256 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي حفظاً لأموالهم وتخلصاً من بطلبن الحقوق بجحود أو نسٌان، ثم أخبرهم أنه لا حرج علٌهم فى ترك ذلك فى البٌوع الحالة، لأمنهم فٌها مفسدة التجاحد والنسٌان. فالمراد بالتجارة الدابرة: البٌعات التى تقع ؼالباً بٌن الناس. ولم ٌفهم أحد من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم، ولا من التابعٌن، ولا تابعٌهم، ولا أهل التفسٌر، ولا أبمة الفقهاء منها: المعاملة الدابرة بالربا بٌن المترابٌٌن، بل فهموا تحرٌمها من نصوص تحرٌم الربا. ولا رٌب أن دخولها فى تلك النصوص أظهر من دخولها فى هذه الآٌة. ومما ٌدل علٌه: أن هذه المعاملة الدابرة بٌنهما بالربا لا تكون فى الؽالب إلا مع أجل، بؤن ٌبتاع منه سلعة بثمن حال، ثم ٌبٌعها إٌاه بؤكثر منه إلى أجل، وذلك فى الؽالب مما ٌطلب علٌه الشهود والكتاب خشٌة الجحود، والله سبحانه قال: {إِ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدٌِرُونَهَا بٌَْنَكُمْ فَلٌَْسَ عَلٌَْكُمْ جُنَاح ألا تَكْتُبُوهَا[ }البقرة: 181] . فاستثنى هذا من قوله{ :ٌَا أٌَ هَا ال ذٌِنَ آمَنُوا إِذَا تَدَاٌَنْتُمْ بِدٌَْن إِلَى أَجَل مُسَمى فَاكْتُبُوهُ [ }البقرة:181] . وهذه المعاملة الربوٌة قد اتفقا فٌها على التداٌن إلى أجل مسمى، واتفقا فٌها على المابة بمابة وثلبثٌن ونحو ذلك، فؤٌن هى من التجارة الحاضرة، التى ٌعرؾ الناس الفرق فٌها بٌن التجارة والربا؟ فالتجارة فى كلبم الله ورسوله، ولؽة العرب، وعرؾ الناس: إنما تنصرؾ إلى البٌاعات 2/104) ________________________________________ المقصودة التى ٌقصد فٌها الثمن، والمثمن. وأما ما تواطآ فٌه على الربا المحض، ثم أظهرا بٌعا ؼٌر مقصود لهما البتة، ٌتوسلبن به إلى أن ٌعطٌه مابة حالة بمابة وعشرٌن مإجلة، فهذا لٌس من التجارة المؤذون فٌها، بل من الربا المنهى عنه، والله أعلم. فصل وأما استدلالكم بالمعارٌض على جواز الحٌل. فما أبطله من استدلال، فؤٌن المعارٌض التى ٌتخلص بها الإنسان من الظلم والكذب إلى الحٌل التى ٌسقط بها ما فرض الله تعالى، وٌستحل بها ما حرم الله، فالمعَرِّض تكلم بحق، ونطق بصدق فٌما بٌنه وبٌن الله تعالى، لا سٌما إذا لم ٌنو باللفظ خلبؾ ظاهره فى نفسه، وإنما كان الظهور من ضعؾ فهم السامع وقصوره فى معرفة دلالة اللفظ، ومعارٌض النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم ومزاحه عامته كان من هذا الباب، كقوله صلى الله علٌه وسلم: "نَحْنُ مِنْ مَاء " و "إِن ا حَامِلُوكَ عَلَى وَلدِ الن اقَةِ " و "وَزوَجُكِ الّذِى فى عٌَْنِه بٌَاض " و "لا ٌَدْخُلُ الجنة عَجُوز ." وأكثر معارٌض السلؾ كانت من هذا. فالمعرِّض إنما ٌقصد باللفظ ما جعل اللفظ دالا علٌه ومثبتا له فى الجملة، فهو لم ٌخرج بتعرٌضه عن حدود الكلبم، فإن الكلبم فٌه الحقٌقة والمجاز، والعام والخاص، والمطلق والمقٌد، والمفرد والمشترك، والمتباٌن والمترادؾ، وتختلؾ دلالته تارة بحسب اللفظ المفرد، وتارة بحسب التؤلٌؾ، فؤٌن هذا من الحٌل التى ٌقصد بالعقد فٌها ما لم ٌشرع العقد له أصلبً، ولا هو مقتضاه، ولا موجبة شرعاً ولا حقٌقة؟،. 2/105) ________________________________________ وفرق ثان، وهو أن المعرض لو صرح بقصده لم ٌكن باطلبً ولا محرماً، بخلبؾ المحتال، فإنه لو صرح بما قصده بإظهار صورة العقد كان محرماً باطلبً، فإن المرابى بالحٌلة لو قال: بعتك مابة حالة بمابة وعشرٌن إلى سنة، كان حراماً باطلبً، وذلك عٌن مقصوده، ومقصوده الآخر. وكذلك المقرض لو قال: أقرضتك ألفاً على أن تعٌدها إلى ومعها زٌادة كذا وكذا، كان حراماً باطلبً، وذلك نفس مقصوده. وكذلك المحلل لو قال: تزوجتها على أن أحلها للمطلق ثلبثاً . والمعرض لو صرح بمقصوده لم ٌكن حراماً، فؤٌن أحدهما من الآخر؟
عدد الصفحات ٢٥٦257 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وفرق ثالث: وهو أن المعرض قصد بالقول ما ٌحتمله اللفظ، أو ٌقتضٌه. والمحتال قصد بالعقد مالا ٌحتمله، ولا جعل مقتضٌاً له، شرعاً ولا عرفاً ولا حقٌقة. وفرق رابع: وهو أن المعرض مقصده صحٌح، ووسٌلته جابزة، فلب حجر علٌه فى مقصوده، ولا فى وسٌلته إلى مقصوده، بخلبؾ المحتال، فإن قصده أمر محرم، ووسٌلته باطلة، كما تقدم تقرٌره. وفرق خامس: وهو أن التعرٌض المباح لٌس من مخادعة الله سبحانه فى شا، وإنما ؼاٌته أنه مخادعة لمخلوق أباح الشارع مخادعته لظلمه، جزاء له على ذلك، ولا ٌلزم من جواز مخادعة الظالم جواز المحق، فما كان من التعرٌض لظاهر اللفظ فى نفسه كان قبٌحاً إلا عند الحاجة، وما لم ٌكن كذلك كان جابزاً إلا عند تضمن مفسدة، والذى ٌدخل فى الحٌل المذمومة إنما هو الأول، فالمعرض قاصد لدفع الشر، والمحتال بالباطل قاصد لدفع الحق. والتعرٌض كما ٌكون بالقول ٌكون بالفعل، كما ٌظهر المحارب أنه ٌرٌد وجها من الوجوه، وٌسافر إلى تلك الناحٌة، لٌحسب العدو أنه لا ٌرٌده، ثم ٌكر علٌه. ومثل أن ٌستطرد المبارز بٌن ٌدى خصمه لٌظن هزٌمته، ثم ٌعطؾ علٌه. ومثل أن ٌظهر ضعفاً وعجزاً ٌتخلص به من تسخٌره وأذاه، ونحو ذلك. 2/106) ________________________________________ وقد ٌكون التعرٌض بالقول والفعل معاً، كما قال سلٌمان علٌه السلبم "ابتونى بالسكٌن أشقه بٌنكما" وقد ٌكون بإظهار الصمم وأنه لا ٌسمع، وبإظهار النوم، وإظهار الشبع، وإظهار الؽنى، بحٌث ٌحسبه الجاهل ؼنٌا. وكما ٌقع الإجمال فى الأقوال فكذلك ٌقع فى الأفعال، كما أعطى النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم عمر رضى الله عنه حلة من حرٌر، فلما لبسها أنكر علٌه وقال: "لم أعطكها لتلبسها" فكساها أخا له مشركاً بمكة. فكل من الإجمال والاشتراك والاشتباه ٌقع فى الألفاظ تارة، وفى الأفعال تارة، وفٌهما معاً تارة. ومن أنواع التعرٌض: أن ٌتكلم المتكلم بكلبم حق ٌقصد به حقٌقته وظاهره، وٌوهم السامع نسبته إلى ؼٌر قابله، لٌقبله ولا ٌرده علٌه، أو لٌتخلص به من شره وظلمه، كما أنشد عبد الله بن رواحة رضى الله تعالى عنه امرأته تلك الأبٌات، وأوهمها أنه ٌقرأ وكذلك إذا كان الرجل ٌرٌد تنفٌذ حق صحٌح، ولكن لا ٌقبل منه، لكونه هو أو من لا ٌحسن به الظن قابله، فإذا عرّض للمخاطب بنسبة الكلبم إلى معظم ٌقبله منه كان من أحسن التعرٌض، كما علمه أبو حنٌفة - رحمه الله أصحابه -، حٌن شكوا إلٌه: إنا نقول لهم: قال أبو حنٌفة، فٌبادرون بالإنكار. فقال: قولوا لهم المسؤلة، فإذا استحسنوها ووقعت منهم بموقع، فقولوا: هذا قول أبى حنٌفة. وكما ٌجرى لأصحابنا مع الجهمٌة وفروخهم كثٌراً . فصل وأما استدلالهم بؤن الله سبحانه علم نبٌه ٌوسؾ علٌه السلبم الحٌلة التى توصل بها إلى أخذ أخٌه، إلى آخره. فهذا قد ظن بعض أرباب الحٌل أنه حجة لهم فى هذا الباب، ولٌس كما زعموا، والاستدلال بذلك من أبطل الباطل. 2/107) ________________________________________ فإن المحتجٌن بذلك لا ٌجوِّزون شٌباً مما فى هذه القصة البتة، ولا تجوزها شرٌعتنا بوجه من الوجوه، فكٌؾ ٌحتج المحتج بما ٌحرم العمل به، ولا ٌسوؼه بوجه من الوجوه؟ والله سبحانه إنما سوغ ذلك لنبٌه ٌوسؾ علٌه السلبم جزاء لإخوته، وعقوبة لهم على ما فعلوا به، ونصراً له علٌهم، وتصدٌقاً لرإٌاه، ورفعة لدرجته ودرجة أبٌه. وبعد، ففى قصته مع إخوته ضروب من الحٌل المستحسنة. أحدها قوله لفتٌانه{ :اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِى رِحَالِهمْ لَعَلّهُمْ ٌعْرفونَهَا إذَا انْقَلَبُوا إلَى أَهْلِهِمْ لَعَل هُمْ ٌَرْجِعُونَ [ }ٌوسؾ: 61] . فإنه تسبب بذلك إلى رجوعهم، وقد ذكروا فى ذلك معانى: منها: أنه تخوّؾ أن لا ٌكون عندهم ورق ٌرجعون بها. ومنها: أنه خشى أن ٌضر أخذ الثمن بهم.
عدد الصفحات ٢٥٧لَعَل هُمْ ٌَرْجِعُونَ [ }ٌوسؾ: 61] . فإنه تسبب بذلك إلى رجوعهم، وقد ذكروا فى ذلك معانى: منها: أنه تخوّؾ أن لا ٌكون عندهم ورق ٌرجعون بها. ومنها: أنه خشى أن ٌضر أخذ الثمن بهم. ومنها: أنه إذا رأى لإما أخذ الثمن منهم.
عدد الصفحات ٢٥٧258 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي ومنها: أنه أراهم كرمه فى رد البضاعة، لٌكون أدعى لهم إلى العود. وقد قٌل: إنه علم أن أمانتهم تحوجهم إلى الرجعة، لٌردوها إلٌه، فهذا المحتال به عمل صالح. والمقصود: رجوعهم ومجًء أخٌه، وذلك أمر فٌه منفعة لهم ولأبٌهم وله، وهو مقصود صالح، وإنما لم ٌعرفهم نفسه لأسباب أخر، فٌها منفعة لهم ولأبٌهم وله، وتمام لما أراده الله تعالى بهم من الخٌر فى هذا البلبء. وأٌضاً، فلو عرفهم نفسه فى أول مرة لم ٌقع الاجتماع بهم وبؤبٌه ذلك الموقع العظٌم، ولم ٌحل ذلك المحل، وهذه عادة الله سبحانه فى الؽاٌات العظٌمة الحمٌدة: إذا أراد أن ٌوصل عبده إلٌها هٌؤ لها أسباباً من المحن والبلبٌاً والمشاق، فٌكون وصوله إلى تلك الؽاٌات بعدها كوصول أهل الجنة إلٌها بعد الموت، وأهوال البرزخ، والبعث والنشور والموقؾ، والحساب، والصراط، ومقاساة تلك، الأهوال والشدابد، وكما أدخل رسول صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم إلى مكة ذلك المدخل العظٌم، بعد أن أخرجه الكفار ذلك المحرج ونصره ذلك النصر العزٌز، بعد أن قاسى مع أعداء الله ما قاساه. 2/108) ________________________________________ وكذلك ما فعله برسله، كنوح، وإبراهٌم، وموسى، وهود، وصالح، وشعٌب علٌهم السلبم، فهو سبحانه ٌوصل إلى الؽاٌات الحمٌدة بالأسباب التى تكرهها النفوس وتشق علٌها. كما قال تعالى: {كُتِبَ عَلٌَْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كَرْه لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شٌَْباً وَهْوَ خٌَْر لَكُمْ، وَعَسَى أَنْ تُحِب وا شٌَْباً وُهُوَ شَر لَكُمْ، وَاللهُ ٌَعلَمُ وَأَنتمْ لا تَعلَمُونَ [ }البقرة: 166] . وربما كانَ مَكْرُوهُ الن فُوسِ إِلَىمَحْبُوبِهَا سَبَباً مَا مِثْلَهُ سَبَبُ وبالجملة، فالؽاٌات الحمٌدة فى خباٌا الأسباب المكروهة الشاقة، كما أن الؽاٌات المكروهة المإلمة فى خباٌا الأسباب المشتهاة المستلذة، وهذا من حٌن خلق الله سبحانه الجنة وحفها بالمكاره، وخلق النار وحفها بالشهوات. فصل ومنها: أنه لما جهزهم فى المرة الثانٌة بجهازهم جعل السقاٌة فى رحل أخٌه. وهذا القدر ٌتضمن اتهام أخٌه بؤنه سارق. وقد قٌل: إنه كان بمواطؤة من أخٌه ورضا منه بذلك، والحق كان له، وقد أذن فٌه، وطابت نفسه به، ودل على ذلك قوله تعالى{ :ولَم ا دَخلُوا عَلَى ٌُوسُؾَ آوَى إِلٌَْهِ أَخَاهُ، قَالَ إِنِّى أَنَا أَخُوكَ فَلب تَبتَبِسْ بَما كَانُوا ٌَعْمَلُونَ [ }ٌوسؾ: 69] . فهذا ٌدل على أنه عَرّؾ أخاه نفسه. وقد قٌل: إنه لم ٌصرح له بؤنه ٌوسؾ، وأنه إنما أراد بقوله{ :إِنِّى أَنَا أَخُوكَ [ }ٌوسؾ: 69] . أى أنا مكان أخٌك المفقود. ومن قال هذا قال: إنه وضع السقاٌة فى رحل أخٌه، والأخ لا ٌشعر بذلك، والقرآن ٌدل على خلبؾ هذا، والعدل ٌرده. وأكثر أهل التفسٌر على خلبفه. ومن لطٌؾ الكٌد فى ذلك: أنه لما أراد أخذ أخٌه توصل إلى أخذه بما ٌقر إخوته أنه حق وعدل، ولو أخذه بحكم قدرته وسلطانه لنسب إلى الظلم والجور، ولم ٌكن له طرٌق فى دٌن الملك ٌؤخذه بها. فتوصل إلى أخذه بطرٌق ٌعترؾ إخوته أنها لٌست ظلما، فوضع الصواع 2/109) ________________________________________ فى رحل أخٌه بمواطؤة منه له على ذلك. ولهذا قال{ :ف تَبْتَبِسْ بِمَا كَانُوا ٌَعْمَلُون[ }ٌوسؾ: 69] . ومن لطٌؾ الكٌد: أنه لم ٌفتش رحالهم وهم عنده، بل أمهلهم حتى جهزهم بجهازهم، وخرجوا من البلد، ثم أرسل فى آثارهم لذلك. قال ابن أبى حاتم فى تفسٌره: حدثنا على بن الحسٌن حدثنا محمد بن عٌسى حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال: "أمهلهم حتى إذا انطلقواً فؤمعنوا من القرٌة أمر فؤدركوا ثم جلسوا، ثم ناداهم مناد: أٌتها العٌر إنكم لسارقون، فوقفوا، وانتهى
عدد الصفحات ٢٥٨259 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي إلٌهم رسوله، فقال لهم فٌما ٌذكرون: ألم نكرم ضٌافتكم، ونوفكم كٌلكم ونحسن منزلتكم، ونفعل بكم ما لم نفعله بؽٌركم، وأدخلنا كم علٌنا فى بٌوتنا ومنازلنا؟ قالوا: بلى، وما ذاك؟ {قال إنكم لسارقون} . وذكر عن السدى "فلما ارتحلوا أذن مإذن أٌتها العٌر." والسٌاق ٌقتضى ذلك، إذ لو كان هذا وهم بحضرته لم ٌحتج إلى الأذان، وإنما ٌكون الأذان نداء لبعٌد، ٌطلب وقوفه وحبسه. فكان فى هذا من لطٌؾ الكٌد: أنه أبعد من التهمة للطالب بالمواطؤة والموافقة، وأنه لا ٌشعر بما فقد له، فكؤنه لما خرج القوم وارتحلوا، وفصلوا عن المدٌنة احتاج الملك إلى صواعه لبعض حاجته إلٌه، فالتمسه، فلم ٌجده، فسؤل عنه الحاضرٌن، فلم ٌجدوه، فؤرسلوا فى أثر القوم. فهذا أحسن وأبعد من التفطن للحٌلة من التفتٌش فى الحال قبل انفصالهم عنه. بل كلما ازدادوا بعدا عنه كان أبلػ فى هذه المعنى. ومن لطٌؾ الكٌد: أنه أذن فٌهم بصوت عال رفٌع، ٌسمعه جمٌعهم، ولم ٌقل لواحد واحد منهم، إعلبماً بزن ذهاب الصواع أمر قد اشتهر، ولم ٌبق فٌه خفاء، وأنتم قد اشتهرتم بؤخذه، ولم ٌتهم به سواكم. ومن لطٌؾ الكٌد: أن المإذن قال إنكم لسارقون ولم ٌعٌن المسروق، حتى سؤلهم عنه القوم، فقالوا لهم: ماذا تفتقدون؟ قالوا: نفقد صواع الملك فاستقر عند القوم أن الصواع هو المتهم به، وأنهم لم ٌفقدوا ؼٌره. فإذا ظهر لم ٌكونوا ظالمٌن باتهامهم بؽٌره. وظهر صدقهم وعدلهم فى اتهامهم به وحده، وهذا من لطٌؾ الكٌد. ومن لطٌؾ الكٌد: قول المإذن وأصحابه لإخوة ٌوسؾ علٌه السلبم – {قَالُوا فَمَا جَزَاإُهُ إِنْ 2/110) ________________________________________ كُنْتُمْ كَاذِبٌِنَ }- أى ما عقوبة من ظهر علٌه أنه سرقه منكم، ووجد معه؟ أى ما عقوبته عندكم وفى دٌنكم؟{ .قَالُوا جَزَاإُهُ مَنْ وُجِدَ فِى رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاإُهُ [ }ٌوسؾ: 75] . فؤخذوهم بما حكموا به على نفوسهم، لا بحكم الملك وقومه. ومن لطٌؾ الكٌد: أن الطالب لما هم بتفتٌش رواحلهم بدأ بؤوعٌتهم ٌفتشها قبل وعاء من هو معه، تطمٌنا لهم، وبعدا عن تهمة المواطؤة. فإنه لو بدأ بوعاء من هو فٌه لقالوا: وما ٌدرٌه أنه فى هذا الوعاء دون ؼٌره من أوعٌتنا؟ وما هذا إلا بمواطؤة وموافقة. فؤزال هذه التهمة بؤن بدأ بؤوعٌتهم أولا، فلما لم ٌجده فٌها هم بالرجوع قبل تفتٌش وعاء من فٌه الصواع، وقال: ما أراكم سارقٌن وما أظن هذا أٌضاً أخذ شٌباً . فقالوا: لا والله، لا ندعكم حتى تفتشوا متاعه، فإنه أطٌب لقلوبكم، وأظهر لبراءتنا، فلما ألحوا علٌهم بذلك فتشوا متاعه، فاستخرجوا منه الصواع. وهذا من أحسن الكٌد. فلهذا قال تعالى{ :كَذلِكَ كِدْنَا لٌُِوسُؾَ مَا كانَ لٌَِؤْخُذَ أَخَاهُ فِى دٌِنِ الملِكِ إِلا أَنْ ٌَشَاءَ اللهُ نَرْفَعُ دَرَجَات مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُ لِّ ذِى عِلْم عَلٌِم [ }ٌوسؾ: 76] . فالعلم بالكٌد الواجب أو المستحب الذى ٌتوصل به إلى طاعة الله تعالى ورسوله، ونصر المحق وكسر المبطل مما ٌرفع الله به درجة العبد. وقد ذكروا فى تسمٌتهم سارقٌن وجهٌن: أحدهما: أنه من باب المعارٌض، وأن ٌوسؾ علٌه السلبم نوى بذلك أنهم سرقوه من أبٌه، حٌث ؼٌبوه عنه بالحٌلة التى احتالوا بها علٌه، وخانوه فٌه. والخابن ٌسمى سارقاً، وهو من الاستعمال المشهور. الثانى: أن المنادى هو الذى قال ذلك، من ؼٌر أمر ٌوسؾ علٌه السلبم. قال القاضى أبو ٌعلى وؼٌره: أمر ٌوسؾ بعض أصحابه أن ٌجعل الصاع فى رحل أخٌه. ثم قال بعض الموكلٌن به لما فقده، ولم ٌدر من أخذه - أٌتها العٌر إنكم لسارقون - على ظن منهم أنهم كذلك ولم ٌؤمرهم ٌوسؾ علٌه السلبم بذلك، ولعل ٌوسؾ علٌه السلبم قال للمنادى: هإلاء قد سرقوا، وعنى سرقته من أبٌه، والمنادى فهم سرقة الصواع، وصدق فى قوله: إنكم 2/111)
عدد الصفحات ٢٥٩260 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي ________________________________________ لسارقون - ولم ٌقل: صواع الملك ثم لما جاء إلى ذكر المفقود قال - نفقد الملك - وهو صادق فى ذلك، فحذؾ المفعول فى قوله - لسارقون - وذكره فى قوله - نفقد صواع الملك - وكذلك قال ٌوسؾ علٌه السلبم لما عرضوا علٌه أن ٌؤخذ أحدهم مكان أخٌهم - معاذ الله أن نؤخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده - ولم ٌقل: أن نؤخذ إلا من سرق، فإن المتاع كان موجوداً عنده، ولم ٌكن سارقاً . وهذا من أحسن المعارٌض. وقد قال نصر بن حاجب: سبل سفٌان بن عٌٌنة عن الرجل ٌعتذر إلى أخٌه من الشًء الذى قد فعله، وٌحرؾ القول فٌه لٌرضٌه، أٌؤثم فى ذلك؟ فقال: ألم تسمع قوله علٌه الصلبة والسلبم: "لٌَْسَ بِكَاذِب مَنْ أَصْلَحَ بٌَْنَ الن اسِ فَكَذَبَ فٌِهِ ." فإذا أصلح بٌنه وبٌن أخٌه المسلم كان خٌراً من أن ٌصلح بٌن الناس بعضهم فى بعض، ذلك أنه أراد به مرضاة الله، وكراهٌة أذى المإمن، وٌندم على ما كان منه، وٌدفع شره عن نفسه، ولا ٌرٌد بالكذب اتخاذ المنزلة عندهم، ولا طمعاً فى شا ٌصٌبه منهم، فإنه لم ٌرخص فى ذلك ورخص له إذا كره موجدتهم وخاؾ عداوتهم. قال حذٌفة بن الٌمان رضى الله عنه "إنى أشترى دٌنى بعضه ببعض، مخافة أن أقدم على ما هو أعظم منه." قال سفٌان: وقال الملكان{ :خَصْمَانِ بَؽَى بَعْضنَا عَلَى بَعْضِ [ }ص: 11] . أراد معنى شا ولم ٌكونا خصمٌن، فلم ٌصٌرا بذلك كاذبٌن. 2/112) ________________________________________ وقال إبراهٌم علٌه السلبم{ :إِنِّى سَقٌِم [ }الصافات: 89 ]وقالَ {بَلْ فَعَلَهُ كَبٌِرُهُمْ هذَا[ }الأنبٌاء: 65] . وقال ٌوسؾ علٌه السلبم {إنكم لسارقون[ }ٌوسؾ: 71 ]أراد ٌعنى أخاهم. فبٌن سفٌان رحمه الله تعالى أن هذا كله من المعارٌض المباحة، مع تسمٌته كذباً . وإن لم ٌكن فى الحقٌقة كذباً . وقد احتج بعض الفقهاء بقصة ٌوسؾ على أنه ٌجوز للئنسان التوصل إلى أخذ حقه من الؽٌر بما ٌمكنه الوصول إلٌه بؽٌر رضا من علٌه الحق. قال شٌخنا: وهذه الحجة ضعٌفة، فإن ٌوسؾ علٌه السلبم لم ٌكن ٌملك حبس أخٌه عنده بؽٌر رضاه، ولم ٌكن هذا الأخ ممن ظلم ٌوسؾ. حتى ٌقال قد اقتص منه، وإنما سابر الإخوة هم الذٌن كانوا قد فعلوا ذلك، نعم كان تخلفه عنهم مما ٌإذٌهم لتؤذى أبٌهم، وللمٌثاق الذى أخذه علٌهم، وقد استثنى فى المٌثاق بقوله: {إِ أَنْ ٌُحَاطَ بِكُمْ [ }ٌوسؾ: 66] . وقد أحٌط بهم وٌوسؾ علٌه السلبم لم ٌكن قصده باحتباس أخٌه الانتقام من إخوته، فإنه كان أكرم من هذا وإن كان فى ضمن ما فعل من تؤذى أبٌه أعظم من أذى إخوته، فإنما ذلك أمر أمره الله تعالى به، لٌبلػ الكتاب أجله، وٌتم البلبء الذى استحق به ٌوسؾ وٌعقوب علٌهما السلبم كمال الجزاء، وعلو المنزلة، وتبلػ حكمة الله تعالى - التى قدّرها وقضاها - نهاٌتها، ولو فرض أن ٌوسؾ علٌه السلبم قصد الاقتصاص منهم بما فعل، فلٌس هذا، بموضع خلبؾ بٌن العلماء. فإن الرجل له أن ٌعاقب بمثل ما عوقب به، وإنما موضع الخلبؾ: هل له أن ٌخونه، كما خانه؟ أو ٌسرقه، كما سرقه؟ ولم تكن قصة ٌوسؾ علٌه السلبم من هذا النوع. نعم لو كان ٌوسؾ علٌه السلبم أخذ أخاه بؽٌر أمره لكان لهذا المحتج شبهة، مع أنه لا شبهة له أٌضا على هذا التقدٌر، فإن مثل هذا لا ٌجوز فى شرعنا بالاتفاق، ولو كان ٌوسؾ قد أخذ أخاه واعتقله بؽٌر رضاه، كان فى هذا ابتلبء من الله تعالى لذلك المعتقل، كؤمر إبراهٌم علٌه السلبم بذبح ابنه، فٌكون المبٌح له على هذا التقدٌر وحٌا خاصا، كالوحى إلى إبراهٌم علٌه السلبم بذبح ابنه، وتكون حكمته فى حق الأخ امتحانه وابتلبءه، لٌنال درجة الصبر على حكم الله، والرضا بقضابه، وٌكون حاله فى هذا كحال أبٌه ٌعقوب علٌه السلبم فى احتباس ٌوسؾ علٌه السلبم عنه. 2/113)
عدد الصفحات ٢٦٠بنه، وتكون حكمته فى حق الأخ امتحانه وابتلبءه، لٌنال درجة الصبر على حكم الله، والرضا بقضابه، وٌكون حاله فى هذا كحال أبٌه ٌعقوب علٌه السلبم فى احتباس ٌوسؾ علٌه السلبم عنه. 2/113) ________________________________________ وقد دل على هذا نسبة الله سبحانه ذلك الكٌد إلى نفسه بقوله:
عدد الصفحات ٢٦٠261 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي {كَذلِكَ كِدْنَا لٌُِوسُؾَ مَا كَانَ لٌَِؤْخُذَ أَخَاهُ فِى دٌِنِ المَلِكِ إِلا أَنْ ٌَشَاءَ الله[ }ٌوسؾ: 76] . وهو سبحانه ٌنسب إلى نفسه أحسن هذه المعانى، وما هو منها حكمة وحق وصواب، وجزاء للمسًء، وذلك ؼاٌة العدل والحق، كقوله تعالى: {إن هُمْ ٌَكٌِدُونَ كٌَْداً وَأَكٌِدُ كٌدا[ }الطارق: 65 - 66 ]وقوله {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ الله[ }آل عمران:54 ]وقوله {اللهُ ٌسْتَهْزِئُ بِهم[ }البقرة: 65 ]وقوله {إِن المُنَافِقٌِنَ ٌَخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [ }النساء: 641 ]وقوله {وَأُمْلِى لهم إِن كٌَْدِى مَتٌِن } [القلم: 45] . فهذا منه سبحانه فى أعلى مراتب الحسن، وإن كان من العبد قبٌحاً سٌباً، لأنه ظالم فٌه، وموقعه بمن لا ٌستحقه، والرب تعالى عادل فٌه، موقعه بؤهله ومن ٌستحقه، سواء قٌل: إنه مجاز للمشاكلة الصورٌة، أو للمقابلة، أو سماه كذلك مشاكلة لاسم ما فعلوه، أو قٌل: إنه حقٌقة، وإن مسمى هذه الأفعال ٌنقسم إلى مذموم ومحمود، واللفظ حقٌقة فى هذا وهذا، كما قد بسطنا هذا المعنى واستوفٌنا علٌه الكلبم فى كتاب الصواعق المرسلة على الجهمٌة والمعطلة. فصل وإذا عرؾ ذلك، فٌوسؾ صلوات الله علٌه وسلبمه أكٌَْد، من وجوه عدٌدة. أحدها: أن إخوته كادوه، حٌث احتالوا فى التفرٌق بٌنه وبٌن أبٌه، كما قال له ٌعقوب علٌه السلبم{ :لا تَقْصُصْ رُإٌَْاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فٌََكٌِدُوا لَكَ كٌَْداً [ }ٌوسؾ: 5] . وثانٌها: أنهم كادوه حٌث باعوه بٌع العبٌد، وقالوا: إنه ؼلبم لنا أبق. وثالثها: كٌد امرأة العزٌز له، بتؽلٌق الأبواب، ودعابه إلى نفسها. ورابعها: كٌدها له بقولها{ :مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بؤَهْلِكَ سُوءا إِلا أنْ 2/114) ________________________________________ ٌُسْجَنَ أَوْ عَ ذَاب أَلٌِم [ }ٌوسؾ:15] . فكادته بالمراودة أولا، وكادته بالكذب علٌه ثانٌا، ولهذا قال لها الشاهد لما تبٌن له براءة ٌوسؾ علٌه السلبم{ :إِن هُ مِنْ كٌَْدِكُن إِن كٌَْدَكُن عَظٌِم [ }ٌوسؾ: 18] . وخامسها، كٌدها له حٌث جمعت له النسوة، وأخرجته علٌهن، تستعٌن بهن علٌه، وتستعذر إلٌهن من شؽفها به. وسادسها: كٌد النسوة له، حتى استجار بالله تعالى من كٌدهن فقال{ :وَإِ تَصْرِؾْ عَنِّى كٌَْدَهُن إلٌَْهِن أصب وأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلٌِن فَاسْتَجَابَ لَهُ رَب هُ فَصَرَؾَ عَنْهُ كٌَْدَهُن إِنّهُ هُوَ الس مٌِعُ الْعَلٌِم[ }ٌوسؾ: 55- 54] . ولهذا لما جاء الرسول بالخروج من السجن قال له{ :اُرْجعْ إِلَى ربك فَاسْؤَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللبتِى قَط عْنَ أٌَْدٌَِهُن إِن رَبِّى بِكٌَْدِهِن عَلٌِم [ }ٌوسؾ: 51] . فإن قٌل: فما كان مكر النسوة اللبتى مكرن به، وسمعت به امرأة العزٌز، فإن الله سبحانه لم ٌقصه فى كتابه؟. قٌل: بلى، قد أشار إلٌه بقوله{ :وَقَالَ نِسْوَة فِى المَدٌنَةِ اُمْرَأَةُ الْعَزٌِزِ تُراوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَؽَفَهَا حُبا إِن ا لَنَرَاهَا فِى ضَلبَل مُبٌِن [ }ٌوسؾ: 51] . وهذا الكلبم متضمن لوجوه من المكر: أحدها: قولهن{ :اُمْرَأَةُ الْعَزٌِزِ تُرَاوِد فَتَاهَا[ }ٌوسؾ: 51] . ولم ٌسموها باسمها، بل ذكروها بالوصؾ الذى ٌنادى علٌها بقبٌح فعلها، بكونها ذات بَعْل. فصدور الفاحشة منها أقبح من صدورها ممن لا زوج لها. الثانى، أن زوجها عزٌز مصر وربٌسها وكبٌرها، وذلك أقبح لوقوع الفاحشة منها. الثالث: أن الذى تراوده مملوك لا حُر، وذلك أبلػ فى القبح. 2/115) ________________________________________ الرابع: أنه فتاها الذى هو فى بٌتها وتحت كنفها، فحكمه حكم أهل البٌت، بخلبؾ من طلب ذلك من الأجنبى البعٌد.
عدد الصفحات ٢٦١262 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي الخامس: أنها هى المراودة الطالبة. السادس: أنها قد بلػ بها عشقها له كل مبلػ، حتى وصل حبها له إلى شؽاؾ قلبها. السابع: أن فى ضمن هذا أنه أعؾ منها وأبر، وأوفى، حٌث كانت هى المراودة الطالبة، وهو الممتنع، عفافاً وكرماً وحٌاء، وهذا ؼاٌة الذم لها. الثامن: أنهن أتٌن بفعل المراودة بصٌؽة المستقبل الدالة على الاستمرار والوقوع، حالا واستقبالا: وأن هذا شؤنها، ولم ٌقلن: راودت فتاها. وفرق بٌن قولك: فلبن أضاؾ ضٌفا، وفلبن ٌقرى الضٌؾ، وٌطعم الطعام، وٌحمل الكل. فإن هذا ٌدل على أن هذا شؤنه وعادته. التاسع قولهن{ :إِن ا لَنَرَاهَا فِ ى ضَلبَل مُبٌِن [ }ٌوسؾ: 51] . أى إنا لنستقبح منها ذلك ؼاٌة الاستقباح فنسبن الاستقباح إلٌها. ومن شؤنهن مساعدة بعضهن بعضا على الهوى، ولا ٌكدن ٌرٌن ذلك قبٌحا، كما ٌساعد الرجال بعضهم بعضا على ذلك، فحٌث استقبحن منها ذلك كان هذا دلٌلب على أنه من أقبح الأمور، وأنه مما لا ٌنبؽى أن تساعد علٌه، ولا ٌحسن معاونتها علٌه. العاشر: أنهن جمعن لها فى هذا الكلبم واللوم بٌن العشق المفرط، والطلب المفرط. فلم تقتصد فى حبها، ولا فى طلبها. أما العشق فقولهن{ :قَدْ شَؽَفَهَا حُباً [ }ٌوسؾ: 51] . أى وصل حبه إلى شؽاؾ قلبها. وأما الطلب المفرط فقولهن{ :تُرَاوِدُ فَتَاهَا[ }ٌوسؾ: 51] . والمراودة: الطلب مرة بعد مرة، فنسبوها إلى شدة العشق، وشدة الحرص على الفاحشة. فلما سمعت بهذا المكر منهن هٌؤت لهن مكرا أبلػ منه، فهٌؤت لهن متكؤ، ثم أرسلت إلٌهن، فجمعتهن وخبؤت ٌوسؾ علٌه السلبم عنهن. وقٌل: إنها جملته وألبسته أحسن ما تقدر علٌه، وأخرجته علٌهن فجؤة، فلم ٌَرعْهُن إلا وأحسن خلق الله وأجملهم قد طلع علٌهن بؽتة، فراعهن ذلك المنظر البهى، وفى أٌدٌهن مُدًى ٌقطعن بها ما ٌؤكلنه فدهشن حتى قطعن أٌدٌهن، وهن لا ٌشعرن. وقد قٌل: إنهن أبن أٌدٌهن، والظاهر خلبؾ ذلك، وإنما تقطٌعهن أٌدٌهن: جُرحُها وشقها بالمُدى لدَهَشهن بما رأٌن، 2/116) ________________________________________ فقابلت مكرهن القولى بهذا المكر الفعلى، وكانت هذه فى النساء ؼاٌة فى المكر. والمقصود: أن الله سبحانه كاد لٌوسؾ علٌه السلبم، بؤن جمع بٌنه وبٌن أخٌه، وأخرجه من أٌدى إخوته بؽٌر اختٌارهم، كما أخرجوا ٌوسؾ من ٌد أبٌه بؽٌر اختٌاره. وكاد له بؤن أوقفهم بٌن ٌدٌه موقؾ الذلٌل الخاضع المستجدى، فقالوا{ :ٌَا أٌَ هَا الْعَزٌِزُ مَس نَا وَأَهْلَنَا الض ر وَجِبْنَا بِبِضَاعَة مُزْجَاة فَؤَوْؾِ لَنَا الْكَ ٌْلَ وَتَصَد قْ عَلٌَْنَا إِن اللهَ ٌَجْزِى المَتَصَدِّقٌِنَ [ }ٌوسؾ: 88] . فهذا الذل والخضوع فى مقابلة ذله وخضوعه لهم ٌوم إلقابه فى الجب وبٌعه بٌع العبٌد. وكاد له بؤن هٌؤ له الأسباب التى سجدوا له هم وأبوه وخالته، فى مقابلة كٌدهم له، حذرا من وقوع ذلك، فإن الذى حملهم على إلقابه فى الجب خشٌتهم أن ٌرتفع علٌهم حتى ٌسجدوا له كلهم، فكادوه خشٌة ذلك. فكاد الله تعالى له حتى وقع ذلك. كما رآه فى منامه. وهذا كما كاد فرعون بنى إسرابٌل{ :ٌُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وٌََسْتَحٌْى نِسَاءَهُمْ [ }القصص: 4] . خشٌة أن ٌخرج فٌهم من ٌكون زوال ملكه على ٌدٌه، فكاده الله سبحانه، بؤن أخرج له هذا المولود، ورباه فى بٌته، وفى حجره، حتى وقع به منه ما كان ٌحذره، كما قٌل: وَإذَا خَشٌتَ مِنَ الأُمُورِ مُقَد را ... وَفَرَرْتَ م نْهُ، فَنَحْوَهُ تَتَوَج هُ فصل وكٌد الله سبحانه لا ٌخرج عن نوعٌن. أحدهما: أن ٌفعل سبحانه فعلب خارجاً عن قدرة العبد الذى كاد له، فٌكون الكٌد قدرا محضا، لٌس من باب الشرع، كما كاد الذٌن كفروا، بؤن انتقم منهم بؤنواع العقوبات وكذلك كانت قصة ٌوسؾ علٌه السلبم، فإن ٌوسؾ أكثر ما قدر علٌه
عدد الصفحات ٢٦٢263 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي أن ألقى الصواع فى رحل أخٌه، وأرسل مإذنا ٌإذن{ :أٌَ تُهَا الْعٌِرُ إن كُمْ لَسَارِقُونَ [ }ٌوسؾ: 71 ]فلما أنكروا قال{ :فَما جَزَاإُهُ إنْ كُنْتَمْ كَاذِبٌنَ قَالُوا جَزَاإُهُ مَنْ وَجِدَ فِى رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاإُهُ [ }ٌوسؾ: 74] . أى جزاإه استعباد المسروق ماله للسارق، إما مطلقا، وإما إلى مدة. وهذه كانت شرٌعة آل ٌعقوب علٌه السلبم 2/117) ________________________________________ حتى قٌل: إن مثل هذا كان مشروعا فى أول الإسلبم: أن المدٌن إذا أعسر بالدٌن استرقه صاحب الحق، وعلٌه حمل حدٌث بٌع النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم سُر ق. وقٌل: بل كان بٌعه إٌاه: إٌجاره لمن ٌستعمله، وقضى دٌنه بؤجرته، وعلى هذا فلٌس بمنسوخ، وهو إحدى الرواٌتٌن عن أحمد رحمه الله تعالى: أن المفلس إذا بقٌت علٌه دٌون وله صنعة أجبر على إجارته نفسه، أو أجره الحاكم ووفى دٌنه من أجرته. وكان إلهام الله تعالى لإخوة ٌوسؾ علٌه السلبم قولهم: {مَنْ وُجِدَ فِى رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاإُهُ [ }ٌوسؾ: 75] . كٌدا من الله تعالى لٌوسؾ علٌه السلبم، أجراه على ألسن إخوته، وذلك خارج عن قدرته. وكان ٌمكنهم أن ٌتخلصوا من ذلك، بؤن ٌقولوا: لا جزاء علٌه، حتى ٌثبت أنه هو الذى سرق، فإن مجرد وجوده فى رحله لا ٌوجب أن ٌكون سارقاً . وقد كان ٌوسؾ علٌه السلبم عادلا لا ٌؤخذهم بؽٌر حجة، وكان ٌمكنهم التخلص أٌضا بؤن ٌقولوا: جزاإه أن ٌفعل به ما تفعلونه بالسراق فى دٌنكم، وقد كان من دٌن ملك مصر - فٌما ذكر -: أن السارق ٌضرب وٌؽرم قٌمة المسروق مرتٌن، فلو قالوا له ذلك، لم ٌمكنه أن ٌلزمهم بما لا ٌلزم به ؼٌرهم، فلذلك قال سبحانه{ :كَذلكَ كِدْنَا لٌُِوسُؾْ مَا كَانَ لٌَِؤْخُذُ أَخَاهُ فِى دٌِنِ المَلِكِ إلا أَنْ ٌَشَاءَ اللهُ [ }ٌوسؾ: 76] . أى ما كان لٌمكنه أخذه فى دٌن ملك مصر، لأنه لم ٌكن فى دٌنه طرٌق إلى أخذه. وقوله {إِ أَنْ ٌَشَاءَ اللهُ [ }ٌوسؾ: 76] . استثناء منقطع، أى لكن إن شاء الله أخذه بطرٌق آخر، وٌجوز أن ٌكون متصلب، والمعنى: إلا أن ٌهٌا الله سببا آخر ٌإخذ به فى دٌن الملك ؼٌر السرقة. 2/118) ________________________________________ وفى هذه القصة تنبٌه على الأخذ باللوث الظاهر فى الحدود، وإن لم تقم بٌنة، ولم ٌحصل إقرار، فإن وجود المسروق مع السارق أصدق من البٌنة، فهو بٌنة لا تلحقها التهمة، وقد اعتبرت شرٌعتنا ذلك فى مواضع. منها: اللوث فى القسامة، والصحٌح: أنها ٌقُاد بها، كما دل علٌه النص الصحٌح الصرٌح. ومنها: حد الصحابة رضى الله عنهم فى الخمر بالرابحة والقًء. ومنها: حد عمر رضى الله عنه فى الزنا بالحبل، وجعله قسٌم الاعتراؾ والشهادة فوجود المسروق مع السارق إن لم ٌكن أظهر من هذا كله فلٌس دونه. فلما فتشوا متاعه فوجدوا فٌه الصواع كان ذلك قابما مقام البٌنة والاعتراؾ، فلهذا لم ٌمكنهم أن ٌتظلموا من أخذه ولو كان هذا ظلما لقالوا: كٌؾ ٌؤخذه بؽٌر بٌنة ولا إقرار؟. وقد أشبعنا الكلبم فى ذلك فى كتاب "الإعلبم باتساع طرق الأحكام." والمقصود: أنه لٌس فى قصة ٌوسؾ علٌه السلبم شبهة، فضلب عن الحجة، لأرباب الحٌل. فإنا إنما تكلمنا فى الحٌل التى ٌفعلها العبد، وحكمها فى الإباحة، والتحرٌم، لا فٌما ٌكٌد الله سبحانه وتعالى لعبده، بل فى قصة ٌوسؾ علٌه السلبم تنبٌه على أن من كاد ؼٌره كٌداً محرماً فإن الله سبحانه وتعالى لا بد أن ٌكٌده، وأنه لا بد أن ٌكٌد للمظلوم إذا صبر على كٌد كابده، وتلطؾ به، فالمإمن المتوكل على الله إذا كاده الخلق فإن الله تعالى ٌكٌد له، وٌنتصر له، بؽٌر حول منه ولا قوة. فهذا أحد النوعٌن من كٌده سبحانه لعبده.
عدد الصفحات ٢٦٣264 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي النوع الثانى: أن ٌلهمه أمرا مباحا، أو مستحبا، أو واجبا، ٌوصله به إلى المقصود الحسن، فٌكون على هذا إلهامه لٌوسؾ علٌه السلبم أن ٌفعل ما فعل هو من كٌده سبحانه أٌضا، فٌكون قد كاد له نوعى الكٌد، ولهذا قال سبحانه: {نَرْفَعُ دَرَجَات مَنْ نَشَاءُ [ }ٌوسؾ: 76] . وفى ذلك تنبٌه على أن العلم الدقٌق بلطٌؾ الحٌل الموصلة إلى المقصود الشرعى الذى ٌحبه الله تعالى ورسوله، من نصر دٌنه وكسر أعدابه، ونصر المحق وقمع المبطل: صفة مدح ٌرفع الله تعالى بها درجة العبد، كما أن العلم الذى ٌخصم به المبطل، وٌدحض حجته صفة مدح ٌرفع 2/119) ________________________________________ بها درجة عبده، كما قال سبحانه فى قصة إبراهٌم علٌه السلبم، ومناظرته قومه، وكسر حجتهم: {وَتِلْكَ حُج تُنَا آتَ ٌْنَاهَا إبراهٌم عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَات مَنْ نَشَاءُ [ }الأنعام: 85] . وعلى هذا فٌكون من الكٌد ما هو مشروع، ولكن لٌس هو الكٌد الذى تستحل به المحرمات، وتسقط به الواجبات، فإن هذا كٌد لله تعالى ودٌنه، فالله سبحانه ودٌنه هو المكٌد فى هذا القسم، فمحال أن ٌشرع الله سبحانه هذا النوع من الكٌد. وأٌضا، فإن هذا الكٌد لا ٌتم إلا بفعل ٌقصد به ؼٌر مقصوده الشرعى، ومحال أن ٌشرع الله تعالى لعبد أن ٌقصد بفعله ما لم ٌشرع الله ذلك الفعل له. وأٌضا، فإن الأمر المشروع هو عام لا ٌختص به شخص دون شخص، فالشًء إذا كان مباحاً لشخص كان مباح لكل من كان حاله مثل حاله، فمن احتال بحٌلة فقهٌة محرمة أو مباحة لم ٌكن له اختصاص بتلك الحٌلة عمن لا ٌفهمها ولا ٌعلمها، وإنما خاصٌة الفقٌه، إذا حدثت به حادثة: أن ٌتفطن لاندراجها تحت الحكم العام الذى ٌعلمه هو وؼٌره والله سبحانه إنما كاد لٌوسؾ علٌه السلبم كٌدا خاصاً به، جزاء له على صبره، وإحسانه، وذكره فى معرض المنة علٌه، وهذه الأفعال التى فعلها ٌوسؾ علٌه السلبم والأفعال التى فعلها الله سبحانه له إذا تؤملها اللبٌب رآها لا تخرج عن نوعٌن: أحدهما: إلهام الله سبحانه له فعلب كان مباحا له أن ٌفعله. الثانى: فعل من الله تعالى به خارج عن مقدور العبد. وكلب النوعٌن مباٌن للحٌل المحرمة التى ٌحتال بها على إسقاط الواجبات وإباحة المحرمات. فصل لعلك تقول: قد أطلت الكلبم فى هذا الفصل جدا، وقد كان ٌكفى الإشارة إلٌه. فٌقال: بل الأمر أعظم مما ذكرنا، وهو بالإطالة أجدر. فإن بلبء الإسلبم ومحنته عظمت من هاتٌن الطابفتٌن: أهل المكر والمخادعة، والاحتٌال فى العملٌات، وأهل التحرٌؾ والسفسطة والقرمطة فى العلمٌات. وكل فساد فى الدٌن - بل والدنٌا - فمنشإه من هاتٌن الطابفتٌن. 2/120) ________________________________________ فبالتؤوٌل الباطل قتل عثمان رضى الله عنه، وعاثت الأمة فى دمابها، وكفر بعضها بعضا وتفرقت على بضع وسبعٌن فرقة، فجرى على الإسلبم من تؤوٌل هإلاء، وخداع هإلاء ومكرهم ما جرى، واستولت الطابفتان، وقوٌت شوكتهما، وعاقبوا من لم ٌوافقهم وأنكر علٌهم، وٌؤبى الله إلا أن ٌقٌم لدٌنه من ٌذب عنه، وٌبٌن أعلبمه وحقابقه، لكٌلب تبطل حجج الله وبٌناته على عباده. فلنرجع إلى ما نحن بصدده من بٌان مكاٌد الشٌطان ومصاٌده. فصل ومن مكاٌده ومصاٌده: ما فتن به عشاق الصور. وتلك لعمر الله الفتنة الكبرى والبلٌة العظمى التى استعبدت النفوس لؽٌر خلبقها. وملكت القلوب لمن ٌسومها الهوان من عشاقها، وألقت الحرب بٌن العشق والتوحٌد، ودعت إلى موالاة كل شٌطان مرٌد. فصٌرت القلب للهوى أسٌرا
عدد الصفحات ٢٦٤265 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وجعلته علٌه حاكما وأمٌرا. فؤوسعت القلوب محنة. وملؤتها فتنة، وحالت بٌنها وبٌن رشدها. وصرفتها عن طرٌق قصدها. ونادت علٌها فى سوق الرقٌق فباعتها بؤبخس الأثمان، وأعاضتها بؤخس الحظوظ وأدنى المطالب عن العالى من ؼرؾ الجنان، فضلب عما هو فوق ذلك من القرب من الرحمن، فسكنت إلى ذلك المحبوب الخسٌس، الذى ألمهُا به أضعاؾ لذتها، ونٌَْله والوصول إلٌه أكبر أسباب مضرتها، فما أوشكه حبٌبا ٌستحٌل عدوا عن قرٌب. وٌتبرأ منه محبه لو أمكنه حتى كؤنه لم ٌكن له بحبٌب. وإن تمتع به فى هذه الدار فسوؾ ٌجد به أعظم الألم بعد حٌن. لاسٌما إذا صار الأخِلبء ٌومبذ بعضهم لبعض عدوا إلا المتقٌن. فٌا حسرة المحب الذى باع نفسه لؽٌر الحبٌب الأول بثمن بخس، وشهوة عاجلة، ذهبت لذتها وبقٌت تبعتها وانقضت منفعتها، وبقٌت مضرتها، فذهبت الشهوة، وبقٌت الشّقوة، وزالت النشوة، وبقٌت الحسرة، فوا رحمتاه لصب جمع له بٌن الحسرتٌن، حسرة فوت المحبوب الأعلى والنعٌم المقٌم، وحسرة ما ٌقاسٌه من النصب فى العذاب الألٌم. فهناك ٌعلم 2/121) ________________________________________ المخدوع أى بضاعة أضاع، وأن من كان مالك رقه وقلبه لم ٌكن ٌصلح أن ٌكون له من جملة الخدم والأتباع، فؤى مصٌبة أعظم من مصٌبة ملك أنزل عن سرٌر ملكه، وجعل لمن لا ٌصلح أن ٌكون مملوكه أسٌرا، وجعل تحت أوامره ونواهٌه مقهورا. فلو رأٌت قلبه وهو فى ٌد محبوبه لرأٌته: كعُصْفُورَة فِى ٌد طِفْل ٌَسُومُهَا ... حٌَِاضَ الر دَى، وَالطِّفْلُ ٌلْهُو وٌََلْعَبُ ولو شاهدت حاله وعٌشه لقلت: وَمَا فِى الأرْضِ أشْقَى مِنْ مُحِب ... وَإنْ وَجَدَ الْهَوَى حُلْوَ المَذَاقِ تَرَاهُ بَاكٌِاً فى كُلِّ حٌِن ... مَخَافَ ةَ فُرْقَة ، أَوْ لاشْتٌَِاقِ فٌََبْكِى إنْ نَؤَوْا، شَوْقاً إِلٌَْهِمْ ... وٌََبْكِى إنْ دنَوْا، حَذَرَ الْفِرَاقِ ولو شاهدت نومه وراحته، لعلمت أن المحبة والمنام تعاهدا وتحالفا أن لٌسا ٌلتقٌان ولو شاهدت فٌض مدامعه، ولهٌب النار فى أحشابه لقلت: سُبْحَانَ رَ بِّ الْعَرْشِ، مُتْقِنِ صُنْعِهِ ... وَمُإَلِّؾِ الأَضْدَادِ دُونَ تَعاَنُد قَطْر تَوَلّدَ عَنْ لَهٌِب فى الْحَشَا ... مَاء وَنَار فى مَحَل واحِدِ ولو شاهدت مسلك الحب فى القلب وتؽلؽه فٌه، لعلمت: أن الحب ألطؾ مسلكا فٌه من الأرواح فى أبدانها. فهل ٌلٌق بالعاقل أن ٌبٌع هذا الملك المطاع لمن ٌسومه سوء العذاب، وٌوقع بٌنه وبٌن ولٌه ومولاه الحق الذى لا ؼناء له عنه ولا بد له منه أعظم الحجاب؟ فالمحب بمن أحبه قتٌل. وهو له عبد خاضع ذلٌل. إن دعاه لباه. وإن قٌل له: ما تتمنى؟ فهو ؼاٌة ما ٌتمناه، لا ٌؤنس بؽٌره ولا ٌسكن إلى سواه، فحقٌق به أن لا ٌملك رقه إلا لأجلِّ حبٌب. وأن لا ٌبٌع نصٌبه منه بؤخس نصٌب. 2/122) ________________________________________ فصل إذا عرؾ هذا فؤصل كل فعل وحركة فى العالم: من الحب والإرادة، فهما مبدأ لجمٌع الأفعال والحركات، كما أن البؽض والكراهٌة مبدأ كل ترك وكؾ، إذا قٌل: إن الترك والكؾ أمر وجودى، كما علٌه أكثر الناس، وإن قٌل: إنه عدمى فٌكفى فى عدمه عدم مقتضٌه. والتحقٌق: أن الترك نوعان: ترك هو أمر وجودى. وهو كؾ النفس ومنعها وحبسها عن الفعل، فهذا سببه أمر وجودى، وترك هو عدم محض، فهذا ٌكفى فٌه عدم المقتضى.
عدد الصفحات ٢٦٥266 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي فانقسم الترك إلى قسمٌن: قسم ٌكفى فٌه عدم السبب المقتضى لوجوده، وقسم ٌستلزم وجود السبب الموجب له: من البؽض والكراهة، وهذا السبب لا ٌقتضى بمجرده كؾ النفس وحبسها. والالتبام مسبب عن المحبة، والإرادة تقتضى أمرا هو أحب إلٌه من هذا الذى كؾ نفسه عنه، فٌتعارض عنده الأمران. فٌإثر خٌرهما وأعلبهما وأنفعهما له، وأحبهما إلٌه، على أدناهما، فلب ٌترك محبوبا إلا لمحبوب هو أحب إلٌه منه ولا ٌرتكب مبؽوضا إلا لٌتخلص به من مبؽوض هو أكره إلٌه منه. ثم خاصٌة العقل واللب: التمٌٌز بٌن مراتب المحبوبات والمكروهات بقوة العلم والتمٌٌز، وإٌثار أعلى المحبوبٌن على أدناهما، واحتمال أدنى المكروهٌن التخلص من أعلبهما، بقوة الصبر والٌقٌن. فالنفس لا تترك محبوبا إلا لمحبوب، ولا تتحمل مكروها إلا لتحصٌل محبوب، أو للتخلص من مكروه آخر، وهذا التخلص لا تقصده إلا لمنافاته لمحبوبها، فصار سعٌها فى تحصٌل بالذات، وأسبابه بالوسٌلة، ودفع مبؽوضها بالذات، وأسبابه بالوسٌلة، فسعٌه فى تحصٌل محبوبه لماله فٌه من اللذة، وكذلك سعٌه فى دفع مكروهه أٌضاً لماله فى دفعه من اللذة. كدفع ما ٌإلمه من البول والنجو، والدم والقًء، وما ٌإلمه من الحر والبرد، والجوع والعطش، وؼٌر ذلك. 2/123) ________________________________________ وإذا علم أن هذا المكروه ٌفضى إلى ما ٌحبه ٌصٌر محبوبا له، وإن كان ٌكرهه. فهو ٌحبه من وجه، وٌكرهه من وجه، وكذلك إذا علم أن هذا المحبوب ٌفضى إلى ما ٌكرهه ٌصٌر مكروها له، وإن كان ٌحبه. فهو ٌكرهه من وجه، وٌحبه من وجه. فلب ٌترك الحى ما ٌحبه وٌهواه مع قدرته إلا لما ٌحبه وٌهواه. ولا ٌرتكب ما ٌكرهه وٌخشاه إلا حذار وقوعه فٌما ٌكرهه وٌخشاه، لكن خاصٌة العقل أن ٌترك أدنى المحبوبٌن وأقلهما نفعا لأعلبهما وأعظمهما نفعا، وٌرتكب أدنى المكروهٌن ضررا لٌتخلص به من أشدهما ضررا. فتبٌن بذلك أن المحبة والإرادة أصل للبؽض والكراهة، وعلة لهما، من ؼٌر عكس فكل بؽض فهو لمنافاة البؽٌض للمحبوب. ولولا وجود المحبوب لم ٌكن البؽض، بخلبؾ الحب للشًء. فإنه قد ٌكون لنفسه، لا لأجل منافاته للبؽٌض. وبؽض الإنسان لما ٌضاد محبوبه مستلزم لمحبته لضده. وكلما كان الحب أقوى كانت قوة البؽض للمنافى أشد. ولِهذا كان "أوْثَقُ عُرَى الإٌَمانِ الْحُب فى اللهِ وَالْبُؽْضُ فى اللهِ "، وكان "مَنْ أحَب للهِ، وَأبْؽَضَ للهِ، وَأعْطَى للهِ، وَمَنَعَ للهِ، فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الإٌَمانَ ." فإن الإٌمان علم وعمل، والعمل ثمرة العلم، وهو نوعان: عمل القلب حبا وبؽضا، وٌترتب علٌهما عمل الجوارح، فعلب، وتركا، وهما العطاء والمنع. فإذا كانت هذه الأصول الأربعة لله تعالى، كان صاحبها مستكمل الإٌمان، وما نقص منها فكان لؽٌر الله، نقص من إٌمانه بحسبه. 2/124) ________________________________________ فصل إذا عرؾ هذا فكل حركة فى العالم العلوى والسفلى فسببها المحبة والإرادة، وؼاٌتها المحبة والإرادة. فإن الحركات ثلبث: إرادٌة، وطبعٌة، وقسرٌة. فإن المتحرك إن كان له شعور بحركته وإرادة لها، فحركته إرادٌة، وإن لم ٌكن له شعور بحركته، أوله بها شعور وهو ؼٌر مرٌد لها، فحركته إما على وفق طبعه، أو على خلبفه، فالأولى طبعٌة، والثانٌة قسرٌة. أظهر من هذا أن ٌقال: مبدأ الحركة إما أن ٌكون أمرا مباٌنا للمتحرك، أو قوة فٌه، فالأول الحركة فٌه قسرٌة، والثانى، إما أن ٌكون له به شعور أم لا، فالأول: الحركة فٌه إرادٌة، والثانى طبعٌة. فالحركة متى لازمت الشعور والإرادة فهى إرادٌة، ومتى انتفى عنها الأمران، فإن كانت بقوة فى المتحرك فهى الطبعٌة، وإن كانت من ؼٌر قوة فى المحرك فهى القسرٌة.
عدد الصفحات ٢٦٦267 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وكل حركة فى السماوات والأرض: من حركات الأفلبك، والنجوم، والشمس، والقمر، والرٌاح، والسحاب، والنبات، والحٌوان، فهى ناشبة عن الملببكة الموكلٌن بالسماوات والأرض، كما قال تعالى: {فَالمُدَبِّرَاتِ أمْرا[ }النازعات: 5 ]، وقال {فَالمُقَسِّمَاتِ أَمْراً [ }الذارٌات: 4] . وهى الملببكة عند أهل الإٌمان وأتباع الرسل علٌهم السلبم، وأما المكذبون للرسل، المنكرون للصانع، فٌقولون: هى النجوم. وقد أشبعنا الرد على هإلاء فى كتابنا الكبٌر المسمى بالمفتاح. وقد دل الكتاب والسنة على أصناؾ الملببكة، وأنها موكلة بؤصناؾ المخلوقات، وأنه سبحانه وكِّل بالجبال ملببكة، ووكل بالسحاب والمطر ملببكة، ووكل بالرحم ملببكة تدبر أمر النطفة حتى ٌتم خلقها. ثم وكل بالعبد ملببكة لحفظه، وملببكة لحفظ ما ٌعمله 2/125) ________________________________________ وإحصابه وكتابته، ووكل بالموت ملببكة، ووكل بالشمس والقمر ملببكة، ووكل بالنار وإٌقادها وتعذٌب أهلها وعمارتها ملببكة، ووكل بالسإال فى القبر ملببكة، ووكل بالأفلبك ملببكة ٌحركونها، ووكل بالجنة وعمارتها وؼراسها، وعمل الأنهار فٌها ملببكة فالملببكة أعظم جنود الله تعالى. ومنهم: {وَالمُرْسَلبَتِ عُرْفاً فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفاً وَالن اشِراتِ نَشْراً فَالْفَارِقَاتِ فَرْقاً فالمُلْقٌَِاتِ ذِكْراً [ }المرسلبت: 6-5 ]ومنهم {وَالن ازِعَاتِ ؼَرْقاً وَالن اشِطَاتِ نَشْطاً وَالس ابحَاتِ سَبْحاً فَالس ابِقَاتِ سَبْقاً فَالمُدَبِّرَاتِ أَمْرَا[ }النازعات:6-5 ]ومنهم {وَالص افّاتِ صَفا فَالز اجِرَاتِ زَجْراً فَالت الٌَِاتِ ذِكْرَا[ }الصافات:6-5] . ومنهم ملببكة الرحمة وملببكة العذاب، وملببكة قد وكلوا بحمل العرش، 2/126) ________________________________________ وملببكة قد وكلوا بعمارة السماوات بالصلبة والتسبٌح والتقدٌس، إلى ؼٌر ذلك من أصناؾ الملببكة التى لا ٌحصٌها إلا الله تعالى. ولفظ الملك ٌشعر بؤنه رسول منفذ لأمر ؼٌره، فلٌس لهم من الأمر شًء، بل الأمر كله لله الواحد القهار، وهم ٌنفذون أمره: {لا ٌَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِؤَمْرِهِ ٌَعْمَلُونَ ٌَعْلَمُ مَا بٌَْنَ أٌْدٌِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا ٌَشْفَعُونَ إلا لَمِن اُرْتَضَى وَهْمْ مِنْ خَشٌَْتهِ مُشْفِقُ ونَ [ }الأنبٌاء: 17 - 18{ ]ٌَخَافُونَ رَب هُمْ مِنْ فَوْقِهمْ وٌََفْعَلُونَ مَا ٌإمَرُونَ [ }النحل: 51{ ]لا ٌَعْصُونَ اللهَ مَا أمَرَهُمْ وٌَفْعَلُونَ مَا ٌُإْمَرْونَ [ }التحرٌم: 6] . و تتنزل إلا بؤمره، ولا تفعل شٌبا إلا من بعد إذنه، فهم: {عِبَاد مُكرَمُونَ [ }الأنبٌاء: 16] . منهم الصافون، ومنهم المسبحون. لٌس منهم إلا من له مقام معلوم، لا ٌتخطاه وهو على عمل قد أمر به لا ٌقصر عنه، ولا ٌتعداه، وأعلبهم الذٌن عنده سبحانه: {لا ٌَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا ٌَستَحْسِرُونَ ٌُسَبِّحُونَ اللٌْلَ وَالن هَارَ لا ٌفْتُروُنَ [ }الأنبٌاء: 69- 11] . ورإساإهم الأملبك الثلبث: جبرٌل، ومٌكابٌل، وإسرافٌل، وكان النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم ٌقول: "الّلهُم رَب جِبْرٌِلَ وَمٌِكابٌِلَ وَإسْرَافٌِلَ، فَاطِرَ الس ماوَاتِ وَالأرْضِ، عَالِمَ الْؽٌَْبِ وَالش هَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمْ بٌَْنَ عِبَادِكَ فٌِما كَانُوا فٌِهِ ٌَخْتَلِفُونَ . اُهْدِنِى لَمِا اُخْتُلِؾَ فٌِهِ مِنَ الْحَقِّ بِإذْنِكَ تَهْدِى مَنْ تَشَاءُ إلَى صِرَاط مُسْتَقٌِم ." 2/127) ________________________________________ فتوسل إلٌه سبحانه بربوبٌته العامة والخاصة لهإلاء الأملبك الثلبثة الموكلٌن بالحٌاة.
عدد الصفحات ٢٦٧268 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي فجبرٌل موكل بالوحى الذى به حٌاة القلوب والأرواح، ومٌكابٌل موكل بالقطر الذى به حٌاة الأرض والنبات والحٌوان، وإسرافٌل موكل بالنفخ فى الصور الذى به حٌاة الخلق بعد مماتهم. فسؤله رسوله بربوبٌته لهإلاء أن ٌهدٌه لما اختلؾ فٌه من الحق بإذنه، لما فى ذلك من الحٌاة النافعة. وقد أثنى الله سبحانه على عبده جبرٌل فى القرآن أحسن الثناء، ووصفه بؤجمل الصفات فقال: {فَ أُقْسِمُ بِالْخُن سِ الْجَوَارِ الْكُنسِ وَاللٌْلِ إذَا عَسْعَسَ وَالص بْحِ إذَا تَنَف سَ إِن هُ لَقَولُ رَسُولِ كَرٌِم ذِى قُوٍَْة عِنْدَ ذِى الْعَرْشِ مَكٌِن مُطَاع ثَم أَمٌِن[ }التكوٌر: 65- 16] . فهذا جبرٌل، فوصفه بؤنه رسوله، وأنه كرٌم عنده، وأنه ذو قوة ومكانة عند ربه سبحانه، وأنه مطاع فى السماوات، وأنه أمٌن على الوحى. فمن كرمه على ربه: أنه أقرب الملببكة إلٌه. قال بعض السلؾ: منزلته من ربه منزلة الحاجب من الملك. ومن قوته: أنه رفع مدابن قوم لوط على جناحه، ثم قلبها علٌهم. فهو قوى على تنفٌذ ما ٌإمر به، ؼٌر عاجز عنه، إذ تطٌعه أملبك السماوات فٌما ٌؤمرهم به عن الله تعالى. قال ابن جرٌر فى "تفسٌره": عن إسماعٌل بن أبى خالد عن أبى صالح: أمٌن على أن ٌدخل سبعٌن سُرادقاً من نور بؽٌر إذن. ووصفه بالأمانة ٌقتضى صدقه ونصحه، وإلقاءه إلى الرسل ما أمر به من ؼٌر زٌادة ولا نقصان ولا كتمان. فالمكانة والأمانة والقوة والقرب من الله. ونظٌر الجمع له بٌن المكانة والأمانة: قول العزٌز لٌوسؾ علٌه السلبم{ :إِنّكَ الٌَْوْمَ لَدٌََنَا مَكٌِن أَمٌِن [ }ٌوسؾ: 54] . والجمع بٌن القوة والأمانة: نظٌر قول ابنه شعٌب فى موسى 2/128) ________________________________________ علٌهما السلبم{ :إِن خٌَْرَ مَنِ اسْتَؤْجَرْتَ الْقَوِى الأمٌِنُ [ }القصص: 16] . وقال تعالى فى وصفه{ :عَلّمَهُ شَدٌِدُ الْقُوَى ذُو م ر ة فَاسْتَوى[ }النجم: 5-6] . قال ابن عباس رضى الله عنهما "ذو منظر حسن" وقال قتادة "ذو خلق حسن" وقال ابن جرٌر: "عنى بالمرة صحة الجسم وسلبمته من الآفات والعاهات، والجسم إذا كان كذلك من الإنسان كان قوٌا." والمرة واحدة المرر، وإنما أرٌد به ذو مرة سوٌة، ومنه قول النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "لا تحِل الص دَقَةُ لِؽَنِى، وَلا لِذِى مِر ة سَوِى." قلت: هذا حجة من قال: المرة القوة فى الآٌة، وهو قول مجاهد وابن زٌد، وهو قول ضعٌؾ. لأنه قد وصفه قبل ذلك بؤنه{ :شَدٌِدُ الْقُوَى [ }النجم: 5] . و رٌب أن المرة فى الحدٌث هى القوة، لا المنظر الحسن، فإما أن ٌقال: المرة تقال على هذا وعلى هذا، وإما أن ٌقال - وهو الأظهر -: إن المرة هى الصحة والسلبمة من الآفات والعاهات الظاهرة والباطنة، وذلك ٌستلزم كمال الخلقة وحسنها وجمالها. فإن العاهة والآفة إنما تكون من ضعؾ الخلقة والتركٌب، فهى قوة وصحة تتضمن جمالا وحسنا، والله أعلم. وقالت الٌهود للنبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم "من صاحبك الذى ٌؤتٌك من الملببكة؟ فإنه لٌس من نبى إلا ٌؤتٌه ملك بالخبر؟ قال: "هو جبرٌل". قالوا: ذاك الذى ٌنزل بالحرب والقتال، ذاك عدونا، لو قلت: مٌكابٌل الذى ٌنزل بالنبات والقطر والرحمة؟ فؤنزل الله تعالى{ :مَنْ كَانَ عَدُوا لْجِبِرٌلَ فَإن ه نَز لَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللهِ مُصَدِّقاً لَمِا بٌَْنَ ٌَدٌَْهِ وَهُدى وَبُشْرَى لِلْمُإْمِنٌِنَ مَنْ كَانَ عَدُوا للهِ وَمَلببِكَتِهِ وَرسُلِهِ وَجِبْرٌِلَ وَمٌِكَالَ فَإن اللهَ عَدُو لِلْكَافِرٌِنَ [ }البقرة: 97 - 98] . (2/129) ________________________________________
عدد الصفحات ٢٦٨269 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي والمقصود: أن الله سبحانه وكل بالعالم العلوى والسفلى ملببكة، فهى تدبر أمر العالم بإذنه ومشٌبته وأمره، فلهذا ٌضٌؾ التدبٌر إلى الملببكة تارة، لكونهم هم المباشرٌن للتدبٌر، كقوله: {فَالمُدَبِّراتِ أَمْراً [ }النازعات: 5] . وٌضٌؾ التدبٌر إلٌه كقوله{ :إِن رَب كُم اللهُ ال ذِى خَلَقَ الس مَواتِ وَالأرْضَ فِى سِت ةِ أٌ ام ثُم اسْتَوَ ى عَلَى الْعَرْشِ ٌُدَبِّرُ الأَمْرَ [ }ٌونس: 5 ]قوله{ :قُلْ مَنْ ٌَرْزُقُكُمْ مِنَ الس مَاء وَالأَرْضِ أَم نْ ٌَمْلِكُ الس مْعَ وَالأبْصَارَ وَمَنْ ٌُخْرِجُ الْحَى مِنَ المٌَِّتِ وٌَخْرِجُ المٌَِّتَ مِنَ الْحَى وَمَنْ ٌُدَبِّرُ الأَمْرَ، فَسٌََقُولُونَ الله[ }ٌونس: 56 . ]فهو المدبر أمراً وإذناً ومشٌبةً، والملببكة المدبرات مباشرة وامتثالاً . وهذا كما أضاؾ التوفى إلٌهم تارة، كقوله تعالى{ :تَوَفّتْهُ رُسُلنَا[ }الأنعام: 66] . وإلٌه تارة، كقوله{ :اللهُ ٌَتَوَف ى الأنْفسَ [ }الزمر: 41 ]ونظابره. والملببكة الموكلة بالإنسان من حٌن كونه نطفة إلى آخر أمره لهم وله شؤن آخر فإنهم موكلون بتخلٌقه، ونقله من طور إلى طور، وتصوٌره، وحفظه فى أطباق الظلمات الثلبث، وكتابة رزقه، وعمله، وأجله، وشقاوته، وسعادته، وملبزمته فى جمٌع أحواله، وإحصاء أقواله وأفعاله، وحفظه فى حٌاته، وقبض روحه عند وفاته، وعرضها على خالقه وفاطره. وهم الموكلون بعذابه ونعٌمه فى البرزخ، وبعد البعث. وهم الموكلون بعمل آلات النعٌم والعذاب. وهم المثبتون للعبد المإمن بإذن الله، والمعلمون له ما ٌنفعه، والمقاتلون الذابون عنه، وهم أولٌاإه فى الدنٌا والآخرة، وهم الذٌن ٌرونه فى منامه ما ٌخافه لٌحذره، وما ٌحبه لٌقوى قلبه، وٌزداد شكرا، وهم الذٌن ٌعدونه بالخٌر وٌدعونه إلٌه، وٌنهونه عن الشر، وٌحذرونه منه. فهم أولٌاإه وأنصاره، وحفظته، ومعلموه، وناصحوه، والداعون له، والمستؽفرون له، وهم الذٌن ٌصلون علٌه مادام فى طاعة ربه، وٌصلون علٌه مادام ٌعلم الناس الخٌر، وٌبشرونه بكرامة الله تعالى فى منامه، وعند موته، وٌوم بعثه. وهم الذٌن ٌزهدونه فى الدنٌا، وٌرؼبونه فى الآخرة. وهم الذٌن ٌذكرونه إذا نسى. وٌنشطونه إذا كسل، وٌثبتونه إذا جزع. وهم الذٌن ٌسعون فى مصالح دنٌاه وآخرته. 2/130) ________________________________________ فهم رسل الله فى خلقه وأمره، وسفراإه بٌنه وبٌن عباده، تتنزل بالأمر من عنده فى أقطار العالم، وتصعد إلٌه بالأمر قد أطت بهم السماء، وحق لها أن تبط، ما فٌها موضع أربع أصابع إلا وملك قابم، أو راكع أو ساجد وٌدخل البٌت المعمور كل ٌوم منهم سبعون ألؾ ملك، لا ٌعودون إلٌه آخر ما علٌه. والقرآن مملوء بذكر الملببكة، وأصنافهم، وأعمالهم، ومراتبهم. كقوله تعالى{ :وَإذْ قَالَ رَب كَ للمَلببِكَةِ إِنِّى جَاع ل فِى الأَرْضِ خَلٌِفَةً قَالُوا أَتَجْعَل فٌِهَا مَنْ ٌُفْسِدُ فٌِهَا وٌََسْفِكُ الدِّ مَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بحَمْدِكَ وَنُقّدِّسُ لَكَ قّالَ إِنِّى أَعْلَمُ مَالاَ تَعْلَمُونَ وَعَلّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُل هَا ثُم عَرَضَهُمْ عَلَى المَلببِكةِ فَقالَ أَنْبِبُونِى بِؤَسْماءِ هإلاء إنْ كُنْتُمْ صَادِقٌِنَ قَالُوا سُبحَانَكَ لا عِلْمَ لَ نَا إلاّ مَا عَلّمْتَنَا إنّكَ أَنْتَ الْعَلٌِمُ الْحَكٌِم قَالَ ٌَا آدَمُ أَنْبِبْهُمْ بؤسمابهم فَلم ا أَنْبَؤَهُمْ بِؤسْمَابِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّى أعْلُم ؼٌَْبَ الس موَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ وَإِذْ قُلْنَا لِلْملببِكَةِ اُسْجُدُوا لآدَمَ }إلى آخر القصة [البقرة: 51 - 58 ] وقوله{ :تَنَز لُ المَلببِكَةُ وَالر وحُ فٌِها بِإذْنِ رَبهِّمْ [ }القدر: 4] . وما بٌن هاتٌن السورتٌن فى سور القرآن.
عدد الصفحات ٢٦٩