إن ذلك لا ٌعلم بالعقل، ولا بالفطرة، وإنما عرؾ بمجرد السمع، فقوله باطل، قد بٌنا بطلبنه فى كتاب المفتاح من ستٌن وجها وبٌنا هناك دلالة القرآن والسنة والعقول والفطر على فساد هذا القول. والطرٌق الثانى لمعرفة الضار والنافع من الأعمال: السمع. وهو أوسع وأبٌن وأصدق من الطرٌق الأول، لخفاء صفات الأفعال وأحوالها ونتابجها، وأن العالم بذلك على التفصٌل لٌس هو إلا الرسول صلوات الله وسلبمه علٌه. فؤعلم الناس وأصحهم عقلب ورأٌا واستحسانا من 2/138) ________________________________________ كان عقله ورأٌه واستحسانه وقٌاسه موافقا للسنة، كما قال مجاهد "أفضل العبادة الرأى الحسن، وهو اتباع السنة" قال تعالى{ :وٌََرَى الّذٌِنَ أُوتُوا الْعِلْمَ الّذِى أُنْزِلَ إلٌَْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَق [ }سبؤ: 6] . وكان السلؾ ٌسمون أهل الآراء المخالفة للسنة وما جاء به الرسول فى مسابل العلم الخبرٌة وأهل مسابل الأحكام العملٌة ٌسمونهم: أهل الشبهات والأهواء، لأن الرأى المخالؾ للسنة جهل لا علم، وهوى لا دٌن. فصاحبه ممن اتبع هواه بؽٌر هدى من الله واتبع هواه بؽٌر علم وؼاٌته الضلبل فى الدنٌا والشقاء فى الآخرة، وإنما ٌنتفى الضلبل والشقاء عمن اتبع هدى الله الذى أرسل به رسله، وأنزل به كتبه، كما قال تعالى{ :فَإم ا ٌَؤْتٌ نكُمْ مِنِّى هُدى فَمَنِ ات بَعَ هُدَاى فَلبَ ٌَضِل وَلا ٌَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِى فَإن لَهُ مَعٌِشَةً ضَنْكَا وَنَحْشُرُهُ ٌَوْمَ الْقٌَِامَةِ أَعْمَى[ }طه: 615- 614] . واتباع الهوى ٌكون فى الحب والبؽض، كما قال تعالى{ :ٌَا أٌَ هَا الّذٌِنَ آمَنُوا كُونُوا قَو امٌِنَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ للهِ وَلَوْ عَلَى

عدد الصفحات ٢٧٣

الْقٌَِامَةِ أَعْمَى[ }طه: 615- 614] . واتباع الهوى ٌكون فى الحب والبؽض، كما قال تعالى{ :ٌَا أٌَ هَا الّذٌِنَ آمَنُوا كُونُوا قَو امٌِنَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ للهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَال دٌَْنِ وَالأقْرَبٌِنَ إنْ ٌَكُنْ ؼَنٌِ ا أَوْ فَقٌِراً فَاللهُ أَولَى بهِمَا فَلب تَت بِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا[ }النساء: 655 ]، وقال: {وَ ٌَجْرِمَن كُمْ شَنَآنُ قَوْم عَلَى أَنْ لا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلت قْوَى [ }المابدة: 8] .

عدد الصفحات ٢٧٣

274 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي والهوى المنهى عن اتباعه كما ٌكون هو هوى الشخص فى نفسه، فقد ٌكون أٌضا هوى ؼٌره، فهو منهى عن اتباع هذا وهذا، لمضادة كل منهما لهدى الله الذى أرسل به رسله، وأنزل به كتبه. فصل فمن المحبة النافعة: محبة الزوجة وما ملكت ٌمٌن الرجل، فإنها معٌنة على ما شرع الله سبحانه له من النكاح وملك الٌمٌن، من إعفاؾ الرجل نفسه وأهله، فلب تطمح نفسه إلى سواها من الحرام، وٌعفها، فلب تطمح نفسها إلى ؼٌره، وكلما كانت المحبة بٌن الزوجٌن أتم وأقوى كان هذا المقصود أتم وأكمل، قال تعالى{ :هُوَ الّذِى خَلَقَكُمْ مِنْ 2/139) ________________________________________ نَفْس وَاحِدَة وَجَعَلَ مِنْهَا زَوجَهَا لٌَِسْكُنَ إِلٌَْهَا[ }الأعراؾ: 689 ]، وقال{ :وَمِنْ آٌَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إلٌَْ هَا وَجَعَل بٌَْنَكُمْ مَوَد ةَ وَرَحْمَةً [ }الروم: 16] . وفى الصحٌح عنه صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم أنه سبل "من أحب الناس إلٌك؟ فقال: عابشة" ولهذا كان مسروق رحمه الله ٌقول، إذا حدث عنها: "حدثتنى الصدٌقة بنت الصدٌق، حبٌبة رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم، المب رأة من فوق سبع سماوات." وصح عنه صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم أنه قال: "حبب إلى من دنٌاكم النساء والطٌب. وجعلت قرة عٌنى فى الصلبة." فلب عٌب على الرجل فى محبته لأهله، وعشقه لها، إلا إذا شؽله ذلك عن محبة ما هو أنفع له، من محبة الله ورسوله، وزاحم حبه وحب رسوله، فإن كل محبة زاحمت محبة الله ورسوله، بحٌث تضعفها وتنقصها فهى مذمومة. وإن أعانت على محبة الله ورسوله وكانت من أسباب قوتها فهى محمودة، ولذلك كان رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم ٌحب الشراب البارد الحلو، وٌحب الحلواء والعسل، وٌحب الخٌل، وكان أحب الثٌاب إلٌه القمٌص، وكان ٌحب الدباء، فهذه المحبة لا تزاحم محبة الله، بل قد تجمع الهم والقلب على التفرغ لمحبة الله، فهذه محبة طبٌعٌة تتبع نٌة صاحبها وقصده بفعل ما ٌحبه. فإن نوى به القوة على أمر الله تعالى وطاعته كانت قربة، وإن فعل ذلك بحكم الطبع والمٌل المجرد لم ٌُثَبْ ولم ٌعاقب. وإن فاته درجة من فعله متقربا به إلى الله. فالمحبة النافعة ثلبثة أنواع: محبة الله ومحبة فى الله، ومحبة ما ٌعٌن على طاعة الله تعالى واجتناب معصٌته. والمحبة الضارة ثلبثة أنواع: المحبة مع الله، ومحبة ما ٌبؽضه الله تعالى، ومحبة ما تقطع محبته عن محبة الله تعالى أو تنقصها. فهذه ستة أنواع، علٌها مدار محاب الخلق. فمحبة الله عز وجل أصل المحاب المحمودة، وأصل الإٌمان والتوحٌد، والنوعان الآخران تبع لها. 2/140) ________________________________________ والمحبة مع الله أصل الشرك والمحاب المذمومة، والنوعان الآخران تبع لها. ومحبة الصور المحرمة وعشقها من موجبات الشرك، وكلما كان العبد أقرب إلى الشرك وأبعد من الإخلبص كانت محبته بعشق الصور أشد، وكلما كان أكثر إخلبصا وأشد توحٌدا، كان أبعد من عشق الصور، ولهذا أصاب امرأة العزٌز ما أصابها من العشق، لشركها. ونجا منه ٌوسؾ الصدٌق علٌه السلبم بإخلبصه، قال تعالى{ :كَذلِكَ لِنَصْرِؾَ عَنْهُ الس وءَ وَالْفَحْشَاءَ إِن هُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلَصٌِنَ [ }ٌوسؾ: 14] . فالسوء: العشق، والفحشاء: الزنا. فالمخلص قد خلص حبه لله، فخلصه الله من فتنة عشق الصور. والمشرك قلبه متعلق بؽٌر الله، لم ٌخلص توحٌده وحبه لله عز وجل. فصل

عدد الصفحات ٢٧٤

275 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي ومن أبلػ كٌد الشٌطان وسخرٌته بالمفتونٌن بالصور: أنه ٌمنى أحدهم أنه إنما ٌحب ذلك الأمرد، أو تلك المرأة الأجنبٌة لله تعالى، لا للفاحشة، وٌؤمره بمواخاته. وهذا من جنس المخادنة، بل هو مخادنة باطنة. كذوات الأخدان اللبتى قال الله تعالى فٌهن{ :مُحْصَنَات ؼٌَْرَ مُسَافِحَات وَلا مُت خِذَاتِ أَخْدَان [ }النساء: 15] . وقال فى حق الرجال{ :مُحْصِنٌِنَ ؼٌَْرَ مُسَافِحٌِنَ وَلا مُت خِذِى أَخْدَان [ }المابدة: 5] . فٌظهرون للناس أن محبتهم تلك الصورة لله تعالى، وٌبطنون اتخاذها خدنا، ٌتلذذون بها فعلب، أو تقبٌلب، أو تمتعا مجرد النظر والمخادنة، والمعاشرة، واعتقادهم أن هذا لله، وأنه قربة وطاعة: هو من أعظم الضلبل والؽى، وتبدٌل الدٌن، حٌث جعلوا ما كرهه الله سبحانه محبوبا له، وذلك من نوع الشرك، والمحبوب المتخذ من دون الله طاؼوت. فإن اعتقاد كون التمتع بالمحبة والنظر والمخادنة وبعض المباشرة لله، وأنه حب فٌه: كفر وشرك، كاعتقاد محبى الأوثان فى أوثانهم. 2/141) ________________________________________ وقد ٌبلػ الجهل بكثٌر من هإلاء إلى أن ٌعتقد أن التعاون على الفاحشة تعاون على الخٌر والبر، وأن الجالب محسن إلى العاشق، جدٌر بالثواب، وأنه ساع فى دوابه وشفابه، وتفرٌج كرب العشق عنه، وأن "من نفس عن مإمن كربة من كرب الدنٌا نفس الله عنه كربة من كرب ٌوم القٌامة." فصل ثم هم بعد هذا الضلبل والؽى أربعة أقسام: قوم ٌعتقدون أن هذا لله، وهذا كثٌر فى طوابؾ العامة، والمنتسبٌن إلى الفقر والتصوؾ، وكثٌر من الأتراك. وقوم ٌعلمون فى الباطن أن هذا لٌس لله، وإنما ٌظهرون أنه لله خداعا ومكرا وتسترا. وهإلاء من وجه أقرب إلى المؽفرة من أولبك، لما ٌرجى لهم من التوبة. ومن وجه أخبث، لأنهم ٌعلمون التحرٌم وٌؤتون المحرم، وأولبك قد ٌشتبه الأمر على بعضهم كما اشتبه على كثٌر من الناس أن استماع أصوات الملبهى قربة وطاعة، ووقع فى ذلك من شاء الله من الزهاد والعباد، فكذلك اشتبه على من هو أضعؾ علما وإٌمانا أن التمتع بعشق الصور ومشاهدتها ومعاشرتها عبادة وقربة. القسم الثالث: مقصودهم الفاحشة الكبرى. فتارة ٌكونون من أولبك الضالٌن الذٌن ٌعتقدون أن هذه المحبة التى لا وطء فٌها لله تعالى، وأن الفاحشة معصٌة، فٌقولون نفعل شٌبا لله تعالى، ونفعل أمرا لؽٌر الله تعالى، وتارة ٌكونون من أهل القسم الثانى الذٌن ٌظهرون أن هذه المحبة لله، وهم ٌعلمون أن الأمر بخلبؾ ذلك، فٌجمعون بٌن الكذب والفاحشة، وهم فى هذه المخادنة والمواخاة مضاهبون للنكاح، فإنه ٌحصل بٌن هذٌن من الاقتران والازدواج والمخالطة نظٌر ما ٌحصل بٌن الزوجٌن. وقد ٌزٌد علٌه تارة فى الكم والكٌؾ، وقد ٌنقص عنه. وقد ٌحصل بٌنهما من الاقتران ما ٌشبه اقتران المتواخٌٌن المتحابٌن فى الله، لكن الذٌن 2/142) ________________________________________ آمنوا أشد حباً لله، فإن المتحابٌن فى الله ٌعظم تحابهما وٌقوى وٌثبت، بخلبؾ هذه المواخاة والمحبة الشٌطانٌة. ثم قد ٌشتد بٌنهما الاتصال حتى ٌسمونه زواجاً، وٌقولون: تزوج فلبن بفلبن، كما ٌفعله المستهزبون بآٌات الله تعالى ودٌنه من مجان الفسقة، وٌقرهم الحاضرون على ذلك، وٌضحكون منه، وٌعجبهم مثل ذلك المزاح والنكاح. وربما ٌقول بعض زنادقة هإلاء: الأمرد حبٌب الله، والملتحى عدو الله، وربما اعتقد كثٌر من المرادن أن هذا صحٌح، وأنه المراد بقوله "إذا أحب الله العبد نادى: ٌا جبرٌل إنى أحب فلبنا فؤحبه - الحدٌث." وأنه توضع له المحبة فى الأرض، فٌعجبه أن ٌحب، وٌفتخر بذلك بٌن الناس، وٌعجبه أن ٌقال: هو معشوق، أو حظوة البلد، وأن الناس ٌتؽاٌرون على محبته ونحو ذلك.

عدد الصفحات ٢٧٥

276 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وقد آل الأمر بكثٌر من هإلاء إلى ترجٌح وطء المردان على نكاح النسوان. وقالوا: هو أسلم من الحبل والولادة ومإنة النكاح، والشكوى إلى القاضى، وفرض النفقة، والحبس على الحقوق. وربما قال بعضهم: إن جماع النساء ٌؤخذ من القوة أكثر مما ٌؤخذ جماع الصبٌان. لأن الفرج ٌجذب من القوة والماء أكثر مما ٌجذب المحل الأخر بحكم الطبٌعة. وقسمت هذه الطابفة المفعول به إلى ثلبثة أقسام: مإاجر، ومملوك، ومعشوق خاص. فالأول: بإزاء البؽاٌا المإجرات أنفسهن. والثانى: بإزاء الأمة والسرٌة. والثالث: بإزاء الزوجة أو الأجنبٌة المعشوقة. وتعوض كل منهم بقسم عن نظٌره من الإناث. وربما فضل بعضهم اتخاذ المردان 2/143) ________________________________________ واستفراشهم على النساء من وجوه. وهذا مضادة ومحادة لله ودٌنة وكتبه ورسله. وصنؾ بعضهم كتابا فى هذا الباب، وقال فى أثنابه: باب فى المذهب المالكى، وذكر فٌه الجماع فى الدُبر من الذكور والإناث. وقد علم أن مالكا رحمه الله تعالى من أشد الناس وأشدهم مذهبا فى هذا الباب، حتى إنه ٌوجب قتل اللوطى حدا، بكرا أو ثٌبا، وقوله فى ذلك هو أصح المذاهب، كما دلت علٌه النصوص، واتفق علٌه أصحاب رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم، وإن اختلفت أقوالهم فى كٌفٌة قتله، كما سنذكره إن شاء الله تعالى. وسبب ؼلط هذا وأمثاله: أنه قد نسب إلى مالك رحمه الله تعالى القول بجواز وطء الرجل امرأته فى دبرها، وهو كذب على مالك وعلى أصحابه فكتبهم كلها مصرحة بتحرٌمه. ثم لما استقر عند هإلاء أن مالكا ٌبٌح ذلك نقلوا الإباحة من الإناث إلى الذكور، وجعلوا البابٌن بابا واحدا. وهذا كفر وزندقة من قابله بإجماع الأمة. ونظٌر هذا: ما ٌتوهمه كثٌر من الفسقة وجهال الترك وؼٌرهم أن مذهب أبى حنٌفة رحمه الله تعالى أن هذا لٌس من الكبابر وؼاٌته أن تكون صؽٌرة من الصؽابر. وهذا من أعظم الكذب والبهت على الأبمة. فقد أعاذ الله أبا حنٌفة وأصحابه من ذلك. وشبهة هإلاء الفسقة الجهلة: أنهم لما رأوا أبا حنٌفة رحمه الله تعالى لم ٌوجب فٌه الحد ركبوا على ذلك أنه لٌس من كبابر الذنوب، بل من صؽابرها. وهذا ظن كاذب. فإن أبا حنٌفة لم ٌسقط فٌه الحد لخفة أمره، فإن جرمه عنده وعند جمٌع أهل الإسلبم أعظم من جرم الزنا. ولهذا عاقب الله سبحانه أهله بما لم ٌعاقب به أمة من الأمم، وجمع علٌهم من أنواع العذاب ما لم ٌجمعه على ؼٌرهم. 2/144) ________________________________________ وشبهة من أسقط فٌه الحد: أن فحش هذا مركوز فى طباع الأمم. فاكتفى فٌه بالوازع الطبعى، كما اكتفى بذلك فى أكل الرجٌع وشرب البول والدم، ورتب الحد على شرب الخمر، لكونه مما تدعو إلٌه النفوس. والجمهور ٌجٌبون عن هذا بؤن فى النفوس الخبٌثة المتعدٌة حدود الله أقوى الداعى لذلك فالحد فٌه أولى من الحد فى الزنا، ولذلك وجب الحد على من وطا أمه وابنته وخالته وجدته وإن كان فى النفوس وازع وزاجر طبعى عن ذلك، بل حد هذا القتل بكل حال بكرا كان أو محصنا فى أصح الأقوال، وهو مذهب أحمد وؼٌره. هذا ونفرة النفوس عن ذلك أعظم بكثٌر من نفرتها عن المردان. ونظٌر هذا الظن الكاذب، والؽلط الفاحش: ظن كثٌر من الجهال أن الفاحشة بالمملوك كالمباحة، أو مباحة، أو أنها أٌسر من ارتكابها من الحر، وتؤولت هذه الفرقة القرآن على ذلك، وأدخلت المملوك فى قوله{ :إ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أٌْمَانُهُمْ فَإن هُمْ ؼٌَْرُ مَلُومٌِنَ [ }المإمنون: 6، المعارج: 51] .

عدد الصفحات ٢٧٦

277 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وحتى إن بعض النساء لتمكن عبدها من نفسها، تتؤول القرآن على ذلك، كما رفع إلى عمر بن الخطاب امرأة تزوجت عبدها، وتؤولت هذه الآٌة، ففرق عمر رضى الله عنه بٌنهما، وأدبها، وقال "وٌحك، إنما هذا للرجال لا للنساء." ومن تؤول هذه الآٌة على وطء الذكران من الممالٌك فهو كافر باتفاق الأمة قال شٌخنا: ومن هإلاء من ٌتؤول قوله تعالى{ :وَلَعَبْد مُإْمِن خٌَْر م نْ مُشْرِك وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ [ }البقرة: 116] . على ذلك، قال: وقد سؤلنى بعض الناس عن هذه الآٌة، وكان ممن ٌقرأ القرآن فظن أن معناها فى إباحة ذكران العبٌد المإمنٌن. قال: ومنهم من ٌجعل ذلك مسؤلة نزاع، ٌبٌحه بعض العلماء، وٌحرمه بعضهم، وٌقول: اختلبفهم شبهة، وهذا كذب وجهل، فإنه لٌس فى فرق الأمة من ٌبٌح ذلك، بل ولا فى دٌن من أدٌان الرسل، وإنما ٌبٌحه زنادقة العالم، الذٌن لا ٌإمنون بالله ورسله، وكتبه والٌوم الآخر. 2/145) ________________________________________ قال: ومنهم من ٌقول: هو مباح للضرورة، مثل أن ٌبقى الرجل أربعٌن ٌوما لا ٌجامع، إلى أمثال هذه الأمور التى خاطبنى فٌها وسؤلنى عنها طوابؾ من الجند والعامة والفقراء. قال: ومنهم من قد بلؽه خلبؾ بعض العلماء فى وجوب الحد فٌه، فظن أن ذلك خلبؾ فى التحرٌم، ولم ٌعلم أن الشًء قد ٌكون من أعظم المحرمات، كالمٌتة والدم ولحم الخنزٌر، ولٌس فٌه حد مقدر. ثم ذلك الخلبؾ قد ٌكون قولا ضعٌفا، فٌتولد من ذلك القول الضعٌؾ الذى هو من خطؤ بعض المجتهدٌن، وهذا الظن الفاسد الذى هو خطؤ بعض الجاهلٌن: تبدٌل الدٌن، وطاعة الشٌطان، ومعصٌة رب العالمٌن، فإذا انضافت الأقوال الباطلة إلى الظنون الكاذبة، وأعانتها الأهواء الؽالبة، فلب تسؤل عن تبدٌل الدٌن بعد ذلك، والخروج عن جملة الشرابع بالكلٌة. ولما سهل هذا الأمر فى نفوس كثٌر من الناس صار كثٌر من الممالٌك ٌتمدح بؤنه لا ٌعرؾ ؼٌر سٌده، أنه لم ٌطؤه سواه، كما تتمدح الأمة والمرأة بؤنها لا تعرؾ ؼٌر سٌدها وزوجها، وكذلك كثٌر من المردان ٌتمدح بؤنه لا ٌعرؾ ؼٌر خدٌنه وصدٌقه، أو مإاخٌه أو معلمه، وكذلك من الفاعلٌن ٌتمدح بؤنه عفٌؾ عما سوى خدنه الذى هو قرٌنه وعشٌره كالزوجة، أو عما سوى مملوكه، الذى هو كسرٌته. ومنهم من ٌرى أن التحرٌم إنما هو إكراه الصبى على فعل الفاحشة، فإذا كان مختارا راضٌا لم ٌكن بذلك بؤس، فكؤن المحرم عنده من ذلك إنما هو الظلم والعدوان بإكراه المفعول به. قال شٌخنا: وحكى لى من أثق به: أن بعض هإلاء أخُذِ على هذه الفاحشة، فحكم علٌه بالحد، فقال: والله هو ارتضى بذلك، وما أكرهته ولا ؼصبته، فكٌؾ أعاقب؟ فقال نصٌر المشركٌن - وكان حاضرا - هذا حكم محمد بن عبد الله ولٌس لهإلاء ذنب. 2/146) ________________________________________ ومن هإلاء من ٌعتقد أن العشق إذا بلػ بالعاشق إلى حد ٌخاؾ معه التلؾ أبٌح له وطء معشوقه للضرورة، وحفظ النفس، كما ٌباح له الدم والمٌتة ولحم الخنزٌر فى المخمصة. وقد ٌبٌح هإلاء شرب الخمر على وجه التدواى، وحفظ الصحة إذا سلم من معرة السكر ولا رٌب أن الكفر والفسوق والمعاصى درجات، كما أن الإٌمان والعمل الصالح درجات، كما قال تعالى: {هُمْ دَرَجَات عِنْدَ الله وَاللهُ بَصٌِر بَما ٌَعْمَلُونَ [ }آل عمران: 665 ]وقال{ :وَلِكل دَرَجَات مّمِا عَمِلُوا، وَمَا رَب كَ بِؽَافِل عَم ا ٌَعْمَلُونَ [ }الأنعام: 651 . ]وقال {إنَما النّسِاُ زٌَِادَة فِى الْكُفْر[ }التوبة: 57 ]وقال {فَؤَم ا الّذٌِنَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إٌمَاناًٍِ وَهُمْ ٌَسْتَبِشرُونَ وَأم ا الّذٌِنَ فِى قُلُوبهمْ مَرَض فَزَادَتْهُمْ رجْساً إلَى رِجْسِهِمْ [ }التوبة: 614 - 615] . ونظابره فى القرآن كثٌرة.

عدد الصفحات ٢٧٧

آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إٌمَاناًٍِ وَهُمْ ٌَسْتَبِشرُونَ وَأم ا الّذٌِنَ فِى قُلُوبهمْ مَرَض فَزَادَتْهُمْ رجْساً إلَى رِجْسِهِمْ [ }التوبة: 614 - 615] . ونظابره فى القرآن كثٌرة. ومن أخؾ هإلاء جرما: من ٌرتكب ذلك معتقدا تحرٌمه، وأنه إذا قضى حاجته قال: استؽفر الله فكؤن ما كان لم ٌكن.

عدد الصفحات ٢٧٧

278 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي فقد تلبعب الشٌطان بؤكثر هذا الخلق، كتلبعب الصبٌان بالكرة، وأخرج لهم أنواع الكفر والفسوق والعصٌان فى كل قالب. وبالجملة فمراتب الفاحشة متفاوتة بحسب مفاسدها، فالمتخذ خدْناً من النساء والمتخذة خدنا من الرجال أقل شرا من المسافح والمسافحة مع كل أحد، والمستخفى بما ٌرتكبه أقل إثما من المجاهر المستعلن، والكاتم له أقل إثما من المخبر المحدِّث للناس به، فهذا بعٌد عن عافٌة الله تعالى وعفوه، كما قال النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "كُل أُم تِى معافى إلا المُجَ اهِرٌِنَ، وَإِن مِنَ المُجَاهَرَةِ أَنْ ٌَسْتُرَ اللهُ تعَالى عَلٌَْهِ ثُمً ٌُصْبِحُ ٌَكْشِؾُ سِتْرَ اللهِ عَنْهُ، ٌَقُولُ، ٌَا فُلبَن، فَعَلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا فٌََبٌِتُ رَب هُ ٌَسْتُرُهُ، وٌَُصْبِحُ ٌَكْشِؾُ سِتْرَ اللهِ عَنْ نَفْسِهِ " أو كما قال. وفى الحدٌث الآخر عنه صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "مَنِ اُبْتُلِى مِنْ هذِهِ الْقَاذُورَاتِ بِشًَءْ فَلٌَْسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللهِ، فَإن هُ مَنْ ٌُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلٌَْهِ كِتَابَ اللهِ :" 2/147) ________________________________________ وفى الحدٌث الآخر "إن الْخَطٌِبَةَ إذا خفٌِتَ لَمْ تَضُر إلا صَاحِبَهَا، وَلكِنْ إذَا أعْلِنَتْ فَلَمْ تُنْكَرْ ضَر تْ الْعَام ةَ ." وكذلك الزنا بالمرأة التى لا زوج لها أٌسر إثما من الزنا بذات الزوج، لما فٌه من ظلم الزوج والعدوان علٌه، وإفساد فراشه علٌه، وقد ٌكون إثم هذا أعظم من إثم مجرد الزنا، أو دونه. والزنا بحلٌلة الجار أعظم إثما من الزنا ببعٌدة الدار، لما اقترن بذلك من أذى الجار، وعدم حفظ وصٌة الله تعالى ورسوله به. وكذلك الزنا بامرأة الؽازى فى سبٌل الله أعظم إثما عند الله من الزنا بؽٌرها. ولهذا ٌقام له ٌوم القٌامة وٌقال له: "خذ من حسناته ما شبت." وكما تختلؾ درجاته بحسب المزنى بها فكذلك تتفاوت درجاته بحسب الزمان والمكان والأحوال، وبحسب الفاعل. فالزنا فى رمضان لٌلب أو نهاراً أعظم إثما منه فى ؼٌره. وكذلك فى البقاع الشرٌفة المفضلة هو أعظم إثما منه فٌما سواها. وأما تفاوته بحسب الفاعل: فالزنا من الحر أقبح منه من العبد. ولهذا كان حَد ه على النصؾ من حده. ومن المحصن أقبح منه من البكر، ومن الشٌخ أقبح منه من الشاب. ولهذا كان أحد الثلبثة الذٌن لا ٌكلمهم الله ٌوم القٌامة ولا ٌزكٌهم ولهم عذاب ألٌم: الشٌخ الزانى. ومن العالم أقبح منه من الجاهل، لعلمه بقبحه، وما ٌترتب علٌه، وإقدامه على بصٌرة. ومن القادر على الاستؽناء عنه أقبح من الفقٌر العاجز. 2/148) ________________________________________ فصل ومما ٌنبؽى أن ٌعلم: أنه قد ٌقترن بالأٌسر إثما ما ٌجعله أعظم إثما مما هو فوقه. مثاله: أنه قد ٌقترن بالفاحشة من العشق الذى ٌوجب اشتؽال القلب بالمعشوق، وتؤلٌهه له وتعظٌمه، والخضوع له، والذل له، وتقدٌم طاعته وما ٌؤمر به، على طاعة الله تعالى ورسوله وأمره، فٌقترن بمحبة خدنه وتعظٌمه، وموالاة من ٌوالٌه، ومعاداة من ٌعادٌه، ومحبة ما ٌحبه وكراهة ما ٌكرهه، ما قد ٌكون أعظم ضررا على صاحبه من مجرد ركوب الفاحشة. فإن المحبوبات لؽٌر الله قد أثبت الشارع فٌها اسم التعبد. كقوله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم فى الحدٌث الصحٌح: "تَعِسَ عَبْدُ الدٌِّنَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الْقَطٌِفةِ، تَعِسَ عَبْد الْخَمٌِصَةِ، تَعِسَ وَانْتُكِسَ، وَإِذَا شٌِكَ فَلبَ انْتُقِشَ، إِنْ أُعْطِى رَضِى، وَإِنْ مُنعَ سَخِطَ " رواه البخارى. فسمى هإلاء الذٌن إن أعطوا رضوا، وإن منعوا سخطوا عبٌدا لهذه الأشٌاء، لانتهاء محبتهم ورضاهم ورؼبتهم إلٌها.

عدد الصفحات ٢٧٨

َلبَ انْتُقِشَ، إِنْ أُعْطِى رَضِى، وَإِنْ مُنعَ سَخِطَ " رواه البخارى. فسمى هإلاء الذٌن إن أعطوا رضوا، وإن منعوا سخطوا عبٌدا لهذه الأشٌاء، لانتهاء محبتهم ورضاهم ورؼبتهم إلٌها. فإذا شؽؾ الإنسان بمحبة صورة لؽٌر الله، بحٌث ٌرضٌه وصوله إلٌها وظفره بها، وٌسخطه فوات ذلك كان فٌه من التعبد لها بقدر ذلك.

عدد الصفحات ٢٧٨

279 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي 2/149) ________________________________________ ولهذا ٌجعلون الحب مراتب: أوله: العلبقة، ثم الصبابة، ثم الؽرام، ثم العشق. وآخر ذلك: التتٌم. وهو التعبد للمعشوق. فٌصٌر العاشق عبدا لمعشوقه. والله سبحانه إنما حكى عشق الصور فى القرآن عن المشركٌن. فحكاه عن امرأة العزٌز، وكانت مشركة على دٌن زوجها. وكانوا مشركٌن، وحكاه عن اللوطٌة، وكانوا مشركٌن، فقال تعالى فى قصتهم{ :لَعَمْرُكَ إنهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ ٌَعمَهُونَ [ }الحجر: 71] . أخبر سبحانه أنه ٌصرفه عن أهل الإخلبص، فقال{ :كَذلِكَ لِنَصْرِؾَ عَنّهُ الس وءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلَصٌِنَ } [ٌوسؾ: 14 ]وقال عن عدوه إبلٌس أنه قال{ :فَبِعِز تِكَ لأؼْوٌَِن هُمْ أَجَمعٌِنَ * إلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصٌِنَ [ }ص: 81 - 85 ]وقال تعالى{ :إن عِبَادِى لٌَْسَ لَكَ عَلٌَْهِمْ سُلطَان إلا مَنِ اُت بَعَكَ مِنَ الْؽَاوٌِنَ [ }الحجر: 41] . والؽاوى ضد الراشد، والعشق المحرم من أعظم الؽى. لهذا كان أتباع الشعراء وأهل السماع الشعرى ؼاوٌن. كما سماهم الله تعالى بذلك فى قوله: {الش عَرَاءُ ٌَت بِعُهُمُ الْؽَاوُونَ [ }الشعراء: 114] . فالؽاوون ٌتبعون الشعراء، وأصحاب السماع الشعرى الشٌطانى، وهإلاء لا ٌنفكون عن طلب وصال، أو سإال نوال. كما قال أبو تمام لرجل: أما تعرفنى؟ فقال: ومن أعرؾ بك منى؟. أَنْتَ بٌَْنَ اثْنَتٌَْنِ تَبْرُزُ لِلن ... اسِ وَكِلْتَاهُما بِوَجْه مُذَالِ لَسْتَ تَنْفَك طَالِباً لوصال ... مِنْ حَبٌِب أَوْ رَاجٌِاَ لِنَوَالِ أى مَاء ٌَبْقَى لِوَجْهِكَ هذَا ... بٌَْنَ ذُلِّ الْهَوَى، وَذُلِّ الس إَالِ؟ والزنا بالفرج - وإن كان أعظم من الإلمام بالصؽٌرة، كالنظرة والقبلة واللمس- لكن إصرار العاشق على محبة الفعل، وتوابعه، ولوازمه، وتمنٌه له، وحدٌث نفسه به: أنه لا ٌتركه، واشتؽال قلبه بالمعشوق، قد ٌكون أعظم ضررا من فعل الفاحشة مرة بشًء كثٌر. فإن 2/150) ________________________________________ اصرار على الصؽٌرة قد ٌساوى إثمه إثم الكبٌرة، أو ٌربى علٌها. وأٌضاً، فإن تعبد القلب للمعشوق شرك، وفعل الفاحشة معصٌة، ومفسدة الشرك أعظم من مفسدة المعصٌة. وأٌضاً، فإنه قد ٌتخلص من الكبٌرة بالتوبة والاستؽفار، وأما العشق إذا تمكن من القلب فإنه ٌعز علٌه التخلص منه، كما قال القابل: تَاللهِ مَا أسَرَتْ لَوَاحِظُكِ امْرَأً ... إلا وَعَزّ عَلَى الوَرَى استنقَاذُهُ بل ٌصٌر تعبدا لازما للقلب لا ٌنفك عنه، ومعلوم أن هذا أعظم ضررا وفسادا من فاحشة ٌرتكبها مع كراهٌته لها، وقلبه ؼٌر معبد لمن ارتكبها منه. وقد أخبر الله سبحانه أن سلطان الشٌطان إنما هو{ :عَلَى الّذٌِنَ ٌَتَوَل وْنَهُ وَال ذٌِنَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [ }النحل: 611] . وأن سلطانه إنما هو على من اتبعه من الؽاوٌن، والؽى اتباع الهوى والشهوات، كما أن الضلبل اتباع الظنون والشبهات. وأصل الؽى من الحب لؽٌر الله، فإنه ٌضعؾ الإخلبص به، وٌقوى الشرك بقوته، فؤصحاب العشق الشٌطانى لهم من تولى الشٌطان والإشراك به بقدر ذلك، لما فٌهم من الإشراك بالله، ولما فاتهم من الإخلبص له، ففٌهم نصٌب من اتخاذ الأنداد، ولهذا ترى كثٌرا منهم عبدا لذلك المعشوق، متٌما فٌه. ٌصرخ فى حضوره ومؽٌبه: أنه عبده، فهو أعظم ذكرا له من ربه، وحبه فى قلبه أعظم من حب الله فٌه، وكفى به شاهدا بذلك على نفسه{ :بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصٌِرَة وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذٌِرَه[ }القٌامة: 64- 65] .

عدد الصفحات ٢٧٩

280 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي فلو خٌر بٌن رضاه ورضا الله، لاختار رضا معشوقه على رضا ربه، ولقاء معشوقه أحب إلٌه من لقاء ربه، وتمنٌه لقربه أعظم من تمنٌه لقرب ربه، وهربه من سخطه علٌه أشد من هربه من سخط ربه علٌه، ٌسخط ربه بمرضاة معشوقه، وٌقدم مصالح معشوقة وحوابجه على طاعة ربه، فإن فضل من وقته، وكان عنده قلٌل من الإٌمان، صرؾ تلك الفضلة فى طاعة ربه، وإن استؽرق الزمان حوابج معشوقه ومصالحه صرؾ زمانه كله فٌها، وأهمل أمر الله تعالى، ٌجود لمعشوقه بكل نفٌسة ونفٌس، وٌجعل لربه من ماله - إن جعل له - كل رذٌلة 2/151) ________________________________________ وخسٌس، فلمعشوقه لبه وقلبه، وهمه ووقته، وخالص ماله، وربه على الفضلة، قد اتخذه وراءه ظهرٌا، وصار لذكره نسٌا، إن قام فى خدمته فى الصلبة فلسانه ٌناجٌه وقلبه ٌناجى معشوقه، ووجه بدنه إلى القبلة ووجه قلبه إلى المعشوق. ٌنفر من خدمة ربه حتى كؤنه واقؾ فى الصلبة على الجمر من ثقلها علٌه، وتكلفه لفعلها، فإذا جاءت خدمة المعشوق أقبل علٌها بقلبه وبدنه فرحا بها، ناصحا له فٌها، خفٌفة على قلبه لا ٌستثقلها ولا ٌستطٌلها. ولا رٌب أن هإلاء من الذٌن اتخذوا من دون الله أندادا، ٌحبونهم كحب الله، والذٌن آمنوا أشد حبا لله. وعشقهم ٌجمع المحرمات الأربع: من الفواحش الظاهرة، والباطنة، والإثم، والبؽى بؽٌر الحق، والشرك بالله ما لم ٌنزل به سلطانا، والقول على الله ما لا ٌعلمون، فإن هذا من لوازم الشرك، فكل مشرك ٌقول على الله ما لا ٌعلم. فكثٌرا ما ٌوجد فى هذا العشق من الشرك الأكبر الأصؽر، ومن قتل النفوس، تؽاٌرا على المعشوق، وأخذ أموال الناس بالباطل لٌصرفها فى رضا المعشوق، ومن الفاحشة والكذب والظلم مالا خفاء به. وأصل ذلك كله من خلو القلب من محبة الله تعالى، والإخلبص له، والتشرٌك بٌنه وبٌن ؼٌره فى المحبة، ومن محبة ما ٌحب لؽٌر الله، فٌقوم ذلك بالقلب، وٌعمل بموجبه بالجوارح، وهذا هو حقٌقة اتباع الهوى. وفى الأثر. "مَ ا تحْتَ أدٌِمِ الس ماءِ إله ٌْعْبَدُ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ مِنْ هَوًى مُت بَعُ ." وقال تعالى{ :أَفَرَأٌَْتَ مَنِ اتّخَذَ إلهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلّهُ اللهُ عَلَى عْلِم وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ ؼِشَاوَةَ فَمَنَ ٌَهْدٌِهِ مِ نْ بَعْدِ اللهِ أَفَلبَ تَذَك رُونَ [ }الجاثٌة: 15] . وإذا تؤملت حال عشاق الصور المتٌمٌن فٌها، وجدت هذه الآٌة منطبقة علٌهم، مخبرة عن حالهم. قال بعض العلماء: لٌس شًء من المحبوبات ٌستوعب محبة القلب إلا محبة الله، أو محبة بشر مثلك، أما محبة الله فهى التى خلق لها العباد، وبها ؼاٌة سعادتهم، وكمال نعٌمهم وأما البشر المماثل من ذكر أو أنثى، فإن فٌه من المشاكلة والمناسبة بٌن العاشق وبٌنه 2/152) ________________________________________ ما لٌس مثله وبٌن جنس آخر من المخلوقات. ولهذا لا ٌعرؾ فى محبة شًء من المحبوبات المخالفة للمحب فى الجنس ما ٌزٌل العقل، وٌفسد الإدراك، وٌوجب انقطاع الإرادة لؽٌر ذلك المحبوب، وإنما ٌعرؾ ذلك فى محبته لجنسه، فتستوعب قلبه، وتسلب لبه، وٌصٌر لمعشوقه سامعاً مطٌعاً كما قٌل: إن هَوَاكَ ال ذِى بِقَلبىصٌَ رَنِى سَامِعاً مُطٌِعَا وٌقوى هذا السمع والطاعة عند كثٌر من العشاق، حتى ٌبذل نفسه، وٌسلمها للتلؾ فى طاعة معشوقه، كما ٌبذل المجاهد نفسه لربه، حتى ٌقتل فى سبٌله، وإذا كان النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم قد قال فى الحدٌث الذى رواه أحمد وؼٌره: "شَارِبُ الْخَمرِ - أو قَال مُدْمِنُ الْخَمْرِ - كَعَ ابِدِ وَثَن ." ومر على بن طالب رضى الله عنه بقوم ٌلعبون بالشطرنج فقال "ما هذه التماثٌل التى أنتم لها عاكفون؟ ."

عدد الصفحات ٢٨٠

حمد وؼٌره: "شَارِبُ الْخَمرِ - أو قَال مُدْمِنُ الْخَمْرِ - كَعَ ابِدِ وَثَن ." ومر على بن طالب رضى الله عنه بقوم ٌلعبون بالشطرنج فقال "ما هذه التماثٌل التى أنتم لها عاكفون؟ ." فما الظن بالعاشق المتٌم الفانى فى معشوقه؟ ولهذا قرن الله سبحانه بٌن الخمر والأنصاب وهى الأصنام التى تعبد من دون الله، فقال{ :ٌَا أٌَ هَا ال ذِ ٌنَ آمَنُوا إنَما الْخَمَرُ وَالمٌَْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الش ٌطاًنِ فَاجْتَنبِوُهُ لَعَلّكُمْ

عدد الصفحات ٢٨٠