231 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وأٌضاً . فإذا جاز التصرؾ فٌه بالرهن من الأجنبى قبل القبض، فجوازه من البابع أولى. 2/53) ________________________________________ لأن المشترى ٌملك من التصرؾ مع البابع قبل القبض بالإقالة وؼٌرها مالا ٌملكه مع الأجنبى، ومن منع رهنه على ثمنه قبل قبضه لزمه أن ٌمنع رهنه على ؼٌر الثمن، أو من الأجنبى. فإن قٌل: الفرق بٌنهما: أنه قبل القبض عرضة للتلؾ، فٌكون من ضمان البابع، وكونه رهنا ٌقتضى أن ٌكون من ضمان راهنه، فتنافى الأمران، حٌث ٌكون مضمونا له ومضمونا علٌه من جهة واحدة. وهذا بخلبؾ رهنه من أجنبى قبل القبض. فإنه ٌكون مضمونا علٌه للؤجنبى ومضمونا له من البابع، ولا تنافى بٌن أن ٌكون مضمونا له من شخص، ومضمونا علٌه لؽٌره. كالعٌن المإجرة إذا أجرها المستؤجر، صارت المنافع مضمونة علٌه للمستؤجر الثانى، ومضمونة له من المإجر الأول. وكذلك الثمار إذا بدا صلبحها جاز للمشترى بٌعها، وهى مضمونة له على البابع الأول، ومضمونة علٌه للمشترى الثانى. فإن قٌل: هذا هو الفرق الذى بنى علٌه هذا القول، ولكن ٌقال: أى محذور فى ذلك، وأن ٌكون مضمونا له وعلٌه؟ وقولكم: إن ذلك من جهة واحدة، لٌس كذلك، فإنه مضمون له من جهة كونه مشترٌاً، فهو من ضمان البابع حتى ٌمكنه من قبضه، ومضموناً علٌه من جهة كونه راهنا، فإذا تلؾ تلؾ من ضمانه، حتى لو اتحدت الجهة لم ٌكن فى ذلك محذور بحٌث ٌكون مضموناً له وعلٌه من جهة واحدة، كما قلتم: إنه ٌجوز للمستؤجر إجارة ما استؤجره لمإجره، فتكون المنافع مضمونة علٌه وله، فؤى محذرو فى ذلك؟ فإن قٌل: فإذا تلؾ هذا الرهن، فمن ضمان من ٌكون؟ فالبابع ٌقول للمشترى: ٌتلؾ من ضمانك، لأنه رهن. والمشترى ٌقول: ٌتلؾ من ضمانك، لأنه مبٌع لم ٌقبض، ولٌس أحدهما بترجٌح جانبه أولى من الآخر. قٌل: بل ٌكون تلفه من ضمان البابع، لأن ضمانه أسبق من ضمان الراهن، لأنه لما باعه كان من ضمانه حتى ٌسلمه، فحبسه على ثمنه لا ٌسقط عنه ضمانه، كما لو حبس من ؼٌر ارتهان فارتهانه إٌاه لم ٌسقط عنه ما لزمه بعقد البٌع من التسلٌم، فإنه إنما احتاط لنفسه 2/54) ________________________________________ بعقد الرهن، والراهن لم ٌتعوض عن الرهن بدٌن ٌكون الرهن فى مقابلته، فإذا تلؾ كان قد انتفع بالدٌن الذى أخذه فى مقابلة الرهن. فإن أراد الحٌلة فى تصحٌح الرهن والوثٌقة، وأن لا ٌعرضه للبطلبن. فالحٌلة له: أن ٌقبضه من البابع، تم ٌرهنه إٌاه على ثمنه بعد قبضه، فٌصح الرهن، ولا ٌتوالى هناك ضمانان، فإذا تلؾ بعد ذلك تلؾ من ضمان المشترى، ولا ٌسقط الثمن عنه، فإن خاؾ البابع أن ٌؽٌب المشترى، أو ٌإخر فكاك الرهن، كتب كتاباً وأشهد فٌه شهودا: أنه إن مضى وقت كذا وكذا ولم ٌفتك الرهن فقد أذن له فى بٌعه وقبض دٌنه من ثمنه، وما بقى منه فهو أمانة فى ٌده. فإن خاؾ أن ٌبطل هذه الوكالة من ٌرى أنه لا ٌصح تعلٌقها بالشرط. كتب فى الكتاب: أنه قد وكله الآن، وٌعلق تصرفه فٌه بالبٌع بمجًء الوقت فٌعلق التصرؾ، وٌنجز التوكٌل. فإن خاؾ أن ٌعز له الموكل فلب ٌنفذ تصرفه فٌه. فالحٌلة له: أن ٌوكل وكالة دورٌة، عند من ٌرى ذلك، فٌقول: وكلما عزلته فقد وكلته، وإن شاء أن ٌقول: وكلته وكالة لا تقبل العزل، وإن شاء أن ٌقول: على أنى متى عزلته فلب حق لى عنده ولا دعوى، وما ادّعٌته علٌه من جهة كذا وكذا فدعواى باطلة، والله أعلم. المثال الثمانون: إذا ادعت علٌه المرأة أنه لم ٌنفق علٌها، ولم ٌكسها مدة مقامها معه أو سنٌن كثٌرة، والحس والعرؾ ٌكذبها، لم ٌحل للحاكم أن ٌسمع دعواها، ولا ٌطالبه برد الجواب، فإن الدعوى إذا ردها الحس والعادة المعلومة كانت كاذبة.
عدد الصفحات ٢٣١232 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وفى الصحٌح عنه صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "مَنِ اُد عى دَعْوًى كَاذِبَةًٍَ لٌَِتَكث رِ بهَا لَمْ ٌَزِدْهُ اللهُ إِلا قِلةً ." وفى الصحٌح أٌضاً عنه صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "مَنِ اُدّعَى مَا لٌَْسَ لَهُ فَلٌَْسَ مِنَا 2/55) ________________________________________ وَلٌَْتَبَو أْ مَقْعَدَهُ مِنَ الن ارِ ." فلب ٌجوز لأحد. حاكم ولا ؼٌره، أن ٌساعد من ادعى ما ٌشهد الحس والعرؾ والعادة أنه لٌس له، وأن دعواه كاذبة، ففى سماع دعواه وإحضار المدعى علٌه وإحلبفه أعظم مساعدة ومعاونة على ما ٌكذبه الحس والعادة. ثم كٌؾ ٌسع الحاكم أن ٌقبل قول المرأة: أنها هى التى كانت تنفق على نفسها، وتكسو نفسها هذه المدة كلها، مع شهادة العرؾ والعادة المطردة بكذبها؟ ولا ٌقبل قول الزوج: أنه هو الذى كان ٌنفق علٌها وٌكسوها، مع شهادة العرؾ والعادة له، ومشاهدة الجٌران وؼٌرهم له: أنه كل وقت ٌدخل إلى بٌته الطعام والشراب والفاكهة، وؼٌر ذلك. فكٌؾ ٌكذب من معه مثل هذه الشهادة، وٌقبل قول من ٌكذب دعواه ذلك؟ وكٌؾ ٌمكن الزوج أن ٌتخلص من مثل هذا البلبء الطوٌل، والخطب الجلٌل إلا بؤن ٌشهد كل ٌوم بكرة وعشٌة شاهدى عدل على الإنفاق وعلى الكسوة. أو ٌفرض لها كل شهر بكرة وعشٌة شاهدى عدل على الإنفاق وعلى الكسوة. أو ٌفرض لها كل شهر دراهم معلومة ٌقبضها إٌاها بإشهاد؟. ثم إما أن ٌمكنها أن تخرج من بٌته كل وقت تشترى لها ما ٌقوم بمصالحها، أو ٌتصدى هو لخدمتها، وشراء حوابجها، فٌكون هو العانى الأسٌر المملوك، وهى المالكة الحاكمة علٌه. وكل هذا ضد ما قصده الشارع من النكاح: من الألفة والمودة، والمعاشرة بالمعروؾ. فإن هذه المعاشرة من أنكر المعاشرة، وأبعدها من المعروؾ. ثم من العجب: أنها إذا ادعت الكسوة والنفقة لمدة مقامها عنده، فقال الزوج للحاكم: سلها: من أٌن كانت تؤكل، وتشرب، وتلبس؟ فٌقول الحاكم: لا ٌلزمها ذلك.!! فٌالله العجب: إذا كانت ؼٌر معروفة بالدخول والخروج، ولا ٌمكن الزوج أحداً ٌدخل علٌها، وهى فى منزله عدد سنٌن، تؤكل، وتشرب، وتلبس، كٌؾ لا ٌسؤلها الحاكم: من الذى كان ٌقوم لك بذلك؟ فمتى سؤل الزوج سإالها وجب علٌه ذلك. ومتى تركه كان تاركاً 2/56) ________________________________________ للحق؟ فإن سمت أجنبٌا ؼٌر الزوج كلفها الحاكم البٌنة على ذلك، وإن قالت: أنا الذى كنت أطعم نفسى وأكسوها فى هذه المدة، كان كذبها معلوماً، ولم ٌقبل قولها، فإن النفقة والكسوة واجبان على الزوج، وهى تدعى أنها هى التى قامت عنه بهذا الواجب وأدته من مالها، وهو وٌدعى أنه هو الذى فعل هذا الواجب، وقام به، وأسقطه عن نفسه، ومعه الظاهر والأصل. أما الظاهر: فلب ٌمكن عاقلبً أن ٌكابر فٌه، بل هو ظاهر ظهوراً قرٌبا من القطع بل ٌقطع به فى حق أكثر الناس. وأما الأصل: فهو أٌضاً من جانب الزوج. فإنهما قد اتفقا على القٌام بواجب حقها، وهى تضٌؾ ذلك إلى نفسها، أو إلى أجنبى، وهو ٌدعى أنه هو الذى قام بهذا الواجب، فقد اتفقا على وصول النفقة والكسوة إلٌها، وهى تقول: كان ذلك بطرٌق البدل والنٌابة عنك. وهو ٌقول: لم ٌكن بطرٌق النٌابة، بل بطرٌق الأصالة. وهذا بخلبؾ ما إذا لم ٌعلم وصول الحق إلى مستحقه كالدٌون والأعٌان المضمونة، فإن قبول قول المنكر متوجه ومعه الأصل. ونظٌره: أن ٌعترؾ بقضاء الدٌن ووصوله إلٌه، ثم ٌنكر أن ٌكون وصل إلٌه من جهة من علٌه الدٌن. فٌقول: وصل إلى الدٌن الذى لى، لكن لٌس من جهتك، بل ؼٌرك أداه عنك. فهل ٌقبل قوله هاهنا أحد؟ وٌقال: الأصل بقاء الدٌن فى ذمته؟. وهذا نظٌر مسؤلة الإنفاق سواء بسواء، فإنها مقرة بوصول النفقة إلٌها، ولو أنكرتها لكذبها الحس، ومدعٌة أن وصول ذلك إلى لم ٌكن من جهتك، فدعواها تخالؾ الأصل والظاهر جمٌعاً .
عدد الصفحات ٢٣٢فى ذمته؟. وهذا نظٌر مسؤلة الإنفاق سواء بسواء، فإنها مقرة بوصول النفقة إلٌها، ولو أنكرتها لكذبها الحس، ومدعٌة أن وصول ذلك إلى لم ٌكن من جهتك، فدعواها تخالؾ الأصل والظاهر جمٌعاً . ولهذا لا ٌقبلها مالك، وفقهاء أهل المدٌنة، وقولهم هو الصواب والحق الذى ندٌن الله به، ولا نعتقد سواه.
عدد الصفحات ٢٣٢233 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وأى قبٌح أعظم من دعوى امرأة على الزوج ترك النفقة والكسوة ستٌن سنة أو أكثر وهى لا تدخل ولا تخرج، ولا ٌمكنها أن تعٌش عٌش الملببكة، فٌطالب الزوج بنفقة جمٌع المدة التى ادعت ترك الإنفاق فٌها، وقد تستؽرق جمٌع ماله وداره وثٌابه ودوابه. فٌإخذ 2/57) ________________________________________ ذلك كله منه، وٌحبس على الباقى، وٌجعل دٌنا مستقراً فى ذمته، تطالبه به متى شاءت. وهى تعلم كذب دعواها، وولٌها ٌعلم ذلك، وجٌرانها والله وملببكته، والذى ٌساعدها وٌخاصم عنها. ولما علم فقهاء العراق، كؤبى حنٌفة وأصحابه، ما فى ذلك من الشر والفساد، والضرر الذى لا تؤتى به شرٌعة. أسقطوا النفقة والكسوة عن الزوج بمضى الزمان. فلم ٌسمعوا دعوى المرأة بذلك. كما ٌقوله منازعوهم فى نفقة القرٌب، فنفسوا الخناق عن الأزواج بهذا القول، وأشموهم رابحة الحٌاة، ونفسوا عنهم بعض الكرب. ولقد أقام رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم بعد أن أرسله الله تعالى إلى الناس ثلبث عشرة سنة بمكة، وعشراً بالمدٌنة، فما ألزم زوجاً قط بنفقة وكسوة ماضٌة، ولا ادعتها عنده امرأة. وكذلك خلفاإه الراشدون من بعده، وكذلك عصر الصحابة جمٌعهم، وعصر التابعٌن، ولا حبس على عهده وعهد أصحابه وتابعٌهم رجل واحد على ذلك. ولا على صداق امرأته، مع صٌانة نسابهم، ولزومهن بٌوتهن، وعدم تبرجهن وتزٌنهن وخروجهن فى الأسواق والطرقات. والأزواج فى الحبوس، وهن مسٌبات ٌخرجن وٌذهبن حٌث أردن. فوالله لو رأى هذا رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم لشق علٌه ؼاٌة المشقة ولعظم علٌه وعز علٌه، ولكان إلى دفعه وإنكاره أسرع منه إلى ؼٌره. وبالجملة فالدعوى، إذا كانت مما تردها العادة والعرؾ والظاهر لم ٌجز سماعها. ومن هاهنا قال أصحاب مالك: إذا كان رجل حابزاً لدار، متصرفا فٌها مدة السنٌن الطوٌلة، بالبناء والهدم، والإجارة والعمارة وٌنسبها إلى نفسه، وٌضٌفها إلى ملكه، وإنسان حاضر ٌراه وٌشاهد أفعاله فٌها طول هذه المدة، وهو مع ذلك لا ٌعارضه فٌها، ولا ٌذكر أن له فٌها حقاً ولا مانع ٌمنعه من مطالبته: من خوؾ سلطان، أو نحو ذلك من الضرر المانع من المطالبة بالحقوق، ولا بٌنه وبٌن المتصرؾ فى الدار قرابة، ولا شركة فى مٌراث، وما أشبه ذلك مما ٌتسامح به القرابات وذوو الصهر بٌنهم فى إضافة أحدهم أموال الشركة إلى نفسه، بل كان عرٌّاً عن ذلك كله، ثم جاء بعد طول هذه المدة 2/58) ________________________________________ ٌدعٌها لنفسه، وٌزعم أنها له، وٌرٌد أن ٌقٌم بذلك بٌنة. فدعواه ؼٌر مسموعة أصلب، فضلب عن بٌنة، وتقر الدار بٌد حابزها. قالوا: لأن كل دعوى ٌنفٌها العرؾ وتكذبها العادة فإنها مرفوضة، ؼٌر مسموعة قال تعالى: {وَأْمُرْ بِالْعُرْؾِ [ }الأعراؾ: 699] . وأوجبت الشرٌعة الرجوع إلٌه عند الاختلبؾ فى الدعاوى وؼٌرها. قلت: ومما ٌدل على ذلك: أن الظن المستفاد من هذا الظاهر أقوى بكثٌر من الظن المستفاد من شاهدٌن، أو شاهد وٌمٌن، أو مجرد النكول، أو الرد. وأٌضاً، فإن البٌنة على المدعى، والبٌنة هى كل ما ٌبٌن الحق، والعرؾ والعادة والظاهر القوى الذى إن لم ٌقطع به فهو أقرب إلى القطع، ٌدل على صدق الزوج، وكذب المرأة فى إمساكها عن كسوتها والإنفاق علٌها مدة سنٌن متطاولة، ولا ٌدخل علٌها أحد، ولا هى ممن تخرج تشترى لها ما تؤكل وتلبس. فالشرٌعة جاءت بما ٌعرؾ لا بما ٌنكر، وقد أخبر الله سبحانه أن للزوجة مثل الذى علٌها بالمعروؾ، ولٌس من المعروؾ إلزام الزوج بنفقة ستٌن سنة وكسوتها، واجتٌاح ماله كله، وسلبه نعمة الله علٌه، وجعله مسكٌنا ذا متربة، وجعله أسٌراً لها، ٌنافى ما ادعت به، بل هذا من أنكر المنكر، ومما ٌراه المسلمون، بل وؼٌر المسلمٌن، قبٌحاً .
عدد الصفحات ٢٣٣234 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وأٌضاً : فالرجل له ولاٌة الإنفاق على زوجته، كما له ولاٌة حبسها ومنعها من الخروج من بٌته، فالشارع جعل إلٌه ذلك، وأمره أن ٌقوم على المرأة ولا ٌإتها ماله بل ٌرزقها وٌكسوها فٌه، وجعلها الله سبحانه فى ذلك بمنزلة الصؽٌر والمجنون مع ولٌه، كما قال تعالى{ :وَ تُإْتُوا الس فَهَاءَ أَمْوَ الَكُمْ الّتِى جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قٌَِاماً وَارْزُقُوهُمْ فٌِهَا وَاكْسُوهُمْ } [النساء: 5] . قال ابن عباس: لا تعمد إلى مالك الذى خولك الله وجعله لك معٌشة، فتعطٌه امرأتك وبنٌك، فٌكونوا هم الذٌن ٌقومون علٌك فى كسوتهم ورزقهم ومإنتهم. فالسفهاء هم النساء والصبٌان وقد جعل الله سبحانه الأزواج قوامٌن علٌهم، كما جعل ولى الطفل قواماً علٌه والقوام على ؼٌره أمٌن علٌه. ومن قبل قول الزوجة أو الطفل بعد 2/59) ________________________________________ البلوغ فى عدم إٌصال النفقة إلٌهما، فقد جعلهما قوامٌن على الأزواج والأولٌاء، ولو لم ٌقبل قول الزوج لم ٌكن قواماً على المرأة. فإن المرأة إذا كانت ؼرٌما مقبول القول دون الزوج، كانت هى القوامة. وبالجملة فللرجل على امرأته ولاٌة، حتى فى مالها، فإن له أن ٌمنعها من التبرع به لأنه إنما بذل لها المهر لمالها ونفسها، فلٌس لها أن تتصرؾ فى ذلك بما ٌمنع الزوج من كمال استمتاعه، وقد سوى النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم بٌن نفقة الزوجات، ونفقة الممالٌك، وجعل المرأة عانٌة عند الزوج، والعانى: هو الأسٌر، وهو نوع من الرق، فقال فى المرأة: "تُطْعِمُهَا مِم ا تَؤْكُلُ، وَتَكْسُوهَا مِم ا تَلبَسُ ". وكذلك قال فى الرقٌق سواء، فهو أمٌر على نفقة امرأته ورقٌقه، وأولاده، بحكم قٌامه علٌهم، ولم ٌوجب الله سبحانه على الأزواج تملٌك النساء طعاماً وإداما، ولا دراهم أصلب، وإنما أوجب إطعامهن وكسوتهن بالمعروؾ، وإٌجاب التملٌك مما لم ٌدل علٌه كتاب ولا سنة، ولا إجماع. 2/60) ________________________________________ وكذلك فرض النفقة وتقدٌرها بدراهم، لا أصل له من كتاب، ولا سنة، ولا قول صحابى ولا تابعى، ولا أحد من الأبمة الأربعة. فإن الناس لهم قولان، منهم من ٌرى تقدٌرها بالحب كالشافعى، ومنهم من ٌردها إلى العرؾ، وهم الجمهور، ولا ٌعرؾ عن أحد من السلؾ والأبمة تقدٌرها بالدراهم البتّة. ثم أن فٌه إٌجاب المعاوضة على الواجب لها بؽٌر رضا الزوج، ومن ؼٌر اعتبار كون الدراهم قٌمة الواجب لها من الحب، أو الواجب بالعرؾ، ففرض الدراهم مخالؾ لهذا وهذا، ولأقوال جمٌع السلؾ والأبمة، وفٌه من الفساد ما لا ٌحصٌه إلا الله. فإنه إن مكن المرأة تخرج كل وقت تشترى لها طعاماً وإداما دخل على الزوج والزوجة من الشر والفساد ما ٌشهد به العٌان، وإن منعها من الخروج أضر بها وبالزوج، وجعله كالأجٌر والأسٌر معها. وبالجملة: فمبنى الحكم فى الدعاوى على ؼلبة الظن المستفاد من براءة الأصل تارة ومن الإقرار تارة، ومن البٌنة تارة، ومن النكول مع ٌمٌن الطالب المردودة. أو بدونها وهذا كله مما ٌبٌن الحق ظاهراً فهو بٌنة، وتخصٌص البٌنة بالشهود عرؾ خاص، وإلا فالبٌنة اسم لما ٌبٌن الحق. فمن كان ظن الصدق من جانبه أقوى كان بالحكم أولى ولهذا قدمنا جانب المدعى علٌه، حٌث لا بٌنة ولا إقرار، ولا نكول، ولا شاهد حال استنادا إلى الظن المستفاد من البراءة الأصلٌة. فإذا كان فى جانب المدعى بٌنة شرعٌة قدم، لقوة الظن فى جانبه بالبٌنة. وكذلك إذا كان فى جانبه قرٌنة ظاهرة ، كاللوث قدم جانبه. ولذلك قدم جانبه فى اللعان، إذا نكلت المرأة، فإنها ترجم بؤٌمانه. لقوة الظن فى جانبه بإقدامه على اللعان، مع نكول المرأة عن دفع الحد والعار عنها بالٌمٌن. 2/61) ________________________________________
عدد الصفحات ٢٣٤235 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وقد أجمع الناس على جواز وطء المرأة التى تزؾ إلى الزوج لٌلة العُرْس، وإن لم ٌكن رآها، ولا وُصفَتْ له، من ؼٌر اشتراط شاهدى عدل ٌشهدان أنها هى امرأته التى وقع علٌها العقد، اكتفاء بالظن الؽالب، بالقطع المستفاد من شاهد الحال. وكذلك ٌجوز الأكل من الهدْى المنحور إذا كان بالفلبة، ولا أحد عنده، اكتفاء بشاهدِ الحال. وكذلك دَرَجَ السلؾُ والخلؾ على جوازِ أكل الفقٌر مما ٌدفعه إلٌه الصبى وٌخرجه من البٌت: من كِسرة ونحوها، اعتماداً على شاهدِ الحال. وكذلك ٌُكتفَى بشاهدِ الحال فى بٌع المحق رات بالمعاطاة. وهو عمل الأمة قدٌماً وحدٌثا. واكتفى الشارع بسكوت البكر فى الاستبذان، وجعله دلٌلبً على رضاها، اكتفاء بشاهد الحال. واكتفت الأمة فى الاعتماد على المعاملبت، والهداٌا، والتبرعات، بكونها بٌد الباذل، لأن دلالتها على ملكه تورث ظنا ظاهراً . واكتفتْ بمعاملة مجهول الحرٌة والرشد، وإقراره، وأكل طعامه، وقبول هدٌته وإباحة الدخول إلى منزله، اعتماداً على شاهد الحال والظن الؽالب. واكتفى الشارعُ بقول الخارص. الواحد فى محل الظن، والخرْصِ، نظراً إلى الظن المستفاد من خرصه. واكتفت الأمة بقول المقومٌن فٌما دق وجل، اعتمادا على الظن المستفاد من تقوٌمهم. وقد اكتفى الشارع بتقوٌم اثنٌن فى جزاء الصٌد. واكتفى بواحد فى الخرْ ص 2/62) ________________________________________ واكتفى بواحد فى رإٌة هلبل رمضان. واكتفت الأمة بقول القاسم وحده، أو بقول اثنٌن، وكذلك القابؾ، أو القابفٌن. واكتفت بقول المإذن الواحد. وقد اكتفى كثٌر من الفقهاء بانتساب الصؽٌر، ومٌل طبعه إلى من ادعاه، من رجلٌن أو أكثر، اعتمادا على الظن المستفاد من مٌل طبعه، وهو من أضعؾ الظنون، ولذلك كان فى آخر رتب الإلحاق عندهم، عند عدم القابؾ. وكذلك الاعتماد فى وجوب دفع اللقطة، أو جوازه، على الظن المستفاد من وصؾ الواصؾ لها. وكذلك الاعتماد على أمارات الطهارة، والنجاسة. والقبلة، والاعتماد على قول الكٌال والوزان. وقال كثٌر من الفقهاء: ٌحبس المدعى علٌه بشهادة المستورٌن، إلا أن ٌعدلا، إذ الؽالب من المستورٌن العدالة. فاستجازوا عقوبة الرجل المسلم ٌمثل هذا الظن. وقالوا: تسمع الشهادة على المقر بالإقرار من ؼٌر اشتراط ذكر الشاهدٌن أهلٌة المقر حال إقراره، اعتماداً على ظن الرشد والاختٌار. وقالوا: إذا كان الجدار حابلب بٌن الطرٌق وبٌن ملك المدعى، أو بٌن ملكه وبٌن موات، اختص به المدعى، لأن الظاهر أن الطرٌق والموات لا ٌحاط علٌهما. وقالوا: لو كان بٌن الملكٌن جدار متصل بؤبنٌة أحد المالكٌن اتصالاً بدواخل وترصٌؾ، اختص به صاحب الترصٌؾ لقوة الظن من جانبه، إذ معه دلالتان، إحداهما: الاتصال. والثانٌة: التداخل والترصٌؾ فلو تداخل من أحد طرفٌه فى ملك أحدهما، ومن الطرؾ الآخر فى الملك الأخر اشتراكاً فٌه: لتساوٌهما فى الدلالتٌن. 2/63) ________________________________________ وقالوا: إن الأبواب المشرعة فى الدروب ؼٌر النافذة دالة على الاشتراك فى الدرب إلى حد كل باب منها، فٌكون الأول شرٌكاً من أول الدرب إلى بابه، والثانى شرٌكاً إلى بابه، والذى فى آخر الدرب شرٌك من أول الدرب إلى بابه، قولاً واحداً، وإلى آخر الدرب على الصحٌح، وكل ذلك بناء على الظن المستفاد من الاستطراق، وأنه بحق.
عدد الصفحات ٢٣٥236 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وقالوا: إن الأجنحة المطلة على ملك الجار وعلى الدروب ؼٌر النافذة أنها ملك لأصحابها اعتماداً على ؼلبة الظن بذلك، وأنها وضعت باستحقاق. وكذلك القنوات، والجداول الجارٌة فى ملك الؽٌر، دالة على اختصاصها بؤرباب المٌاه، بناء على الظن المستفاد من ذلك، وأن صورها دالة على أنها وضعت باستحقاق. ومن ذلك: دلالة الأٌدى على الاستحقاق، اعتمادا على الظن الؽالب، مع القطع بكثرة وضع الأٌدى عدوانا وظلماً، ولا سٌما ما اطردت العادة بإجارته وخروجه من ٌد مالكه، إلى ٌد مستؤجره، كالأراضى والدواب، والحوانٌت، والرباع، والحمامات وأن الؽالب فٌها الخروج عن ٌد مالكها، وقد اعتبرتم الٌد، وقد استشكل كثٌر من فضلبء أصحابكم هذا، واعترؾ بؤن جوابه مشكل جداً، ولما كان الظن المستفاد من الشهود أقوى من الظن المستفاد من هذه الوجوه قدم علٌها. ولما كان الظن المستفاد من الإقرار أقوى من الظن المستفاد من الشهود قدم الإقرار علٌها. ولذلك اكتفى كثٌر من الفقهاء بالمرة الواحدة فى الإقرار بالزنا والسرقة لهذه القوة. قالوا: لأن وازع المقر طبعى، ووازع الشهود شرعى، والوازع الطبعى أقوى من الوازع الشرعى، ولذلك ٌقبل الإقرار من المسلم، والكافر، والبر، والفاجر: لقٌام الوازع الطبعى. ولما كان الوازع عن الكذب على نفسه مخصوصا بالمقر كان إقراره حجة قاصرة علٌه وعلى من ٌتلقى عنه، لكونه فرعه. ولما كان الوازع الشرعى عاماً بالنسبة إلى جمٌع الناس، كان حجة عامة: فإن خوؾ 2/64) ________________________________________ الله ٌزع الشاهد عن الكذب فى حق كل أحد. فكان قوله حجة عامة لكل أحد. ولما كان وازع الكذب مختصاً بالمقر قصر علٌه، فهو خاص قوى، والشهادة عامة ضعٌفة بالنسبة إلى الإقرار، قوٌة بالنسبة إلى الأٌدى وإلى ما ذكرناه من الدلالات. ومعلوم أن الظنون لا تقع إلا بؤسباب تثٌرها وتحركها. فمن أسبابها: الاستصحاب واطراد العادة، أو كثرة وقوعها، أو قول الشاهد، أو شاهد الحال. ولا ٌقع فى الظنون تعارض، وإنما ٌقع فى أسبابها وعلبماتها. فإذا تعارضت أسباب الظنون، فإن حصل الشك لم ٌحكم بشا، وإن وجد الظن فى أحد الطرفٌن، حكم به، والحكم للراجح. لأن مرجوحٌة مقابله تدل على ضعفه. فإذا تعارض سببا ظن- وكان كل واحد منهما مكذباً للآخر- تساقطاً : كتعارض البٌنتٌن والأمارتٌن، وإن لم ٌكن كل واحد منهما مكذباً للآخر عمل بهما، على حسب الإمكان، كدابة علٌها راكبان، وعبد ممسك بٌدٌه اثنان، ودار فٌها ساكنان، وخشبة لها حاملبن، وجدار متصل بملكٌن، ونظابر هذا. فإن كان أحدهما أرجح من الآخر، عمل بالراجح، كالشاهد مع البراءة الأصلٌة، ومع الٌد، ٌقدم علٌهما، لرجحانه. ولما كانت الٌد لها مراتب فى القوة والضعؾ. كانت ٌد اللببس لثٌابه، وعمامته، وخفه، ومنطقته، ونعله: أقوى من ٌد الجالس على البساط، والراكب على الدابة، وٌد الراكب أقوى من ٌد السابق والقابد، وٌد الساكن للدار أضعؾ من تلك الأٌدى، وٌد من هو داخل الحمام والخان، أضعؾ من هذا كله- قدم أقوى الأٌدى على أضعفها. فلو كان فى الدار اثنان، وتنازعا فٌها، وفى لباسهما الذى علٌهما، جعلت الدار بٌنهما، لاستوابهما فى الٌد. وكان القول قول كل منهما فى لباسه المختص به، لقوة ٌده بالقرب والاتصال. ولو تنازع الراكب والسابق والقابد، قدمت ٌد الراكب. وكذلك قال الجمهور. 2/65) ________________________________________ ولو تنازع الزوجان فى متاع البٌت، أو الصانعان فى حانوت، كان القول قول من ٌدعى منهما ما ٌصلح له وحده، لؽلبة الظن القرٌب من القطع باختصاصه به. وكذلك لو رأٌنا رجلب شرٌفاً حاسر الرأس، وأمامه داعر على رأسه عمامة، وبٌده عمامة لا تلٌق به وهو هارب. فتقدٌم ٌده على الظن المستفاد من كونها ٌدا عادٌة مما ٌقطع ببطلبنه.
عدد الصفحات ٢٣٦237 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وكذلك فقٌه له كتب فى داره. وامرأته ؼٌر معروفة بشا من ذلك البتة. فتقدٌم ٌدها على شاهد حال الفقٌه فى ؼاٌة البعد. وأٌن الظن المستفاد من هذا وأمثاله إلى الظن المستفاد من النكول، ومن الظن المستفاد من الٌد؟ بل أٌن ذاك الظن من الظن المستفاد من الشاهد والٌمٌن؟. ومن الممتنع أن ٌرتب الشارع الأحكام على هذه الظنون، ولا ٌرتبها على الظنون التى هى أقوى منها بمراتب كثٌرة. بل تكاد تقرب من القطع. كما أنه من المحال أن ٌحرم التؤفٌؾ للوالدٌن، وٌبٌح شتمهما وضربهما. وهل تقدٌم قول المدعى فى القسامة إلا اعتمادا على الظن الؽالب باللوث؟ وقدم هذا الظن على ظن البراءة الأصلٌة لقوته. وقد حكى الله سبحانه فى كتابه عن الشاهد الذى شهد من أهل امرأة العزٌز. وحكم بالقرابن الظاهرة على براءة ٌوسؾ علٌه السلبم. وكذب المرأة بقوله{ :إِنْ كانَ قَ مٌِصُهُ قُد مِنْ قُبُل فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبٌِنَ وَإِنْ كانَ قَمٌِصُهُ قُد مِنْ دُبُر فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الص ادِقٌِنَ فَلَم ا رَأَى قَمٌِصَهُ قُد مِنْ دُبُرِ قَالَ إِن هُ مِنْ كٌَْدِكُن إِن كٌَْدَكن عَظٌِم [ }ٌوسؾ: 16 - 18] . وسمى الله سبحانه ذلك أٌة، وهى أبلػ من البٌنة، فقال{ :ثُم بِدِا لهَمُ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآٌَاتِ لٌسجُنَن هُ حَت ى حٌِن [ }ٌوسؾ: 55] . وحكى سبحانه ذلك مقررا له ؼٌر منكر، وذلك ٌدل على رضاه به. ومن هذا: حكم نبى الله سلٌمان بن داود علٌهما السلبم بالولد الذى تنازع فٌه المرأتان، فقضى به داود للكبرى، فخرجتا على سلٌمان، فقصتا علٌه القصة، فقال سلٌمان علٌه السلبم: ابتونى بالسكٌن أشقه بٌنكما، فقالت الصؽرى: لا تفعل ٌا نبى الله، هو ابنها. فقضى به 2/66) ________________________________________ للصؽرى، ولم ٌكن سلٌمان لٌفعل، ولكن أوهمهما ذلك، فطابت نفس الكبرى بذلك. استرواحاً منها إلى راحة التسلى والتؤسى بذهاب ابن الأخرى. كما ذهب ابنها، ولم تطب نفس الصؽرى بذلك، بل أدركتها شفقة الأم ورحمتها، فناشدته أن لا ٌفعل، استرواحاً إلى بقاء الولد، ومشاهدته حٌا، وإن اتصل إلى الأخرى. وتؤمل حكم سلٌمان به للصؽرى، وقد أقرت به للكبرى تجد تحته: أن الإقرار إذا ظهرت أمارات كذبه، وبطلبنه، لم ٌلتفت إلٌه، ولم ٌحكم به على المقر، وكان وجوده كعدمه. وهذا هو الحق الذى لا ٌجوز الحكم بؽٌره. وكذلك إذا ؼلط المقر، أو أخطؤ أو نسى، أو أقر بما لا ٌعرؾ مضمونه. لم ٌإاخذ بذلك الإقرار، ولم ٌحكم به علٌه، كما لو أقر مكرها. والله تعالى رفع المإاخذة بلؽو الٌمٌن، لكون الحلؾ لم ٌقصد موجبها. وأخبر أنه إنما ٌإاخذ بكسب القلب، والؽالط والمخطا والناسى والجاهل والمكره، لم ٌكسب قلبه ما أقر به أو حلؾ علٌه، فلب ٌإاخذ به. والمقصود: أن الزوج المظلوم المدعى علٌه دعوى كاذبة ظالمة: بؤنه ترك النفقة والكسوة تلك السنٌن كلها، أو مدة مقامها عنده، إذا تبٌن كذب المرأة فى دعواها، لم ٌجز للحاكم سماعها فضلبً عن مطالبته برد الجواب. فله طرق فى التخلص من هذه الدعوى. أحدها: أن ٌقول: كٌؾ ٌسوغ سماع دعوى تكذبها العادة والعرؾ، ومشاهدة الجٌران؟. الثانى: أن ٌقول للحاكم: سلها: من كان ٌنفق علٌها، وٌكسوها فى هذه المدة؟. 2/67) ________________________________________ فإن ادعت أن ؼٌره كان ٌإدى ذلك عنه، لم تسمع دعواها، وكانت الدعوى لذلك الؽٌر. ولا ٌقبل قولها على الزوج إن ؼٌره قام بهذا الواجب عنه. وهذا مما لا خفاء به، ولا إشكال فٌه. وإن قالت: أنا كنت أنفق على نفسى. قال الزوج: سلها: هل كانت هى التى كانت تدخل وتخرج تشترى الطعام والإدام؟ فإن قالت: نعم، ظهر كذبها ولا سٌما إن كانت من ذوات الشرؾ والأقدار.
عدد الصفحات ٢٣٧238 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وإن قالت: كنت أوكل ؼٌرى فى ذلك، ألزمت ببٌانه، وإلا ظهر كذبها وظلمها وعدوانها. وكانت معاونتها على ذلك معاونة على الإثم والعدوان. فإن أعوز الزوج حاكم عالم متحر للحق لا تؤخذه فٌه لومة لابم، فلٌعدل إلى التحٌ ل بالخلبص بما ٌبطل دعواها الكاذبة، إما بؤن ٌجحد استحقاقها لما ادعت به، ولا ٌعدل إلى الجواب المفصل، فتحتاج هى إلى إقامة البٌنة على سبب الاستحقاق. وقد ٌتعذر أو ٌتعسر علٌها ذلك. فإن أحضرت الصداق وأقامت البٌنة، فإن كانت لم تنتقل معه إلى داره، جحد تسلٌمها إلٌه، والقول قوله إذا لم تكن معه فى منزله. فإن كانت قد انتقلت معه إلى منزله وادعى نشوزها تلك المدة، وأمكنه إقامة البٌنة بذلك، سقطت نفقتها فى مدة النشوز. وإن لم ٌمكنه إقامة البٌنة، وادعى عدم تمكٌنها له من الوطء، وادعت أنها مكنته فالقول قوله، لأن الأصل عدم التمكٌن، وهذا ؼٌر دعواه النشوز فإن النشوز هو العصٌان، والأصل عدمه، وهذا إنكار لاستٌفاء حقه، والأصل عدمه فتؤمله. فإن كان له منها ولد لم ٌمكنه هذا الإنكار. ومتى أحس بالشر والمكر احتال، بؤن ٌخبا شاهدى عدل، بحٌث ٌسمعان كلبمها، ولا تراهما، ثم ٌدفع إلٌها مالا، أو ترضى به، وٌتلطؾ بها، ثم ٌقول: أرٌد أن ٌجعل كل منا صاحبه فى حل حتى تطٌب أنفسنا، ولعل الموت ٌؤتى بؽتة، ونحو ذلك من الكلبم. وإن أمكنه أن ٌستنطقها بؤنها لا تستحق علٌه إلى ذلك الوقت نفقة ولا كسوة، وأنه 2/68) ________________________________________ ٌرضٌها من الآن، وٌدفع إلٌها ما ترضى به كان أقوى. ثم ٌؤخذ خط الشاهدٌن بذلك، وٌكتمه منها. فإن أعجله الأمر عن ذلك، وأمكنه المبادرة برفعها إلى حاكم مالكى، أو حنفى بادر إلى ذلك. وبالجملة فالحازم من ٌستعد لحٌلهن، وٌعد لها حٌلب ٌتخلص بها منها، وهذا لا بؤس به، ولا إثم فٌه، ولا فى تعلٌمه، فإن فٌه تخلٌص المظلوم، وإؼاثة الملهوؾ، وإخزاء الظالم المعتدى. والله الموفق للصواب. وإنما أطلنا الكلبم فى هذا المثال، لشدة حاجة الناس إلى ذلك، ولعموم البلوى، وكثرة الفجور، وانتشار الضرر بتمكٌن المرأة من هذه الدعوى وسماعها، وجعل القول قولها، وفى ذلك كفاٌة، وإلا فهى تحتمل أكثر من ذلك. فصل والمقصود بهذه الأمثلة وأضعافها، مما لم نذكره: أن الله سبحانه أؼنانا بما شرعه لنا من الحنٌفٌة السمحة، وما ٌسره من الدٌن على لسان رسوله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم وسهله للؤمة عن الدخول فى الآصار والأؼلبل، وعن ارتكاب طرق المكر والخداع، والاحتٌال، كما أؼنانا عن كل باطل ومحرم وضار، بما هو أنفع لنا منه من الحق، والمباح النافع. فؤؼنانا بؤعٌاد الإسلبم عن أعٌاد الكفار والمشركٌن من أهل الكتاب والمجوس والصاببٌن وعبدة الأصنام. وأؼنانا بوجوه التجارات والمكاسب الحلبل عن الربا والمٌسر والقمار. وأؼنانا بنكاح ما طاب لنا من النساء مثنى وثلبث ورباع، والتسر ى بما شبنا من الإماء، عن الزنا والفواحش. وأؼنانا بؤنواع الأشربة اللذٌذة، النافعة للقلب والبدن، عن الأشربة الخبٌثة المسكرة المذهبة للعقل والدٌن. وأؼنانا بؤنواع الملببس الفاخرة: من الكتان، والقطن، والصوؾ، عن الملببس 2/69) ________________________________________ المحرمة من الحرٌر والذهب. وأؼنانا عن سماع الأبٌات وقرآن الشٌطان بسماع الآٌات وكلبم الرحمن. وأؼنانا عن الاستقسام بالأزلام، طلبا لما هو خٌر وأنفع لنا باستخارته التى هى توحٌد وتفوٌض واستعانة وتوكل. وأؼنانا عن طلب التنافس فى الدنٌا وعاجلها بما أحبه لنا وندبنا إلٌه من التنافس فى الآخرة، وما أعد لنا فٌها، وأباح الحسد فى ذلك. وأؼنانا به عن الحسد على الدنٌا وشهواتها. وأؼنانا بالفرح بفضله ورحمته، وهما القرآن والإٌمان، عن الفرح بما
عدد الصفحات ٢٣٨239 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي ٌجمعه أهل الدنٌا من المتاع، والعقار، والأثمان، فقال تعالى{ :قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمتِهِ فَبِذلِكَ فَلٌَْفْرَحُوا هُوَ خٌَْر مِم ا ٌَجْمَعُونَ [ }ٌونس: 58] . وأؼنانا بالتكبر على أعداء الله تعالى، وإظهار الفخر والخٌلبء لهم، عن التكبر على أولٌاء الله تعالى والفخر والخٌلبء علٌهم، فقال صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم لمن رآه ٌتبختر بٌن الصفٌن: "إِنّهَا لَمِشٌَْة ٌَبْؽَضُهَا اللهُ إِلا فى مِثْلِ هذَا المَوْطِنِ ." وأؼنانا بالفروسٌة الإٌمانٌة والشجاعة الإسلبمٌة التى تؤثٌرها فى الؽضب على أعدابه ونصرة دٌنه، عن الفروسٌة الشٌطانٌة التى ٌبعث علٌها الهوى وحمٌة الجاهلٌة. 2/70) ________________________________________ وأؼنانا بالخلوة الشرعٌة حال الاعتكاؾ، عن الخلوة البدعٌة التى ٌترك لها الحج والجهاد والجمعة والجماعة. وكذلك أؼنانا بالطرق الشرعٌة عن طرق أهل المكر والاحتٌال. فلب تشتد حاجة الأمة إلى شا إلا وفٌما جاء به الرسول صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم ما ٌقتضى إباحته وتوسعته، بحٌث لا ٌحوجهم فٌه إلى مكر واحتٌال، ولا ٌلزمهم الآصار والأؼلبل، فلب هذا من دٌنه، ولا هذا. كما أؼنانا بالبراهٌن والآٌات التى أرشد إلٌها القرآن عن الطرق المتكلفة المتعسفة المعقدة، التى باطلها أضعاؾ حقها: من الطرق الكلبمٌة، التى الصحٌح منها كلحم جمل ؼث على رأس جبل وعر، لا سهل فٌرتقى ولا سمٌن فٌنتقل. ونحن نعلم علما لا نشك فٌه أن الحٌل التى تتضمن تحلٌل ما حرمه الله تعالى، وإسقاط ما أوجبه لو كانت جابزة لسنها الله سبحانه. وندب إلٌها، لما فٌها من التوسعة، والفرج للمكروب، والإؼاثة للملهوؾ، كما ندب إلى الإصلبح بٌن الخصمٌن. وقد قال المبعوث بالحنٌفٌة السمحة صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "مَا تَرَكْتُ مِنْ شَاْ ٌُقَرِّبُكُمْ إِلَى الْجَنّةِ إلا وَقَدْ حَد ثْتُكُمْ بِهِ، وَلا تَرَكْتُ مِنْ شَاْ ٌُبْعِدُكُمْ عَنِ الن ارِ إِلا وَقَدْ حَد ثْتُكُمْ بِهِ، وَتَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبٌَْضَاءِ لٌَْلُهَا كَنَهَارِهَا، لا ٌَزٌِػُ عَنْهَا بَعْدِى إلا هَالِك ." فهلب ندب النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم إلى الحٌل، وحض علٌها، كما حض على إصلبح ذات البٌن؟ بل لم ٌزل ٌحذر من الخداع، والمكر، والنفاق، ومشابهة أهل الكتاب باستحلبل محارمه بؤدنى الحٌل. ولو كان مقصود الشارع إباحة تلك المحرمات التى رتب علٌها أنواع الذم والعقوبات وسد الذرابع الموصلة إلٌها لم ٌحرمها ابتداء، ولا رتب علٌها العقوبة، ولا سد الذرابع إلٌها. ولكان ترك أبوابها مفتحة أسهل من المبالؽة فى ؼلقها وسدها، ثم ٌفتح لها أنواع الحٌل، حتى ٌنقب المحتال علٌها من كل ناحٌة. فهذا مما تصان عنه الشرابع، فضلب عن أكملها شرٌعة وأفضلها دٌنا. 2/71) ________________________________________ وقد قدمنا أن الضرر والمفاسد الحاصلة من تلك المحرمات لا ٌزول بالاحتٌال والتنقٌب علٌها، بل تقوى وتشتد مفاسدها. فصل إذا عرؾ هذا. فالطرق التى تتضمن نفع المسلمٌن، والذب عن الدٌن، ونصر المظلومٌن، وإؼاثة الملهوفٌن، ومعارضة المحتالٌن بالباطل لٌدحضوا به الحق، من أنفع الطرق، وأجلها علماً وعملبً وتعلٌما. فٌجوز للرجل أن ٌظهر قولاً أو فعلبً مقصوده به مقصود صالح، وإن ظن الناس أنه قصد به ؼٌر ما قصد به، إذا كان فٌه مصلحة دٌنٌة، مثل دفع ظلم عن نفسه أو عن مسلم، أو معاهد، أو نصرة حق، أو إبطال باطل، من حٌلة محرمة، أو ؼٌرها، أو دفع الكفار عن المسلمٌن أو التوصل إلى تنفٌذ أمر الله تعالى ورسوله. فكل هذه طرق جابزة أو مستحبة، أو واجبة. وإنما المحرم: أن ٌقصد بالعقود الشرعٌة ؼٌر ما شرعت له، فٌصٌر مخادعاً له، فهذا مخادع لله ورسوله، وذلك مخادع للكفار والفجار، والظلمة، وأرباب المكر والاحتٌال.
عدد الصفحات ٢٣٩زة أو مستحبة، أو واجبة. وإنما المحرم: أن ٌقصد بالعقود الشرعٌة ؼٌر ما شرعت له، فٌصٌر مخادعاً له، فهذا مخادع لله ورسوله، وذلك مخادع للكفار والفجار، والظلمة، وأرباب المكر والاحتٌال. فبٌن هذا الخداع وذاك الخداع من الفرق كما بٌن البر
عدد الصفحات ٢٣٩240 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي والإثم، والعدل والظلم، والطاعة والمعصٌة، فؤٌن من قصده إظهار دٌن الله تعالى، ونصر المظلوم، وكسر الظالم إلى من قصده ضد ذلك؟. إذا عرؾ هذا، فنقول: الحٌل أقسام: أحدها: الطرق الخفٌة التى ٌتوصل بها إلى ما هو محرم فى نفسه، فمتى كان المقصود بها محرماً فى نفسه، فهى حرام باتفاق المسلمٌن، وصاحبها فاجر ظالم آثم. وذلك كالتحٌل على هلبك النفوس. وأخذ الأموال المعصومة، وفساد ذات البٌن، وحٌل الشٌاطٌن على إؼواء بنى آدم، وحٌل المخادعٌن بالباطل على إدحاض الحق، وإظهار الباطل فى الخصومات الدٌنٌة والدنٌوٌة. فكل ما هو محرم فى نفسه، فالتوصل إلٌه محرم بالطرق الظاهرة والخفٌة، بل التوصل إلٌه بالطرق الخفٌة أعظم إثما، وأكبر عقوبة، فإن 2/72) ________________________________________ أذى المخادع وشره ٌصل إلى المظلوم من حٌث لا ٌشعر، ولا ٌمكنه الاحتراز عنه، ولهذا قطع السارق دون المنتهب والمختلس. ومن هذا: رأى مالك ومن وافقه: أن القاتل ؼٌلة ٌقتل، وإن قتل من لا ٌكافبه، لمفسدة فعله، وعدم إمكان التحرز منه. ومن هذا: رأى عبد الله بن الزبٌر: قطع ٌد الز ؼلى، لعظم ضرره على الأموال، وعدم إمكان التحرز منه، فهو أولى بالقطع من السارق، وقوله قوى جداً . ومن هذا رأى الأمام أحمد قطع ٌد جاحد العارٌة، لأنه لا ٌمكن الاحتراز منه، بخلبؾ جاحد الودٌعة فإنه هو الذى ابتمنه. والعمدة فى ذلك على السنة الصحٌحة التى لا معارض لها. والقصد: أن التوصل إلى الحرام حرام، سواء توصل إلٌه بحٌلة خفٌة أو بؤمر ظاهر. وهذا النوع من الحٌل ٌنقسم قسمٌن: أحدهما: ما ٌظهر فٌه أن مقصود صاحبه الشر والظلم كحٌل اللصوص، والظلمة والخونة. والثانى: ما لا ٌظهر ذلك فٌه، بل ٌظهر المحتال أن قصده الخٌر، ومقصوده الظلم والبؽى، مثل إقرار المرٌض لوارث لا شا له عنده، قصداً لتخصٌصه بالمقر به، أو إقراره بوارث، وهو ؼٌر وارث، إضرارا بالورثة وهذا حرام باتفاق الأمة، وتعلٌمه لمن ٌفعله حرام، والشهادة علٌه حرام، إذا علم الشاهد صورة الحال. والحكم بموجب ذلك حكم باطل حرام ٌؤثم به الحاكم باتفاق المسلمٌن. إذا علم صورة الحال، فهذه الحٌلة فى نفسها محرمة، لأنها كذب وزور، والمقصود بها محرم، لكونه ظلما وعدواناً . ولكن لما أمكن أن ٌكون صدقا اختلؾ العلماء فى إقرار المرٌض لوارث، هل هو باطل، سدا للذرٌعة، وردا للئقرار الذى صادؾ حق الورثة فٌما هو متهم فٌه، لأنه شهادة على نفسه فٌما تعلق به حقهم، فٌرد للتهمة، كالشهادة على ؼٌره، أو هو مقبول، إحسانا للظن بالمقر، ولا سٌما عند الخاتمة؟. ومن هذا الباب: احتٌال المرأة على فسخ نكاح الزوج، مع إمساكه بالمعروؾ، بإنكارها الإذن للولى، أو إساءة عشرة الزوج، ونحو ذلك. 2/73) ________________________________________ واحتٌال البابع على فسخ البٌع، بدعواه أنه كان محجوراً علٌه. واحتٌال المشترى على الفسخ بؤنه لم ٌر المبٌع. واحتٌال المإجر على المستؤجر فى فسخ الإجارة. أو احتٌال المستؤجر علٌه بؤنه استؤجر ما لم ٌره. واحتٌال الراهن على المرتهن فى فسخ الرهن، بؤن ٌظهر أنه آجره قبل الرهن، أو كان رهنه عند زوجته، أو أمته، ونحو ذلك. فهذا النوع لا ٌسترٌب أحد أنه من كبابر الإثم، وهو من أقبح المحرمات، وهو بمنزلة لحم خنزٌر مٌت حرام، وأنه فى نفسه معصٌة، لتضمنه الكذب والزور. ومن جهة تضمنه إبطال الحق، وإثبات الباطل. القسم الثالث: ما هو مباح فى نفسه، لكن بقصد المحرم صار حراماً، كالسفر لقطع الطرٌق، ونحو ذلك، فهاهنا المقصود حرام، والوسٌلة فى نفسها ؼٌر محرمة، لكن لما توسل بها إلى الحرام صارت حراما.
عدد الصفحات ٢٤٠241 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي القسم الرابع: أن ٌقصد بالحٌلة أخذ حق، أو دفع باطل، لكن تكون الطرٌق إلى حصول ذلك محرمة. مثل أن ٌكون له على رجل حق فٌجحده، فٌقٌم شاهدٌن لا ٌعرفان ؼرٌمه، ولم ٌرٌاه ٌشهدان له بما ادعاه. فهذا محرم أٌضاً، وهو عند الله تعالى عظٌم، لأن الشاهدٌن ٌشهدان بالزور، وشهادة الزور من الكبابر. وقد حملهما على ذلك. وكذلك لو كان له عند رجل دٌن فٌجحده إٌاه. وله عنده ودٌعة فجحد الودٌعة، وحلؾ أنه لم ٌودعه، أو كان له على رجل دٌن لا بٌنة له به. ودٌن آخر به بٌنه، لكنه اقتضاه منه، فٌدعى هذا الدٌن. وٌقٌم به بٌنة. وٌنكر الاستٌفاء. أو ٌكون قد اشترى منه شٌباً، فظهر به عٌب تلؾ المبٌع به، فادعى علٌه بثمنه، فؤنكر أصل العقد. وأنه لم ٌشتر منه شٌباً، أو تزوج امرأة فؤنفق علٌها مدة طوٌلة. فادعت علٌه أنه لم ٌنفق علٌها شٌبا، فجحد نكاحها بالكلٌة. فهذا حرام أٌضاً لأنه كذب. ولاسٌما إن حلؾ علٌه. ولكن لو تؤول فى ٌمٌنه لم ٌكن به بؤس فإنه مظلوم. 2/74) ________________________________________ فإن قٌل: فما تقولون لو عامله معاملة ربا، فقبض رأس ماله، ثم ادعى علٌه بالزٌادة المحرمة، هل ٌسوغُ له أن ٌنكر المعاملة أو ٌحلؾ علٌها؟. قٌل: ٌسوغ له الحلؾ على عدم استحقاقها، وأن دعواها دعوى باطلة، فلو لم ٌقبل منه الحاكم هذا الجواب ساغ له التؤوٌل فى الٌمٌن، لأنه مظلوم، ولا ٌسوغُ له الإنكارُ والحلؾ من ؼٌر تؤوٌل، لأنه كذب صرٌح. فلٌس له أن ٌقابل الفجور بمثله، كما أنه لٌس له أن ٌكذب على من كذب علٌه، أو ٌقذؾ من قذفه، أو ٌَفجُر بزوجةِ من فَجَر بزوجته، أو بابنة من فَجر بابْنته. فإن قٌل: فما تقولون فى مسؤلة الظفر؟ هل هى من هذا الباب، أو من القصاص المباح؟. قٌل: قد اختلؾ الفقهاء فٌها على خمسة أقوال: أحدها: أنها من هذا الباب، وأنه لٌس له أن ٌخون من خانه. ولا ٌجحد من جحده. ولا ٌؽصب من ؼصبه. وهذا ظاهر مذهب أحمد ومالك. والثانى: ٌجوز له أن ٌَسْتَوْفى قدر حقه، إذا ظفر بجنسه أو ؼٌر جنسه. وفى ؼٌر الجنس ٌدفعه إلى الحاكم ٌبٌعه وٌستوفى ثمنه منه. وهذا قول أصحاب الشافعى. والثالث: ٌجوز له أن ٌستوفى قدر حقه، إذا ظفر بجنس ماله. ولٌس له أن ٌؤخذ من ؼٌر الجنس. وهذا قول أصحاب أبى حنٌفة. والرابع: أنه إن كان علٌه دٌن لؽٌره لم ٌكن له الأخذ، وإن لم ٌكن علٌه دٌن فله الأخذ. وهذا إحدى الرواٌتٌن عن مالك. والخامس: أنه إن كان سبب الحق ظاهراً، كالنكاح، والقرابة، وحق الضٌؾ، جاز للمستحق الأخذ بقدر حقه، كما أذن فٌه النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم لهند. "أَنْ تَؤْخُذَ مِنْ مَالِ أَبى سُفٌَْانَ مَا ٌَكْفٌِهَا وٌََكْفِى بَنٌِهَا." وكما أذن لمن نزل بقوم ولم ٌُضٌَفِّوه أن ٌُعْقِبَهم 2/75) ________________________________________ فى مالهم بمثل قِراه كما فى الصحٌحٌن عن عُقْبة بن عامر قال: "قُلْتُ لِلن ب ى صلى اللهُ تعالى علٌه وآله وسلم: إنّكَ تَبْعَثَنُا فَنَنْزِلُ بِقَوْم لا ٌُقْرُونَا فمَا تَرَى؟ فَقَالَ لَنَا: إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْم فَؤَمِرُوا لَكُمْ بَما ٌَنْبَؽِى لِضٌ ؾِ فَاقْبَلْوا، وَإِنْ لَمْ ٌَفْعَلوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَق الض ٌُؾِ ال ذِى ٌَنْبَؽِى لَهُمْ ." وفى المسند من حدٌث المقْدام أبى كرٌمة أنه سمع النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم ٌقول: "مَنْ نَزَلَ بِقَوْم فَعَلٌَْهِمْ أَنْ ٌُقْرُوهُ، فَإِنْ لَمْ ٌُقْرُوهُ فله أَنْ ٌُعْقِبَهُمْ بمِثْلِ قِرَاهُ ." وفى المسند لأحمد أٌضاً من حدٌث أبى هرٌرة رضى الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "أٌَ مَا ضٌَْؾ نَزَلَ بِقَوْ م فؤَصْبَحَ الضٌّْؾُ مَحْرُوماً، فَلهُ أَنْ ٌَؤْخُذَ بِقَدْرِ قِرَاهُ، وَلا حَرَجَ عَلٌَْهِ ."
عدد الصفحات ٢٤١عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "أٌَ مَا ضٌَْؾ نَزَلَ بِقَوْ م فؤَصْبَحَ الضٌّْؾُ مَحْرُوماً، فَلهُ أَنْ ٌَؤْخُذَ بِقَدْرِ قِرَاهُ، وَلا حَرَجَ عَلٌَْهِ ." وإن كان سبب الحق خفٌا، بحٌث ٌتهم بالأخذ وٌنسب إلى الخٌانة ظاهراً، لم ٌكن له 2/76)
عدد الصفحات ٢٤١242 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي ________________________________________ الأخذ وتعرٌض نفسه للتهمة والخٌانة وإن كان فى الباطن آخذا حقه. كما أنه لٌس له أن ٌتعرض للتهمة التى تُسلط الناس على عرضه، وإن اد عى أنه محق ؼٌر متهم. وهذا القول أصح الأقوال وأسد ها، وأوفقها لقواعد الشرٌعة وأصولها، وبه تجتمع الأحادٌث. فإنه قد روى أبو داود فى سننه من حدٌث ٌوسؾ بن ماهك قال: "كنت أكتب لفلبن نفقه أٌتام كان ولٌهم، فؽالطوه بؤلؾ درهم، فؤداها إلٌهم، فؤدركت له من أموالهم مثلها، فقلت: اقبض الألؾ الذى ذهبوا به منك، قال: لا حَدّثَنى أَبى أَنّهُ سَمِعَ رَسُول اللهِ صلى الله تعالى علٌه وآله وسلمَ ٌَقُولُ : " أَدِّ الأَمَانَةَ إلى مَنِ اُبْتَ مَنَكَ، وَلا تخُنْ مَنْ خَانَكَ ." وهذا، وإن كان فى حكم المنقطع، فإن له شاهدا من وجه آخر، وهو حدٌث طلْق بن ؼنام: أخبرنا شرٌك وقٌس عن أبى حصٌن عن أبى صالح عن أبى هرٌرة رضى الله عنه أن النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم قال: "أدّ الأمانة إلى من ابتمنك، ولا تخن من خانك" وقٌس هو ابن الربٌع، وشرٌك ثقة، وقد قوى حدٌثه بمتابعة قٌس له، وإن كان فٌه ضعؾ. وله شاهد آخر من حدٌث أٌوب بن سوٌد عن ابن شوذب عن أبى التٌاح عن أنس رضى الله عنه عن النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم نحوه، وأٌوب بن سوٌد - وإن كان فٌه ضعؾ - فحدٌثه ٌصلح للبستشهاد به. وله شاهد آخر، وإن كان فٌه ضعؾ، فهو ٌقوى بانضمام هذه الأحادٌث إلٌه. رواه ٌحٌى بن أٌوب عن إسحاق بن أسٌد عن أبى حفص الدمشقى عن مكحول: أن رجلب قال لأبى أمامة الباهلى: "الر جُلُ أَسْتَوْدِعُهُ الوَدٌِعَةَ، أَوْ ٌَكُونُ لِى عَلٌَْهِ دٌَْن ، فَ ٌَجْحَدُنِى، ثُم ٌَسْتَوْدِعُنِى أو ٌَكُونَ لَهُ عِنْدِى الشًء، أَفؤَجْحَدُهُ؟ فَقَالَ : لا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ تعالى علٌهِ وآله وسلمَ ٌقُولُ : أَدِّ الأمَانَةَ إلَى مَنِ ابْتَمَنَكَ، وَلا تخُنْ مَنْ خَانَكَ ." وله شاهد آخر مرسل. قال ٌحٌى بن أٌوب: عن ابن جرٌج عن الحسن عن النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "أَدِّ الأمَانَةَ إلَى مَنِ ابْتَمَنَكَ، وَلا تخُنْ مَنْ خَانَكَ ." وله شاهد. آخر. وهو ما رواه الترمذى من حدٌث مالك بن نضله قال: "قُلْتُ : ٌَا رَسُولَ اللهِ، 2/77) ________________________________________ الر جُلُ أَمُر بهِ فَلب ٌُقْرٌِنِى، وَلا ٌُضٌَِّفُنِى. فٌََمُر بى، أفؤَجْزٌهِ؟ قَالَ : لا، أَقْرِهِ ." قال الترمذى: هذا الحدٌث حسن صحٌح. وله شاهد آخر. وهو ما رواه أبو داود من حدٌث بِشر بن الخصاصٌة، قال: "قُلْتُ : ٌَا رَسُولَ اللهِ، إن أهْ لَ الصّدَقَةِ ٌَعْتَدُونَ عَلٌَْنَا، أَفَنَكْتُمُ مِنْ أَمْوَالِنَا بِقَدْرِ مَا ٌعْتَدُونَ عَلٌَْنَا؟ فَقَالَ : لا." وله شاهد آخر من حدٌث بشر هذا أٌضاً : "قُلْتُ : ٌَا رَسُولَ اللهِ، إِن لَنَا جٌِرَاناً لا ٌَدَعُونَ لَنَا شَاذّةً، وَلا فَاذّةً إلا أَخَذُوهَا فإِذَا قَدَرْنَا لَهُمْ عَلَى شَا أَنؤْخُذُهُ؟ فَقَالَ : أَدِّ الأمَانَة إلى مَنِ ابْتَمَنكَ وَلا تخُنْ مَنْ خَانَك." ذكره شٌخنا فى كتاب إبطال التحلٌل. فهذه الآثار، مع تعدد طرقها واختلبؾ مخارجها، ٌشد بعضها بعضاً، ولا ٌشبه الأخذ فٌها الأخذ فى الموضعٌن اللذٌن أباح رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم فٌهما الأخذ لظهور سبب الحق، فلب ٌُنسب الآخذ إلى الخٌانة، ولا ٌتطرق إلٌه تهمة، ولتعسر الشكوى فى ذلك إلى الحاكم، وإثبات الحق والمطالبة به والذٌن جوزوه ٌقولون: إذا أخذ قدر حقه من ؼٌر زٌادة، لم ٌكن ذلك خٌانة، فإن الخٌانة أخذ ما لا ٌحل له أخذه، وهذا ضعٌؾ جداً، فإنه ٌبطل فابدة الحدٌث. فإنه قال: "ولا تَخُنْ مَنْ خانَكَ " فجعل مقابلته له خٌانة، ونهاه عنها، فالحدٌث نص، بعد صحته.
عدد الصفحات ٢٤٢لك خٌانة، فإن الخٌانة أخذ ما لا ٌحل له أخذه، وهذا ضعٌؾ جداً، فإنه ٌبطل فابدة الحدٌث. فإنه قال: "ولا تَخُنْ مَنْ خانَكَ " فجعل مقابلته له خٌانة، ونهاه عنها، فالحدٌث نص، بعد صحته. فإن قٌل: فهلب جعلتموه مستوفٌاً لحقه بنفسه، إذ عجز عن استٌفابه بالحاكم، كالمؽصوب ماله. إذا رآه فى ٌد الؽاصب، وقدر على أخذه منه قهراً؟ فهل تقولون: إنه لا ٌحل له أخذ عٌن ماله، وهو ٌشاهده فى ٌد الظالم المعتدى؟ ولا ٌحل له إخراجه من داره وأرضه؟.
عدد الصفحات ٢٤٢