1 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي المختصر القٌم لثرات ابن القٌم اختزال وتوضٌب الباحث:عبدالرؤوف البٌضاوي المجلد الأول
عدد الصفحات ١2 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي المختصر القٌم لثرات ابن القٌم اختزال وتوضٌب الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي التعرٌف بالمؤلف المختصر: أبومجد عبدالرؤوف ابن محمد ابن عٌسى (أبوعدنان البٌضاوي), المزداد فً 10 رمضان1374 هجرٌة الموافق ل 13 ماي1954 م, بمدٌنة الدارالبٌضاء المؽرب. حاصل على الإجازة فً الحقوق 1978م ,دارس للشرٌعة الإسلبمٌة بكلٌة الشرٌعة بالمحمدٌة ولاٌة الدارالبٌضاء الكبرى 1994محاصل على دبلوم أكادٌمٌة زاد للعلوم (الشرٌعة الإسلبمٌة) 2016 – 2018, طالب بؤكادٌمٌة الحدٌث 2018 م , صاحب مكتبة إلكترونٌة لتوضٌب مجلدات وكتب لعلماء ربانٌٌن, باسم مكتبة الباحث والمإلؾ عبدالرإوؾ البٌضاوي ( موقع روح الإسلبم وموقع المشكاة...), متابع لدروس علماء المنهج التعلٌلً. نبذة عن حٌاة الشٌخ ابن قٌم الجوزٌة هو : أبو عبد الله شمس الدٌن محمد بن أبً بكر بن أٌوب بن سعد بن حرٌز الزرعً (696هـ - 756هـ/6191م - 6551م) المشهور باسم "ابن قٌم الجوزٌة" أو "ابن القٌم". هو فقٌه ومحدث ومفسر وعالم مسلم مجتهد وواحد من أبرز أبمة المذهب الحنبلً فً النصؾ الأول من القرن الثامن الهجري. نشؤ ابن القٌم حنبلً المذهب؛ فقد كان والده "أبو بكر بن أٌوب الزرعً" قٌمًا على "المدرسة الجوزٌة الحنبلٌة"، وعندما شب واتصل بشٌخه ابن تٌمٌة حصل تحول بحٌاته العلمٌة، فؤصبح لا ٌلتزم فً آرابه وفتاوٌه بما جاء فً المذهب الحنبلً إلا عن اقتناع وموافقة الدلٌل من الكتاب والسنة ثم على آراء الصحابة وآثار السلؾ، ولهذا ٌعتبره العلماء أحد المجتهدٌن. وُلد ابن القٌم سنة 696 هـ المُوافقة لسنة 6191م، فنشؤ فً مدٌنة دمشق، واتجه لطلب العلم فً سن مبكرة، فؤخذ عن عدد كبٌر من الشٌوخ فً مختلؾ العلوم منها التفسٌر والحدٌث والفقه والعربٌة، وقد كان ابن تٌمٌة أحد أبرز شٌوخه حٌث التقى به فً سنة 761هـ/6565م، فلبزمه حتى وفاته فً سنة 718هـ/6518م، فؤخذ عنه علمًا جمًا واتسع مذهبه ونصره وهذب كتبه، وقد كانت مدة ملبزمته له سبعة عشر عامًا تقرٌبًا. وقد تولى ابن قٌم الجوزٌة الإمامة فً "المدرسة الجوزٌة"، والتدرٌس فً "المدرسة الصدرٌة" فً سنة 745هـ. سُجن ابن القٌم مع ابن تٌمٌة فً شهر شعبان سنة 716هـ/6516م بسبب إنكاره لشد الرحال لزٌارة القبور، وأوذي بسبب هذا فقد ضُرب بالدرة وشُهِّر به على حمار. وأفرج عنه فً ٌوم 11 ذو الحجة سنة 718هـ وكان ذلك بعد وفاة ابن تٌمٌة بمدة. وٌذكر المإرخون أنه قد جرت له مشاكل مع القضاة منها فً شهر ربٌع الأول سنة 746هـ بسبب فتواه بجواز إجراء السباق بٌن الخٌل بؽٌر مُحَلِّل. وكذلك حصلت له مشاكل مع القضاة بسبب فتواه بمسؤلة أن الطلبق الثلبث بكلمة واحدة ٌقع طلقة واحدة. وتوفً فً 65 رجب سنة 756هـ وعمره ستون سنة، ودُفن بمقبرة الباب الصؽٌر بدمشق. سار ابن القٌم على نهج شٌخه ابن تٌمٌة فً العقٌدة، كما كان له آراء خاصة فً الفقه وأصوله ومصطلح الحدٌث وؼٌر ذلك من المسابل. واشتهر بمإلفاته فً العقٌدة والفقه والتفسٌر والتزكٌة والنحو بالإضافة إلى القصابد الشعرٌة.
عدد الصفحات ٢3 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي كان لابن قٌم الجوزٌة تؤثٌر كبٌر فً عصره فٌشٌر المإرخون إلى أخْذ الكثٌرٌن العلم على ٌدٌه. وكذلك برز أثره إلى جانب شٌخه ابن تٌمٌة فً أماكن متفرقة من العالم الإسلبمً فً وقت لاحق، فكانت حركة محمد بن عبد الوهاب التً ظهرت فً القرن الثانً عشر الهجري امتداداً لدعوة ابن تٌمٌة، وكان محمد بن عبد الوهاب ٌعتنً اعتناء كاملبً بكتبه وكتب ابن القٌم، وكذلك الحال بالنسبة لمحمد رشٌد رضا. وفً شبه القارة الهندٌة برز أثر كتبهما أٌضًا فً عدٌد من طلبة العلم ونُشرت كتبهما على أٌدي العلماء هناك. ألؾ ابن قٌم الجوزٌة العدٌد من المصنفات، واشتهرت مصنفاته شهرةً كبٌرة، ٌقول ابن حجر العسقلبنً« :وكل تصانٌفه مرؼوب فٌها بٌن الطوابؾ»[.6 ]وكان تصنٌفه فً أنواع مختلفة من العلوم الإسلبمٌة، ٌقول ابن رجب الحنبلً« :وصنؾ تصانٌؾ كثٌرة جداً فً أنواع العلم»[.1 ]وقد عد ها بكر بن عبد الله أبو زٌد 98 مإلفًا[.5[]4[]5 ] وٌذكر بكر أبو زٌد أن بعض كتبه فقدت وتعرضت للحرق من قِبل مناإٌه[.6] كان ابن القٌم ٌهتم بذكر مصادره التً ٌستقً منها، وقد تنوعت مصادره فً مإلفاته،[7 ]كان أكثرها من كتب الحدٌث من الصحاح والسنن والمسانٌد والمعاجم، كما أكثر من النقل عن ابن أبً الدنٌا وابن عبد البر وابن قدامة وآل تٌمٌة. وعادة ما ٌذكر اسم المإلؾ بدون ذكر اسم الكتاب الذي ٌنقل عنه كما جرت عادة العلماء المتقدمٌن. وكان ٌُدقق ما ٌنقله حتى ٌراجع النسخ المختلفة من الكتاب الواحد عندما ٌقتضً الأمر ذلك، قال مرة فً حدٌث[:8« ]وهذا فً جمٌع نسخ كتاب النسابً هكذا» .وٌقول فً حدٌث آخر[:9« ]هذا الذي فً رواٌة اللإلإي عن أبً داود، وفً رواٌة ابن داسة عنه»[.7] كما كان ٌنقل عن شٌوخه خاصة ابن تٌمٌة وجمال الدٌن المزي،[4 ]ولم ٌكتؾ ابن القٌَِّم فً نقل مادته العلمٌة بالمصادر المكتوبة فقط، بل رُب مَا دَو نَ بعض المعلومات بطرٌق المشافهة والسماع. فٌقول مرة[:61« ]سؤلت شٌخنا عن سماع ٌزٌد بن عبد الله عن أبً هرٌرة؟» .وٌقول مرة أخرى[:66« ]قُرئَ على شٌخنا أبً الحجاج الحافظ فً (التهذٌب) وأنا أسمع»[.7]
عدد الصفحات ٣4 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي باب العقٌدة الكتاب: إغاثة اللهفان من مصاٌد الشٌطان المؤلف: محمد بن أبً بكر بن أٌوب بن سعد شمس الدٌن ابن قٌم الجوزٌة (المتوفى: 751هـ) المحقق: محمد حامد الفقً الجزء الأول مقدمة ... بسم الله الرحمن الرحٌم الحمد لله الذى ظهر لأولٌابه بنعوت جلبله، وأنار قلوبهم بمشاهدة صفات كماله، وتعرؾ إلٌهم بما أسداه إلٌهم من إنعامه وإفضاله، فعلموا أنه الواحد الأحد الفرد الصمد. الذى لا شرٌك له فى ذاته ولا صفاته ولا فى أفعاله، بل هو كما وصؾ به نفسه وفوق ما ٌصفه به أحد من خلقه فى إكثاره وإقلبله، لا ٌحصى أحد ثناء علٌه، بل هو كما أثنى على نفسه على لسان من أكرمهم بإرساله، الأول الذى لٌس قبله شا، والظاهر الذى لٌس فوقه شا، والباطن الذى لٌس دونه شا، ولا ٌحجب المخلوق عنه تستره بسر باله، الحى القٌوم، الواحد الأحد، الفرد الصمد، المنفرد بالبقاء، وكل مخلوق ٌنتهى إلى زواله، السمٌع الذى ٌسمع ضجٌج الأصوات باختلبؾ اللؽات على تفنن الحاجات، فلب ٌشؽله سمع عن سمع، ولا تؽلطه المسابل، ولا ٌتبرم بإلحاح الملحٌن فى سإاله، البصٌر الذى ٌرى دبٌب النملة السوداء على الصخرة الصماء فى اللٌلة الظلماء حٌث كانت من سهله أو جباله. وألطؾ من ذلك رإٌته لتقلب قلب عبده، ومشاهدته لاختلبؾ أحواله، فإن أقبل إلٌه تلقاه، وإنما إقبال العبد علٌه من إقباله، وإن أعرض عنه لم ٌكله إلى عدوه، ولم ٌدعه فى إهماله، بل ٌكون أرحم به من الوالدة بولدها، الرفٌقة به فى حمله ورضاعه وفصاله، فإن تاب فهو أفرح بتوبته من الفاقد لراحلته التى علٌها طعامه وشرابه فى الأرض الدوٌة المهلكة إذا وجدها وقد تهٌؤ لموته وانقطع أوصاله، وإن أصر على الإعراض، ولم ٌتعرض لأسباب الرحمة، بل أصر على العصٌان فى إدباره وإقباله، 1/3) ________________________________________ وصالح عدوه وقاطع سٌده، فقد استحق الهلبك، ولا ٌهلك على الله إلا الشقى الهالك لعظٌم رحمته وسعة إفضاله. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شرٌك له، إلها واحدا أحدا فردا صمدا، جل عن الأشباه والأمثال، وتقدس عن الأضداد والأنداد والشركاء والأشكال، لا مانع لما أعطى ولا معطى لما منع، ولا راد لحكمه ولا معقب لأمره{ :وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْم سُوءًا فَلبَ مَرَدّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مّن دُونِهِ مِن وَال [ }الرعد: 66] . وأشهد أن محمد عبده ورسوله القابم له بحقه، وأمٌنه على وحٌه وخٌرته من خلقه، أرسله رحمة للعالمٌن، وإماما للمتقٌن، وحسرة على الكافرٌن، وحجة على العباد أجمعٌن، بعثه على حٌن فترة من الرسل، فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح السبل. وافترض على العباد طاعته ومحبته، وتعظٌمه وتوقٌره والقٌام بحقوقه، وسد إلى جنته جمٌع الطرق فلم ٌفتح لأحد إلا من طرٌقه. فشرح له صدره، ووضح له عنه وزره، ورفع له ذكره، وجعل الذل والصؽار على من خالؾ أمره، وأقسم بحٌاته فى كتابه المبٌن وقرن اسمه باسمه، فلب ٌذكر إلا ذكر معه، كما فى التشهد والخطب والتؤذٌن. فلم ٌزل صلى الله علٌه وسلم قابما بؤمر الله لا ٌرجه عنه راد، مشمرا فى مرضاة الله لا ٌصده عن ذلك صاد، إلى أن أشرقت الدنٌا برسالته ضٌاء وابتهاجا، ودخل الناس فى دٌن الله أفواجا (أفواجا) ، وسارت دعوته مسٌر الشمس فى الأقطار، وبلػ دٌنه القٌم ما بلػ اللٌل والنهار، ثم استؤثر الله به لٌنجز له ما وعده به فى كتابه المبٌن، بعدم أ، بلػ رسالته، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد فى الله حق جهاده، وأقام الدٌن، وترك أمته على البٌضاء الواضحة البٌنة
عدد الصفحات ٤5 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي للسالكٌن. وقال {هَذِهِ سَبٌِلًَِ أَدْعُو إِلَىَ اللهِ عَلَىَ بَصٌِرَة أَنَاْ وَمَنِ اتّبَعَنًِ وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكٌِنَ [ }ٌوسؾ: 618] . (1/4) ________________________________________ أما بعد: فإن الله سبحانه لم ٌخلق خلقه سدى مهملب، بل جعلهم موردا للتكلٌؾ، ومحلب للؤمر والنهى، وألزمهم (فهم) ما أرشدهم إلٌه مجملب ومفصلب وقسمهم إلى شقى وسعٌد، وجعل لكل واحد من الفرٌقٌن منزلا، وأعطاهم مواد العلم والعمل: من القلب، والسمع، والبصر، والجوارح، نعمة منه وتفضلب، فمن استعمل ذلك فى طاعته، وسلك به طرٌق معرفته على ما أرشد إله ولم ٌبػ عنه عدولا، فقد قام بشكر ما أوتٌه من ذلك، وسلك به إلى مرضاة الله سبٌلب. ومن استعمله فى إرادته وشهوته ولم ٌرع حق خالقه فٌه ٌخسر إذا سبل عن ذلك، وٌحزن حزنا طوٌلب. فإنه لا بد من الحساب على حق هذه الأعضاء لقوله تعالى{ :إِنّ السّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُإَادَ كُلّ أُولبِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْإُولاً [ }الإسراء: 56] . ولما كان القلب لهذه الأعضاء كالملك المتصرؾ فى الجنود، الذى تصدر كلها عن أمره، وٌستعملها فٌما شاء، فكلها تحت عبودٌته وقهره، وتكتسب منه الاستقامة والزٌػ، وتتبعه فٌما ٌعقده من العزم أو ٌحله، قال النبى صلى الله علٌه وسلم: "ألا وإن فى الجسد مضؽة إذا صلحت صلح الجسد كله". فهو ملكها، وهى المنفذة لما ٌؤمرها به، القابلة لما كان ٌؤتٌها من هدٌته، ولا ٌستقٌم لها شا من أعمالها حتى تصدر عن قصده ونٌته. وهو المسإول عنها كلها "لأن كل راع مسإول عن رعٌته" كان الاهتمام بتصحٌحه وتسدٌده أولى ما اعتمد علٌه السالكون. والنظر فى أمراضه وعلبجها أهم ما تنسك به الناسكون. ولما علم عدو الله إبلٌس أن المدار على القلب والاعتماد علٌه، أجلب علٌه بالوساوس، وأقبل بوجوه الشهوات إله، وزٌن له من الأقوال والأعمال ما ٌصده عن الطرٌق، وأمده من أسباب الؽى بما ٌقطعه عن أسباب التوفٌق، ونصب له من المصاٌد والحبابل ما إن سلم من الوقوع فٌها لم ٌسلم من أن ٌحصل له بها التعوٌق، فلب نجاة من مصابده ومكابده إلا بدوام الاستعانة بالله تعالى، والتعرٌض لأسباب مرضاته، والتجاء القلب إلٌه، وإقباله علٌه فى حركاته وسكناته، والتحقق بذل العبودٌة الذى هو أولى ما تلبس به الإنسان لٌحصل له الدخول فى ضمان {إِنّ عِبَادِي لٌَْسَ لَكَ عَلٌَْهِمْ سُلْطَان [ }الحجر: 41 ]فهذه الإضافة هى القاطعة بٌن العبد وبٌن الشٌاطٌن، وحصولها ٌسبب تحقٌق مقام العبودٌة لرب العالمٌن، وإشعار القلب 1/5) ________________________________________ إخلبص العمل ودام الٌقٌن، فإذا أشرب القلب العبودٌة والإخلبص صار عند الله من المقربٌن، وشمله استثناء {إِلاّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصٌِنَ [ }الحجر: 41] . ولما من الله الكرٌم بلطفه بالاطلبع على ما اطلع علٌه من أمراض القلوب وأدوابها، وما ٌعرض لها من وساوس الشٌاطٌن أعدابها، وما تثمر تلك الوساوس من الأعمال. وما ٌكتسب القلب بعدها من الأحوال. فإن العمل السٌا مصدر عن فساد قصد القلب، ثم ٌعرض للقلب من فساد العمل قسوة، فٌزداد مرضا على مرضه حتى ٌموت، وٌبقى لا حٌاة فٌه ولا نور له. وكل ذلك من انفعاله لوسوسة الشٌطان، وركونه إلى عدوه الذى لا ٌفلح. إلى من جاهده بالعصٌان: أردت أن أقٌد ذلك فى هذا الكتاب، لأستذكره معترفا فٌه لله بالفضل والإحسان، ولٌنتفع له من نظر فٌه داعٌا لمإلفه بالمؽفرة والرحمة والرضوان، وسمٌته " إؼاثة اللهفان من مصاٌد الشٌطان " ورتبته ثلبثة عشر بابا: الباب الأول: فى انقسام القلوب إلى صحٌح وسقٌم ومٌت. الباب الثانى: فى ذكر حقٌقة مرض القلب. الباب الثالث: فى انقسام أدوٌة أمراض القلب إلى طبٌعٌة وشرعٌة.
عدد الصفحات ٥" ورتبته ثلبثة عشر بابا: الباب الأول: فى انقسام القلوب إلى صحٌح وسقٌم ومٌت. الباب الثانى: فى ذكر حقٌقة مرض القلب. الباب الثالث: فى انقسام أدوٌة أمراض القلب إلى طبٌعٌة وشرعٌة. الباب الرابع: فى أن حٌاة القلب وإشراقة مادة كل خٌر فٌه، وموته وظلمته مادة كل شر (وفتنة) فٌه. الباب الخامس: فى أن حٌاة القلب وصحته لا تحصل إلا بؤن ٌكون مدركا للحق مرٌدا له مإثرا له على ؼٌره.
عدد الصفحات ٥6 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي الباب السادس: فى أنه لا سعادة للقلب ولا لذة ولا نعٌم ولا صلبح إلا بؤن ٌكون إلهه وفاطره وحده هو معبوده وؼاٌة مطلوبه، وأحب إلٌه مما سواه. الباب السابع: فى أ، القرآن الكرٌم متضمن لأدوٌة القلب وعلبجه من جمٌع أمراضه. الباب الثامن: فى زكاة القلب. الباب التاسع: فى طهارة القلب من أدرانه وأنجاسه. الباب العاشر: فى علبمات مرض القلب وصحته. 1/6) ________________________________________ الباب الحادى عشر: فى علبج مرض القلب من استٌلبء النفس علٌه. الباب الثانى عشر: فى علبج مرض القلب بالشٌطان. الباب الثالث عشر: فى مكاٌد الشٌطان التى ٌكٌد بها ابن آدم. وهو الذى وضع لأجله الكتاب. وفٌه فصول جمة الفوابد حسنة المقاصد. والله تعالى ٌجعله خالصا لوجهه، مإمنا من الكرة الخاسرة، وٌنفع به مصنفه وكاتبه، والناظر فٌه فى الدنٌا والآخرة، إنه سمٌع علٌم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظٌم. 1/7) ________________________________________ الباب الأول: فى انقسام القلوب إلى صحٌح وسقٌم ومٌت لما كان القلب ٌوصؾ بالحٌاة وضدها، انقسم بحسب ذلك إلى هذه الأحوال الثلبثة. فالقلب الصحٌح: هو القلب السلٌم الذى لا ٌنجو ٌوم القٌامة إلا من أتى الله به، كما قال تعالى: {ٌومَ لا ٌَنْفَعُ مَال وَلا بَنُونَ إلا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْب سَلٌِم [ }الشعراء: 88-89] . والسلٌم هو السالم، وجاء على هذا المثال لأنه للصفات، كالطوٌل والقصٌر والظرٌؾ؛ فالسلٌم القلب الذى قد صارت السلبمة صفة ثابتة له، كالعلٌم والقدٌر، وأٌضا فإنه ضد المرٌض، والسقٌم، والعلٌل. وقد اختلفت عبارات الناس فى معنى القلب السلٌم، والأمر الجامع لذلك: أنه الذى قد سلم من كل شهوة تخالؾ أمر الله ونهٌه، ومن كل شبهة تعارض خبره. فسلم من عبودٌة ما سواه، وسلم من تحكٌم ؼٌر رسوله. فسلم فى محبة ؼٌر الله معه ومن خوفه ورجابه والتوكل علٌه، والإنابة إلٌه، والذل له، وإٌثار مرضاته فى كل حال والتباعد من سخطه بكل طرٌق. وهذا هو حقٌقة العبودٌة التى لا تصلح إلا لله وحده. فالقلب السلٌم: هو الذى سلم من أن ٌكون لؽٌر الله فٌه شرك بوجه ما، بل قد خلصت عبودٌته لله تعالى: إرادة ومحبة، وتوكلب، وإنابة، وإخباتا، وخشٌة، ورجاء. وخلص عمله لله، 1/7) ________________________________________ فإن أحب أَحَب فى الله، وإن أبؽض أبؽض فى الله، وإن أعطى أعطى لله، وإن منع منع لله ولا ٌكفٌه هذا حتى ٌسلم من الانقٌاد والتحكٌم لكل من عدا رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم، فٌعقد قلبه معه عقدا محكما على الابتمام والاقتداء به وحده، دون كل أحد فى الأقوال والأعمال من أقوال القلب، وهى العقابد، وأقوال اللسان؛ وهى الخبر عما فى القلب. وأعمال القلب، وهى الإرادة والمحبة والكراهة وتوابعها، وأعمال الجوارح. فٌكون الحاكم علٌه فى ذلك كله دقه وجله هو ما جاء به الرسول صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم، فلب ٌتقدم بٌن ٌدٌه بعقٌدة ولا قول ولا عمل، كما قال تعالى: {ٌَا أٌَ هَا ال ذٌِنَ آمَنُوا لا تُقدِّمُوا بٌَْنَ ٌَدَىِ اللهِ وَرَسُولهِ [ }الحجرات: 6] . أى لا تقولوا حتى ٌقول، ولا تفعلوا حتى ٌؤمر، قال بعض السلؾ: ما من فعلة وإن صؽرت إلا ٌنشر لها دٌوانان: لم؟ وكٌؾ؟ أى لم فعلت؟ وكٌؾ فعلت؟ فالأول: سإال عن علة الفعل وباعثه وداعٌه؛ هل هو حظ عاجل من حظوظ
عدد الصفحات ٦7 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي العامل، وؼرض من أؼراض الدنٌا فى محبة المدح من الناس أو خوؾ ذمهم، أو استجلبب محبوب عاجل، أو دفع مكروه عاجل؟ أم الباعث على الفعل القٌام بحق العبودٌة، وطلب التودد والتقرب إلى الرب سبحانه وتعالى، وابتؽاء الوسٌلة إلٌه؟. ومحل هذا السإال: أنه، هل كان علٌك أن تفعل هذا الفعل لمولاك، أم فعلته لحظك وهواك؟. والثانى: سإال عن متابعة الرسول علٌه الصلبة والسلبم فى ذلك التعبد، أى هل كان ذلك العمل مما شرعته لك على لسان رسولى، أم كان عملب لم أشرعه ولم أرضه؟. فالأول سإال عن الإخلبص، والثانى عن المتابعة، فإن الله سبحانه لا ٌقبل عملب إلا بهما. فطرٌق التخلص من السإال الأول: بتجرٌد الإخلبص، وطرٌق التخلص من السإال الثانى: بتحقٌق المتابعة، وسلبمة القلب من إرادة تعارض الإخلبص، وهوى ٌعارض الاتباع. فهذه حقٌقة سلبمة القلب الذى ضمنت له النجاة والسعادة. 1/8) ________________________________________ فصل فى القلب المٌت والقلب الثانى: ضد هذا، وهو القلب المٌت الذى لا حٌاة به، فهو لا ٌعرؾ ربه، ولا ٌعبده بؤمره وما ٌحبه وٌرضاه، بل هو واقؾ مع شهواته ولذاته؛ ولو كان فٌها سخط ربه وؼضبه، فهو لا ٌبالى إذا فاز بشهوته وحظه، رضى ربه أم سخط، فهو متعبد لؽٌر الله: حبا، وخوفا، ورجاء، ورضا، وسخطا، وتعظٌما؛ وذلا. إن أحب أحب لهواه، وإن أبؽض أبؽض لهواه، وإن أعطى أعطى لهواه، وإن منع منع لهواه. فهواه آثر عنده وأحب إلٌه من رضا مولاه. فالهوى إمامه، والشهوة قابده، والجهل سابقه، والؽفلة مركبه. فهو بالفكر فى تحصٌل أؼراضه الدنٌوٌة مؽمور، وبسكرة الهوى وحب العاجلة مخمور. ٌنادى إلى الله وإلى الدار الآخرة من مكان بعٌد، فلب ٌستجٌب للناصح، وٌتبع كل شٌطان مرٌد. الدنٌا تسخطه وترضٌه. والهوى ٌصمه عما سوى الباطل وٌعمٌه. فهو فى الدنٌا كما قٌل فى لٌلى: عَدُو لِمَنْ عَادَتْ، وَسِلم لأهْلِهَا ... وَمَنْ قَر بَتْ لٌَْلَى أَحَب وَأَقْرَبا فمخالطة صاحب هذا القلب سقم. ومعاشرته سم. ومجالسته هلبك. فصل فى القلب المرٌض والقلب الثالث: قلب له حٌاة وبه علة؛ فله مادتان، تمده هذه مرة، وهذه أخرى، وهو لما ؼلب علٌه منهما، ففٌه من محبة الله تعالى والإٌمان به والإخلبص له، والتوكل علٌه: ما هو مادة حٌاته، وفٌه من محبة الشهوات وإٌثارها والحرص على تحصٌلها، والحسد والكبر والعجب؛ وحب العلو والفساد فى الأرض بالرٌاسة: ما هو مادة هلبكه وعطبه، وهو ممتحن بٌن داعٌٌن: داع ٌدعوه إلى الله ورسوله والدار الآخرة، وداع ٌدعوه إلى العاجلة. وهو إنما ٌجٌب أقربهما منه بابا، وأدناهما إلٌه جوارا. فالقلب الأول، حى مخبت لٌن واع، والثانى ٌابس مٌت، والثالث مرٌض، فإما إلى السلبمة أدنى، وإما إلى العطب أدنى. وقد جمع الله سبحانه بٌن هذه القلوب الثلبثة فى قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكٍَ مِنْ رَسُول وَلا نَبى إِلا إِذَا تَمَن ى أَلْقَى الش ٌْطَانُ فىِ أُمْنٌِ تِهِ فٌََنْسَخُ اللهُ مَا ٌُلْقِى الشٌّْطَانُ ثُم ٌُحْكِمُ الله آٌَاتِهِ وَالله عَلٌِم حَكٌِم لٌجَعَلَ مَا ٌُ لْقِى الشٌّْطَانُ 1/9) ________________________________________ ؾِ تْنَةً لِل ذٌِنَ فِى قُلُوبهِمْ مَرض وَالْقَاسٌَِةِ قُلُوبُهُمْ وَإن الظّالمٌِنَ لَفِى شِقَاق بَعٌِد وَلٌَِعْلَمَ ال ذٌِنَ أُوتُوا الْعِلْمَ أن هُ الحق مِنْ رَبكَ فٌَُإْمنُوا به فَ تخْبِتَ لَهُ قُلوبُهُمْ وَإِن اللهَ لهَادِ ال ذٌِنَ آمَنُوا إلَى صِرَاط مُستَقٌِم [ }الحج: 51 - 54] . فجعل الله سبحانه وتعالى القلوب فى هذه الآٌات ثلبثة: قلبٌن مفتونٌن، وقلبا ناجٌا، فالمفتونان: القلب الذى فٌه مرض، والقلب القاسى. والناجى: القلب المإمن المخبت إلى ربه. وهو المطمبن إلٌه الخاضع له، المستسلم المنقاد.
عدد الصفحات ٧8 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وذلك: أن القلب وؼٌره من الأعضاء ٌراد منه أن ٌكون صحٌحا سلٌما لا آفة به، ٌتؤتى منه ما هٌا له وخلق لأجله. وخروجه عن الاستقامة إما لٌبسه وقساوته، وعدم التؤتى لما ٌراد منه، كالٌد الشلبء، واللسان الأخرس، والأنؾ الأخشم، وذكر العِنٌِّن والعٌن التى لا تبصر شٌبا. وإما بمرض وآفة فٌه تمنعه من كمال هذه الأفعال ووقوعها على السداد. فلذلك انقسمت القلوب إلى هذه الأقسام الثلبثة. فالقلب الصحٌح السلٌم: لٌس بٌنه وبٌن قبول الحق ومحبته وإٌثاره سوى إدراكه، فهو صحٌح الإدراك للحق، تام الانقٌاد والقبول له. والقلب المٌت القاسى: لا ٌقبله ولا ٌنقاد له. والقلب المرٌض: إن ؼلب علٌه مرضه التحق بالمٌت القاسى. وإن ؼلبت علٌه صحته التحق بالسلٌم. فما ٌلقٌه الشٌطان فى الأسماع من الألفاظ، وفى القلوب من الشبه والشكوك: فٌه فتنة لهذٌن القلبٌن، وقوة للقلب الحى السلٌم. لأنه ٌردّ ذلك وٌكرهه وٌبؽضه، وٌعلم أن الحق فى خلبفه، فٌخبت للحق قلبه وٌطمبن وٌنقاد، وٌعلم بطلبن ما ألقاه الشٌطان، فٌزداد إٌمانا بالحق ومحبة له وكفرا بالباطل وكراهة له. فلب ٌزال القلب المفتون فى مرٌة من إلقاء الشٌطان. وأما القلب الصحٌح السلٌم فلب ٌضره ما ٌلقٌه الشٌطان أبدا. قال حذٌفة بن الٌمان رضى الله عنه: قال رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى القُلُوبِ كَعَرْضِ الْحَصٌِرِ عُودًا عُودًا. فَؤَى قَلْب أُشرِبَهَا نُكِتَتْ فٌِه نُكْتَة سَوْدَاءُ، وَأَى قَلْب أَنْكَرَهَا نُكِتَتْ فٌِهِ نُكْتَة بٌَْضاءُ، حَت ى تَعُودَ الْقُلُوبُ عَلَى قَلْبٌَْنِ : قَلْب 1/10) ________________________________________ أَسْوَد مُرْبَادًا كالكُوزِ مُجَخًٌِّا. لا ٌَعْرِؾُ مَعْروفاً وَلا ٌُنْكِرُ مُنْكَراً، إِلا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ، وَقَلْب أَبٌَْض لا تَضُر هُ فِتْنَة مَا دَامَتِ الس ماواتُ وَالأرْضُ ." فشبه عرض الفتن على 1/11) ________________________________________ القلوب شٌبا فشٌبا كعرض عٌدان الحصٌر، وهى طاقاتها شٌبا فشٌبا، وقسم القلوب عند عرضها علٌها إلى قسمٌن: قلب إذا عرضت علٌه فتنة أشربها، كما ٌشرب السفنج الماء فتنكت فٌه نكتة سوداء، فلب ٌزال ٌشرب كل فتنة تعرض علٌه حتى ٌسود وٌنتكس، وهو معنى قوله "كالكوز مجخٌا" أى مكبوبا منكوسا، فإذا اسود وانتكس عرض له من هاتٌن الآفتٌن مرضان خطران مترامٌان به إلى الهلبك: أحدهما: اشتباه المعروؾ علٌه بالمنكر، فلب ٌعرؾ معروفا، ولا ٌنكر منكرا، وربما استحكم علٌه هذا المرض حتى ٌعتقد المعروؾ منكرا والمنكر معروفا، والسنة بدعة والبدعة سنة، والحق باطلب والباطل حقا، الثانى: تحكٌمه هواه على ما جاء به الرسول صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم، وانقٌاده للهوى واتباعه له. وقلب أبٌض قد أشرق فٌه نور الإٌمان، وأزهر فٌه مصباحه، فإذا عرضت علٌه الفتنة أنكرها وردها، فازداد نوره وإشراقه وقوته. والفتن التى تعرض على القلوب هى أسباب مرضها، وهى فتن الشهوات وفتن الشبهات، فتن الؽى والضلبل، فتن المعاصى والبدع، فتن الظلم والجهل فالأولى توجب فساد القصد والإرادة، والثانٌة توجب فساد العلم والاعتقاد. وقد قسم الصحابة رضى الله تعالى عنهم القلوب إلى أربعة، كما صح عن حذٌفة بن الٌمان: "الْقلُوبُ أَرْبَعَة : قَلْب أَجْرَدُ، فٌِهِ سِرَاج ٌُزْهِرُ، فَذَلِكَ قَلْبُ المُ إْمِنِ، وَقَلْب أَؼْلؾُ، فَذلِكَ قَلْبُ الكَافِرِ، وَقَلْب مَنْكُوس ، فَذلِكَ قَلْبُ المُنافِقِ، عَرَؾَ ثم أَنْكَرَ، وَأبْصَرَ ثُم عَمِىَ، وَقَلْبُ تَمُد هُ مَاد تَانِ : مَاد ةُ إٌِمَان ، وَمَاد ةُ نِفَاق ، وَهُوَ لما ؼَلَبَ عَلٌَْهِ مِنْهُمَا." فقوله "قلب أجرد" أى متجرد مما سوى الله ورسوله، فقد تجرد وسلم مما سوى الحق.
عدد الصفحات ٨قَلْبُ تَمُد هُ مَاد تَانِ : مَاد ةُ إٌِمَان ، وَمَاد ةُ نِفَاق ، وَهُوَ لما ؼَلَبَ عَلٌَْهِ مِنْهُمَا." فقوله "قلب أجرد" أى متجرد مما سوى الله ورسوله، فقد تجرد وسلم مما سوى الحق. و"فٌه سراج ٌزهر" وهو مصباح الإٌمان: فؤشار بتجرده إلى سلبمته من شبهات 1/12)
عدد الصفحات ٨9 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي ________________________________________ الباطل وشهوات الؽى، وبحصول السراج فٌه إلى إشراقه واستنارته بنور العلم والإٌمان. وأشار بالقلب الأؼلؾ إلى قلب الكافر؛ لأنه داخل فى ؼلبفه وؼشابه، فلب ٌصل إلٌه نور العلم والإٌمان، كما قال تعالى، حاكٌا عن الٌهود: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا ؼُلْؾ [ }البقرة: 88 . ]وهو جمع أؼلؾ، وهو الداخل فى ؼلبفه، كقلؾ وأقلؾ، وهذه الؽشاوة هى الأكنة التى ضربها الله على قلوبهم، عقوبة لهم على رد الحق والتكبر عن قبوله. فهى أكنة على القلوب ووقر فى الأسماع، وعمى فى الأبصار، وهى الحجاب المستور عن العٌون فى قوله تعالى: {وَإذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بٌَْنَكَ وَبٌَْنَ ال ذٌِنَ لا ٌُإْمِنُونَ بِالآخِ رَةِ حِجاباً مَسْتُورًا وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبهِمْ أَكِن ةً أَنْ ٌَفْقَهُوهُ وَفِى آذَانِهِمْ وَقْراً [ }الإسراء: 45-46 . ]فإذا ذكر لهذه القلوب تجرٌد التوحٌد وتجرٌد المتابعة، ولّى أصحابها على أدبارهم نفورا. وأشار بالقلب المنكوس- وهو المكبوب- إلى قلب المنافق، كما قال تعالى: {فمَا لَكُمْ فِى المُنَافِقٌنَ فِبَتٌَْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا[ }النساء: 88 . ]أى نكسهم وردهم فى الباطل الذى كانوا فٌه، بسبب كسبهم وأعمالهم الباطلة وهذا شر القلوب وأخبثها، فإنه ٌعتقد الباطل حقا وٌوالى أصحابه، والحق باطلبً وٌعادى أهله، فالله المستعان. وأشار بالقلب الذى له مادتان إلى القلب الذى لم ٌتمكن فٌه الإٌمان ولم ٌزهر فٌه سراجه، حٌث لم ٌتجرد للحق المحض الذى بعث الله به رسوله، بل فٌه مادة منه ومادة من خلبفه، فتارة ٌكون للكفر أقرب منه للئٌمان، وتارة ٌكون للئٌمان أقرب منه للكفر، والحكم للؽالب وإلٌه ٌرجع. 1/13) ________________________________________ الباب الثانى: فى ذكر حقٌقة مرض القلب قال الله تعالى عن المنافقٌن {فِى قُلُوبهِمْ مَرَض فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً [ }البقرة: 61 ]، وقال تعالى {لٌَِجْعَل مَا ٌُلْقِى الش ٌْطَ انُ فِتْنَةً لِلّذٌِنَ فِى قُلُوبهِمْ مَرَض [ }الحج: 55 ]، وقال تعالى {ٌَا نِساءَ الن بِىِّ لَسْتُن كَؤَحَد مِنَ النسَاءِ إِنِ اتّقٌَْتُن فَلب تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فٌََطْمَعَ ال ذِى فِى قَلْبِهِ مَرَض [ }الأحزاب:51 ]، أمرهن أن لا ٌَلن فى كلبمهن، كما تلٌن المرأة المعطٌة اللٌان فى منطقها، فٌطمع الذى فى قلبه مرض الشهوة، ومع ذلك فلب ٌخشنّ فى القول بحٌث ٌلتحق بالفحش، بل ٌقلن قولا معروفا، وقال تعالى {لَبنْ لَمْ ٌنْتَهِ المُنَافِقُونَ وَال ذٌِنَ فى قُلُوبهِمْ مَرَض وَالمُرْجِفُونَ فِى المَدٌنَةِ لَنُؽْ رٌَِنّكَ بهِم[ }الأحزاب: 61 ]، وقال تعالى {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ الن ارِ إِلا مَلببِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِد تَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلّذٌِنَ كَفَرُوا لٌَِسْتٌَْقِنَ الذٌِنَ أُوتُوا الْكِتَابَ وٌََزْدَادَ الذٌِنَ آمَنُوا إٌِمَاناً وَلا ٌَرْتَابَ الّذٌِنَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالمُإْمِنُونَ وَلٌِقُولَ الّذٌِنَ فى قُلُوبهِمْ مَرَض وَا -لْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بهذَا مَثَلبً [ }المدثر: 56] . أخبر الله سبحانه عن الحكمة التى جعل لأجلها عدة الملببكة الموكلٌن بالنار تسعة عشر، فذكر سبحانه خمس حكم: فتنة الكافرٌن. فٌكون ذلك زٌادة فى كفرهم وضلبلهم، وقوة ٌقٌن أهل الكتاب، فٌقوى ٌقٌنهم بموافقة الخبر بذلك لما عندهم عن أنبٌابهم من ؼٌر تلق من رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم عنهم، فتقوم الحجة على معاندهم، وٌنقاد للئٌمان من ٌرٌد الله أن ٌهدٌه. وزٌادة الذٌن آمنوا بكمال تصدٌقهم بذلك والإقرار به، وانتفاء الرٌب عن أهل الكتاب لجزمهم بذلك، وعن المإمنٌن لكمال تصدٌقهم به.
عدد الصفحات ٩جة على معاندهم، وٌنقاد للئٌمان من ٌرٌد الله أن ٌهدٌه. وزٌادة الذٌن آمنوا بكمال تصدٌقهم بذلك والإقرار به، وانتفاء الرٌب عن أهل الكتاب لجزمهم بذلك، وعن المإمنٌن لكمال تصدٌقهم به. فهذه أربعة حكم: فتنة الكفار، وٌقٌن أهل الكتاب، وزٌادة إٌمان المإمنٌن، وانتفاء الرٌب عن المإمنٌن، وأهل الكتاب. 1/14) ________________________________________ والخامسة: حٌرة الكافر ومن فى قلبه مرض، وعمى قلبه عن المراد بذلك، فٌقول: {مَاذَا أَرَادَ اللهُ بهذَا مَثَلبً [ }البقرة: 16] . وهذا حال القلوب عند ورود الحق المنزل علٌها: قلب ٌفتتن به كفراً وجحوداً . وقلب ٌزداد به إٌمانا وتصدٌقا، وقلب ٌتٌقنه، فتقوم علٌه به الحجة، وقلب ٌوجب له حٌرة وعمى، فلب ٌدرى ما ٌراد به.
عدد الصفحات ٩10 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي والٌقٌن وعدم الرٌب فى هذا الموضع، إن رجعا إلى شىء واحد، كان ذكر عدم الرٌب مقررا للٌقٌن ومإكدا له، ونافٌا عنه ما ٌضاده بوجه من الوجوه. وإن رجعا إلى شٌبٌن، بؤن ٌكون الٌقٌن راجعا إلى الخبر المذكور عن عدة الملببكة، وعدم الرٌب عابدًا إلى عموم ما أخبر الرسول به، لدلالة هذا الخبر الذى لا ٌعلم إلا من جهة الرسل على صدقه، فلب ٌرتاب من قد عرؾ صحة هذا الخبر بعد صدق الرسول صلى الله علٌه وآله وسلم، ظهرت فابدة ذكره. والمقصود: ذكر مرض القلب وحقٌقته. وقال تعالى {ٌَا أٌَ ها الن اسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَة مِنْ رَبكُمْ وَشِفَاء لما فِى الص دُورِ وَهُدًى وَرَحْمَة لِلْمُإْمِنٌِنَ [ }ٌونس: 57] . فهو شفاء لما فى الصدور من مرض الجهل والؽى، فإن الجهل مرض شفاإه العلم والهدى. والؽى مرض شفاإه الرشد، وقد نزه الله سبحانه نبٌه عن هذٌن الداءٌن. فقال: {والن جْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَل صَاحِبُكُمْ وَمَا ؼَوَى [ }النجم: 6،1] . ووصؾ رسوله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم خلفاءه بضدهما فقال: " عَلٌَْكُمْ بِسُنّتِى وسُن ةِ اَلْخْلَفَاءِ الر اشِدٌنَ الْمَهْدٌٌِِّنَ مِنْ بَعْدِى." وجعل كلبمه سبحانه موعظة للناس عامة، وهدى ورحمة لمن آمن به خاصة، وشفاء تاما لما فى الصدور، فمن استشفى به صح وبرئ من مرضه ومن لم ٌستشؾ به فهو كما قٌل: 1/15) ________________________________________ ٍِإذَا بَل مِنْ دَاء بِهِ ظَن أنّهُ ... نَجَا وَبِهِ الد اءُ الّذِى هُوَ قَاتِلُهْ وقال تعالى {وَنُنَزلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَة لِلْمُإْمِنٌِنَ وَلا ٌَزٌِدُ الظّالمٌِنَ إِلا خَسَارًا[ }الإسراء: 81] والأظهر أن "من" هاهنا لبٌان الجنس، فالقرآن جمٌعه شفاء ورحمة للمإمنٌن. فصل: فى أسباب ومشخصات مرض البدن والقلب ولما كان مرض البدن خلبؾ صحته وصلبحه، وهو خروجه عن اعتداله الطبٌعى لفساد ٌعرض له، ٌفسد به إدراكه وحركته الطبٌعٌة، فإما أن ٌذهب إدراكه بالكلٌة كالعمى والصمم والشلل، وإما أن ٌنقص إدراكه لضعؾ فى آلات الإدراك مع استقامة إدراكه، وإما أن ٌدرك الأشٌاء على خلبؾ ما هى علٌه، كما ٌدرك الحلو مرا، والخبٌث طٌبا، والطٌب خبٌثا. وأما فساد حركته الطبٌعٌة: فمثل أن تضعؾ قوته الهاضمة، أو الماسكة، أو الدافعة أو الجاذبة، فٌحصل له من الألم بحسب خروجه عن الاعتدال، ولكن مع ذلك لم ٌصل إلى حد الموت والهلبك، بل فٌه نوع قوة على الإدراك والحركة. وسبب هذا الخروج عن الاعتدال: إما فساد فى الكمٌة أو فى الكٌفٌة. فالأول: إما لنقص فى المادة، فٌحتاج إلى زٌادتها، وإما لزٌادة فٌها، فٌحتاج إلى نقصانها. والثانى: إما بزٌادة الحرارة، أو البرودة، أو الرطوبة، أو الٌبوسة، أو نقصانها عن القدر الطبٌعى، فٌداوى بمقتضى ذلك، ومدار الصحة على حفظ القوة، والحمٌة عن المإذى، واستفراغ المواد الفاسدة. ونظر الطبٌب دابر على هذه الأصول الثلبثة، وقد تضمنها الكتاب العزٌز، وأرشد إلٌها من أنزله شفاء ورحمة. 1/16) ________________________________________ فؤما حفظ القوة: فإنه سبحانه أمر المسافر والمرٌض أن ٌفطرا فى رمضان، وٌقضى المسافر إذا قدم، والمرٌض إذا برئ، حفظاً لقوتهما علٌهما، فإن الصوم ٌزٌد المرٌض ضعفا، والمسافر ٌحتاج إلى توفٌر قوته علٌه لمشقة السفر، والصوم ٌضعفها. وأما الحمٌة عن المإذى: فإنه سبحانه حمى المرٌض عن استعمال الماء البارد فى الوضوء والؽسل، إذا كان ٌضره، وأمره بالعدول إلى التٌمم، حمٌة له عن ورود المإذى علٌه من ظاهر بدنه، فكٌؾ بالمإذى له فى باطنه. وأما استفراغ المادة الفاسدة: فإنه سبحانه أباح للمحرم الذى به أذى من رأسه أن ٌحلقه، فٌستفرغ بالحلق الأبخرة
عدد الصفحات ١٠مم، حمٌة له عن ورود المإذى علٌه من ظاهر بدنه، فكٌؾ بالمإذى له فى باطنه. وأما استفراغ المادة الفاسدة: فإنه سبحانه أباح للمحرم الذى به أذى من رأسه أن ٌحلقه، فٌستفرغ بالحلق الأبخرة المإذٌة له، وهذا من أسهل أنواع الاستفراغ وأخفها، فنبه به على ما هو أحوج إلٌه منه.
عدد الصفحات ١٠11 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وذاكرت مرة بعض رإساء الطب بمصر بهذا، فقال: والله لو سافرت إلى الؽرب فى معرفة هذه الفابدة لكان سفرا قلٌلب، أو كما قال. وإذا عرؾ هذا، فالقلب محتاج إلى ما ٌحفظ علٌه قوته، وهو الإٌمان وأوراد الطاعات، وإلى حمٌة عن المإذى الضار، وذلك باجتناب الآثام والمعاصى، وأنواع المخالفات، وإلى استفراؼه من كل مادة فاسدة تعرض له، وذلك بالتوبة النصوح، واستؽفار ؼافر الخطٌبات. ومرضه هو نوع فساد ٌحصل له، ٌفسد به تصوره للحق وإرادته له، فلب ٌرى الحق حقا، أو ٌراه على خلبؾ ما هو علٌه، أو ٌنقص إدراكه له، وتفسد به إرادته له، فٌبؽض الحق النافع، أو ٌحب الباطل الضار، أو ٌجتمعان له، وهو الؽالب، ولهذا ٌفسر المرض الذى ٌعرض له، تارة بالشك والرٌب، كما قال مجاهد وقتادة فى قوله تعالى: {فِى قُلُوبهِمْ مَرَض [ }البقرة: 61 . ]أى شك. وتارة بشهوة الزنا، كما فسر به قوله تعالى: {فٌََطْمَعَ الّذِى فِى قَلْبهِ مَرَض [ }الأحزاب: 51] . (1/17) ________________________________________ فالأول مرض الشبهة، والثانى مرض الشهوة. والصحة تحفظ بالمثل والشبه، والمرض ٌدفع بالضد والخلبؾ، وهو ٌقوى بمثل سببه، وٌزول بضده، والصحة تحفظ بمثل سببها وتضعؾ أو تزول بضده. ولما كان البدن المرٌض ٌإذٌه ما لا ٌإذى الصحٌح: من ٌسٌر الحر، والبرد، والحركة، ونحو ذلك، فكذلك القلب إذا كان فٌه مرض آذاه أدنى شىء: من الشبهة أو الشهوة، حٌث لا ٌقدر على دفعهما إذا وردا علٌه، والقلب الصحٌح القوى ٌطرقه أضعاؾ ذلك وهو ٌدفعه بقوته وصحته. وبالجملة فإذا حصل للمرٌض مثل سبب مرضه زاد مرضه وضعفت قوته وترامى إلى التلؾ، ما لم ٌتدارك ذلك بؤن ٌحصل له ما ٌقوى قوته وٌزٌل مرضه. 1/18) ________________________________________ الباب الثالث: فً انقسام أمراض القلب إلى قسمٌن: طبٌعٌة, وشرعٌة ... الباب الثالث: فى انقسام أدوٌة أمراض القلب إلى قسمٌن: طبٌعٌة، وشرعٌة مرض القلب نوعان: نوع لا ٌتؤلم به صاحبه فى الحال، وهو النوع المتقدم، كمرض الجهل، ومرض الشبهات والشكوك، ومرض الشهوات. وهذا النوع هو أعظم النوعٌن ألما، ولكن لفساد القلب لا ٌحس بالألم، ولأن سكرة الجهل والهوى تحول بٌنه وبٌن إدراك الألم، وإلا فؤلمه حاضر فٌه حاصل له، وهو متوار عنه باشتؽاله بضده، وهذا أخطر المرضٌن وأصعبهما. وعلبجه إلى الرسل وأتباعهم، فهم أطباء هذا المرض. والنوع الثانى: مرض مإلم له فى الحال، كالهم والؽم والحزن والؽٌظ، وهذا المرض قد ٌزول بؤدوٌة طبٌعٌة، كإزالة أسبابه، أو بالمداواة بما ٌضاد تلك الأسباب، وٌدفع موجبها مع قٌامها، وهذا كما أن القلب قد ٌتؤلم بما ٌتؤلم به البدن وٌشقى بما ٌشقى به البدن فكذلك البدن ٌتؤلم كثٌرا بما ٌتؤلم به القلب، وٌشقٌه ما ٌشقٌه. 1/18) ________________________________________ فؤمراض القلب التى تزول بالأدوٌة الطبٌعٌة من جنس أمراض البدن، وهذه قد لا توجب وحدها شقاءه وعذابه بعد الموت. وأما أمراضه التى لا تزول إلا بالأدوٌة الإٌمانٌة النبوٌة فهى التى توجب له الشقاء والعذاب الدابم، إن لم ٌتداركها بؤدوٌتها المضادة لها، فإذا استعمل تلك الأدوٌة حصل له الشفاء، ولهذا ٌقال "شفى ؼٌظه" فإذا استولى علٌه عَدُو ه آلمه ذلك، فإذا انتصؾ منه اشتفى قلبه، قال تعالى:
عدد الصفحات ١١12 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي {قَاتلُوهُمْ ٌُعَذبْهُمُ اللهُ بؤٌَدٌِكُمْ وٌَُخزِهِمْ وٌََنْصُ رْكُمْ عَلٌَْهِمْ وٌََشْؾِ صُدُورَ قَوْم مُإْمِنٌنَ وٌَُذْهِبْ ؼٌَْظَ قُلُوبهِمْ وٌََتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ ٌَشَاءُ [ }التوبة: 64-65] . فؤمر بقتال عدوهم، وأعلمهم أن فٌه ست فوابد. فالؽٌظ ٌإلم القلب، ودواإه فى شفاء ؼٌظه، فإن شفاه بحق اشتفى، وإن شفاه بظلم وباطل زاده مرضا من حٌث ظن أنه ٌشفٌه، وهو كمن شفى مرض العشق بالفجور بالمعشوق، فإن ذلك ٌزٌد مرضه، وٌوجب له أمراضا أُخر أصعب من مرض العشق كما سٌؤتى إن شاء الله تعالى، وكذلك الؽم والهم والحزن أمراض للقلب، وشفاإها بؤضدادها: من الفرح والسرور، فإن كان ذلك بحق اشتفى القلب وصح وبرئ من مرضه، وإن كان بباطل توارى ذلك واستتر، ولم ٌزل، وأعقب أمراضا هى أصعب وأخطر. وكذلك الجهل مرض ٌإلم القلب. فمن الناس من ٌداوٌه بعلوم لا تنفع، وٌعتقد أنه قد صح من مرضه بتلك العلوم، وهى فى الحقٌقة إنما تزٌده مرضا إلى مرضه، لكن اشتؽال القلب بها عن إدراك الألم الكامن فٌه، بسبب جهله بالعلوم النافعة، التى هى شرط فى صحته وبربه، وقال النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم فى الذٌن أفتوا بالجهل، فهلك المستفتى بفتواهم "قتلوه، قتلهم الله، ألا سؤلوا إذ لم ٌعلموا؟ فإنما شفاء العى السإال"، فجعل الجهل مرضا وشفاءه سإال أهل العلم. وكذلك الشاك فى الشىء المرتاب فٌه، ٌتؤلم قلبه حتى ٌحصل له العلم والٌقٌن، ولما كان 1/19) ________________________________________ ذلك ٌوجب له حرارة قٌل لمن حصل له الٌقٌن: ثلج صدره، وحصل له برد الٌقٌن، وهو كذلك ٌضٌق بالجهل والضلبل عن طرٌق رشده، وٌنشرح بالهدى والعلم، قال الله تعالى: {فَمَنْ ٌُرِدِ اللهُ أَنْ ٌَهدٌَهُ ٌَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلئسْلبمِ وَمَن ٌُرِدْ أَنْ ٌضِلّهُ ٌَجْعَلْ صَدْرَهُ ضٌَِّقاً حَرَجاً كؤَنماَ ٌَص ع دُ فِى الس ماءِ } [الأنعام: 615] . وسٌؤتى ذكر مرض ضٌق الصدر وسببه وعلبجه، إن شاء الله تعالى. والمقصود: أن من أمراض القلوب ما ٌزول بالأدوٌة الطبٌعٌة. ومنها ما لا ٌزول إلا بالأدوٌة الشرعٌة الإٌمانٌة، والقلب له حٌاة وموت، ومرض وشفاء، وذلك أعظم مما للبدن. 1/20) ________________________________________ الباب الرابع: فى أن حٌاة القلب وإشراقه مادة كل خٌر فٌه وموته وظلمته مادة كل شر وفتنة فٌه أصل كل خٌر وسعادة للعبد، بل لكل حى ناطق: كمال حٌاته ونوره. فالحٌاة والنور مادة الخٌر كله، قال الله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مٌَْتاً فَؤَحٌٌَْْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا ٌَمْشِى بِهِ فى النّاسِ كَمن مَثَلُهُ فِى الظ لُمَاتِ لٌَْسَ بخَارِج مِنْهَا[ }الأنعام: 611] . فجمع بٌن الأصلٌن: الحٌاة، والنور، فبالحٌاة تكون قوته، وسمعه وبصره، وحٌاإه وعفته، وشجاعته وصبره، وسابر أخلبقه الفاضلة، ومحبته للحسن، وبؽضه للقبٌح. فكلما قوٌت حٌاته قوٌت فٌه هذه الصفات، وإذا ضعفت حٌاته ضعفت فٌه هذه الصفات، وحٌاإه من القبابح هو بحسب حٌاته فى نفسه، فالقلب الصحٌح الحى إذا عرضت علٌه القبابح نفر منها بطبعه وأبؽضها ولم ٌلتفت إلٌها، بخلبؾ القلب المٌت، فإنه لا ٌفرق بٌن الحسن والقبٌح، كما قال عبد الله بن مسعود رضى الله تعالى عنه: "هلك من لم ٌكن له قلب ٌعرؾ به المعروؾ وٌنكر به المنكر." 1/20) ________________________________________ وكذلك القلب المرٌض بالشهوة، فإنه لضعفه ٌمٌل إلى ما ٌعرض له من ذلك بحسب قوة المرض وضعفه. وكذلك إذا قوى نوره وإشراقه انكشفت له صور المعلومات وحقابقها على ما هى علٌه، فاستبان حُسْنَ الحسن بنوره، وآثره بحٌاته، وكذلك قبح القبٌح، وقد ذكر سبحانه وتعالى هذٌن الأصلٌن فى مواضع من كتابه. فقال تعالى:
عدد الصفحات ١٢