المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

المختصر القيم لثرات ابن القيم 01

ابن قيم الجوزية

صفحة ٢٣ من ٧٥

243 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وكذلك إذا ؼصب زوجته وحال بٌنه وبٌنها، وعقد علٌها ظاهراً، بحٌث لا ٌتهم فهل ٌحرم على الزوج الأول انتزاع زوجته منه، خشٌة التهمة؟ وهذا لا تقولونه أنتم، ولا أحد من أهل العلم. ولهذا قال الشافعى، وقد ذكر حدٌث هِنْد : وإذ قد دلت السنة وإجماع كثٌر من أهل العلم على أن ٌؤخذ الرجل حقه لنفسه سراً، فقد دل أن ذلك لٌس بخٌانة. إذ الخٌانة أخذ ما لا ٌحل له أخذه. 2/78) ________________________________________ فالجواب: أنا نقول، ٌجوز له أن ٌستوفى قدر حقه، لكن بطرٌق مباح، فؤما بخٌانة وطرٌق محرمة فلب. وقولكم: لٌس ذلك بخٌانة قلنا: بل هو خٌانة حقٌقة، ولؽة، وشرعاً، وقد سماه رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم خٌانة، وؼاٌتها أنها خٌانة مقابلة ومقاصة، لا خٌانة ابتداء، فٌكون كل واحد منهما مسٌبا إلى الآخر ظالما له، فإن تساوت الخٌانتان قدراً وصفة فقد ٌتساقط إثمهما، والمطالبة فى الآخرة، أو ٌكون لكل منهما على الآخر مثل ما للآخر علٌه وإن بقى لأحدهما فضل رجع به، فهذا فى أحكام الثواب والعقاب. وأما فى أحكام الدنٌا فلٌس كذلك، لأن الأحكام فٌها مرتبة على الظواهر، وأما السرابر فإلى الله، ولهذا قال النبى صلى الله تعالى علٌه وأله وسلم: "إن كُمْ تَخْتَصِمُونَ إل ى، وَإن مَا أَنَا بَشَر أَقْضِى بِنَحْوِ مِا أَسْمَعُ، وَلَعَل بَعْضَكُمْ أَنْ ٌَكُونَ أَلْحَنَ بحُج تِه مِنْ بَعْض ، فَمنْ قَضٌَْتُ لَهُ بِشًَء مِنْ حَق أَخٌِهِ فَلب ٌؤّخُذْهُ، فَإِنَما أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ الن ارِ ." فؤخبر صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم أنه ٌحكم بٌنهم بالظاهر، وأعلم المبطل فى نفس الأمر أن حكمه لا ٌحل له أخذ ما ٌحكم له به، وأنه مع حكمه له به فإنما ٌقطع له قطعة من النار، فإذا كان الحق مع هذا الخصم فى الظاهر وجب على الحاكم أن ٌحكم له به، وٌقره بٌده وإن كانت ٌدا عادٌة ظالمة عند الله تعالى، فكٌؾ ٌسوغ لخصمه أن ٌحكم لنفسه، وٌستوفى لنفسه بطرٌق محرمة باطلة، لا ٌحكم بمثلها الحاكم وإن كان محقاً فى نفس الأمر؟. ولٌس هذا بمنزلة من رأى عٌن ماله أو أمته أو زوجته بٌد ؼاصب ظالم، فخلصها منه قهراً، فإنه قد تعٌن حقه فى هذا العٌن، بخلبؾ صاحب الدٌن، فإن حقه لم ٌتعٌن فى تلك العٌن التى ٌرٌد أن ٌستوفى منها، ولأنه لا ٌتكتم بذلك، ولا ٌستخفى به، كما ٌفعل الخابن، بل ٌكابر صاحب الٌد العادٌة وٌؽالبه، وٌستعٌن علٌه بالناس، فلب ٌنسب إلى خٌانة، والأول متكتم مستخؾ، متصور بصورة خابن وسارق. فإلحاق أحدهما بالآخر باطل، والله أعلم. 2/79) ________________________________________ فصل القسم الخامس من الحٌل. أن ٌقصد حل ما حرمه الشارع، أو سقوط ما أوجبه، بؤن ٌؤتى بسبب نصبه الشارع سبباً إلى أمر مباح مقصود، فٌجعله المحتال المخادع سبباً إلى أمر محرم مقصود اجتنابه. فهذه هى الحٌل المحرمة التى ذمها السلؾ، وحرموا فعلها وتعلٌمها. وهذا حرام من جهتٌن: من جهة ؼاٌته، ومن جهة سببه. أما ؼاٌته: فإن المقصود به إباحة ما حرمه الله ورسوله، وإسقاط ما أوجبه. وأما من جهة سببه: فإنه اتخذ آٌات الله هزواً، وقصد بالسبب ما لم ٌشرع لأجله، ولا قصده به الشارع، بل قصد ضده، فقد ضاد الشارع فى الؽاٌة والحكمة والسبب جمٌعا. وقد ٌكون أصحاب القسم الأول من الحٌل أحسن حالاً من كثٌر من أصحاب هذا القسم، فإنهم ٌقولون: إن ما نفعله حرام، وإثم، ومعصٌة، ونحن أصحاب تحٌل بالباطل، عصاة لله ورسوله، مخالفون لدٌنه. وكثٌر من هإلاء ٌجعلون هذا القسم من الدٌن الذى جاءت به الشرٌعة، وأن الشارع جوز لهم التحٌل بالطرق المتنوعة على إباحة ما حرمه، وإسقاط ما أوجبه، فؤٌن حال هإلاء من حال أولبك؟.

عدد الصفحات ٢٤٣

دٌنه. وكثٌر من هإلاء ٌجعلون هذا القسم من الدٌن الذى جاءت به الشرٌعة، وأن الشارع جوز لهم التحٌل بالطرق المتنوعة على إباحة ما حرمه، وإسقاط ما أوجبه، فؤٌن حال هإلاء من حال أولبك؟. ثم إن هذا النوع من الحٌل ٌتضمن نسبة الشارع إلى العبث، وشرع ما لا فابدة فٌه إلا زٌادة الكلفة والعناء، فإن حقٌقة الأمر عند أرباب الحٌل الباطلة: أن تصٌر العقود الشرعٌة عبثا لا فابدة فٌها، فإنها لم ٌقصد بها المحتال مقاصدها التى

عدد الصفحات ٢٤٣

244 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي شرعت لها، بل لا ؼرض له فى مقاصدها وحقابقها البتة، وإنما ؼرضه التوصل بها إلى ما هو ممنوع منه، فجعلها سترة وجنة ٌتستر بها من ارتكاب ما نهى عنه صرفاً، فؤخرجه فى قالب الشرع. كما أخرجت الجهمٌة التعطٌل فى قالب التنزٌه. وأخرج المنافقون النفاق فى قالب الإحسان والتوفٌق والعقل المعٌشى. 2/80) ________________________________________ وأخرج الظلمة الفجرة الظلم والعدوان فى قالب السٌاسة وعقوبة الجناة. وأخرج المكاسون أكل المكوس فى قالب إعانة المجاهدٌن، وسد الثؽور، وعمارة الحصون. وأخرج الروافض الإلحاد والكفر، والقدح فى سادات الصحابة وحزب رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم، وأولٌابه وأنصاره، فى قالب محبة أهل البٌت، والتعصب لهم، وموالاتهم. وأخرجت الإباحٌة وفسقة المنتسبٌن إلى الفقر والتصوؾ بدعهم وشطحهم فى قالب الفقر، والزهد، والأحوال، والمعارؾ، ومحبة الله، ونحو ذلك. وأخرجت الاتحادٌة أعظم الكفر والإلحاد فى قالب التوحٌد، وأن الوجود واحد لا اثنان، وهو الله وحده، فلٌس هاهنا وجودان: خالق، ومخلوق ولا رب وعبد، بل الوجود كله واحد، وهو حقٌقة الرب. وأخرجت القدرٌة إنكار عموم قدرة الله تعالى على جمٌع الموجودات: أفعالها، وأعٌانها، فى قالب العدل، وقالوا: لو كان الرب قادراً على أفعال عباده لزم أن ٌكون ظالما لهم، فؤخرجوا تكذٌبهم بالقدر فى قالب العدل. وأخرجت الجهمٌة جحدهم لصفات كماله سبحانه فى قالب التوحٌد، وقالوا: لو كان له سبحانه سمع وبصر، وقدرة، وحٌاة، وإرادة، وكلبم ٌقوم به لم ٌكن واحداً وكان آلهة متعددة. وأخرجت الفسقة والذٌن ٌتبعون الشهوات الفسوق والعصٌان فى قالب الرجاء وحسن الظن بالله تعالى، وعدم إساءة الظن بعفوه، وقالوا: تجنب المعاصى والشهوات إزراء بعفو الله تعالى، وإساءة للظن به، ونسبة له إلى خلبؾ الجود والكرم والعفو. وأخرجت الخوارج قتال الأبمة، والخروج علٌهم بالسٌؾ فى قالب الأمر بالمعروؾ، والنهى عن المنكر. وأخرج أرباب البدع جمٌعهم بدعهم فى قوالب متنوعة، بحسب تلك البدع. 2/81) ________________________________________ وأخرج المشركون شركهم فى قالب التعظٌم لله، وأنه أجل من أن ٌتقرب إلٌه بؽٌر وسابط وشفعاء، وآلهة تقربهم إلٌه. فكل صاحب باطل لا ٌتمكن من تروٌج باطله إلا بإخراجه فى قالب حق. والمقصود: أن أهل المكر والحٌل المحرمة ٌخرجون الباطل فى القوالب الشرعٌة، وٌؤتون بصور العقود دون حقابقها ومقاصدها. فصل وهذا القسم من أقسام الحٌل أنواع: أحدها: الاحتٌال لحل ما هو حرام فى الحال. كالحٌل الربوٌة، وحٌلة التحلٌل. الثانى: الاحتٌال على حل ما انعقد سبب تحرٌمه، فهو صابر إلى التحرٌم ولا بد، كما إذا علق طلبقها بشرط محقق، تعلٌقاً ٌقع به، ثم أراد منع وقوع الطلبق عند الشرط فخالعها خلع الحٌلة، حتى بانت، ثم تزوجها بعد ذلك. الثالث: الاحتٌال على إسقاط ما هو واجب فى الحال، كالاحتٌال على إسقاط الإنفاق الواجب علٌه، وأداء الدٌن الواجب، بؤن ٌملك ماله لزوجته أو ولده، فٌصٌر معسراً، فلب ٌجب علٌه الإنفاق والأداء، وكمن ٌدخل علٌه رمضان ولا ٌرٌد صومه، فٌسافر ولا ؼرض له سوى الفطر، ونحو ذلك. الرابع: الاحتٌال على إسقاط ما انعقد سبب وجوبه ولم ٌجب، لكنه صابر إلى الوجوب. فٌحتال حتى ٌمنع الوجوب، كالاحتٌال على إسقاط الزكاة، بتملٌكه ماله قبل مضى الحول لبعض أهله، ثم استرجاعه بعد ذلك. وهذا النوع ضربان:

عدد الصفحات ٢٤٤

245 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي أحدهما: إسقاط حق الله تعالى بعد وجوبه، أو انعقاد سببه. والثانى: إسقاط حق المسلم بعد وجوبه. أو انعقاد سببه. كالاحتٌال على إسقاط الشفعة التى شرعت دفعاً للضرر عن الشرٌك، قبل وجوبها أو بعده. الخامس: الاحتٌال على أخذ حقه أو بعضه أو بدله بخٌانة كما تقدم. وله صور كثٌرة. 2/82) ________________________________________ منها: أن ٌجحده دٌنه، كما جحده. ومنها: أن ٌخونه فى ودٌعته، كما خانه. ومنها: أن ٌؽشه فى بٌع معٌب، كما ؼشه هو فى بٌع معٌب. ومنها: أن ٌسرق ماله كما سرق ماله. ومنها: أن ٌستعمله بؤجره دون أجرة مثله ظلما وعدواناً، أو ؼروراً وخداعاً . أو ؼبنا، فٌقدر المستؤجر له على مال فٌؤخذ تمام أجرته. وهذا النوع ٌستعمله كثٌر من أرباب الدٌوان، ونظار الوقوؾ، والعمال، وجباة الفًء والخراج والجزٌة والصدقة، وأمثالهم. فإن كان المال مشتركاً بٌن المسلمٌن رتعوا وربعوا، ورأى أحدهم أن من الؽبن أن ٌفوته شا منه. وٌرى إن عدل أن له نصؾ ذلك المال. وٌسعى فى السدس، تكملة للثلثٌن كما قٌل فى بعضهم: لَهُ نِصْؾُ بٌَْتِ المالِ فَرْض مُقَر ر ... وَفى سُدُسِ الت كْمٌِلِ ٌَسْعَى لٌَِخْلُصَا مِنَ القَوْمِ لا تُثْنٌِهُمُ عَنْ مُرَادِهِمْ ... عُقُوَب ةُ سُلْطَان بِسَوْط وَلا عَصَا فصل وقد عرؾ بما ذكرنا الفرق بٌن الحٌل التى تخلص من الظلم والبؽى والعدوان، والحٌل التى ٌحتال بها على إباحة الحرام، وإسقاط الواجبات، وإن جمعهما اسم الحٌلة والوسٌلة. وعرؾ بذلك أن العٌنة لا تخلص من الحرام، وإنما ٌتوسل بها إلٌه، وهو المقصود الذى اتفقا علٌه، وٌعلمه الله تعالى من نفوسهما وهما ٌعلمانه، ومن شاهدهما ٌعلمه. وكذلك تملٌك ماله لولده عند قرب الحول، فراراً من الزكاة، لا ٌخلص من الإثم، بل ٌؽمسه فٌه، لأنه قصد إلى إسقاط فرض قد انعقد سببه، ولكن عذر من جوز ذلك أنه لم ٌسقط الواجب، وإنما أسقط الوجوب وفرق بٌن الأمرٌن، فإن له أن ٌمنع الوجوب، ولٌس له أن ٌمنع الواجب. وهكذا القول فى التحٌل على إسقاط الشفعة قبل البٌع، فإنه ٌمنع وجوب الاستحقاق. 2/83) ________________________________________ و ٌمنع الحق الذى وجب بالبٌع فذلك لا ٌجوز، وهو نظٌر منع الزكاة بعد وجوبها فذلك لا ٌجوز بحٌلة ولا ؼٌرها. وكذلك التحٌل على منع وجوب الجمعة علٌه، بؤن ٌسكن فى مكان لا ٌبلؽه النداء أولا ٌمكنه الذهاب منه إلى الجمعة والرجوع فى ٌومه، أو السفر قبل دخول وقتها، ولا ٌجوز له التحٌل على تركها بعد وجوبها علٌه. وكذلك التحٌل على منع وجوب الإنفاق على القرٌب، بؤن لا ٌكتسب ما لا ٌجب فٌه الإنفاق. ولا ٌجوز له التحٌل على إسقاط ما وجب من ذلك. فهذا سر الفرق اعتمده أصحاب الحٌل. وأما المانعون فٌجٌبون عن ذلك: بؤن هذا لو أجدى على المتحٌلٌن لم ٌعاقب الله سبحانه وتعالى أصحاب الجنة الذٌن عزموا على صرامها لٌلب، لبلب ٌحضرهم المساكٌن، فهإلاء قصدوا دفع الوجوب بعد انعقاد سببه، وهو نظٌر التحٌل لإسقاط الزكاة بعد ثبوت سببها. وبؤن هذا ٌبطل حكمة الإٌجاب. فإن الله سبحانه إنما أوجبها فى أموال الأؼنٌاء طهرة لهم وزكاة، ورحمة للمساكٌن، وسدا لفاقتهم. فالتحٌل على منع وجوبها ٌعود على ذلك كله بالإبطال.

عدد الصفحات ٢٤٥

246 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وبؤن الشارع لوجوّز التحٌل على منع الإٌجاب بعد انعقاد سببه، لم ٌكن فى الإٌجاب فابدة، إذ ما من أحد إلا وٌمكنه التحٌل بؤدنى حٌلة على الدفع، فٌكون الإٌجاب عدٌم الفابدة فإنه إذا أوجبه وجوز إسقاطه بعد انعقاد سبب الإٌجاب عاد ذلك بنقض ما قصده. وبؤنه إذا انعقد سبب الوجوب فقد تعلق الوجوب بالمكلؾ، فلب ٌمكنه الشارع من قطع هذا التعلٌق، ولا سٌما إذا شارؾ وقت الوجوب وحضر، حتى كؤنه داخل فٌه، كما إذا بقى من الحول ٌوم، أو ساعة، فالإسقاط هاهنا فى حكم الإسقاط بعد الحول سواء، ومفسدته كمفسدته، فإن المصلحة الفابتة بالمنع بعد تلك الساعة كالمفسدة الحاصلة بالتسبب إلى المنع قبلها من كل وجه. 2/84) ________________________________________ وبؤن الحكم بعد انعقاد سببه كالثابت الذى قد صح ووجد. وبؤن الوجوب قد تحقق بانعقاد سببه وإنما جوز له التؤخٌر إلى تمام الحول توسعة علٌه ولهذا ٌجوز له أداء الواجب قبل الحول، وٌكون واقعاً موقعه، ولأن الفرار من الإٌجاب إنما ٌقصد به الفرار من أداء الواجب، وأن ٌسقط ما فرضه الله علٌه عند مضى الحول. ولٌس هذا كمن ترك اكتساب المال الذى ٌجب فٌه الزكاة، فرارا من وجوبها علٌه، أو ترك بٌع الشْقص فراراً من أخذ الشفٌع له أوترك التزوج فرار أمن وجوب الإنفاق ونحو ذلك، فإن هذا لم ٌنعقد فى حقه السبب. بل ترك ما ٌفضى إلى الإٌجاب، ولم ٌتسبب إلٌه، وهذا تحٌل بعد السبب على إسقاط ما تعلق به من أداء الواجب. واحتال على قطع سببٌته بعد ثبوتها. وأٌضاً، فإن قطع سببٌة السبب تؽٌٌر لحكم الله، وإسقاط للسببٌه بالتحٌل، ولٌس ذلك للمكلؾ، فإن الله سبحانه هو الذى جعل هذا سببا بحكمه وحكمته، فلٌس له أن ٌبطل هذا الجعل بالحٌلة والمخادعة، وهذا بخلبؾ ما إذا وهبه ظاهراً وباطنا، أو أنفقه فإنه لم ٌحتل بإظهار أمر وإبطان خلبفه على منع الإٌجاب، وأداء الواجب. وأٌضاً، فإنه إذا احتال على منع الإٌجاب تضمن ذلك الحٌلة على منع أداء الواجب. ومعلوم أن منعه أداء الواجب فقط أٌسر من تحٌله على الأمرٌن جمٌعاً . وأٌضاً فإنه لا ٌصح فراره من الوجوب مع إتٌانه بسببه، فإن الفارّ من الشًء فار من أسبابه، وهذا أحرص شا على الملك الذى هو سبب وجوب الحق علٌه، ومن حرصه علٌه: تحٌلَ على ترك الإخراج حرصاً وشحاً . فهو فار من أداء الواجب، ظاناً أنه ٌفر من وجوبه علٌه. والأول حاصل له دون الثانى. ونكتة الفرق من جهة الوسٌلة والمقصود، فإن المحتال على المحرمات، وإسقاط الواجبات، مقصوده فاسد، ووسٌلته باطلة. فإنه توسل بالشًء إلى ؼٌر مقصوده، وتوسل به إلى مقصود محرم. فإن الله سبحانه إنما جعل النكاح وسٌلة إلى المودة والرحمة، والمصاهرة والنسل، وؼض 2/85) ________________________________________ البصر، وحفظ الفرج، والتمتع والإٌواء، وؼٌر ذلك من مقاصد النكاح، والمحلل لم ٌتوسل به إلى شا من ذلك بل إلى تحلٌل ما حرمه الله تعالى، فإنه سبحانه حرمها على المطلق ثلبثا عقوبة له، فتوسل هذا بنكاحها إلى تحلٌل ما حرمه الله تعالى له، ولم ٌتوسل به إلى ما شرع له. فكان القصد محرماً، والوسٌلة باطلة. وكذلك شرع الله البٌع وسٌلة إلى انتفاع المشترى بالعٌن والبابع بالثمن، فتوسل به المرابى إلى محض الربا، وأتى به لؽٌر مقصوده. فإنه لا ؼرض له فى تملك تلك العٌن، ولا الانتفاع بها، وإنما ؼرضه الربا، فتوسل إلٌه بالبٌع. وكذلك شرع سبحانه الأخذ بالشفعة دفعاً للضرر عن الشرٌك. فتوسل المبطل لها بإظهار الصرؾ الذى لا حقٌقة له إلى إبطالها، فكانت وسٌلته باطلة، ومقصوده محرماً . وكذلك الزكاة. فرضها رحمة منه بالمساكٌن، وطهرة للؤؼنٌاء، فتوسل المسقط لها إلى إبطال هذا المقصود بإظهار عقد لا حقٌقة له، من بٌع، أو هبة.

عدد الصفحات ٢٤٦

247 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وكذلك القرض شرع الله سبحانه فٌه العدل، وأن لا ٌزداد على مثل ما أقرضه. فإذا احتال المقرض على الزٌادة فقد احتال على مقصود محرم بطرٌق باطلة. وكذلك بٌع الثمر قبل بُدُوّ صلبحها باطل، لما ٌفضى إلٌه من أكل المال بالباطل، فإذا احتال علٌه بؤن شرط القطع ثم تركه حتى ٌكمل، كان قد احتال على مقصود محرم بشرط ؼٌر مقصود، بل قد علم المتعاقدان وؼٌرهما أنه لا ٌقطعه، ولا سٌما إن كان مما لا ٌنتفع به قبل الصلبح بوجه كالتوت والفرسك وؼٌرهما. فاشتراط قطعه خداع محض. وكذلك سابر الحٌل التى تعود على مقصود الشارع وشرعه بالنقض والإبطال، ؼاٌاتها محرمة، ووسابلها باطلة لا حقٌقة لها. وكذلك الفدٌة والخلع التى شرعها الله لٌخلص كلب من الزوجٌن من الآخر إذا وقع الشقاق بٌنهما، فجعلوه حٌلة للحنث فى الٌمٌن، وبقاء النكاح. والله سبحانه إنما شرعه لقطع النكاح. حٌث ٌكون قطعه مصلحة لهما. وبهذا ٌتبٌن لك الفرق بٌن الحٌل التى ٌتوصل بها إلى تنفٌذ أمر الله تعالى ورسوله وإقامة 2/86) ________________________________________ دٌنه، والأمر بالمعروؾ، والنهى عن المنكر، ونصر المحق، وكسر المبطل. والحٌل التى ٌتوصل بها إلى خلبؾ ذلك. فتحصٌل المقاصد المشروعة بالطرق التى جعلت موصلة إلٌها شا، وتحصٌل المقاصد الفاسدة بالطرق التى جعلت لؽٌرها شا آخر. فالفرق بٌن النوعٌن ثابت من جهة الوسٌلة والمقصود، اللذٌن هما: المحتال به والمحتال علٌه. فالطرق الموصلة إلى الحلبل المشروع هى الطرق التى لا خداع فى وسابلها، ولا تحرٌم فى مقاصدها، وبالله التوفٌق. فصل [الرد على أقوال من ٌجٌز الحٌل] وأما قولكم: إن من حلؾ بطلبق زوجته: لٌشربن هذا الخمر، أو لٌقتلن هذا الرجل، أو نحو ذلك - كان فى الحٌلة تخلٌصه من هذه المفسدة. ومن مفسدة وقوع الطلبق. فٌقال: نعم والله، قد شرع الله له ما ٌتخلص به، ولخلبصه طرق عدٌدة، فلب تتعٌن الحٌلة التى هى خداع ومكر لتخلٌصه، بل هاهنا طرق عدة قد سلك كل طرٌق منها طابفة من الفقهاء من سلؾ الأمة وخلفها. الطرٌق الأولى: طرٌقة من قال: لا تنعقد هذه الٌمٌن بحال، ولا ٌحنث فٌها بشًء سواء كانت بصٌؽة الحلؾ، كقوله "الطلبق ٌلزمنى لأفعلن" أو بصٌؽة التعلٌق المقصود كقوله "إن طلعت الشمس، أو إن حضت، أو إن جاء رأس الشهر، فؤنت طالق" أو التعلٌق المقصود به الٌمٌن، من الحض والمنع، والتصدٌق والتكذٌب، كقوله "إن لم أفعل كذا، وإن فعلت كذا، فامرأتى طالق" وهذا اختٌار أجل أصحاب الشافعى، الذٌن جالسوه، أو من هو من أجلهم: أبى عبد الرحمن. وهو أجل من أصحاب الوجوه المنتسبٌن إلى الشافعى، وهذا مذهب أكثر أهل الظاهر. 2/87) ________________________________________ فعندهم أن الطلبق لا ٌقبل التعلٌق كالنكاح، ولم ٌرد مخالفوا هإلاء علٌهم بحجة تشفى. الطرٌق الثانٌة: طرٌق من ٌقول: لا ٌقع الطلبق المحلوؾ به، ولا العتق المحلوؾ به، وٌلزمه كفارة الٌمٌن إذا حنث فٌه، وهذا مذهب ابن عمر، وابن عباس، وأبى هرٌرة، وعابشة، وزٌنب بنت أم سلمة، وحفصة، فى الحلؾ بالعتق الذى هو قربه إلى الله تعالى، بل من أحب القرب إلى الله، وٌسرى فى ملك الؽٌر، فما ٌقول هإلاء فى الحلؾ بالطلبق الذى هو أبؽض الحلبل إلى الله تعالى، وأحب الأشٌاء إلى الشٌطان؟. والسابل لهإلاء الصحابة إنما كان امرأة حلفت بؤن كل مملوك لها حر إن لم تفرق بٌن عبدها وبٌن امرأته. فقالوا لها كفرى عن ٌمٌنك، وخلى بٌن الرجل وبٌن امرأته. 2/88) ________________________________________

عدد الصفحات ٢٤٧

248 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وهإلاء الصحابة أفقه فى دٌن الله وأعلم من أن ٌفتوا بالكفارة فى الحلؾ بالعتق وٌرونه ٌمٌنا. ولا ٌرون الحلؾ بالطلبق ٌمٌنا،. وٌلزمون الحانث بوقوعه، فإنه لا ٌجد فقٌه شم رابحة بٌن البابٌن والتعلٌقٌن فرقاً بوجه من الوجوه. وإنما لم ٌؤخذ به أحمد، لأنه لم ٌصلح عنده إلا من طرٌق سلٌمان التٌمى، واعتقد أنه تفرد به. وقد تابعه علٌه محمد بن عبد الله الأنصارى، وأشعث الحمرانى، ولهذا لما ثبت عند أبى ثور قال به، وظن الإجماع فى الحلؾ بالطلبق على لزومه، فلم ٌقل به. الطرٌق الثالثة: طرٌق من ٌقول: لٌس الحلؾ بالطلبق شٌباً، وهذا صحٌح عن طاوس، وعكرمة. أما طاوس فقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن ابن جرٌج عن ابن طاوس عن أبٌه: أنه كان لا ٌرى الحلؾ بالطلبق شٌباً . وقد رد بعض المتعصبٌن لتقلٌدهم ومذاهبهم هذا النقل بؤن عبد الرزاق ذكره فى باب ٌمٌن المكره، فحمله على الحلؾ بالطلبق مكرها، وهذا فاسد، فإن الحجة لٌست فى الترجمة. وإنما الاعتبار بما ٌروى فى أثناء الترجمة، ولا سٌما المتقدمٌن، كابن أبى شٌبة، وعبد الرزاق ووكٌع وؼٌرهم، فإنهم ٌذكرون فى أثناء الترجمة آثاراً لا تطابق الترجمة، وإن كان لها بها نوع تعلق، وهذا فى كتبهم - لمن تؤمله - أكثر وأشهر من أن ٌخفى، وهو فى صحٌح البخارى وؼٌره، وفى كتب الفقهاء وسابر المصنفٌن. ثم لو فهم عبد الرزاق هذا، وأنه فى ٌمٌن المكره، لم تكن الحجة فى فهمه، بل الأخذ برواٌته، وأى فابدة فى تخصٌص الحلؾ بالطلبق بذلك؟ بل كل مكره حلؾ بؤى ٌمٌن كانت، فٌمٌنه لٌست بشًء. وأما عكرمة، فقال سنٌد بن داود فى تفسٌره: حدثنا عباد بن عباد المهلبى عن عاصم الأحول عن عكرمة: فى رجل قال لؽلبمه: إن لم أجلدك مابة سوط فامرأتى طالق، قال "لا ٌجلد ؼلبمه، ولا ٌطلق امرأته، هذا من خطوات الشٌطان." فإذا ضممت هذا الأثر إلى أثر ابن طاوس عن أبٌه، إلى أثر ابن عباس، فٌمن قالت 2/89) ________________________________________ لمملوكها: إن لم أفرق بٌنك وبٌن امرأتك فكل مملوك لى حر، إلى الآثار المستفٌضة عن ابن عباس فى الحلؾ بتحرٌم الزوجة: أنها ٌمٌن ٌكفرها - تبٌن لك ما كان علٌه ابن عباس وأصحابه فى هذا الباب. فإذا ضممت ذلك إلى آثار الصحابة فى الحلؾ بالتعلٌقات. كالحج، والصوم، والصدقة، والهدى، والمشى إلى مكة حافٌاً، ونحو ذلك: أنها أٌمان مكفرة - تبٌن لك حقٌقة ما كان علٌه الصحابة فى ذلك. فإذا ضممت ذلك إلى القٌاس الصحٌح الذى ٌستوفى فٌه حكم الأصل والفرع: تبٌن لك توافق القٌاس وهذه الآثار. فإذا ارتفعت درجة أخرى، ووزنت ذلك بالنصوص من القرآن والسنة، تبٌن لك الراجح من المرجوح. ومع هذا كله فلب ٌدان لك بمقاومة السلطان، ومن ٌقول: حكمت وثبت عندى، فالله المستعان. الطرٌق الرابعة: طرٌق من ٌفرق بٌن أن ٌحلؾ على فعل امرأته أو فعل نفسه، أو على ؼٌر الزوجة، فٌقول: إن قال لامرأته "إن خرجت من الدار، أو كلمت رجلبً، أو فعلت كذا فؤنت طالق" فلب ٌقع علٌه الطلبق بفعلها ذلك، وإن حلؾ على فعل نفسه، أو ؼٌر امرأته، وحنث لزمه الطلبق. وهذا قول أفقه أصحاب مالك على الإطلبق، وهو أشهبُ بن عبد العزٌز، ومحله من الفقه، والعلم ؼٌر خاؾ. ومؤخذُ هذا: أن المرأة إذا فعلت ذلك لتطلق نفسها، لم ٌقع به الطلبق، معاقبة لها بنقٌض قصدها، وهذا جار على أصول مالك وأحمد، ومن وافقهما فى معاقبة الفار من التورٌث والزكاة، وقاتل مورثه، والموصى له، ومن دب ره بنقٌض قصده، وهذا هو الفقه، لا سٌما وهو لم ٌرد طلبقها، إنما أراد حضها، أو منعها، وأن لا تتعرض لما ٌإذٌه، فكٌؾ ٌكون فعلها سببا لأعظم أداه؟ وهو لم ٌملكها ذلك بالتوكٌل والخٌار، ولا ملكها الله إٌاه بالفسخ، فكٌؾ تكون الفرقة إلٌها،

عدد الصفحات ٢٤٨

لبقها، إنما أراد حضها، أو منعها، وأن لا تتعرض لما ٌإذٌه، فكٌؾ ٌكون فعلها سببا لأعظم أداه؟ وهو لم ٌملكها ذلك بالتوكٌل والخٌار، ولا ملكها الله إٌاه بالفسخ، فكٌؾ تكون الفرقة إلٌها، إن شاءت أقامت معه، وإن شاءت فارقته بمجرد حضها ومنعها؟ وأى شا أحسن من هذا الفقه، وأطرد على قواعد الشرٌعة؟. 2/90)

عدد الصفحات ٢٤٨

249 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي ________________________________________ الطرٌق الخامسة: طرٌق من ٌُفصّل بٌن الحلؾ بصٌؽة الشرط والجزاء، والحلؾ ٌصٌؽه الالتزام. فالأول: كقوله: إن فعلتُ كذا، أو إن لم أفعله، فؤنت طالق. والثانى: كقوله: الطلبق ٌلزمنى، أوْ لى لازم، أو على الطلبق إن فعلت، أو إن لم أفعل. فلب ٌلزمه الطلبق فى هذا القسم، إذا حنث دون الأول. وهذا أحد الوجوه الثلبثة لأصحاب الشافعى، وهو المنقول عن أبى حنٌفة وقدماء أصحابه، ذكره صاحب الذخٌرة، وأبو اللٌث فى فتاوٌه. قال أبو اللٌث: ولو قال: طلبقُك على واجب، أو لازم، أو فرض، أو ثابت فمن المتؤخرٌن من أصحابنا من قال: ٌقع واحدة رجعٌة، نواه أو لم ٌَنْوِه، ومنهم من قال: لا ٌقع وإن نوى، والفارق: العرؾ. قال صاحب الذخٌرة: وعلى هذا الخلبؾ: إذا قال: إن فعلت كذا فطلبقك على واجب، أو قال: لازم، ففعلت. وذكر القُدورى فى شرحه: أن على قول أبى حنٌفة: لا ٌقعُ الطلبق فى الكل، وعند أبى ٌوسؾ: إن نوى الطلبق ٌقع فى الكل، وعن محمد: أنه ٌقع فى قوله: لازم، ولا ٌقع فى: واجب. واختار الصدرُ الشهٌدُ الوقوع فى الكل، وكان ظهٌرُ الدٌن المْرِؼٌنان ى ٌُفتى بعدم الوقوع فى الكل، هذا كله لفظ صاحب الذخٌرة. وأما الشافعٌة: فقال ابن ٌونس، فى شرح التنبٌه: وإن قال: الطلبق والعتاق لازم لى، ونواه لزمه لأنهما ٌقعان بالكناٌة مع النٌة، وهذا اللفظ محتمل، فجعل كناٌة وقال الروٌانى: الطلبق لازم لى: صرٌح، وعد ذلك فى صرابح الطلبق، ولعل وجهه ؼلبة استعماله لإرادة الطلبق. وقال القفال فى فتاوٌه: لٌس بصرٌح ولا كناٌة، حتى لا ٌقع به الطلبق وإن نواه، لأن الطلبق لابد فٌه من الإضافة إلى المرأة، ولم ٌتحقق، هذا لفظه. وحكى شٌخنا هذا القول عن بعض أصحاب أحمد. فقد صار الخلبؾ فى هذا الباب فى المذاهب الأربعة بنقل أصحابها فى كتبهم. 2/91) ________________________________________ ولهذا التفرٌق مؤخذ آخر من هذا الذى ذكره الشارح، وهو أن الطلبق لا ٌصح التزامه، وإنما ٌلزم التطلٌق، فإن الطلبق هو الواقع بالمرأة، وهو اللبزم لها، وإنما الذى ٌلتزمه الرجل: هو التطلٌق، فالطلبق لازم لها إذا وقع. إذا تبٌن هذا فالتزام التطلٌق لا ٌوجب وقوع الطلبق، فإنه لو قال: إن فعلت كذا فعلى أن أطلقك، أو تالله على أن أطلقك، أو فتطلٌقك لازم لى، أو واجب على، وحنث لم ٌقع علٌه الطلبق. فهكذا إذا قال: إن فعلت كذا فالطلبق ٌلزمنى، لأنه إنما التزم التطلٌق، ولا ٌقع بالتزامه. والموقعون ٌقولون: هو قد التزم حكم الطلبق، وهو خروج البضع من ملكه، وإنما ٌلزمه حكمه إذا وقع، فصار هذا الالتزام مستلزما لوقوعه. فقال لهم الآخرون: إنما ٌلزمه حكمه إذا أتى بسببه، وهو التطلٌق، فحٌنبذ ٌلزمه حكمه، وهو لم ٌؤت بالتطلٌق منجزا بلب رٌب، وإنما أتى به معلقاً له، والتزام التطلٌق بالتنجٌز لا ٌلزم، فكٌؾ ٌلزم بالتعلٌق؟. والمنصؾ المتبصر لا ٌخفى علٌه الصحٌح، وبالله التوفٌق. فصل وممن ذكر الفرق بٌن الطلبق، وبٌن الحلؾ بالطلبق: القاضى أبو الولٌد هشام ابن عبد الله بن هشام الأزدى القرطبى فى كتابه "مفٌد الحكام فٌما ٌعرض لهم من نوازل الأحكام." فقال فى كتاب الطلبق من دٌوانه، وقد ذكر اختلبؾ أصحاب مالك فى الأٌمان اللبزمة. ثم قال: ولا ٌنبؽى أن تتلقى هذه المسؤلة هكذا تلقٌا تقلٌدٌاً إلا أن ٌشمها نور الفهم وٌوضحها لسان البرهان، وأنا أشٌر لك إلى نكتة تسعد بالؽرض فٌها إن شاء الله تعالى.

عدد الصفحات ٢٤٩

250 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي منها: الفرق بٌن الطلبق إٌقاعاً، وبٌن الٌمٌن بالطلبق، وفى المدونة كتابان موضوعان: أحدهما لنفس الطلبق، والثانى للؤٌمان بالطلبق، ووراء هذا الفن فقه على الجملة. وذلك 2/92) ________________________________________ أن الطلبق صورته فى الشرع. حل وارد على عقد، والٌمٌن بالطلبق عَقد فلٌفهم هذا. وإذا كان عقدا لم ٌحصل منه حل إلا أن تنقله من موضع العقد إلى موضع الحل بنٌة، لٌخرج بها اللفظ من حقٌقته إلى كناٌته، فقد نجمت هذه المسؤلة فى أٌام الحجاج بعد أن استقل الشرع بؤصوله وفروعه، وحقابقه ومجازاته، فى أٌمان البٌعة، ولٌس فى أٌمان الطلبق إلا ما أذكره لك. وذلك أن الطلبق على ضربٌن: صرٌح، وكناٌة. فالصرٌح: كل لفظ استقل بنفسه فى إثبات حكمه تحدٌداً . والكناٌة: على ضربٌن، كناٌة ؼالبة، وكناٌة ؼٌر ؼالبة. فالؽالبة: كل ما أشعر بثبوت الطلبق فى موضوع اللؽة، أو الشرع، كقوله: الحقى بؤهلك، واعتدّى. وؼٌر الؽالبة: كل مالا ٌشعر بثبوت الطلبق فى وضع اللؽة والشرع، كقوله: ناولٌنى الثوب، وقال: أردت بذلك الطلبق. فإذا عرضنا لفظ الأٌمان ٌلزمنى على صرٌح الطلبق لم تكن من قسمه، وإن عرضناها على الكناٌة، لم تكن من قسٌمها إلا بقرٌنة، من شاهد حال، أو جارى عرؾ، أو نٌة تقارن اللفظ، فإن اضطرب شاهد الحال، أو جارى العرؾ باحتمال ٌحتمله، فقد تعذر الوقوؾ على النٌة، ولا ٌنبؽى لحاكم ولا لؽٌره أن ٌمد القلم فى فتوى حتى ٌتؤمل مثل هذه المعانى، فإن الحكم إن لم ٌقع مستوضحاً عن نور فكرى مشعر بالمعنى المربوط اضمحل. ثم قال: وأنا ذاكر لك ما بلؽنى فى هذه الٌمٌن من كلبم العلماء، ورأٌته من أقوال الفقهاء، وهى ٌمٌن محدثة، لم تقع فى الصدر الأول. ثم ذكر اختلبؾ أهل العلم فى الحلؾ بالأٌمان اللبزمة. والمقصود: أنه ذكر الفرق الفطرى العقلى الشرعى بٌن إٌقاع الطلبق، والحلؾ بالطلبق، وأنهما بابان مفترقان بحقابقهما، ومقاصدهما، وألفاظهما، فٌجب افتراقهما حكماً . أما افتراقهما بالحقٌقة، فما ذكره من أن الطلبق حل وفسخ، والٌمٌن عقد والتزام. فهما إذن حقٌقتان مختلفتان، قال تعالى{ :وَلكِنْ ٌُإَاخِذُكُمْ بِمَا عَق دْتُمُ الأَ ٌَمانَ [ }المابدة: 89] . (2/93) ________________________________________ ثم أشار إلى الافتراق فى الحكم بقوله: وإذا كانت الٌمٌن عقداً لم ٌحصل بها حل، إلا أن ٌنقل من موضع العقد إلى موضع الحل، ومن البٌن أن الشارع لم ٌنقلها من العقد إلى الحل. فٌجب بقاإها على ما وضعت علٌه، نعم لو قصد الحالؾ بها إٌقاع الطلبق عند الحنث فقد استعملها فى العقد والحل، فتصٌر كناٌة فى الوقوع، وقد نواه. فٌقع به الطلبق، لأن هذا العقد صالح للكناٌة. وقد اقترنت به النٌة، فٌقع الطلبق. أما إذا نوى مجرد العقد، ولم ٌنو الطلبق البتة، بل هو أكره شا إلٌه، فلم ٌؤت بما ٌنقل الٌمٌن من موضوعها الشرعى، ولا نقلها عنه الشارع. فلب ٌلزمه ؼٌر موجب الأٌمان. فلٌتؤمل المنصؾ العالم هذا الفرق، وٌخرج قلبه ساعة من التعصب والتقلٌد، واتباع ؼٌر الدلٌل. والمقصود: أن باب الٌمٌن وباب الإٌقاع مختلفان فى الحقٌقة والقصد واللفظ، فٌجب اختلبفهما فى الحكم. أما الحقٌقة فما تقدم. وأما القصد. فلؤن الحالؾ مقصوده الحض والمنع، أو التصدٌق أو التكذٌب، والمطلق مقصوده التخلص من الزوجة من ؼٌر أن ٌخطر بباله حض ولا منع، ولا تصدٌق ولا تكذٌب. فالتسوٌة بٌنهما لا ٌخفى حالها. وأما اختلبفهما لفظاً، فإن لفظ الٌمٌن لا بد فٌها من التزام قَسَمِى ٌؤتى فٌه بجواب القسم، أو تعلٌق شرطى ٌقصد فٌه انتفاء الشرط والجزاء، أو وقوع الجزاء على تقدٌر وقوع الشرط، وإن كان ٌكرهه، وٌقصد انتفاءه، فالمقدم فى

عدد الصفحات ٢٥٠

251 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي الصورة الأولى مإخر فى الثانٌة، والمنفى فى الأولى ثابت فى الثانٌة، ولفظ الإٌقاع لا ٌتضمن شٌباً من ذلك، ومن تصور هذا حق التصور جزم بالحق فى هذه المسؤلة، والله الموفق. الطرٌقة السادسة: أن ٌزول المعنى الذى كانت الٌمٌن لأجله، فإذا فعل المحلوؾ علٌه بعد ذلك لم ٌحنث، لأن امتناعه بالٌمٌن إنما كان لعلة، فٌزول بزوالها، وهذا مطرد على أصول الشرع، وقواعد مذهب أحمد وؼٌره ممن ٌعتبر النٌة والقصد فى الٌمٌن، تعمٌما وتخصٌصاً وإطلبقاً وتقٌٌداً . فإذا حلؾ: لا أكلم فلبنة، وكان سبب الٌمٌن الذى هٌجها كونها أجنبٌة، ٌخاؾ الوقوع فى عرضه بكلبمها، فتزوجها. لم ٌحنث بكلبمها، إعمالا لسبب الٌمٌن وما هٌجها (2/94) ________________________________________ فى التقٌٌد بكونها أجنبٌة. هذا إذا لم ٌكن له نٌة مادامت كذلك، أما إذا كانت له نٌة فلب إشكال فى تقٌٌد الٌمٌن بها. ونظٌره: أن ٌحلؾ: لا ٌكلم فلبناً، ولا ٌعاشره. لكونه صبٌا، فصار رجلبً، وكانت نٌته وسبب ٌمٌنه لأجل صباه. ونظٌره: أن ٌحلؾ: لا دخلت هذه الدار لأجل من ٌَظُن به التهمة لدخولها، فمات أو سافر، فدخلها، لم ٌحنث. وبذلك أفتى أبو حنٌفة وأبو ٌوسؾ: من حلؾ: لا دخلت دار فلبن هذه، ولا كلمت عبده هذا. فباع العبد والدار. ونظٌر هذا: أن ٌحلؾ لا ٌكلم فلبنا، والحامل له على الٌمٌن كونه تاركاً للصلبة، أو مرابٌاً أو خماراً، أو والٌا، فتاب من ذلك كله، وزالت الصفة التى حلؾ لأجلها، لم ٌحنث بكلبمه. وكذلك إذا حلؾ: لا تزوجت فلبنة. والحامل له على الٌمٌن صفة فٌها، مثل كونها بؽٌاً أو ؼٌر ذلك، فزالت تلك الصفة لم ٌحنث بتزوجها. كل هذا مراعاة للمقاصد التى الألفاظ دالة علٌها. فإذا ظهر القصد كان هو المعتبر. ولهذا لو حلؾ: لٌقضٌنه حقه فى ؼد. وقصده، أو السبب: أن لا ٌجاوزه، فقضاه قبله لم ٌحنث. ولو حلؾ: لا ٌبٌع عبده إلا بؤلؾ فباعه بؤكثر لم ٌحنث. ولو حلؾ أن لا ٌخرج من البلد إلا بإذن الوالى. والنٌة أو السبب: ٌقتضى التقٌٌد مادام كذلك فعزل لم ٌحنث بالخروج بؽٌر إذنه. وكذلك لو حلؾ على زوجته، أو عبده، أو أمته: أن لا تخرج إلا بإذنه، فطلق أو أعتق أو باع، لم ٌحنث بخروجهم بؽٌر إذنه. لأن اقتضاء السبب والقصد التقٌٌد فى ؼاٌة الظهور. ونظابر ذلك كثٌرة جداً . وسابر الفقهاء ٌعتبرون ذلك وإن خالفوه فى كثٌر من المواضع. وهذا هو الصواب، لأن الألفاظ إنما اعتبرت لدلالتها على المقاصد، فإذا ظهر القصد كان 2/95) ________________________________________ الاعتبار له، وتقٌد اللفظ به. ولهذا لو دعى إلى ؼداء، فحلؾ لا ٌتؽذى تقٌدت ٌمٌنه بذلك الؽداء وحده، لأن النٌة والسبب ومناط الٌمٌن لا ٌقتضى ؼٌره. وقد أخبر النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم "أن الأعمال بالنٌات، وإنما لكل امرئ ما نوى" وما لم ٌنوه بٌمٌنه، أو كان السبب لا ٌقتضٌه، لا ٌجوز أن ٌلزم به، مع القطع بؤنه لم ٌرده، ولا خطر على باله. وقد أفتى ؼٌر واحد من الفقهاء، منهم ابن عقٌل وشٌخنا، وؼٌرهما: فٌمن قٌل له: إن امرأتك قد خرجت من بٌتك، أو قد زنت بفلبن، فقال هى طالق، ثم تبٌن له أنها لم تخرج من البٌت، وأن الذى رمٌت به فى بلد بعٌد لا ٌمكن وصوله إلٌها، أو أنه حٌن رمٌت به كان مٌتا، ونحو ذلك مما ٌعلم به أنها لم تزن، فإنه لا ٌقع علٌه الطلبق، لأنه إنما طلقها بناء على هذا السبب، فهو كالشرط فى طلبقها. وهذا الذى قالوه هو الذى لا ٌقتضى المذهب وقواعد الفقه ؼٌره، فإنهم قد قالوا: لو قال: لها أنت طالق، وقال: أردت إن قمت، دٌُن، ولم ٌقع به الطلبق، فهذا مثله سواء. ونظٌر هذا: ما قالوه: إن المكاتب لو أدى إلى سٌده المال، فقال: أنت حر، فبان أن المال الذى أعطاه مستحق، أو زٌوؾ، لم ٌقع العتق، وإن كان قد صرح به.

عدد الصفحات ٢٥١

ولم ٌقع به الطلبق، فهذا مثله سواء. ونظٌر هذا: ما قالوه: إن المكاتب لو أدى إلى سٌده المال، فقال: أنت حر، فبان أن المال الذى أعطاه مستحق، أو زٌوؾ، لم ٌقع العتق، وإن كان قد صرح به. ذكره أصحاب أحمد والشافعى، لأنه إنما أعتقه بناء على سلبمة العوض، ولم ٌسلم له، وقواعد الشرٌعة كلها مبنٌة على أن الحكم إذا ثبت لعلة زال بزوالها.

عدد الصفحات ٢٥١

252 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وأمثلة ذلك أكثر من أن تحصر. فهذه الطرٌقة تخلص من كثٌر من الحنث. وإذا تؤملت هذه الطرق لرأٌت أٌتها سلكت أحسن من طرق الحٌل التى ٌتحٌلون بها على عدم الحنث، وهى أنواع: أحدها: التسرٌج. الثانى: خلع الٌمٌن. الثالث: التحٌل لفساد النكاح، إما بكون الولى كان قد فعل ما ٌفسق به، أو الشهود كانوا جلوساً على مقعد حرٌر، ونحو ذلك، فٌكون النكاح باطلبً . فلب ٌقع فٌه الطلبق. 2/96) ________________________________________ الرابع: الاحتٌال على فعل المحلوؾ علٌه، بتؽٌٌر اسمه، أو صفته. أو نقله من مالك إلى مالك، ونحو ذلك. فإذا ؼلبوا عن شا من هذه الحٌل الأربعة فزعوا إلى التٌس المستعار، فاستؤجروه لٌسفد وٌؤخذ على سفاده أجرا. فلٌوازن من ٌعلم أنه موقوؾ بٌن ٌدى الله تعالى ومسبول، بٌن هذه الطرق وتلك الطرق التى قبلها. ولٌقم لله ناظراً، ومناظراً متجرداً من العصبٌة والحمٌة، فإنه لا ٌكاد ٌخفى علٌه الصواب، والله ولى التوفٌق. فصل وأما قوله تعالى لأٌوب علٌه السلبم{ :وَخُذْ بٌَدِكَ ضِؽْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ [ }ص: 44] . فمن العجب أن ٌحتج بهذه الآٌة من ٌقول إنه لو حلؾ لٌضربنه عشرة أسواط، فجمعها وضربه بها ضربة واحدة لم ٌبر فى ٌمٌنه. هذا قول أصحاب أبى حنٌفة، ومالك، وأصحاب أحمد. وقال الشافعى: إن علم أنها مسته كلها بر فى ٌمٌنه، وإن علم أنها لم تمسه لم ٌبر. وإن شك لم ٌحنث، ولو كان هذا موجباً لبر الحالؾ لسقط عن الزانى والقاذؾ والشارب تعدد الضرب، بؤن ٌجمع له مابة سوط، أو ثمانٌن، وٌضرب بها ضربة واحدة، وهذا إنما ٌجزئ فى حق المرٌض، كما قال الإمام أحمد فى المرٌض علٌه الحد "ٌضرب بعثكال ٌسقط عنه الحد." واحتج بما رواه عن أبى أمامة بن سهل عن سعٌد بن سعد بن عبادة قال: "كان بٌن أبٌاتنا روٌجل ضعٌؾ مخدع، فلم ٌرع الحى إلا وهو على أمة من إمابهم ٌخبث بها، قال: فَذَكَرَ ذلِكَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ لِرَسوِلِ الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلَم، وكانَ ذلِكَ الر جُلُ 2/97) ________________________________________ مُسْلِماً، فقَالَ : "اضْرِبُوهُ حَد هُ "، فَقَالُوا: ٌَا رَسُولَ الله: إِنّ هُ أَضْعَؾُ م مِا تحْسبُ، لَوْ ضَرَبْنَاهُ مِابَةً قَتَلْنَاهُ، فقَالَ : "خُذُوا له عِثْكالاً فٌِهِ مِابَةُ شِمْرَاخ ، ثُم اضْرِبُوهُ بهِ ضَرْبةً وَاحِدَةً، فَفَعَلُوا." وأما قصة أٌوب فلها فقه دقٌق، فإن امرأته كانت لشدة حرصها على عافٌته وخلبصه من دابه تلتمس له الدواء بما تقدر علٌه. فلما لقٌها الشٌطان وقال ما قال، أخبرت أٌوب علٌه السلبم بذلك، فقال: إنه الشٌطان، ثم حلؾ: لبن شفاه الله تعالى لٌضربنها مابة سوط، فكانت معذورة محسنة فى شؤنه، ولم ٌكن فى شرعهم كفارة، فإنه لو كان فى شرعهم كفارة لعدل إلى التكفٌر، ولم ٌحتج إلى ضربها، فكانت الٌمٌن موجبة عندهم، كالحدود، وقد ثبت أن المحدود إذا كان معذوراً خفؾ عنه، بؤن ٌجمع له مابة شمراخ، أو مابة سوط، فٌضرب بها ضربة واحدة، وامرأة أٌوب كانت معذورة، لم تعلم أن الذى خاطبها الشٌطان، وإنما قصدت الإحسان، فلم تكن تستحق العقوبة، فؤفتى الله نبٌه أٌوب علٌه السلبم أن ٌعاملها معاملة المعذور، هذا مع رفقها به، وإحسانها إلٌه، فجمع الله له بٌن البر فى ٌمٌنه، والرفق بامرأته المحسنة المعذورة التى لا تستحق العقوبة. فظهر موافقة نص القرآن فى قصة أبوب علٌه السلبم لنص السنة فى شؤن الضعٌؾ الذى زنى، فلب ٌتعدى بها عن محلها.

عدد الصفحات ٢٥٢

253 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي فإن قٌل: فقولوا هذا فى نظٌر ذلك، ممن حلؾ لٌضربن امرأته أو أمته مابة، وكانتا معذورتٌن، لا ذنب لهما: أنه ٌبر بجمع ذلك فى ضربة بمابة شمراخ. 2/98) ________________________________________ قٌل: قد جعل الله له مخرجاً بالكفارة، وٌجب علٌه أن ٌكفر عن ٌمٌنه، ولا ٌعصى الله بالبر فى ٌمٌنه هاهنا، ولا ٌحل له أن ٌبر فٌها، بل بره فٌها هو حنثه مع الكفارة، ولا ٌحل له أن ٌضربها، لا مفرقاً ولا مجموعاً . فإن قٌل: فإذا كان الضرب واجبا. كالحد، هل تقولون: ٌنفعه ذلك؟ قٌل: إما أن ٌكون العذر مرجو الزوال، كالحر والبرد الشدٌد، والمرض الٌسٌر، فهذا ٌنتظر زواله، ثم ٌحد الحد الواجب، كما روى مسلم فى صحٌحه عن على رضى الله عنه: "أَن أَمَةً لرَسولِ الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلَم زَنَتْ، فؤَمَرَنِى أَنْ أَجْلِدَهَا، فَؤَتٌَْتُهَا، فَإ ذَا هِى حَدٌِثَةُ عَهْد بِ نِفَاس ، فَخَشٌِتُ إن جَلَدْتُهَا أَنْ أَقْتُلَهَا، فَذَكَرْتُ ذلِكَ لِرَسُولِ الله صلى اللهُ تعالى علٌه وآله وسلَم، فَقَالَ : أَحْسَنْتَ، اُتْرُكْهَا حَت ى تَماثَلَ ." فصل وأما حدٌث بلبل فى شؤن التمر، وقول النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم له: "بِعَ الت مرَ بِالد رَاهمِ، ثُم اشْتَرِ بِالد رَاهِمِ جَنٌِباً ." فقال شٌخنا: لٌس فٌه دلالة على الاحتٌال بالعقود التى لٌست مقصودة لوجوه: أحدها: أن النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم أمره أن ٌبٌع سلعته الأولى، ثم ٌبتاع بثمنها سلعة أخرى ومعلوم أن ذلك إنما ٌقتضى البٌع الصحٌح، ومتى وجد البٌعان على الوجه الصحٌح جاز ذلك بلب رٌب، ونحن نقول: كل بٌع صحٌح ٌفٌد الملك، لكن الشؤن فى بٌوع قد دلت السنة وأقوال الصحابة على أن ظاهرها، وإن كان بٌعاً، فإنها ربا وهى بٌع فاسد، ومعلوم أن مثل هذا لا ٌدخل فى الحدٌث، ولو اختلؾ رجلبن فى بٌع مثل هذا، هل هو صحٌح، أو فاسد؟ وأراد أحدهما إدخاله فى هذا اللفظ، لم ٌمكنه ذلك، حتى ٌثبت أنه بٌع صحٌح، ومتى أثبت أنه بٌع صحٌح، لم ٌحتج إلى الاستدلال بهذا الحدٌث. فتبٌن أنه لا حجة فٌه على صورة من صور النزاع البتة. قلت: ونظٌر ذلك أن ٌحتج به محتج على جواز بٌع الؽابب، أو على البٌع بشرط الخٌار 2/99) ________________________________________ أكثر من ثلبث، أو على البٌع بشرط البراءة، وؼٌر ذلك من أنواع البٌوع المختلؾ فٌها، وٌقول المنازع: الشارع قد أطلق الإذن فى البٌع، ولم ٌقٌده. وحقٌقة الأمر، أن ٌقال: إن الأمر المطلق بالبٌع إنما ٌقتضى البٌع الصحٌح، ونحن لا نسلم له أن هذه الصورة التى تواطؤ فٌها على ذلك بٌع صحٌح. والوجه الثانى: أن الحدٌث لٌس فٌه عموم، لأنه قال: "وابْتَعْ بالد راهِم جنٌِبا" والأمر بالحقٌقة المطلقة لٌس أمرا بشًء من قٌودها، لأن الحقٌقة مشتركة بٌن الأفراد. والقدر المشترك لٌس هو ما ٌمٌز كل واحد من الأفراد عن الآخر، ولا هو مستلزما له، فلب ٌكون الأمر بالمشترك لٌس هو ما ٌمٌز كل واحد من الأفراد عن الآخر، ولا هو مستلزما له، فلب ٌكون الأمر بالمشترك أمراً بالممٌز بحال. نعم: هو مستلزم لبعض تلك القٌود لا بعٌنه فٌكون عاماً لها على سبٌل البدل، لكن ذلك لا ٌقتضى العموم بالأفراد على سبٌل الجمع، وهو المطلوب، فقوله: بِعْ هذا الثوب، لا ٌقتضى الأمر ببٌعه من زٌد أو عمرو، ولا بكذا وكذا، ولا بهذه السوق أو هذه. فإن اللفظ لا دلالة له على شا من ذلك، لكن إذا أتى بالمسمى حصل ممتثلب من جهة وجود تلك الحقٌقة، لا من جهة وجود تلك القٌود.

عدد الصفحات ٢٥٣

254 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي إذا تبٌن ذلك، فلٌس فى الحدٌث أنه أمره أن ٌبتاع من المشترى، ولا أمره أن ٌبتاع من ؼٌره، ولا بنقد البلد ولا ؼٌره، ولا بثمن حال أو مإجل، فإن هذه القٌود خارجة عن مفهوم اللفظ، ولو زعم زاعم أن اللفظ ٌعم هذا كله كان مبطلبً، لكن اللفظ لا ٌمنع الأجزاء إذا أتى بها. وقد قال بعض الناس: إن عدم الأمر بالقٌود ٌستلزم عدم الأجزاء إذا أتى بها إلا بقرٌنة، وهذا ؼلط بٌن، فإن اللفظ لا تعرض فٌه للقٌود بنفى ولا إثبات ولا الإتٌان بها ولا تركها من لوازم الامتثال، وإن كان المؤمور به لا ٌخلو عن واحد منهما، ضرورة وقوعه جزبٌاً مشخصاً، فذلك من لوازم الواقع، لأنه مقصود الأمر، وإنما ٌستفاد الأمر بتلك اللوازم، أو النهى عنها من دلٌل منفصل. وقد خرج بهذا الجواب عن قول من قال: لو كان الابتٌاع من المشترى حراماً لنهى عنه. فإن مقصوده صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم إنما هو بٌان الطرٌق التى ٌحصل بها اشتراء 2/100) ________________________________________ التمر الجٌد لمن عنده رديء. وهو أن ٌبٌع الردئ بثمن ثم ٌبتاع بالثمن جٌداً . ولم ٌتعرض لشروط البٌع وموانعه فلب معنى للبحتجاج بهذا الحدٌث على نفى شرط مخصوص، كما لا ٌحتج به على نفى سابر الشروط، وهذا بمنزلة الاحتجاج بقوله تعالى{ :وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَت ى ٌَتَبٌَ نَ لَكُمُ الْخٌَْطُ الأَبٌَْضُ مِنَ الْخٌَْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [ }البقرة: 687] . على جواز أكل كل ذى ناب من السباع، ومخلب من الطٌر، وعلى حل ما اختلؾ فٌه من الأشربة، ونحو ذلك. فالاستدلال بذلك استدلال ؼٌر صحٌح، بل هو من أبطل الاستدلال. إذ لا تعرض فى اللفظ لذلك، ولا أرٌد به تحلٌل مؤكول ومشروب. وإنما أرٌد به بٌان وقت الأكل والشرب وانتهابه. وكذلك من استدل بقوله تعالى{ :وَأَنْكِحُوا الأٌََامَى مِنْ كُمْ [ }النور: 51] . على جواز نكاح الزانٌة قبل التوبة، وصحة نكاح المحلل، وصحة نكاح الخامسة فى عدة الرابعة، أو نكاح المتعة، أو الشؽار، أو ؼٌر ذلك من الأنكحة الباطلة، كان استدلاله باطلبً . وكذلك من استدل بقوله تعالى{ :وَأَحَل اللهُ الْبٌَْعَ [ }البقرة: 175] . على حل بٌع الكلب، أو ؼٌره مما اختلؾ فٌه، فاستدلاله باطل، فإن الآٌة لم ٌرد بها بٌان ذلك. وإنما أرٌد بها الفرق بٌن عقد الربا وبٌن عقد البٌع، وأنه سبحانه حرم هذا وأباح هذا فؤما أن ٌفهم منه أنه أحل بٌع كل شا، فهذا ؼٌر صحٌح، وهو بمنزلة الاستدلال بقوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [ }الأعراؾ: 56] . على حل كل مؤكول ومشروب. وبمنزلة الاستدلال بقوله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكمُ الْبَاءَةَ فَلٌَْتَزَو جْ ." على حل الأنكحة المختلؾ فٌها. وبمنزلة الاستدلال بقوله تعالى{ :إِذَا طَ ل قْتُمُ النسَاءَ فَطَلِّقوهُن لِعِد تهِن [ }الطلبق: 6] . على جواز جمع الثلبث ونفوذه، وعلى صحة طلبق المكره والسكران. 2/101) ________________________________________ وبمنزلة الاستدلال بقوله تعالى{ :وَ تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَت ى ٌُإْمِن [ }البقرة: 116] . على صحة النكاح بلب ولى وبلب شهود وؼٌر ذلك من الصور المختلؾ فٌها. وبمنزلة الاستدلال بقوله تعالى{ :فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [ }النساء: 5] . على حل كل نكاح اختلؾ فٌه، فٌستدل به على صحة نكاح المتعة، والمحلل، والشؽار، والنكاح بلب ولى وبلب شهود، ونكاح الأخت، ونكاح الزانٌة، والنكاح المنفى فٌه المهر، وؼٌر ذلك، وهذا كله استدلال فاسد فى النظر والمناظرة. ومن العجب أن ٌنكر من ٌسلكه على ابن حزم استدلاله بقوله تعالى{ :وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذلِكَ [ }البقرة: 155] .

عدد الصفحات ٢٥٤

255 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي على وجوب نفقة الزوج على زوجته، إذا أعسر بالنفقة، وكان لها ما تنفق منه، فإنها وارثة له، وهذا أصح من تلك الاستدلالات، فإنه استدلال بعام لفظا ومعنى. وقد علق الحكم فٌه بمعنى مقصود ٌقتضى العموم وتلك مطلقة لا عموم فٌها لفظاً ولا معنى، ولم ٌقصد بها تلك الصور التى استدلوا بها علٌها. إذا عرؾ هذا، فالاستدلال بقوله "بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنٌبا" لا ٌدل على جواز بٌع العٌنة بوجه من الوجوه، فمن احتج به على جوازه وصحته فاحتجاجه باطل. ولٌس الؽالب أن بابع التمر بدراهم ٌبتاع بها من المشترى، حتى ٌقال: هذه الصورة ؼالبة، بل الؽالب أن من ٌفعل ذلك ٌعرضه على أهل السوق عامة، أو حٌث ٌقصد، أو ٌنادى علٌه. وإذا باعه لواحد منهم، فقد تكون عنده السلعة التى ٌرٌدها وقد لا تكون. ومثل هذا: إذا قال الرجل فٌه لموكله: بع هذا القطن واشتر بثمنه ثٌاب قطن، أو بع هذه الحنطة العتٌقة، واشتر بثمنها جدٌدة، لا ٌكاد ٌخطر بباله الاشتراء من ذلك المشترى بعٌنه، بل ٌشترى من حٌث وجد ؼرضه. ووجود ؼرضه عند ؼٌره أؼلب من وجوده عنده. فإن قٌل: فهب أن الأمر كذلك، فهلب نهاه عن تلك الصورة، وإن لم ٌدخل فى لفظه؟ فإطلبقه ٌقتضى عدم النهى عنه. قٌل: إطلبق اللفظ لا ٌقتضى المنع منها، ولا الإذن فٌها، كما تقدم بٌانه، فحكمها إذنا 2/102) ________________________________________ ومنعاً ٌستفاد من مواضع أخر، فؽاٌة هذا اللفظ: أن ٌكون قد سكت عنها فقد علم تحرٌمها من الأدلة الدالة على تحرٌم العٌنة. الوجه الثالث: أن قوله: "بع الجمع بالدراهم" إنما ٌفهم منه البٌع المقصود، الخالى عن شرط ٌمنع كونه مقصودا، بخلبؾ البٌع الذى لا ٌقصد، فإنه لو قال: بع هذا الثوب، أو بعت هذا الثوب، لم ٌفهم منه بٌع المكره، ولا بٌع الهازل، ولا بٌع التلجبة، وإنما ٌفهم منه البٌع الذى ٌقصد به نقل ذلك العوض. وقد تقدم تقرٌر هذا. ٌوضحه: أن مثل هذٌن قد ٌتراوضان أولا على بٌع التمر بالتمر متفاضلبً، ثم ٌجعلبن الدراهم محللبً ؼٌر مقصودة. والمقصود إنما هو بٌع صاع بصاعٌن، ومعلوم أن الشارع لا ٌؤذن فى مثل هذا، فضلبً عن أن ٌؤمر به وٌرشد إلٌه. الوجه الرابع: إن النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم. "نَهَى عَ نْ بٌَْعَتٌَْنَ فى بٌَعَة ." ومتى تواطآ على أن ٌبٌعه بالثمن، ثم ٌبتاع منه، فهو بٌعتان فى بٌعة، فلب ٌكون داخلبً فى الحدٌث، إذ المنهى عنه لا ٌتناوله المؤذون فٌه. ٌبٌن ذلك الوجه الخامس: وهو أنه صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم قال: "بع الجمع ثم ابتع بالدراهم جنٌبا" وهذا ٌقتضى بٌعاً ٌنشبه وٌبتدبه، بعد انقضاء البٌع الأول، ومتى واطؤه من أول الأمر على أن أبٌعك وأبتاع منك، فقد اتفقا على العقدٌن معاً، فلب ٌكون داخلبً فى حدٌث الإذن، بل فى حدٌث النهى. الوجه السادس: أنه لو فرض أن فى الحدٌث عموماً لفظٌا، فهو مخصوص بصور لا تعد. فإن كل بٌع فاسد فهو ؼٌر داخل فٌه، فتضعؾ دلالته، وتخص منه الصورة التى ذكرناها بالأدلة، التى هى نصوص، أو كالنصوص، فإخراجها من العموم من أسهل الأشٌاء، وبالله التوفٌق. 2/103) ________________________________________ فصل وقد تبٌن بهذا بطلبن الاستدلال على جواز الحٌل الباطلة، بقوله تعالى{ :إِ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدٌِرُونَهَا بٌَْنَكُمْ } [البقرة: 181] . وأن هذا ٌتناول صورة العٌنة وؼٌرها، فإن المتباٌعٌن ٌدٌران السلعة بٌنهما. فإن الله سبحانه قسم البٌاعات المقصودة التى شرعها لعباده، ونصبها لمصالحهم فى معاشهم ومعادهم إلى بٌوع مإجلة وبٌوع حالة، ثم أمرهم أن ٌستوثقواً فى البٌوع المإجلة بالكتاب والشهود، وإن عدموا ذلك فى السفر استوثقوا بالرهن،

عدد الصفحات ٢٥٥