المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

المختصر القيم لثرات ابن القيم 01

ابن قيم الجوزية

صفحة ٢٧ من ٧٥

291 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي عنده لها، فما ٌبلػ عدوه منه ما ٌبلػ هو من نفسه. فقد بخسها حظها، وأضاع حقها، وعطل مصالحها، وباع نعٌمها الباقى، ولذتها الدابمة الكاملة، بلذة فانٌة مشوبة بالتنؽٌص، إنما هى كؤضؽاث أحلبم أو كطٌؾ زار فى المنام، ولٌس هذا بعجٌب من شؤنه، وقد فقد نصٌبه من الهدى والرحمة. فلو هدى ورحم لكان شؤنه ؼٌر هذا الشؤن، ولكن الرب تعالى أعلم بالمحل الذى ٌصلح للهدى والرحمة. فهو الذى ٌإتٌها العبد. كما قال عن عبده الخضر{ :فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتٌَْنَاهُ رَحْمَ ةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلمْنَاهُ مِنْ لَدُنّا عِلمْاً [ }الكهؾ: 65 ]، {رَبنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهٌِّاْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً [ }الكهؾ: 61] . فصل ومما ٌنبؽى أن ٌعلم: أن الرحمة صفة تقتضى إٌصال المنافع والمصالح إلى العبد، وإن كرهتها نفسه، وشقت علٌها. فهذه هى الرحمة الحقٌقٌة فؤرحم الناس بك من شق علٌك فى إٌصال مصالحك، ودفع المضار عنك. فمن رحمة الأب بولده: أن ٌكرهه على التؤدب بالعلم والعمل، وٌشق علٌه فى ذلك بالضرب وؼٌره، وٌمنعه شهواته التى تعود بضرره، ومتى أهمل من ولده كان لقلة رحمته به، وإن ظن أنه ٌرحمه [وٌرفّهُهُ]وٌرٌحه. فهذه رحمة مقرونة بجهل، كرحمة الأم. ولهذا كان من إتمام رحمة أرحم الراحمٌن: تسلٌط أنواع البلبء على العبد، فإنه أعلم بمصلحته، فابتلبإه له وامتحانه ومنعه من كثٌر من أعراضه وشهواته: من رحمته به ولكن العبد لجهله وظلمه ٌتهم ربه بابتلببه، ولا ٌعلم إحسانه إلٌه بابتلببه وامتحانه. 2/174) ________________________________________ وقد جاء فى الأثر "إن المبتلى إذا دعى له: اللهم ارحمه، ٌقول الله سبحانه: كٌؾ أرحمه من شًء به أرحمه؟ " وفى أثر آخر "إن الله إذا أحب عبداً حماه الدنٌا وطٌباتها وشهواتها، كما ٌحمى أحدكم مرٌضه." فهذا من تمام رحمته به، لا من بخله علٌه. كٌؾ؟ وهو الجواد الماجد، الذى له الجود كله، وجود جمٌع الخلببق فى جنب وجود أقل من ذرة فى جبال الدنٌا ورمالها. فمن رحمته سبحانه بعباده: ابتلبإهم بالأوامر والنواهى رحمة وحمٌة، لا حاجة منه إلٌهم بما أمرهم به، فهو الؽنى الحمٌد، ولا بخلب منه علٌهم بما نهاهم عنه، فهو الجواد الكرٌم. ومن رحمته: أن نؽص علٌهم الدنٌا وكدرها لبلب ٌسكنوا إلٌها، ولا ٌطمبنوا إلٌها وٌرؼبوا فى النعٌم المقٌم فى داره وجواره، فساقهم إلى ذلك بسٌاط الابتلبء والامتحان، فمنعهم لٌعطٌهم، وابتلبهم لٌعافٌهم، وأماتهم لٌحٌٌهم. ومن رحمته بهم: أن حذرهم نفسه، لبلب ٌؽتروا به، فٌعاملوه بما لا تحسن معاملته به كما قال تعالى: {وٌَُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَءُوؾ بِالْعِبًادِ [ }آل عمران: 51] . قال ؼٌر واحد من السلؾ: من رأفته بالعباد: حذرهم من نفسه، لبلب ٌؽتروا به. فصل ولما كان تمام النعمة على العبد إنما هو بالهدى والرحمة، كان لهما ضدان: الضلبل والؽضب. فؤمرنا الله سبحانه أن نسؤله كل ٌوم ولٌلة مرات عدٌدة أن ٌهدٌنا صراط الذٌن أنعم علٌهم، وهم أولو الهدى والرحمة، ٌجنبنا طرٌق المؽضوب علٌهم، وهم ضد المرحومٌن وطرٌق الضالٌن وهم ضد المهتدٌن، ولهذا كان هذا الدعاء من أجمع الدعاء، وأفضله وأوجبه، وبالله التوفٌق. 2/175) ________________________________________ فصل إذا كان كل عمل فؤصله المحبة والإرادة، والمقصود به التنعم بالمراد المحبوب، فكل حى إنما ٌعمل لما فٌه تنعمه ولذته. فالتنعم هو المقصود الأول من كل قصد وكل حركة، كما أن العذاب والتؤلم هو المكروه المقصود أولا بكل

عدد الصفحات ٢٩١

292 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي بؽض وكل امتناع وكؾ، ولكن وقع الجهل والظلم من بنى آدم بمعنٌٌن: بالدٌن الفاسد، والدنٌا الفاجرة، طلبوا بهما النعٌم وفى الحقٌقة فإنما فٌهما ضده. ففاتهم النعٌم من حٌث طلبوه، وآثروه، ووقعوا فى الألم والعذاب من حٌث هربوا منه. وبٌان ذلك: أن الأعمال التى ٌعملها جمٌع بنى آدم إما أن ٌتخذوها دٌنا أو لا ٌتخذوها دٌنا. والذٌن ٌتخذونها دٌنا إما أن ٌكون الدٌن بها دٌن حق، وإما أن ٌكون دٌنا باطلب. فنقول: النعٌم التام: هو فى الدٌن الحق علما وعملب. فؤهله هم أصحاب النعٌم الكامل. كما أخبر الله تعالى بذلك فى كتابه فى ؼٌر موضع، كقوله: {اهْدِنَا الصِّراطَ المُسْتَقٌِمَ صِرَاطَ الّذٌِنَ أَنْعَمْتَ عَلٌَهِمْ ؼٌَْرِ المَؽْضُوبِ عَلٌَْهِمْ وَلا الض الٌِّنَ [ }الفاتحة:6-7] . وقوله عن المتقٌن المهتدٌن بالكتاب{ :أُولبِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولبِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ [ }البقرة: 5 ]وقوله {فَإِم ا ٌَؤْتٌَِن كُمْ مِنِّى هُدًى فَمَنِ اتْبَعَ هُدَاى فَلبَ ٌَضِل وَلا ٌَشْقَى[ }طه: 615 ]وفى الآٌة الأخرى {فَمَنْ تَبِعَ هُدَ اى فَلبَ خَوؾ عَلٌَْهِمْ وَلا هُمْ ٌَحْزَنُونَ [ }البقرة: 58 ]، وقوله{ :إِن الأَبْرَارَ لفِى نَعٌِم وَإن الْفُج ارَ لَفِى جَحٌِم [ }الانفطار: 65-64] . فوعد أهل الهدى والعمل الصالح بالنعٌم التام فى الدار الآخرة، ووعٌد أهل الضلبل والفجور بالشقاء فى الدار الآخرة مما اتفقت علٌه الرسل، من أولهم إلى آخرهم، وتضمنته الكتب. ولكن نذكر هاهنا نكتة نافعة. وهى: أن الإنسان قد ٌسمع وٌرى ما ٌصٌب كثٌرا من أهل الإٌمان فى الدنٌا من المصابب، وما ٌنال كثٌرا من الكفار والفجار والظلمة فى الدنٌا من الرٌاسة والمال، وؼٌر ذلك، فٌعتقد أن النعٌم فى الدنٌا لا ٌكون إلا للكفار والفجار، وأن المإمنٌن حظهم من النعٌم فى الدنٌا قلٌل، وكذلك قد ٌعتقد أن العزة والنصرة فى الدنٌا قد تستقر للكفار والمنافقٌن على المإمنٌن. فإذا سمع فى القرآن قوله تعالى: {وَللهِ الْعِز ةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُإْمِ نٌِنَ [ }المنافقون: 8] (2/176) ________________________________________ وقوله {وَإن جُنْدَنَا لَهُمُ الؽَالِبُونَ [ }الصافات: 675 ]وقوله {كَتَبَ الله لأؼْلِبن أَنَا وَرُسُلِى [ }المجادلة: 16 ]وقوله {وَالعَاقِبةُ لِلْمُتّقٌِنَ [ }الأعراؾ: 618، القصص: 85] . ونحو هذه الآٌات، وهو ممن ٌصدق بالقرآن، حمل ذلك على أن حصوله فى الدار الآخرة فقط وقال: أما الدنٌا فإنا نرى الكفار والمنافقٌن ٌؽلبون فٌها وٌظهرون، وٌكون لهم النصر والظفر. والقرآن لا ٌرد بخلبؾ الحس، وٌعتمد على هذا الظن إذا أدٌل علٌه عدو من جنس الكفار والمنافقٌن، أو الفجرة الظالمٌن: وهو عند نفسه من أهل الإٌمان والتقوى. فٌرى أن صاحب الباطل قد علب على صاحب الحق، فٌقول: أنا على الحق. وأنا مؽلوب: فصاحب الحق فى هذه الدنٌا مؽلوب مقهور، والدولة فٌها الباطل. فإذا ذكر بما وعده الله تعالى من حسن العاقبة للمتقٌن والمإمنٌن، قال: هذا فى الآخرة فقط. وإذا قٌل له: كٌؾ ٌفعل الله تعالى هذا بؤولٌابه وأحبابه، وأهل الحق؟ فإن كان ممن لا ٌعلل أفعال الله تعالى بالحكم والمصالح، قال: ٌفعل الله فى ملكه ما ٌشاء، وٌحكم ما ٌرٌد: {لا ٌُسْؤَلُ عَم ا ٌَفْعَلُ وَهُمْ ٌُسْؤَلُونَ [ }الأنبٌاء: 15] . وإن كان ممن ٌعلل الأفعال، قال: فعل بهم هذا لٌعرضهم بالصبر علٌه لثواب الآخرة وعلو الدرجات، وتوفٌة الأجر بؽٌر حساب. ولكل أحد مع نفسه فى هذا المقام مباحثات وإٌرادات وإشكالات وأجوبة، بحسب حاصله وبضاعته، من المعرفة بالله تعالى وأسمابه وصفاته وحكمته، والجهل بذلك، فالقلوب تؽلى بما فٌها، كالقدر إذا استجمعت ؼلٌانا.

عدد الصفحات ٢٩٢

فى هذا المقام مباحثات وإٌرادات وإشكالات وأجوبة، بحسب حاصله وبضاعته، من المعرفة بالله تعالى وأسمابه وصفاته وحكمته، والجهل بذلك، فالقلوب تؽلى بما فٌها، كالقدر إذا استجمعت ؼلٌانا. فلقد بلؽنا وشاهدنا من كثٌر من هإلاء من التظلم للرب تعالى واتهامه، ما لا ٌصدر إلا من عدو، فكان الجهم ٌخرج بؤصحابه، فٌقفهم على الجذمى وأهل البلبء، وٌقول انظروا، أرحم الراحمٌن ٌفعل مثل هذا؟ إنكارا لرحمته، كما أنكر حكمته. فلٌس الله عند جهم وأتباعه حكٌما ولا رحٌما.

عدد الصفحات ٢٩٢

293 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي 2/177) ________________________________________ وقال آخر من كبار القوم: ما على الخلق أضر من الخالق. وكان بعضهم ٌتمثل: إذَا كانَ هذَا فِعْلُهُ مُحِبِّة ... فمَا تَرَاهُ فى أَعَادٌِهِ ٌَصْنَعُ؟ وأنت تشاهد كثٌرا من الناس إذا أصابه نوع من البلبء ٌقول: ٌا ربى ما كان ذنبى، حتى فعلت بى هذا؟ وقال لى ؼٌر واحد: إذا تبت إلٌه وأنبت وعملت صالحا ضٌق على رزقى، ونكد على معٌشتى، وإذا رجعت إلى معصٌته، وأعطٌت نفسى مرادها، جاءنى الرزق والعون ونحو هذا. فقلت لبعضهم: هذا امتحان منه، لٌرى صدقك وصبرك، هل أنت صادق فى مجٌبك إلٌه وإقبالك علٌه، فتصبر على بلببه، فتكون لك العاقبة، أم أنت كاذب فترجع على عقبك؟. وهذه الأقوال والظنون الكاذبة الحابدة عن الصواب مبنٌة على مقدمتٌن. إحداهما: حسن ظن العبد بنفسه وبدٌنه، واعتقاده أنه قابم بما ٌجب علٌه، وتارك ما نهى عنه، واعتقاده فى خصمه وعدوه خلبؾ ذلك، وأنه تارك للمؤمور، مرتكب للمحظور، وأنه نفسه أولى بالله ورسوله ودٌنه منه. والمقدمة الثانٌة: اعتقاده أن الله سبحانه وتعالى قد لا ٌإٌد صاحب الدٌن الحق وٌنصره، وقد لا ٌجعل له العاقبة فى الدنٌا بوجه من الوجوه، بل ٌعٌش عمره مظلوما مقهورا مستضاما، مع قٌامه بما أمر به ظاهرا وباطنا، وانتهابه عما نهى عنه باطنا وظاهرا، فهو عند نفسه قابم بشرابع الإسلبم، وحقابق الإٌمان، وهو تحت قهر أهل الظلم، والفجور والعدوان. فلب إله إلا الله، كم فسد بهذا الاؼترار من عابد جاهل، ومتدٌن لا بصٌرة له، ومنتسب إلى العلم لا معرفة له بحقابق الدٌن. 2/178) ________________________________________ فإنه من المعلوم: أن العبد وإن آمن بالآخرة فإنه طالب فى الدنٌا لما لا بد له منه: من جلب النفع، ودفع الضر، بما ٌعتقد أنه مستحب أو واجب أو مباح. فإذا اعتقد أن الدٌن الحق واتباع الهدى، والاستقامة على التوحٌد، ومتابعة السنة ٌنافى ذلك. وأنه ٌعادى جمٌع أهل الأرض لما لا ٌقدر علٌه من البلبء، وفوات حظوظه ومنافعه العاجلة، لزم من ذلك إعراضه عن الرؼبة فى كمال دٌنه، وتجرده لله ورسوله، فٌعرض قلبه عن حال السابقٌن المقربٌن، بل قد ٌعرض عن حال المقتصدٌن أصحاب الٌمٌن، بل قد ٌدخل مع الظالمٌن، بل مع المنافقٌن، وإن لم ٌكن هذا فى أصل الدٌن كان فى كثٌر من فروعه وأعماله، كما قال النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَناً كَقِطَعِ الّلٌْلِ المُ ظْلِمِ، ٌُصْبِحُ الر جُلُ مُإْمِناً وٌَُمسِى كافِراً، وٌَُمْسِى كافِراً وٌَُصْبِحُ مُإْمِناً، ٌَبٌِعُ دٌِنَهُ بِعَرَض مِنَ الد نٌَْا." وذلك أنه إذا اعتقد أن الدٌن الكامل لا ٌحصل إلا بفساد دنٌاه، من حصول ضرر لا ٌحتمله، وفوات منفعة لابد له منها، لم ٌقدم على احتمال هذا الضرر، ولا تفوٌت تلك المنفعة. فسبحان الله، كم صدت هذه الفتنة الكثٌر من الخلق، بل أكثرهم عن القٌام بحقٌقة الدٌن. وأصلها ناشا من جهلٌن كبٌرٌن: جهل بحقٌقة الدٌن، وجهل بحقٌقة النعٌم الذى هو ؼاٌة مطلوب النفوس، وكمالها، وبه ابتهاجها والتذاذها، فٌتولد من بٌن هذٌن الجهلٌن إعراضه عن القٌام بحقٌقة الدٌن، وعن طلب حقٌقة النعٌم. ومعلوم أن كمال العبد هو بؤن ٌكون عارفا بالنعٌم الذى ٌطلبه، والعمل الذى ٌوصل إلٌه، وأن ٌكون مع ذلك فٌه إرادة جازمة لذلك العمل، ومحبة صادقة لذلك النعٌم، وإلا فالعلم بالمطلوب وطرٌقه لا ٌحصله إن لم ٌقترن بذلك العمل، والإرادة الجازمة لا توجب وجود المراد إلا إذا لازمها الصبر. 2/179) ________________________________________

عدد الصفحات ٢٩٣

294 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي فصارت سعادة العبد وكمال لذته ونعٌمه موقوفا على هذه المقامات الخمسة علمه بالنعٌم المطلوب ومحبته له، وعلمه بالطرٌق الموصل إلٌه وعمله به، وصبره على ذلك. قال الله تعالى {وَالْعَصْرِ إن الإِنْسَانَ لَفِى خُسْر إلا الّذٌِنَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الص الِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحقِّ وَتَواصَوْا بِالص بْرِ } [العصر: 6-5] . والمقصود: أن المقدمتٌن اللتٌن تثبت علٌهما هذه الفتنة أصلهما الجهل بؤمر الله ودٌنه، وبوعده ووعٌده. فإن العبد إذا اعتقد أنه قابم بالدٌن الحق، فقد اعتقد أنه قد قام بفعل المؤمور باطنا وظاهرا، وترك المحظور باطنا وظاهرا، وهذا من جهله بالدٌن الحق، وما لله علٌه وما هو المراد منه، فهو جاهل بحق الله علٌه، جاهل بما معه من الدٌن قدرا ونوعا وصفة. وإذا اعتقد أن صاحب الحق لا ٌنصره الله تعالى فى الدنٌا والآخرة، بل قد تكون العاقبة فى الدنٌا للكفار والمنافقٌن على المإمنٌن، وللفجار الظالمٌن، على الأبرار المتقٌن، فهذا من جهله بوعد الله تعالى ووعٌده. فؤما المقام الأول: فإن العبد كثٌرا ما ٌترك واجبات لا ٌعلم بها، ولا بوجوبها، فٌكون مقصرا فى العلم، وكثٌرا ما ٌتركها بعد العلم بها وبوجوبها، إما كسلب وتهاونا، وإما لنوع تؤوٌل باطل، أو تقلٌد، أو لظنه أنه مشتؽل بما هو أوجب منها، أو لؽٌر ذلك، فواجبات القلوب أشد وجوبا من واجبات الأبدان، وآكد منها، وكؤنها لٌست من واجبات الدٌن عند كثٌر من الناس، بل هى من باب الفضابل والمستحبات. فتراه ٌتحرج من ترك فرض أو من ترك واجب من واجبات البدن، وقد ترك ما هو أهم من واجبات القلوب وأفرضها، وٌتحرج من فعل أدنى المحرمات وقد ارتكب من محرمات القلوب ما هو أشد تحرٌما وأعظم إثما. بل ما أكثر من ٌتعبد لله عز وجل بترك ما أوجب علٌه، فٌتخلى وٌنقطع عن الأمر بالمعروؾ والنهى عن المنكر، مع قدرته علٌه، وبزعم أنه متقرب إلى الله تعالى بذلك، مجتمع على ربه، تارك ما لا ٌعنٌه، فهذا من أمقت الخلق إلى الله تعالى، وأبؽضهم له، مع 2/180) ________________________________________ ظنه أنه قابم بحقابق الإٌمان وشرابع الإسلبم وأنه من خواص أولٌابه وحزبه. بل ما أكثر من ٌتعبد لله بما حرمه الله علٌه، وٌعتقد أنه طاعة وقربة، وحاله فى ذلك شر من حال من ٌعتقد ذلك معصٌة وإثما، كؤصحاب السماع الشعرى الذى ٌتقربون به إلى الله تعالى، وٌظنون أنهم من أولٌاء الرحمن، وهم فى الحقٌقة من أولٌاء الشٌطان. وما أكثر من ٌعتقد أنه هو المظلوم المحق من كل وجه، ولا ٌكون الأمر كذلك، بل ٌكون معه نوع من الحق ونوع من الباطل والظلم، ومع خصمه نوع من الحق والعدل، حبك الشًء ٌعمى وٌصم. والإنسان مجبول على حب نفسه، فهو لا ٌرى إلا محاسنها، ومبؽض لخصمه، فهو لا ٌرى إلا مساوبه، بل قد ٌشتد به حبه لنفسه، حتى ٌرى مساوٌها محاسن، كما قال تعالى{ :أَفَمَنْ زٌُ نَ لَهُ سُوءُ عَمَلِه فَرَآهُ حَسَناً [ }فاطر: 8] . وٌشتد به بؽض خصمه، حتى ٌرى محاسنه مساوئ، كما قٌل: نظَرُوا بِعٌَْنِ عَدَاوَة ، وَلَوَ أن هَا ... عٌَْنُ الرِّضَا، لاسْتَحْسَنُوا مَا اسْتَقْبَحُوا وهذا الجهل مقرون بالهوى والظلم ؼالبا، فإن الإنسان ظلوم جهول. وأكثر دٌانات الخلق إنما هى عادات أخذوها عن آبابهم وأسلبفهم، وقلدوهم فٌها: فى الإثبات والنفى، والحب والبؽض، والموالاة والمعاداة. والله سبحانه إنما ضمن نصر دٌنه وحزبه وأولٌابه بدٌنه علما وعملب، لم ٌضمن نصر الباطل، ولو اعتقد صاحبه أنه محق، وكذلك العزة والعلو إنما هما لأهل الإٌمان الذى بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، وهو علم وعمل وحال، قال تعالى{ :وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُإْمِنٌِنَ [ }آل عمران: 659] .

عدد الصفحات ٢٩٤

ذلك العزة والعلو إنما هما لأهل الإٌمان الذى بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، وهو علم وعمل وحال، قال تعالى{ :وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُإْمِنٌِنَ [ }آل عمران: 659] . فللعبد من العلو بحسب ما معه من الإٌمان، وقال تعالى{ :وَللهِ الْعِز ةُ وَلِرَسُوِلهِ وَلِلْمُإْمِنٌِن [ }المنافقون: 8] .

عدد الصفحات ٢٩٤

295 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي فله من العزة بحسب ما معه من الإٌمان وحقابقه، فإذا فاته حظ من العلو والعزة، ففى مقابلة ما فاته من حقابق الإٌمان، علما وعملب ظاهرا وباطنا. وكذلك الدفع عن العبد هو بحسب إٌمانه، قال تعالى{ :إِن اللهَ ٌُدَافِعُ عَنِ الّذٌِنَ آمَنُوا[ }الحج: 58] . فإذا ضعؾ الدفع عنه فهو من نقص إٌمانه. 2/181) ________________________________________ وكذلك الكفاٌة والحَسْب هى بقدر الإٌمان، قال تعالى{ :ٌؤٌَ هَا الن بى حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ ات بَعَكَ مِنَ المُإْمِنٌِنَ [ }الأنفال: 64] . أى الله حسبك وحسب أتباعك، أى كافٌك وكافٌهم، فكفاٌته لهم بحسب اتباعهم لرسوله، وانقٌادهم له، وطاعتهم له، فما نقص من الإٌمان عاد بنقصان ذلك كله. ومذهب أهل السنة والجماعة: أن الإٌمان ٌزٌد وٌنقص. وكذلك ولاٌة الله تعالى لعبده هى بحسب إٌمانه قال تعالى{ :وَاللهُ وَلِى المُإْمِنٌِنَ [ }آل عمران: 68 ]وقال الله تعالى{ :اللهُ وَلِى الّذٌِنَ آمَنُوا[ }البقرة: 157] . وكذلك معٌته الخاصة هى لأهل الإٌمان، كما قال تعالى{ :وَأَن اللهَ مَعَ المُإْمِنٌِنَ [ }الأنفال: 69] . فإذا نقص الإٌمان وضعؾ، كان حظ العبد من ولاٌة الله له ومعٌته الخاصة بقدر حظه من الإٌمان. وكذلك النصر والتؤٌٌد الكامل. إنما هو لأهل الإٌمان الكامل، قال تعالى: {إن ا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالّذٌِنَ آمَنُوا فِى الْحٌََاةِ الد نٌَْا وٌََوْمَ ٌَقُومُ الأَشْهَادُ [ }ؼافر: 56 ]وقال {فَؤٌَ دْنَا الّذٌِنَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَؤَصْبَحُوا ظَاهِرٌِنَ [ }الصؾ: 64] . فمن نقص إٌمانه نقص نصٌبه من النصر والتؤٌٌد، ولهذا إذا أصٌب العبد بمصٌبة فى نفسه أو ماله، أو بإدالة عدوه علٌه، فإنما هى بذنوبه، إما بترك واجب، أو فعل محرم وهو من نقص إٌمانه. وبهذا ٌزول الإشكال الذى ٌورده كثٌر من الناس على قوله تعالى{ :وَلَنْ ٌَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرٌِنَ عَلَى المُإْمِنٌِنَ سَبٌِلبً } [النساء: 646] . وٌجٌب عنه كثٌر منهم بؤنه لن ٌجعل لهم علٌهم سبٌلب فى الآخرة، وٌجٌب آخرون بؤنه لن ٌجعل لهم علٌهم سبٌلب فى الحجة. والتحقٌق: أنها مثل هذه الآٌات، وأن انتفاء السبٌل عن أهل الإٌمان الكامل، فإذا ضعؾ الإٌمان صار لعدوهم علٌهم من السبٌل بحسب ما نقص من إٌمانهم، فهم جعلوا لهم علٌهم السبٌل بما تركوا من طاعة الله تعالى. فالمإمن عزٌز ؼالب مإٌد منصور، مكفى، مدفوع عنه بالذات أٌن كان، ولو اجتمع علٌه من بؤقطارها، إذا قام بحقٌقة 2/182) ________________________________________ الإٌمان وواجباته، ظاهرا وباطنا. وقد قال تعالى للمإمنٌن{ :وَلاَ تَهِنُوا وَلا تحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُإْمِنٌِنَ [ }آل عمران: 659 ]وقال تعالى {فَلبَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إلَى الس لْمِ وَأَنْتُم الأَعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكمْ وَلَنْ ٌَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ [ }محمد: 55] . فهذا الضمان إنما هو بإٌمانهم وأعمالهم، التى هى جند من جنود الله، ٌحفظهم بها، ولا ٌفردها عنهم وٌقتطعها عنهم، فٌبطلها علٌهم، كما ٌَتِرُ الكافرٌن والمنافقٌن أعمالهم إذ كانت لؽٌره ولم تكن موافقة لأمره. فصل وأما المقام الثانى الذى وقع فٌه الؽلط، فكثٌر من الناس ٌظن أن أهل الدٌن الحق فى ٌكونون الدنٌا أذلاء مقهورٌن مؽلوبٌن دابما، بخلبؾ من فارقهم إلى سبٌل أخرى وطاعة أخرى، فلب ٌثق بوعد الله بنصر دٌنه وعباده، بل إما أن ٌجعل ذلك خاصا بطابفة دون طابفة، أو بزمان دون زمان أو ٌجعله معلقا بالمشٌبة، وإن لم ٌصرح بها. وهذا من عدم الوثوق بوعد الله تعالى، ومن سوء الفهم فى كتابه. والله سبحانه قد بٌن فى كتابه أنه ناصر المإمنٌن فى الدنٌا والآخرة.

عدد الصفحات ٢٩٥

دون زمان أو ٌجعله معلقا بالمشٌبة، وإن لم ٌصرح بها. وهذا من عدم الوثوق بوعد الله تعالى، ومن سوء الفهم فى كتابه. والله سبحانه قد بٌن فى كتابه أنه ناصر المإمنٌن فى الدنٌا والآخرة. قال تعالى{ :إن ا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَال ذٌِنَ آمَنُوا فى الْحٌََاةِ الد نٌَْا وٌََوْمَ ٌَقُومُ الأَشْهَادُ [ }ؼافر: 56] . وقال تعالى{ :وَمَنْ ٌَتَوَل اللهَ وَرَسُولَهُ وَال ذٌِنَ آمَنُوا فَإِن حِزْبَ اللهِ هُمُ الْؽَالِبُونَ [ }المابدة: 56] .

عدد الصفحات ٢٩٥

296 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وقال تعالى{ :إن الّذٌِنَ ٌُحَاد ونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولبِكَ فِى الأَذَل ٌنَ * كَتَبَ اللهُ لأَؼْلِبَن أَنَا وَرُسُلًِ [ }المجادلة: 11- 16 ]وهذا كثٌر فى القرآن. وقد بٌن سبحانه فٌه أن ما أصاب العبد من مصٌبة، أو إدالة عدو، أو كسر، وؼٌر ذلك فبذنوبه. فبٌن سبحانه فى كتابه كلب المقدمتٌن، فإذا جمعت بٌنهما تبٌن لك حقٌقة الأمر، وزال الإشكال بالكلٌة، واستؽنٌت عن تلك التكلٌفات الباردة، والتؤوٌلبت البعٌدة. فقرر سبحانه المقام الأول بوجوه من التقرٌر: منها ما تقدم. 2/183) ________________________________________ ومنها: أنه ذم من ٌطلب النصر والعزة من ؼٌر المإمنٌن، كقوله: {ٌؤٌَ هَا ال ذٌِنَ آمَنُوا لا تَت خِذُوا الٌَْهُودَ وَالن صَارَى أَوْلٌَِاءَ، بَعْضُ هُمْ أَوْلٌَِاءُ بَعْضِ وَمَنْ ٌَتَوَل هُمْ مِنْكُمْ فَإِن هُ مِنْهُمْ إن اللهَ لا ٌَهْدِى الْقَوْمَ الظّالمٌِنَ فَتَرَى الّذٌِنَ فى قُلُوبِهمْ مَرَض ٌُسَارِعُونَ فٌِهِمْ ٌَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصٌِبَنَا دَابِرَة ، فَعَسَى اللهُ أَنْ ٌَؤْتِى بِالْفَ تْحِ أَوْ أَمْر مِنْ عِنْدِهِ فٌَُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَر وا فِى أَنفُسِهِمْ نَادِمٌنَ وٌََقُولُ الّذٌِنَ آمنُوا أَهإْلاءِ ال ذٌِنَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أٌَْمَانِهمْ إِن هُمْ لمعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَؤَصْبَحُوا خَاسِرٌِنَ ٌؤٌَ هَا الّذِ ٌنَ آمَنُوا مَنْ ٌَرْتَد مِنْكُمْ عَنْ دٌِنِهِ فَسَوْؾَ ٌَؤْتِى اللهُ بِقَوْم ٌُحِب هُمْ وٌَُحِب ونَه ٍُ أَذِل ة عَلَى المُإْمِنٌِنَ أَعِز ة عَلَى الْكَافِرٌِنَ ٌُجَاهِدُونَ فِى سَبٌِلِ الله وَلا ٌَخَافُونَ لَوْمَةَ لابم ، ذلِكَ فَضْلُ اللهِ ٌُإْتِ ٌهِ مَنْ ٌَشَاءُ، وَاللهُ وَاسِع عَلٌِم إِنَما وَلٌِ كُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالّذٌِنَ آمَنُوا ال ذٌِنَ ٌُقٌِموُنَ الص لبَةَ وٌَُإتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وَمَنْ ٌَتَوَل اللهَ وَرَسُولَهُ وَال ذٌِنَ آمَنُوا فَإِن حِزْبَ الله هُمُ الْؽَالِبُونَ [ }المابدة: 56 - 56] . فؤنكر على من طلب النصر من ؼٌر حزبه، وأخبر أن حزبه هم الؽالبون. ونظٌر هذا قوله{ :بشِّرِ المُنَافِقٌِنَ بِؤَن لَهُمْ عَذَاباً ألٌِماً الّذٌِنَ ٌَت خِذُونَ الْكَافِرٌنَ أَوْلٌَِاءَ مِنْ دُونِ المُإْمِنٌِنَ، أٌََبْتَؽُونَ عِنْدَ هُمْ الْعِز ة؟ فَإن الْعِز ةَ للهِ جَمٌِعاً [ }النساء: 658 - 659] . وقال تعالى{ :ٌَقُولونَ لَبنْ رَجَعْنَا إِلَى المَدٌِنَةِ لٌُِخْرِجَن الأعَز مِنْهَا الأَذَل وَللهِ الْعِز ةُ وَلِرَسُولِه وَلِلْمُإْمِنٌِنَ، وَلكِن المُنَافِقٌنَ لا ٌَعْلَمُونَ [ }المنافقون: 8] . وقال تعالى{ :مَنْ كَانَ ٌُرٌِدُ الْعِز ةَ فَللهِ الْعِز ةُ جَمٌِعَا إلٌَْهِ ٌَصْعَدُ الْكَلمِ الط ٌِّبُ والْعَمَلُ الص الِحُ ٌَرْفَعُهُ [ }فاطر: 61] . أى من كان ٌرٌد العزة فلٌطلبها بطاعة الله من الكلم الطٌب والعمل الصالح. وقال تعالى: {هُوَ الّذِى أَرْسلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدٌِنِ الْحَقِّ لٌِظْهِرَهُ عَلَى الدٌِّنَ كُلِّهِ [ }التوبة: 55، الفتح: 19، الصؾ: 9] . (2/184) ________________________________________ وقال{ :ٌؤٌَ هَا ال ذٌِنَ آمَنُوا هَلْ أَدُل كُمْ عَلَى تِجَارَة تُنْجٌِكُ مْ مِنْ عَذَاب أَلٌِم تُإْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فى سَبٌِلِ اللهِ بؤَمْوَالِكُمْ وَأَنُفُسكُمْ ذلِكُمْ خٌَْر لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٌَؽْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبِكُمْ وٌَُدْخِلْكُمْ جَن ات تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَ سَاكِنَ طٌَِّبَة فى جَنّاتِ عَدْن ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظٌِمُ وَأُخْرَى تُحبِو نَها نَصْر مِنَ اللهِ وَفَتْح قَرٌِب وَبَشِّرِ المُإْمِنٌِنَ [ }الصؾ: 61 - 65 ]أى

عدد الصفحات ٢٩٦

الأَنْهَارُ وَمَ سَاكِنَ طٌَِّبَة فى جَنّاتِ عَدْن ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظٌِمُ وَأُخْرَى تُحبِو نَها نَصْر مِنَ اللهِ وَفَتْح قَرٌِب وَبَشِّرِ المُإْمِنٌِنَ [ }الصؾ: 61 - 65 ]أى وٌعطٌكم أخرى فوق مَؽْفِرَةِ الذنوب ودُخول الجنة، وهى النّصْرُ والفتح {ٌؤٌَ هَا الّذٌِنَ آمَ نُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللهِ كمَا قَالَ عٌِسَى ابْنُ مَرٌَْمَ لِلْحَوَارٌٌِِّنَ مَنْ أَنْصَارِى إلَى اللهِ، قالَ الْحَوَارٌِ ونَ نَحَنُ أَنْصَارُ اللهِ، فَآمَنَتْ طَابِفَة مِنْ بَنِى إسْرَابٌِلَ وَكَفَرَتْ طَابِفَةُ، فَؤٌَدْنَا الّذٌِنَ آمَنُوا عَلَى عَدُ وِّهِمْ فَؤَصْبَحُوا ظَاهِرٌِن [ }الصؾ: 64] . وقال تعالى للمسٌح{ :إِنِّى مُتَوَفٌِّكَ وَرَافِعُكَ إِلَى وَمْطَهِّرُكَ مِنَ الّذٌِنَ كَفَرُوا وَجَاعِل الّذٌِنَ ات بَعُوكَ فَوْقَ الّذٌِنَ كَفَرُوا إِلَى ٌَوْمِ الْقٌَِامَةِ [ }آل عمران: 55] . فلما كان للنصارى نصٌب ما من اتباعه كانوا فوق الٌهود إلى ٌوم القٌامة، ولما كان المسلمون أتبع له من النصارى كانوا فوق النصارى إلى ٌوم القٌامة. وقال تعالى للمإمنٌن{ :وَلَوْ قَاتَلَكمُ الّذٌِنَ كَفَرُوا لَول وا الأَدْبَارَ ثُم لا ٌَجِدُونَ وَلٌِا وَلا نَصٌِراً سُن ةَ اللهِ ال تِى قَدْ خَلَتْ مِنْ قبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُن ةِ اللهِ تَبْدٌِلبَ [ }الفتح: 11- 15] . فهذا خطاب للمإمنٌن الذٌن قاموا بحقابق الإٌمان ظاهرا وباطنا.

عدد الصفحات ٢٩٦

297 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وقال تعالى{ :والْعَاقِبَةَ لِلْمتُقٌِّنَ [ }الأعراؾ: 618 ]وقال{ :وَالْعَاقِبةُ لِلت قْوَى [ }طه: 651] . والمراد: العاقبة فى الدنٌا قبل الآخرة، لأنه ذكر ذلك عقٌب قصة نوح، ونصره وصبره على قومه. فقال تعالى: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْؽٌَْبِ نُوحٌِهَا إلٌَْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أنْتَ وَلا قَوْمكَ مِنْ قَبْلِ هذَا فَاصْبِرْ إن الْعَاقِبَةَ لِلْمتُقٌّنَ [ }هود: 49] . أى عاقبة النصر لك ولمن معك، كما كانت لنوح علٌه السلبم ومن آمن معه. وكذلك قوله{ :وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالص لبَةِ وَاصْطَبِرْ عَلٌَْهَا لا نَسْؤَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلت قْوَى [ }طه: 651] . وقال تعالى{ :وَإنْ تَصْبِرُوا وَتَتّ قُوا لا ٌَضُر كُمْ كٌَْدُهُمْ شٌَْباً [ }آل عمران: 611] . (2/185) ________________________________________ وقال{ :بَلَى إنْ تَصْبِرُوا وٌََؤْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذَا ٌُمْدِدْكُمْ رَب كمْ بِخمسَةِ آلاؾ مِنَ المَلببِكَةِ مُسَوِّمٌِنَ [ }آل عمران: 615] . وقال تعالى إخبارا عن ٌوسؾ علٌه السلبم أنه نُصِرَ بتقواه وصبره، فقال: {أَنَا ٌُوسُؾُ وَهذَا أَخِى قدْ مَن اللهُ عَلٌَْنَا إِنّهُ مَنْ ٌَتّقِ وٌََصْبِرْ فَإنَ اللهَ لا ٌُضٌِعُ أجْرَ المُحْسِنٌِنَ [ }ٌوسؾ: 91{ ]ٌؤٌَ هَا ال ذٌِنَ آمَنُوا إِنْ تَت قُوا اللهَ ٌَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وٌَكَفِّرْ عنكم سٌَ بَاتِكُم[ }الأنفال: 19] . والفرقان: هو العز والنصر، والنجاة والنور الذى ٌفرق بٌن الحق والباطل. وقال تعالى{ :وَمَنْ ٌَتّق اللهَ ٌْجعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وٌََرْزُقهُ مِنْ حٌَْثُ لا ٌَحْتَسِبُ، وَمَنْ ٌَتَوَك لْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْب إن اللهَ بَالِػُ أَمْرِهِ، قَد جَعَلَ اللهُ لِكُل شًَءْ قَدْراً [ }الطلبق: 1- 5] . وقد روى ابن ماجه وابن أبى الدنٌا عن أبى ذر رضى الله عنه عن النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم قال: "لَوْ عَمِلَ الن اسُ كُل همْ بِهذِهِ الآٌة لَوَسِعَتْهُمْ " فهذا فى المقام الأول. وأما المقام الثانى: فقال تعالى فى قصة أُحُد { :أَوَلَم ا أَصَابَتْكُمْ مُصٌِبَة قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلٌَْها قُلْتُمْ أَن ى هذَا؟ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [ }آل عمران: 665] . وقال تعالى{ :إن الّذٌِنَ تَ وَل وْا مِنْكُمْ ٌَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِن مَا اسْتَزَل هُمُ الشٌّْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا[ }آل عمران: 655] . وقال تعالى{ :وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصٌِبَة فَبمِاَ كَسَبَتْ أٌَْدٌِكُمْ وٌََعْفُوا عَنْ كَثٌِر [ }الشورى: 51] . وقال{ :ظَهَرَ الْ فَسَادُ فى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أٌَْدِى الن اسِ لٌُِذٌِقَهُمْ بَعْضَ ال ذِى عَمِلُوا لَعَلّهُمْ ٌَرْجِعُونَ [ }الروم: 46] . وقال{ :وَإن ا إذَا أَذَقْنَا الإنْسَانَ مِنّا رَحْمَةَ فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصبْهُمْ سٌَِّبَة 2/186) ________________________________________ بِما قَد مَتْ أٌَْدٌِهِمْ فَإِن الإنْسَانَ كَفُور [ }الشورى: 48] . وقالَ{ :وَإِذَا أَذَقْنَا الن اسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهمْ سٌَِّبَة بما قَد مَتْ أٌَْدٌِهِمْ إذَا هُمْ ٌَقْنَطُون[ }الروم: 56] . وقال{ :أَوْ ٌُوبِقْهُن بمَا كَسَبُوا وٌََعْؾُ عَنْ كَثٌِر [ }الشورى: 54] . وقال{ :مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَة فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سٌَِّبَة فَمِنَ نَفُسِكَ [ }النساء: 79] . ولهذا أمر الله سبحانه رسوله والمإمنٌن باتباع ما أنزل إلٌهم، وهو طاعته، وهو المقدمة الأولى، وأمر بانتظار وعده، وهو المقدمة الثانٌة، وأمر بالاستؽفار والصبر لأن العبد لا بد أن ٌحصل له نوع تقصٌر وسرؾ ٌزٌله الاستؽفار، ولا بد فى انتظار الوعد من الصبر، فبالاستؽفار تتم الطاعة.

عدد الصفحات ٢٩٧

وأمر بانتظار وعده، وهو المقدمة الثانٌة، وأمر بالاستؽفار والصبر لأن العبد لا بد أن ٌحصل له نوع تقصٌر وسرؾ ٌزٌله الاستؽفار، ولا بد فى انتظار الوعد من الصبر، فبالاستؽفار تتم الطاعة. وبالصبر ٌتم الٌقٌن بالوعد. وقد جمع الله سبحانه بٌنهما فى قوله: {فَاصْبِرْ إِن وَعْدَ اللهِ حَق وَاستْؽَفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحَ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِى وَالإبْكَارِ [ }ؼافر: 55] . وقد ذكر الله سبحانه فى كتابه قصص الأنبٌاء وأتباعهم، وكٌؾ نجاهم بالصبر والطاعة، ثم قال: {لَقَدْ كانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَة لأولِى الأَ لْبَابِ [ }ٌوسؾ: 666] . فصل وتمام الكلبم فى هذا المقام العظٌم ٌتبٌن بؤصول نافعة جامعة.

عدد الصفحات ٢٩٧

298 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي الأول: أن ما ٌصٌب المإمنٌن من الشرور والمحن والأذى دون ما ٌصٌب الكفار. والواقع شاهد بذلك. وكذلك ما ٌصٌب الأبرار فى هذه الدنٌا دون ما ٌصٌب الفجار والفساق والظلمة بكثٌر. الأصل الثانى: أن ما ٌصٌب المإمنٌن فى الله تعالى مقرون بالرضا والاحتساب، فإن فاتهم الرضا فمعو لهم على الصبر، وعلى الاحتساب، وذلك ٌخفؾ عنهم ثقل البلبء، ومإنته، فإنهم كلما شاهدوا العوض هان علٌهم تحمل المشاق والبلبء والكفار لا رضا عندهم ولا احتساب، وإن صبروا فكصبر البهابم، وقد نبه تعالى على ذلك بقوله: {وَ 2/187) ________________________________________ تَهِنُوا فِى ابْتِؽَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَؤْلَمُونَ فَإ نّهُمْ ٌَؤْلمونَ كَمَا تَؤْلمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَالا ٌَرْجُونَ [ }النساء: 614] . فاشتركوا فى الألم، وامتاز المإمنون برجاء الأجر والزلفى من الله تعالى. الأصل الثالث: أن المإمن إذا أوذى فى الله فإنه محمول عنه بحسب طاعته وإخلبصه ووجود حقابق الإٌمان فى قلبه، حتى ٌحمل عنه من الأذى ما لو كان شًء منه على ؼٌره لعجز عن حمله، وهذا من دفع الله عن عبده المإمن، فإنه ٌدفع عنه كثٌرا من البلبء، وإذا كان لابد له من شًء منه دفع عنه ثقله ومإنته ومشقته وتبعته. الأصل الرابع: أن المحبة كلما تمكنت فى القلب ورسخت فٌه، كان أذى المحب فى رضى محبوبه مستحلى ؼٌر مسخوط، والمحبون ٌفتخرون عند أحبابهم بذلك، حتى قال قابلهم: لَبنْ سَاءنِى أَنْ نِلْتَنِى بَمسَاءة ... لَقَدْ سَر نِى أَنِّى خَطَرْتُ بِبَالِكَ فما الظن بمحبة المحبوب الأعلى، الذى ابتلبإه لحبٌبه رحمة منه له وإحسان إلٌه. الأصل الخامس: أن ما ٌصٌب الكافر والفاجر والمنافق من العز والنصر والجاه دون ما ٌحصل للمإمنٌن بكثٌر، بل باطن ذلك ذل وكسر وهوان، وإن كان فى الظاهر بخلبفه. الأصل السادس: أن ابتلبء المإمن كالدواء له ٌستخرج منه الأدواء التى لو بقٌت فٌه أهلكته، أو نقصت ثوابه، وأنزلت درجته، فٌستخرج الابتلبء والامتحان منه تلك الأدواء وٌستعد به لتمام الأجر، وعلو المنزلة، ومعلوم أن وجود هذا خٌر للمإمن من عدمه، كما 2/188) ________________________________________ قال النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "والذى نفسى بٌده لا ٌقضى الله للمإمن قضاء إلا كان خٌرا له، ولٌس ذلك إلا للمإمن، إن أصابته سراء شكر فكان خٌرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خٌرا له." فهذا الابتلبء والامتحان من تمام نصره وعزه وعافٌته، ولهذا كان أشد الناس بلبء الأنبٌاء، ثم الأقرب إلٌهم فالأقرب، ٌبتلى المرء حسب دٌنه، فإن كان فى دٌنه صلببة شدد علٌه البلبء، وإن كان فى دٌنه رقة خفؾ عنه، ولا ٌزال البلبء بالمإمن حتى ٌمشى على وجه الأرض ولٌس علٌه خطٌبة. الأصل السابع: أن ما ٌصٌب المإمن فى هذه الدار من إدالة عدوه علٌه، وؼلبته له، وأذاه له فى بعض الأحٌان: أمر لازم، لابد منه، وهو كالحر الشدٌد، والبرد الشدٌد، والأمراض والهموم والؽموم، فهذا أمر لازم للطبٌعة والنشؤة الإنسانٌة فى هذه الدار، حتى للؤطفال والبهابم، لما اقتضته حكمة أحكم الحاكمٌن، فلو تجرد الخٌر فى هذا العالم عن الشر، والنفع عن الضر، واللذة عن الألم، لكان ذلك عالما ؼٌر هذا، ونشؤة أخرى ؼٌر هذه النشؤة، وكانت تفوت الحكمة التى مزج لأجلها بٌن الخٌر والشر، والألم واللذة، والنافع والضار، وإنما ٌكون تخلٌص هذا من هذا، وتمٌٌزه فى دار أخرى، ؼٌر هذه الدار، كما قال تعالى: {لٌََمٌِزَ اللهُ الْخَبٌِثَ مِنَ الط ٌِّبِ وٌََجْعَلَ الَخَبٌِثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْض فٌََرْكُمَهُ جَمٌِعاً فٌََجْعَلَهُ فى جَهَنّمَ أُولبِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } [الأنفال: 57] .

عدد الصفحات ٢٩٨

{لٌََمٌِزَ اللهُ الْخَبٌِثَ مِنَ الط ٌِّبِ وٌََجْعَلَ الَخَبٌِثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْض فٌََرْكُمَهُ جَمٌِعاً فٌََجْعَلَهُ فى جَهَنّمَ أُولبِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } [الأنفال: 57] . الأصل الثامن: أن ابتلبء المإمنٌن بؽلبة عدوهم لهم، وقهرهم، وكسرهم لهم أحٌانا فٌه حكمة عظٌمة، لا ٌعلمها على التفصٌل إلا الله عز وجل.

عدد الصفحات ٢٩٨

299 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي فمنها: استخراج عبودٌتهم وذلهم لله، وانكسارهم له، وافتقارهم إلٌه، وسإالهم نصرهم على أعدابهم، ولو كانوا دابما منصورٌن قاهرٌن ؼالبٌن لبطروا وأشروا: ولو كانوا دابما مقهورٌن مؽلوبٌن منصورا علٌهم عدوهم لما قامت للدٌن قابمة، ولا كانت للحق دولة 2/189) ________________________________________ فاقتضت حكمة أحكم الحاكمٌن أن صرفهم بٌن ؼَلَبهم تارة، وكونهم مؽلوبٌن تارة، فإذا ؼُ لِبوا تضرعوا إلى ربهم، وأنابوا إلٌه، وخضعوا له، وانكسروا له وتابوا إلٌه، وإذا ؼلبوا أقاموا دٌنه وشعابره، وأمروا بالمعروؾ، ونهوا عن المنكر، وجاهدوا عدوه، ونصروا أو لٌاءه. ومنها: أنهم لو كانوا دابما منصورٌن، ؼالبٌن قاهرٌن، لدخل معهم من لٌس قصده الدٌن، ومتابعة الرسول. فإنه إنما ٌنضاؾ إلى من له الؽلبة والعزة، ولو كانوا مقهورٌن مؽلوبٌن دابما لم ٌدخل معهم أحد. فاقتضت الحكمة الإلهٌة أن كانت لهم الدولة تارة وعلٌهم تارة. فٌتمٌز بذلك بٌن من ٌرٌد الله ورسوله، ومن لٌس له مراد إلا الدنٌا والجاه. ومنها: أنه سبحانه ٌحب من عباده تكمٌل عبودٌتهم على السراء والضراء، وفى حال العافٌة والبلبء، وفى حال إدالتهم والإدالة علٌهم. فلله سبحانه على العباد فى كلتا الحالٌن عبودٌة بمقتضى تلك الحال لا تحصل إلا بها، ولا ٌستقٌم القلب بدونها، كما لا تستقٌم الأبدان إلا بالحر والبرد، والجوع والعطش والنصب، وأضدادها. فتلك المحن والبلبٌا شرط فى حصول الكمال الإنسانى والاستقامة المطلوبة منه، ووجود الملزوم بدون لازمة ممتنع. ومنها: أن امتحانهم بإدالة عدوهم علٌهم ٌمحصهم، وٌخلصهم، وٌهذبهم كما قال تعالى فى حكمة إدالة الكفار على المإمنٌن ٌوم أحد: {وَ تَهِ نُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُإْمِنٌِنَ إِنْ ٌَمْسسَكُمْ قَرْح فَقَدْ مَس الْقَوْمَ قَرْح مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأٌَ امُ ندَاوِلهُاَ بٌَْنَ الن اسِ وَلٌِعَلَمَ اللهُ الّذٌِنَ آمَنُوا وٌََت خِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللهُ لا ٌُحِب الظ الِمٌنَ وَلٌِمُحِّصَ اللهُ ال ذٌِنَ آمَنُوا وٌََمْحَق الْكَافِرٌِنَ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَن ةَ وَلَم ا ٌَعْلَمِ اللهُ ال ذٌِنَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وٌََعْلَمَ الص ابِرٌِنَ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَن ونَ المَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَ نْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأٌَْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرونَ وَمَا مُحم د إلا رَسُول قَدْ خَلَتْ منْ قَبْلِهِ الر سُل أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أعْقَابِكُمْ وَمَنْ ٌَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبٌَْهِ فَلَنْ ٌَضُر اللهَ شٌَْبا وَسٌََجْزِى اللهُ الشّاكِرٌِنَ [ }آل عمران: 659 - 644] . (2/190) ________________________________________ فذكر سبحانه أنواعا من الحكم التى لأجلها أدٌل علٌهم الكفار، بعد أن ثبتهم وقواهم وبشرهم بؤنهم الأعلون بما أعطوه من الإٌمان، وسلبهم بؤنهم وإن مسهم القرح فى طاعته وطاعة رسوله فقد مس أعداءهم القرح فى عداوته وعداوة رسوله. ثم أخبرهم أنه سبحانه بحكمته ٌجعل الأٌام دولا بٌن الناس، فٌصٌب كلب منهم نصٌبه منها، كالأرزاق والآجال. ثم أخبرهم أنه فعل ذلك لٌعلم المإمنٌن منهم، وهو سبحانه بكل شًء علٌم قبل كونه وبعد كونه، ولكنه أراد أن ٌعلمهم موجودٌن مشاهدٌن، فٌعلم إٌمانهم واقعا. ثم أخبر أنه ٌحب أن ٌتخذ منهم شهداء، فإن الشهادة درجة عالٌة عنده، ومنزلة رفٌعة لا تنال إلا بالقتل فى سبٌله، فلولا إدالة العدو لم تحصل درجة الشهادة التى هى من أحب الأشٌاء إلٌه، وأنفعها للعبد. ثم أخبر سبحانه أنه ٌرٌد تمحٌص المإمنٌن: أى تخلٌصهم من ذنوبهم بالتوبة والرجوع إلٌه واستؽفاره من الذنوب التى أدٌل بها علٌهم العدو، وأنه مع ذلك ٌرٌد أن ٌمحق الكافرٌن ببؽٌهم وطؽٌانهم، وعدوانهم إذا انتصروا.

عدد الصفحات ٢٩٩

د تمحٌص المإمنٌن: أى تخلٌصهم من ذنوبهم بالتوبة والرجوع إلٌه واستؽفاره من الذنوب التى أدٌل بها علٌهم العدو، وأنه مع ذلك ٌرٌد أن ٌمحق الكافرٌن ببؽٌهم وطؽٌانهم، وعدوانهم إذا انتصروا. ثم أنكر علٌهم حسبانهم وظنهم دخول الجنة بؽٌر جهاد ولا صبر. وأن حكمته تؤبى ذلك فلب ٌدخلونها إلا بالجهاد والصبر، ولو كانوا دابما منصورٌن ؼالبٌن لما جاهدهم أحد ولما ابتلوا بما ٌصبرون علٌه من أذى أعدابهم فهذا بعض حِكَمِه فى نصر عدوهم علٌهم، وإدالته فى بعض الأحٌان. الأصل التاسع: أنه سبحانه وتعالى إنما خلق السماوات والأرض وخلق الموت والحٌاة وزٌن الأرض بما علٌها لابتلبء عباده، وامتحانهم، لٌعلم من ٌرٌده وٌرٌد ما عنده ممن ٌرٌد الدنٌا وزٌنتها.

عدد الصفحات ٢٩٩