ٌلة ومكر ومخادعة الله تعالى ولرسوله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم. وأىّ فرق بٌن هذا وبٌن ما فعلته الٌهود من استحلبل ما حرم الله علٌهم من الشحوم بتؽٌٌر اسمه وصورته؟ فإنهم أذابوه حتى صار ودكا وباعوه وأكلواً ثمنه وقالوا: إنما أكلنا الثمن، لا المثمن، فلم نؤكل شحماً . وكذلك من استحل الخمر باسم النبٌذ كما فى حدٌث أبى مالك الأشعرى رضى الله عنه عن النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم أنه قال: "لٌشربنّ ناس من أمتى الخمر، ٌسمونها بؽٌر اسمها، ٌعزؾ على رإوسهم بالمعازؾ والقٌنات، ٌخسؾ الله بهم الأرض وٌجعل منهم القردة والخنازٌر."
عدد الصفحات ١٨٤185 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وإنما أتى هإلاء من حٌث استحلوا المحرمات بما ظنوه من انتفاء الاسم، ولم ٌلتفتوا إلى وجود المعنى المحرم وثبوته، وهذا بعٌنه هو شبهة الٌهود فى استحلبل بٌع الشحم بعد جمله، واستحلبل أخذ الحٌتان ٌوم الأحد بما أو أوقعوها به ٌوم السبت فى الحفابر والشباك من فعلهم ٌوم الجمعة، وقالوا: لٌس هذا صٌد ٌوم السبت، ولا استباحة لنفس الشحم بل الذى 1/350) ________________________________________ ٌستحل الشراب المسكر، زاعما أنه لٌس خمراً مع علمه أن معناه معنى الخمر ومقصوده مقصوده وعمله عمله أفسد تؤوٌلب. فإن الخمر اسم لكل شراب مسكر كما دلت علٌه النصوص الصحٌحة الصرٌحة، وقد جاء هذا الحدٌث عن النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم من وجوه أخرى. منها: ما رواه النسابى عنه صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "ٌشرب ناس من أمتى الخمر ٌسمونها بؽٌر اسمها" وإسناده صحٌح. ومنها: ما رواه ابن ماجه عن عبادة بن الصامت ٌرفعه: "ٌشرب ناس من أمتى الخمر ٌسمونها بؽٌر اسمها" ورواه الإمام أحمد، ولفظه: "لٌستحلنّ طابفة من أمتى الخمر." ومنها: ما رواه ابن ماجه أٌضاً من حدٌث أبى أمامة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "لا تذهب اللٌالى والأٌام حتى تشرب طابفة من أمتى الخمر ٌسمونها بؽٌر اسمها". فهإلاء إنما شربوا الخمر استحلبلاً لما ظنوا أن المحرم مجرد ما وقع علٌه اللفظ، وأن ذلك اللفظ لا ٌتناول ما استحلوه. وكذلك شبهتهم فى استحلبل الحرٌر والمعازؾ، فإن الحرٌر أبٌح للنساء وأبٌح للضرورة، وفى الحرب. وقد قال تعالى: {قُلْ مَنْ حَر مَ زٌِنَةَ اللهِ الّ تِى أخْرَجَ لِعبَادِهِ [ }الأعراؾ: 51] . والمعازؾ قد أبٌح بعضها فى العرس ونحوه، وأبٌح الحداء، وأبٌح بعض أنواع الؽناء. وهذه الشبهة أقوى بكثٌر من شبه أصحاب الحٌل. فإذا كان من عقوبة هإلاء: أن ٌمسخ بعضهم قردة وخنازٌر، فما الظن بعقوبة من جرمهم أعظم، وفعلهم أقبح؟ فالقوم الذٌن ٌخسؾ بهم وٌمسخون،. إنما فعل ذلك بهم من جهة التؤوٌل الفاسد الذى استحلواً به المحارم بطرٌق الحٌلة، وأعرضواً عن مقصود الشارع وحكمته فى تحرٌم هذه الأشٌاء. ولذلك مسخواً قردة وخنازٌر كما مسخ أصحاب السبت بما تؤولوا من التؤوٌل الفاسد الذى استحلواً به المحارم، وخسؾ ببعضهم كما خسؾ بقارون، لأن فى الخمر والحرٌر والمعازؾ من الكبر والخٌلبء ما فى الزٌنة التى خرج فٌها قارون على قومه، فلما مسخوا دٌن الله تعالى مسخهم الله، ولما تكبروا عن الحق أذلهم الله تعالى، فلما جمعوا بٌن الأمرٌن جمع الله لهم بٌن هاتٌن 1/351) ________________________________________ العقوبتٌن، وما هى من الظالمٌن ببعٌد وقد جاء ذكر المسخ والخسؾ فى عدة أحادٌث تقدم ذكر بعضها. فصل وقد أخبر صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم أن طابفة من أمته تستحل الربا باسم البٌع كما أخبر عن استحلبلهم الخمر باسم آخر. فروى ابن بطة بإسناده عن الأوزاعى عن النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "ٌَؤْتِى عَلَى الن اسِ زَمَان ٌَسْتَحِل ونَ الرِّبَا بِالْبٌَْعِ ." ٌعنى العٌنة، وهذا وإن كان مرسلبً فإنه صالح للبعتضاد به بالاتفاق، وله من المسندات ما ٌشهد له، وهى الأحادٌث الدالة على تحرٌم العٌنة. فإنه من المعلوم أن العٌنة عند مستحلها إنما ٌسمٌها بٌعاً، وفى هذا الحدٌث بٌان أنها ربا لا بٌع، فإن الأمة لم ٌستحل أحد منها الربا الصرٌح، وإنما استحل باسم البٌع وصورته، فصوروه بصورة البٌع وأعاروه لفظه. ومن المعلوم أن الربا لم ٌحرم لمجرد صورته ولفظه، وإنما حرم لحقٌقته ومعناه ومقصوده، وتلك الحقٌقة والمعنى والمقصود قابمة فى الحٌل الربوٌة كقٌامها فى صرٌحه سواء، والمتعاقدان ٌعلمان ذلك من أنفسهما وٌعلمه من شاهد
عدد الصفحات ١٨٥186 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي حالهما، والله ٌعلم أن قصدهما نفس الربا، وإنما توسلبً إلٌه بعقد ؼٌر مقصود وسمٌاه باسم مستعار ؼٌر اسمه. ومعلوم أن هذا لا ٌدفع التحرٌم ولا ٌرفع المفسدة التى حرم الربا لأجلها، بل ٌزٌدها قوة وتؤكٌدا من وجوه عدٌدة. منها: أنه ٌقدم على مطالبة الؽرٌم المحتاج بقوة لا ٌقدم بمثلها المربى صرٌحاً، لأنه واثق بصورة العقد واسمه. ومنها: أنه ٌطالبه مطالبه معتقد حل تلك الزٌادة وطٌبها بخلبؾ مطالبه المربى صرٌحا. ومنها: اعتقاده أن ذلك تجارة حاضرة مدارة. والنفوس أرؼب شا فى التجارة، فهو فى ذلك بمنزلة من أحب امرأة حباً شدٌداً وٌمنعه من وصالها كونها محرمة علٌه. فاحتال إلى أن أوقع بٌنه وبٌنها صورة عقد لا حقٌقة له، ٌؤمن به من بشاعة الحرام وشناعته، فصار 1/352) ________________________________________ ٌؤتٌها آمنا. وهما ٌعلمان فى الباطن أنها لٌست زوجته، وإنما أظهرا صورة عقد ٌتوصلبن بها إلى الؽرض. ومن المعلوم أن هذا ٌزٌد المفسدة التى حرم الحكٌم الخبٌر لأجلها الربا قوة فإن الله سبحانه وتعالى حرم الربا لما فٌه من ضرر المحتاج، وتعرٌضه للفقر الدابم. والدٌن اللبزم الذى لا ٌنفك عنه. وتولد ذلك وزٌادته إلى ؼاٌة تجتاحه وتسلبه متاعه وأثاثه كما هو الواقع فى الواقع. فالربا أخو القمار الذى ٌجعل المقمور سلٌبا حزٌنا محسوراً . فمن تمام حكمة الشرٌعة الكاملة المنتظمة لمصالح العباد تحرٌمه، وتحرٌم الذرٌعة الموصلة إلٌه، كما حرم التفرق فى الصرؾ قبل القبض، وأن ٌبٌعه درهماً بدرهم إلى أجل، وإن لم ٌكن هناك زٌادة، فكٌؾ ٌظن بالشارع مع كمال حكمته أن ٌبٌح التحٌل والمكر على حصول هذه المفسدة، ووقوعها زابدة متضاعفة بؤكل المحتال فٌها مال المحتاج أضعافاً مضاعفة؟ ولو سلك مثل هذا بعض الأطباء مع المرضى لأهلكهم. فإن ما حرم الله تعالى ورسوله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم من المحرمات إنما هو حمٌة لحفظ صحة القلب، وقوة الإٌمان، كما أن ما ٌمنع منه الطبٌب مما ٌضر المرٌض حمٌة له، فإذا احتال المرٌض أو الطبٌب على تناول ذلك المإذى بتؽٌٌر صورته، مع بقاء حقٌقته وطبعه، أو تؽٌٌر اسمه مع بقاء مسماه، ازداد المرٌض بتناوله مرضاً إلى مرضه، وترامى به إلى الهلبك، ولم ٌنفعه تؽٌر صورته ولا تبدل اسمه. وأنت إذا تؤملت الحٌل المتضمنة لتحلٌل ما حرم الله سبحانه وتعالى، وإسقاط ما أوجب وحل ما عقد وجدت الأمر فٌها كذلك، ووجدت المفسدة الناشبة منها أعظم من المفسدة الناشبة من المحرمات الباقٌة على صورتها وأسمابها، والوجدان شاهد بذلك. فالله سبحانه إنما حرم هذه المحرمات وؼٌرها لما اشتملت علٌه من المفاسد المضرة بالدنٌا والدٌن، ولم ٌحومها لأجل أسمابها وصورها. ومعلوم أن تلك المفاسد تابعة لحقابقها، لا تزول بتبدل أسمابها وتؽٌر صورتها، ولو زالت تلك المفاسد بتؽٌر الصورة والأسماء لما لعن 1/353) ________________________________________ الله سبحانه الٌهود على تؽٌٌر صورة الشحم واسمه بإذابته حتى استحدث اسم الودك وصورته ثم أكلوا ثمنه وقالوا لم نؤكله. وكذلك تؽٌٌر صورة الصٌد ٌوم السبت بالصٌد ٌوم الأحد. فتؽٌٌر صور المحرمات وأسمابها مع بقاء مقاصدها وحقابقها زٌادة فى المفسدة التى حرمت لأجلها، مع تضمنه لمخادعة الله تعالى ورسوله، ونسبة المكر والخداع والؽش والنفاق إلى شرعه ودٌنه، وأنه ٌحرم الشا لمفسدة وٌبٌحه لأعظم منها. ولهذا قال أٌوب السختٌانى: ٌخادعون الله كؤنما ٌخادعون الصبٌان، لو أتوا الأمر على وجهه كان أهون. وقال رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "لا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتِ الٌْهُودُ فَتَسْتَحِل وا مَحَارِمَ اللهِ بؤَدْنَى الْحٌَِلِ ."
عدد الصفحات ١٨٦ن، لو أتوا الأمر على وجهه كان أهون. وقال رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "لا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتِ الٌْهُودُ فَتَسْتَحِل وا مَحَارِمَ اللهِ بؤَدْنَى الْحٌَِلِ ." وقال بشر بن السرى وهو من شٌوخ الإمام أحمد: نظرت فى العلم، فإذا هو الحدٌث والرأى، فوجدت فى الحدٌث ذكر النبٌٌن والمرسلٌن، وذكر الموت، وذكر ربوبٌة الرب تعالى وجلبله وعظمته، وذكر الجنة والنار، والحلبل والحرام،
عدد الصفحات ١٨٦187 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي والحث على صلة الأرحام وجماع الخٌر. ونظرت فى الرأى فإذا فٌه المكر والخدٌعة، والتشاح، واستقصاء الحق والمماراة فى الدٌن، واستعمال الحٌل، والبعث على قطٌعة الأرحام، والتجرإ على الحرام. وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل، وذكر أصحاب الحٌل فقال: ٌحتالون لنقض سنن رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم. والرأى الذى اشتقت منه الحٌل المتضمنة لإسقاط ما أوجب الله تعالى وإباحة ما حرم الله هو الذى اتفق السلؾ على ذمه وعٌبه. فروى حرب عن الشعبى قال: قال ابن مسعود رضى الله عنه: إٌاكم وأرأٌت، أرأٌت، فإنما هلك من كان قبلكم بؤرأٌت أرأٌت، ولا تقٌسواً شٌباً بشا فتزل قدم بعد ثبوتها. وعن الشعبى عن مسروق قال: قال عبد الله: لٌس من عام إلا والذى بعده شر 1/354) ________________________________________ منه، لا أقول أمٌر خٌر من أمٌر، ولا عام أخصب من عام، ولكن ذهاب خٌاركم وعلمابكم ثم ٌحدث قوم ٌقٌسون الأمور برأٌهم، فٌنهدم الإسلبم وٌنثلم. وقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: إٌاكم وأصحاب الرأى، فإنهم أعداء السنن، أعٌتهم الأحادٌث أن ٌحفظوها، وتفلتت منهم أن ٌعوها، واستحٌوا حٌن سبلوا أن ٌقولوا: لا نعلم. فعارضوها برأٌهم، فإٌاكم وإٌاهم. وقال أحمد فى رواٌة إسماعٌل بن سعٌد: لا ٌجوز شا من الحٌل. وفى رواٌة صالح ابنه: الحٌل لا نراها. وقال فى رواٌة الأثرم، وذكر حدٌث عبد الله بن عمر فى حدٌث: "الْبٌَِّعَانِ بِالْخٌَِارِ وَلا ٌَحِل لِوَاحِد مِنْهُمَا أَنْ ٌُفَارِقَ صَاحِبَهُ خَشٌَْةَ أَنْ ٌَسْتقٌَلَهُ " قال فٌه إبطال الحٌِل. وقال فى رواٌة أبى الحارث: هذه الحٌل التى وضعها هإلاء، احتالوا فى الشا الذى قٌل لهم: إنه حرام، فاحتالوا فٌه حتى أحلوه، وقد قال صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "لعن الله الٌهود، حرمت علٌهم الشحوم، فؤذابوها وأكلوا أثمانها" فإنما أذابوها حتى أزالوا عنها اسم الشحوم. وقد لعن النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم المحلل والمحلل له. وقال فى رواٌة ابنه صالح: ٌنقضون الأٌمان بالحٌل، وقد قال الله تعالى{ :وَ تنْقُضُوا الأٌمَانَ بَعْدَ تَوْكٌِدِهَا [ }النحل: 96 ]، وقَالَ تعَالى{ :ٌُوفُونَ بِالن ذْرِ [ }الإنسان: 7] . وقال فى رواٌة أبى طالب فى التحٌل لإسقاط العدة "سبحان الله، ما أعجب هذا، 1/355) ________________________________________ أبطلوا كتاب الله والسنة، جعل الله على الحرابر العدة من الحمل، فلٌس من امرأة تطلق، أو ٌموت زوجها، إلا تعتد من أجل الحمل، ففرج ٌوطؤ، ثم ٌعتقها على المكان فٌتزوجها فٌطإها، فإن كانت حاملب، كٌؾ ٌصنع؟ ٌطإها رجل الٌوم، وٌطإها الآخر ؼداً؟ هذا نقض لكتاب الله والسنة، قال النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "لا تُوطَؤُ حَامِل حَت ى تَضَعَ، وَلا ؼٌَْرُ ذَاتِ حَمْ ل تَحٌِضَ " فلب ٌدرى هى حامل أم لا؟ سبحان الله ما أَسْمجَ هذا. وقال فى رواٌة حبٌش بن سندى فى الرجل ٌشترى الجارٌة ثم ٌعتقها من ٌومه وٌتزوجها: أٌطإها من ٌومه؟ فقال: كٌؾ ٌطإها هذا من ٌومه، وقد وطبها ذاك بالأمس؟ وؼضب وقال: هذا أخبث قول. وقال فى رواٌة المٌمونى: إذا حلؾ على شا ثم احتال بحٌلة، فصار إلٌه، فقد صار إلى ذلك بعٌنه. وقال فى رواٌة المٌمونى، فٌمن حلؾ على ٌمٌن، ثم احتال لإبطالها: هل ٌجوز؟ قال: نحن لا نرى الحٌلة إلا بما ٌجوز. فقال له المٌمونى: ألٌس حٌلتنا فٌها أن نتبع ما قالوا؟ فإذا وجدنا لهم فٌها قولاً اتبعناه؟ قال: بلى هكذا هو. قلت: أو لٌس هذا منا نحن حٌلة؟ قال: نعم، فقلت: إنهم ٌقولون فى رجل حلؾ على امرأته، وهى على درجة: إن صعدت أو نزلت فؤنت طالق. قالوا: تحمل حملبً ولا تنزل. فقال: هذا الحنث بعٌنه، لٌس هذا حٌلة، هذا هو الحنث.
عدد الصفحات ١٨٧188 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وذكر لأحمد: أن امرأة كانت ترٌد أن تفارق زوجها، فٌؤبى علٌها، فقال لها بعض أرباب الحٌل: لو ارتددت عن الإسلبم بنت منه، ففعلت، فؽضب أحمد رحمه الله وقال: من أفتى بهذا أو علمه أو رضى به فهو كافر. وكذلك قال عبد الله بن المبارك ثم قال: ما أرى الشٌطان ٌحسن مثل هذا حتى جاء هإلاء فتعلمه منهم. وقال ٌزٌد بن هارون: أفتى أصحاب الحٌل بشًء لو أفتى به الٌهود والنصارى كان 1/356) ________________________________________ قبٌحاً. أفتواً رجلبً حلؾ أن لا ٌطلق امرأته بوجه من الوجوه فبذلت له مالاً كثٌراً فى طلبقها، فؤفتوه بؤن ٌُقَبِّل أمها أو ٌباشرها. وذكرت الحٌلة عند شرٌك، فقال: من ٌخادع الله ٌخدعه. وقال النضر بن شمٌل: فى كتاب الحٌل ثلبثمابة وعشرون مسؤلة كلها كفر. وقال حفص بن ؼٌاث: ٌنبؽى أن ٌكتب علٌه: كتاب الفجور. وقال عبد الله بن المبارك فى قصة بنت أبى روح حٌث أمرت بالارتداد فى أٌام أبى ؼسان فارتدت ففرق بٌنهما وأودعت السجن: فقال ابن المبارك وهو ؼضبان: من أمر بهذا فهو كافر، ومن كان هذا الكتاب عنده، أو فى بٌته لٌؤمر به فهو كافر، وإن هوٌه ولم ٌؤمر به فهو كافر. وقال أٌوب السختٌانى: وٌل لهم، من ٌخدعون؟ ٌعنى أصحاب الحٌل. وقال بعض أصحاب الحٌل: ما تنقمون منا إلا أنا عمدنا إلى أشٌاء كانت علٌكم حراما فاحتلنا فٌها حتى صارت حلبلاً . وقال زاذان. قال على رضى الله عنه، ٌعنى وقد رأى مبادئ الحٌل: إنى أراكم تحلون أشٌاء قد حرمها الله، وتحرمون أشٌاء قد حللها الله. قلت: ومن تؤمل الشرٌعة ورزق فٌها فقه نفس رآها قد أبطلت على أصحاب الحٌل مقاصدهم وقابلتهم بنقٌضها، وسدت علٌهم الطرق التى فتحوها للتحٌل الباطل. 1/357) ________________________________________ فمن ذلك: أن الشارع منع المتحٌل على المٌراث بقتل مورثه مٌراثه، ونقله إلى ؼٌره دونه لما احتال علٌه بالباطل. ومن ذلك: بطلبن وصٌة الموصى له بمال إذا قتل الموصى. ومن ذلك: بطلبن تدبٌر المدَب ر إذا قتل سٌده لٌعجل العتق. ومن ذلك: تحرٌم المنكوحة فى عدتها على الزوج، تحرٌما مإبداً، عند عمر ابن الخطاب، ومالك، وإحدى الرواٌتٌن عن أحمد، لما احتال على وطبها بصورة العقد المحرم. ومن ذلك: ما لو احتال المرٌض على منع امرأته من المٌراث بطلبقها، فإنها ترثه مادامت فى العدة، عند طابفة، وعند آخرٌن ترثه وإن انقضت عدتها، ما لم تتزوج، وعند طابفة: ترث وإن تزوجت. ومن ذلك: بطلبن إقرار المرٌض لوارثه بمال لأنه ٌتخذه حٌلة على الوصٌة له. ونظابر ذلك كثٌرة: فالمحتال بالباطل معامل بنقبض قصده شرعاً وقدراً . وقد شاهد الناس عٌانا أنه من عاش بالمَكْرِمَاتَ بالفقر. ولهذا عاقب الله سبحانه وتعالى من احتال على إسقاط نصٌب المساكٌن وقت الجداد بحرمانهم الثمرة كلها. وعاقب من احتال على الصٌد المحرم بؤن مسخهم قردة وخنازٌر. وعاقب من احتال على أكل أموال الناس بالربا بؤن ٌمحق ماله. كما قال تعالى{ :ٌَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وٌَُرْبى الص دَقَاتِ } [البقرة: 176] . ف بد أن ٌمحق مال المرابى ولو بلػ ما بلػ. وأصل هذا: أن الله سبحانه جعل عقوبات أصحاب الجرابم بضد ما قصدوا له بتلك الجرابم، فجعل عقوبة الكاذب إهدار كلبمه ورده علٌه.
عدد الصفحات ١٨٨189 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وجعل عقوبة الؽال من الؽنٌمة لما قصد تكثٌر ماله بالؽلول: حرمانه سهمه، وإحراق متاعه. 1/358) ________________________________________ وجعل عقوبة من اصطاد فى الحرم أو الإحرام: تحرٌم أكل ما صاده، وتؽرٌمه نظٌره. وجعل عقوبة من تكبر عن قبول الحق والانقٌاد له: أن ألزمه من الذل والصؽار بحسب ما تكبر عنه من الحق. وجعل عقوبة من استكبر عن عبودٌته وطاعته: أن صٌره عبدا لأهل عبودٌته وطاعته. وجعل عقوبة من أخاؾ السبٌل وقطع الطرٌق: أن تقطع أطرافه، وتقطع علٌه الطرق كلها بالنفى من الأرض، فلب ٌسٌر فٌها إلا خابفاً . وجعل عقوبة من التذ بدنه كله وروحه بالوطء الحرام: إٌلبم بدنه وروحه بالجلد والرجم فٌصل الألم إلى حٌث وصلت اللذة. وشرع النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم عقوبة من اطلع فى بٌت ؼٌره: أن تقلع عٌنه بعود ونحوه، إفساداً للعضو الذى خانه، وأولجه بٌته بؽٌر إذنه، واطلع به على حرمته. وعاقب كل خابن بؤنه ٌضل كٌده وٌبطله ولا ٌهدٌه المقصوده وإن نال بعضه، فالذى ناله سبب لزٌادة عقوبته وخٌبته: {وَأَن اللهَ لا ٌَهْدِي كٌَْدَ الْخَابِنٌِنَ [ }ٌوسؾ: 51] . وعاقب من حرص على الولاٌة، والإمارة والقضاء، بؤن شرع منعه وحرمانه ما حرص علٌه كما قال صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: " إِن ا لا نُوَلّى عَمَلَنَا هذَا مَنْ سَؤَلهُ ." ولهذا عاقب أبا البشر آدم علٌه السلبم: بؤن أخرجه من الجنة لما عصاه بالأكل من الشجرة لٌخلد فٌها، فكانت عقوبته إخراجه منها، ضد ما أمله. وعاقب من اتخذ معه إلها آخر، ٌنتصر به، وٌتعزز به: بؤن جعله علٌه ضدا ٌذل به، وٌخذل به. كما قال تعالى: {وَاتّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لٌَِكُونُوا لَهُمْ عِزا كَلب سٌََكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وٌََكُونُونَ عَلٌَْهِمْ ضِدا [ }مرٌم: 86-81 ]وقال تعالى {وَات خَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلّهُمْ ٌُنْصَرُونَ لا ٌَسْتَطٌِعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْد مْحُضَرُونَ [ }ٌس: 74-75] (1/359) ________________________________________ وقال تعالى {لا تَجْعَل مَعَ اللهِ إلهَا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوما مَخْذُولا [ }الإسراء: 11] . ضد ما أمله المشرك من اتخاذ الإله من النصر والمدح. وعاقب الناس إذا بخسوا الكٌل والمٌزان بجور السلطان علٌهم، ٌؤخذ من أموالهم أضعاؾ ما ٌبخس به بعضهم بعضا. وعاقبهم إذا منعوا الزكاة والصدقة ترفٌها لأموالهم بحبس الؽٌث عنهم، فٌمحق بذلك أموالهم، وٌستوى ؼٌهم وفقٌرهم فى الحاجة. وعاقبهم إذا أعرضوا عن كتابه وسنة نبٌه صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم وطلبوا الهدى من ؼٌره: بؤن ٌضلهم، وٌسد علٌهم أبواب الهدى كما قال النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم فى حدٌث على رضى الله عنه الذى رواه الترمذى وؼٌره، وذكر القرآن: "مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَب ار قَصَمَهُ اللهُ، وَمَنِ ابْتَؽَى الُهْدَى فى ؼٌَْرِهِ أَضَل هُ اللهُ ." فإن المعرض عن القرآن إما أن ٌعرض عنه كبرا، فجزاإه أن ٌقصمه الله، أو طلبا للهدى من ؼٌره فجزاإه أن ٌضله الله. وهذا باب واسع جدا عظٌم النفع. لمن تدبره ٌجده متضمنا لمعاقبة الرب سبحانه من خرج عن طاعته، بؤن ٌعكس علٌه مقصوده شرعاً وقدراً، دنٌا وآخره. وقد اطردت سنته الكونٌة سبحانه فى عباده، بؤن من مكر بالباطل مكربه، ومن احتال احتٌل علٌه، ومن خادع ؼٌره خدع. قال الله تعالى: {إِنّ المُنَافِقٌنَ ٌُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ }[النساء: 641 ]وقال تعالى {وَ ٌَحٌِقٍُُ المَكْرُ الس ٌِّاُ إِلا بِؤَهْلِه[ }فاطر: 45] .
عدد الصفحات ١٨٩190 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي فلب تجد ما كراً إلا وهو ممكور به، ولا مخادعا إلا وهو مخدوع، ولا محتالا إلا وهو محتال علٌه. 1/360) ________________________________________ فصل وإذا تدبرت الشرٌعة وجدتها قد أتت بسد الذرابع إلى المحرمات، وذلك عكس باب الحٌل الموصلة إلٌها. فالحٌل وسابل وأبواب إلى المحرمات، وسد الذرابع عكس ذلك. فبٌن البابٌن أعظم تناقض، والشارع حرم الذرابع، وإن لم ٌقصد بها المحرم، لإفضابها إلٌه. فكٌؾ إذا قصد بها المحرم نفسه؟ فنهى الله تعالى عن سب آلهة المشركٌن، لكونه ذرٌعة إلى أن ٌسبوا الله سبحانه وتعالى عدوا وكفرا، على وجه المقابلة. وأخبر النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم أن: "مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَابرِ شَتْمُ الر جُلِ وَالِدٌَْهِ . قَالُوا: وَهَلْ ٌَشْتُمُ الر جُلُ وَالِدٌَْهِ؟ قَالَ : نَعمْ، ٌَسُب أَبَا الر جُلِ، فٌََسُب أَبَاهُ . وٌََسُب أُم هُ فٌََسُب أُم هُ ." ولما جاءت صفٌة رضى الله تعالى عنها تزوره صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم، وهو معتكؾ قام معها لٌوصلها إلى بٌتها فرآهما رجلبن من الأنصار فقال: "عَلَى رِسْلِكُمَا إِنّهَا صَفِ ٌ ةُ بِنْتُ حٌَُى . فَقَالا: سُبْحَانَ اللهِ، ٌَا رَسُولَ اللهِ . فَقَالَ : إِنّ الشٌّْطَانَ ٌَجْرِى مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الد مِ . إنى خَشٌِتُ أَنْ ٌَقْذِؾَ فى قُلُوبِكُمَا شَراً ." فسد الذرٌعة إلى ظنهما السوء بإعلبمهما أنها صفٌة. وأمسك صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم عن قتل المنافقٌن مع ما فٌه من المصلحة، لكونه ذرٌعة إلى التنفٌر وقول الناس: "إِنّ مُح مداً ٌَقْتُلُ أَصْحَابَهُ ." وحرم القطرة من الخمر وإن لم تحصل بها مفسدة الكثٌر، لكون قلٌلها ذرٌعة إلى شرب كثٌرها. 1/361) ________________________________________ وحرم إمساكها للتخلٌل وجعلها نجسة، لبلب تفضى مقاربتها بوجه من الوجوه إلى شربها. ونهى عن الخلٌطٌن وعن شرب العصٌر والنبٌذ بعد ثلبث، وعن الانتباذ فى الأوعٌة التى لا ٌعلم بتخمٌر النبٌذ فٌها حسماً للمادة وسدا للذرٌعة. وحرم الخلوة بالمرأة الأجنبٌة والسفر بها والنظر إلٌها لؽٌر حاجة، حسماً للمادة وسدا للذرٌعة. ومنع النساء إذا خرجن إلى المسجد من الطٌب والبخور. ومنعهن من التسبٌح فى الصلبة لناببة تنوب، بل جعل لهن التصفٌق. ومنع المعتدة من الوفاة، من الزٌنة والطٌب والحلى. ومنع الرجل من التصرٌح بخطبتها فى العدة وإن كان إنما ٌعقد النكاح بعد انقضاءها. ونهى المرأة أن تصؾ لزوجها امرأة ؼٌرها حتى كؤنه ٌنظر إلٌها. ونهى عن بناء المساجد على القبور ولعن فاعله. ونهى عن تعلٌة القبور وتشرٌفها وأمر بتسوٌتها. ونهى عن البناء علٌها وتجصٌصها والكتابة علٌها والصلبة إلٌها وعندها، وإٌقاد المصابٌح علٌها. كل ذلك سدا لذرٌعة اتخاذها أوثاناً . وهذا كله حرام على من قصده ومن لم ٌقصده، بل على من قصد خلبفه، سدا للذرٌعة. ونهى عن الصلبة عند طلوع الشمس وعند ؼروبها، لكون هذٌن الوقتٌن وقته سجود الكفار للشمس. ففى الصلبة نوع تشبه بهم فى الظاهر. وذلك ذرٌعة إلى الموافقة والمشابهة فى الباطن، وأكد كذلك بالنهى عن الصلبة بعد العصر وبعد الفجر وإن لم ٌحضر وقت سجود الكفار للشمس مبالؽة فى هذا المقصود، وحماٌة لجانب التوحٌد، وسداً لذرٌعة الشرك بكل ممكن.
عدد الصفحات ١٩٠191 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي ومنع من التفرق فى الصرؾ قبل التقابض، وكذلك الربوى إذا بٌع بربوى آخر، من ؼٌر جنسه، سدا لذرٌعة الن ساء، الذى هو صلب الربا ومعظمه، بل منع من بٌع الدرهم 1/362) ________________________________________ بالدرهمٌن نقداً سداً لذرٌعة ربا الن ساء، كما علل بذلك صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم فى الحدٌث الذى رواه مسلم فى صحٌحه، وهذا أحسن العلل فى تحرٌم ربا الفضل. وحرم الجمع بٌن السلؾ والبٌع، لما فٌه من الذرٌعة إلى الربح فى السلؾ، بؤخذ أكثر مما أعطى، والتوسل إلى ذلك بالبٌع أو الإجارة كما هو الواقع. ومنع البابع أن ٌشترى السلعة من مشترٌها بؤقل مما اشتراها به، وهى مسؤلة العٌنة وإن لم ٌقصد الربا، لكونه وسٌلة ظاهرة واقعة إلى بٌع خمسة عشر نسٌبة بعشرة نقداً . وحرم جمع الشرطٌن فى البٌع، لكونه وسٌلة إلى ذلك، وهو منطبق على مسؤلة العٌنة. ومنع من القرض الذى ٌجر النفع وجعله ربا. ومنع المقرض من قبول هدٌة المقترض، ما لم ٌكن بٌنهما عادة جارٌة بذلك قبل القرض. ففى سنن ابن ماجه عن ٌحٌى بن أبى إسحاق الهنابى. قال سؤلت أنس بن مالك: الرجل منا ٌقرض أخاه المال، فٌهدى إلٌه؟ فقال: قال رسول الله صلى الله تعالً علٌه وآله وسلم: "إِذَا أَقْرَضَ أَحَدُكُمْ قَرْضاً فؤَهْدَى إِلٌَْهِ، أَوْ حَمَلَهُ عَلَى الد ابّةِ فَلب ٌَرْكَبَنّهَا، وَلا ٌَقْبَلهُ إلا أَنْ ٌَكُونَ جَرَى بٌَْنَهُ وَبٌَْنَهُ قَبْلَ ذلِكَ ." وروى البخارى فى تارٌخه عن ٌزٌد بن أبى ٌحٌى الهنابى عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "إِذَا أَقْرَضَ أَحَدُكُمْ فَلب ٌؤْخُذْ هَدٌِّةً ." وفى صحٌح البخارى عن أبى بردة عن أبى موسى قال: "قَدِمْتُ المَدٌِنَةَ فَلَقٌِتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَلبم فقَالَ لى: إِنّكَ بؤَرْض الرِّبَا فٌِهَا فَاش ، فَإِذَا كانَ لَكَ عَلَى رَجُل حَق فؤَهْدَى إِلٌَْكَ حمل تبن أو حْمِل شَعٌِر ، أوْ حُمِلَ قَ ت ، فَلب تَؤْخُذْهُ فَإِنّهُ رِباً ." وروى سعٌد بن منصور فى سننه هذا المعنى عن أبى بن كعب. وجاء عن ابن مسعود، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو رضى الله عنهم نحوه. 1/363) ________________________________________ وكل ذلك سدا لذرٌعة أخذ الزٌادة فى القرض الذى موجبه رد المثل. ونهى عن بٌع الكالا بالكالا، وهو الدٌن المإخر بالدٌن المإخر، لأنه ذرٌعة إلى ربا النسٌبة، فلو كان الدٌنان حالٌن لم ٌمتنع، لأنهما ٌسقطان جمٌعاً من ذمتٌهما، وفى الصورة المنهى عنها ذرٌعة إلى تضاعؾ الدٌن فى ذمة كل واحد منهما فى مقابلة تؤجٌله وهذه مفسدة ربا [النسٌبة]بعٌنها. ونهى الله سبحانه وتعالى الن ساء أنْ {ٌَضْرِبْنَ بِؤَرْجُلِهِن لٌِْعْلَمَ مَا ٌُخْفٌِنَ مِنْ زٌِنتِهِن [ }النور: 56] . فلما كان الضرب بالرجل ذرٌعة إلى ظهور صوت الخلخال الذى هو ذرٌعة إلى مٌل الرجال إلٌهن نهاهن عنه. وأمر الله سبحانه الرجال والنساء بؽض أبصارهم لما كان النظر ذرٌعة إلى المٌل والمحبة التى هى ذرٌعة إلى مواقعة المحظور. وحرم التجارة فى الخمر وإن كان إنما ٌبٌعها من كافر ٌستحل شربها، فإن التجارة فٌها ذرٌعة إلى اقتنابها وشربها، ولهذا لما نزلت الآٌات فى تحرٌم الربا قرأها علٌهم رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم، وقرن بها تحرٌم التجارة فى الخمر، فإن الربا ذرٌعة إلى إفساد الأموال. والخمر ذرٌعة إلى إفساد العقول. فجمع بٌن تحرٌم التجارة فى هذا وهذا. ونهى عن استقبال رمضان بٌوم أو ٌومٌن، لبلب ٌتخذ ذرٌعة إلى الزٌادة فى الصوم الواجب كما فعل أهل الكتاب.
عدد الصفحات ١٩١192 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي ونهى عن التشبه بؤهل الكتاب وؼٌرهم من الكفار فى مواضع كثٌرة، لأن المشابهة الظاهرة ذرٌعة إلى الموافقة الباطنة فإنه إذا أشبه الهدى الهدى أشبه القلب القلب. وقد قال صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "خَالَؾَ هَدٌُْنَا هَدْىَ الْكف ارِ ." وفى المسند مرفوعاً : "مَنْ تَشَب هَ بِقَوْم فَهُوَ مِنْهُمْ ." وحرم الجمع بٌن المرأة وعمتها، وبٌن المرأة وخالتها، لكونه ذرٌعة إلى قطٌعة الرحم. وبهذه العلة بعٌنها علل رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم فقال: "إِن كُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ 1/364) ________________________________________ ذلِكَ قَطَعْتُمْ أَرْحَامَكمْ ." وأمر بالتسوٌة بٌن الأولاد فى العطٌة، وأخبر أن تخصٌص بعضهم بها جور لا ٌصلح، ولا تنبؽى الشهادة علٌه. وأمر فاعله برده ووعظه وأمره بتقوى الله تعالى، وأمره بالعدل لكون ذلك ذرٌعة ظاهرة قرٌبة جدا إلى وقوع العداوة بٌن الأولاد وقطٌعة الرحم بٌنهم، كما هو المشاهد عٌاناً، فلو لم تؤت السنة الصحٌحة الصرٌحة التى لا معارض لها بالمنع منه، لكان القٌاس وأصول الشرٌعة وما تضمنته من المصالح ودرء المفاسد ٌقتضى تحرٌمه. ومنع من نكاح الأمة، لكونه ذرٌعة ظاهرة إلى استرقاق ولده ثم جوز وطؤها ٌملك الٌمٌن لزوال هذه المفسدة. ومنع من تجاوز أربع زوجات لكونه ذرٌعة ظاهرة إلى الجور وعدم العدل بٌنهن، وقصر الرجال على الأربع، فسحة لهم فى التخلص من الزنا، وإن وقع منهم بعض الجور فاحتماله أقل مفسدة من مفسدة الزنى. ومنع من عقد النكاح فى حال العدة وحال الإحرام، وإن تؤخر الدخول إلى ما بعد انقضابها وحصول الحل، لكون العقد ذرٌعة إلى الوطء، والنفوس لا تصبر ؼالباً مع قوة الداعى. وشرط فى النكاح شروطاً زابدة على مجرد العقد، فقطع عنه شبه بعض أنواع السفاح به كاشتراط إعلبنه، إما بالشهادة أو بترك الكتمان أو بهما. واشتراط الولى، ومنع المرأة أن تلٌه. وندب إلى إظهاره، حتى استحب فٌه الدؾ، والصوت، والولٌمة وأوجب فٌه المهر. 1/365) ________________________________________ ومنع هبة المرأة نفسها لؽٌر النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم. وسر ذلك: أن فى ضد ذلك والإخلبل به ذرٌعة إلى وقوع السفاح بصورة النكاح كما فى الأثر: "إِنّ الز انٌَِةَ هِىَ الّتِى تُزَوِّجُ نَفْسَهَا." فإِنه لا تشاء زانٌة تقول: زوجتك نفسى بكذا سراً من ولٌها، بؽٌر شهود ولا إعلبن ولا ولٌمة ولا دؾ ولا صوت إلا فعلت. ومعلوم قطعاً أن مفسدة الرنا لا تنتفى بقولها: أنكحتك نفسى، أو زوجتك نفسى. أو أبحتك منى كذا وكذا. فلو انتفت مفسدة الزنا بذلك لكان هذا من أٌسر الأمور علٌها وعلى الرجل. فعظم الشارع أمر هذا العقد. وسد الذرٌعة إلى مشابهته للزنا بكل طرٌق. ثم أكد ذلك، بؤن جعل له حرٌما من العدة ٌزٌد على مقدار الاستبراء، وأثبت له أحكاماً من المصاهرة وحرمتها، ومن التوارث. ولهذا كان الراجح فى الدلٌل: أن الزنى لا ٌثبت حرمة المصاهرة كما لا ٌثبت التوارث والنفقة وحقوق الزوجٌة. ولا ٌثبت به النسب، ولا العدة على الصحٌح. وإنما تستبرأ بحٌضة لٌعلم براءة رحمها، ولا ٌقع فٌه طلبق، ولا ظهار، ولا إٌلبء. ولا ٌثبت المحرمٌة بٌنه وبٌن أمها وابنتها. فلب ٌثبت حرمة المصاهرة ولا تحرٌمها. فإن الشارع جعل وصلة الصهر فٌه مع وصلة النسب. وجمع بٌنهما فى قوله{ :فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً [ }الفرقان: 54] . فإذا انتفت وصلة النسب فٌه انتفت وصلة الصهر. وكنا ننصر القول بالتحرٌم ثم رأٌنا الرجوع إلى عدم التحرٌم أولى لاقتضاء الدلٌل له. ولٌس المقصود استٌفاء أدلة المسؤلة من الجانبٌن، وإنما الؽرض التنبٌه على أن من قواعد الشرع العظٌمة: قاعدة سد الذرابع.
عدد الصفحات ١٩٢193 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي ومن ذلك: نهى النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم أن تقام الحدود فى دار الحرب. وأن تقطع الأٌدى فى الؽزو، لبلب ٌكون ذلك ذرٌعة إلى لحاق المحدود بالكفار. ومن ذلك: أن المسلم إذا احتاج إلى التزوج بدار الحرب، وخاؾ على نفسه الزنا عزل 1/366) ________________________________________ عن امرأته، نص علٌه أحمد، لبلب ٌكون ذلك ذرٌعة إلى أن ٌنشؤ ولده كافراً . ومن ذلك: أن الصحابة اتفقوا على قتل الجماعة الكثٌرة بالواحد، وإن كان القصاص ٌقتضى المساواة، لبلب ٌتخذ ذرٌعة إلى إهدار الدماء، وتعاون الجماعة على قتل المعصوم. ومن ذلك: أن السكران لو قتل اقتص منه، وإن كان فى هذه الحالة لا قصد له. لبلب ٌتخذ السكر ذرٌعة إلى قتل المعصوم وسقوط القصاص. ومن ذلك: نهٌه سبحانه رسوله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم عن الجهر بالقرآن بحضرة العدو، لما كان ذرٌعة إلى سبهم للقرآن ومن أنزله. ومن ذلك: أنه سبحانه نهى الصحابة أن قالوا للنبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: {رَاعِنَا[ }البقرة: 614] . مع قصدهم المعنى الصحٌح، وهو المراعاة، لبلب ٌتخذ الٌهود هذه اللفظة ذرٌعة إلى السب، ولبلب ٌتشبهوا بهم، ولبلب ٌخاطب بلفظ ٌحتمل معنى فاسدا. ومن ذلك: أنه صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم كره الصلبة إلى ما قد عبد من دون الله، وأحب لمن صلى إلى عمود أو عود أو شجرة، أن ٌجعله على أحد حاجبٌه، ولا ٌصمد له صمداً سداً لذرٌعة التشبه بالسجود لؽٌر الله تعالى. ومن ذلك: أنه أمر المؤمومٌن أن ٌصلواً جلوساً إذا صلى إمامهم جالساً، سدا لذرٌعة التشبه بفارس والروم فى قٌامهم على ملوكهم وهم قعود. ومن ذلك: أن النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم منع الرجل من أخذ نظٌر حقه بصورة الخٌانة ممن خانه وجحد حقه، وإن كان إنما ٌؤخذ حقه أو دونه، فقال لمن سؤله: عن ذلك: "أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ٍُ ابْتَمَنَكَ، وَلا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ ." لأن ذلك ذرٌعة إلى إساءة الظن به ونسبته إلى الخٌانة. ولا ٌمكنه أن ٌحتج عن نفسه، وٌقٌم عذره، مع أن ذلك أٌضاً ذرٌعة إلى أن لا ٌقتصر على قدر الحق وصفته، فإن النفوس لا تقتصر فى الاستٌفاء ؼالبا على قدر الحق. 1/367) ________________________________________ ومن ذلك: أن سلط الشرٌك على انتزاع الشقص المشفوع من ٌد المشترى سدا لذرٌعة المفسدة الناشبة من الشركة والمخالطة بحسب الإمكان. وقبل البٌع لٌس أحدهما أولى بانتزاع نصٌب شرٌكه من الآخر. فإذا رؼب عنه وعرضه للبٌع كان شرٌكه أحق به لما فٌه من إزالة الضرر عنه، وعدم تضرره هو. فإنه ٌؤخذه بالثمن الذى ٌؤخذه به الأجنبى، ولهذا كان الحق: أنه لا ٌحل الاحتٌال لإسقاط الشفعة، ولا تسقط بالاحتٌال. فإن الاحتٌال على إسقاطها ٌعود على الحكمة التى شرعت لها بالنقض والإبطال. ومن ذلك: أنه لا ٌقبل شهادة العدو، ولا الظنٌن فى تهمة أو قرابة. ولا الشرٌك فٌما هو شرٌك فٌه، ولا الوصى فٌما هو وصى فٌه، ولا الولد على ضرة أمه، ولا ٌحكم القاضى بعلمه. كل ذلك سدا لذرٌعة التهمة والؽرض الفاسد. ومن ذلك: أن السنة مضت بكراهة إفراد رجب بالصوم، وإفراد ٌوم الجمعة، لبلب ٌتخذ ذرٌعة إلى الابتداع فى الدٌن بتخصٌص زمان لم ٌخصه الشارع بالعبادة. ومن ذلك: أن أمٌر المإمنٌن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أمر بقطع الشجرة التى كانت تحتها البٌعة وأمر بإخفاء قبر دانٌال، سدا لذرٌعة الشرك والفتنة. ونهى عن تعمد الصلبة فى الأمكنة التى كان رسول الله صلى الله تعالى علٌه
عدد الصفحات ١٩٣194 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وآله وسلم ٌنزل بها فى سفره وقال "أترٌدون أن تتخدوا آثار أنبٌابكم مساجد؟ من أدركته الصلبة فٌه فلٌصل، وإلا فلب." ومن ذلك: جمع عثمان بن عفان رضى الله عنه الأمة على حرؾ واحد من الأحرؾ السبعة، لبلب ٌكون اختلبفهم فٌها ذرٌعة إلى اختلبفهم فى القرآن. ووافقه على ذلك الصحابة رضى الله عنهم. ومن ذلك: أن النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم أمر الذى أرسل معه بهدٌة إذا عطب شا منه دون المحل أن ٌنحره، وٌصبػ نعله الذى قلده به بدمه، وٌخلى بٌنه وبٌن 1/368) ________________________________________ المساكٌن، ونهاه أن ٌؤكل منه هو أو أحد من أهل رفقته، قالوا: لأنه لو جاز له أن ٌؤكل منه، أو أحد من رفقته قبل بلوغ المحل لخادعته نفسه إلى أن ٌقصر فى علفه وحفظه حتى ٌشارؾ العطب فٌنحره. فسد الشارع الذرٌعة ومنعه ورفقته من الأكل منه. ومن ذلك: نهٌه صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم عن الذرابع التى توجب الاختلبؾ والتفرق والعداوة والبؽضاء، كخطبة الرجل على خطبة أخٌه، وسومه على سومه، وبٌعه على بٌعه، وسإال المرأة طلبق ضرتها، وقال: "إذَا بُوٌِعَ لخِلٌَفَتٌْنِ فَاقْتُلُوا الآخَرَ مِنْهُمَا." سدا لذرٌعة الفتنة والفرقة. ونهى عن قتال الأمراء والخروج على الأبمة وإن ظلموا وجاروا ما أقاموا الصلبة سدا لذرٌعة الفساد العظٌم، والشر الكبٌر بقتالهم كما هو الواقع، فإنه حصل بسبب قتالهم والخروج علٌهم من الشرور أضعاؾ أضعاؾ ما هم علٌه، والأمة فى بقاٌا تلك الشرور إلى الآن. ومن ذلك: أن الشروط المضروبة على أهل الذمة تضمنت تمٌٌزهم عن المسلمٌن فً اللباس والشعور والمراكب، لبلب تفضى مشابهتهم للمسلمٌن فى ذلك إلى معاملتهم معاملة المسلمٌن فى الإكرام والاحترام ففى إلزامهم بتمٌٌزهم عنهم سدا لهذه الذرٌعة. ومن ذلك: منعه صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم من بٌع القلبدة التى فٌها خرز وذهب بذهب، لبلب ٌتخذ ذرٌعة إلً بٌع الذهب بالذهب متفاضلبً، إذا ضم إلى أحدهما خرز أو نحوه. ولو لم ٌكن فى هذا الباب إلا أن الله سبحانه وتعالى أوجب إقامة الحدود، سدا للذرٌعة إلى الجرابم إذا لم ٌكن علٌها وازع طبٌعى، وجعل مقادٌر عقوباتها وأجناسها وصفاتها 1/369) ________________________________________ بحسب مفاسدها فً نفسها وقوة الداعى إلٌها وتقاضى الطباع لها. وبالجملة، فالمحرمات قسمان: مفاسد، وذرابع موصلة إلٌها، مطلوبة الإعدام، كما أن المفاسد مطلوبة الإعدام. والقربات نوعان: مصالح للعباد، وذرابع موصلة إلٌها. ففتح باب الذرابع فى النوع الأول كسد باب الذرابع فى النوع الثانى، وكلبهما مناقض لما جاءت به الشرٌعة، فبٌن باب الحٌل وباب سد الذرابع أعظم تناقض. وكٌؾ ٌظن بهذه الشرٌعة العظٌمة الكاملة التى جاءت بدفع المفاسد وسد أبوابها وطرقها أن تجوز فتح باب الحٌل، وطرق المكر على إسقاط واجباتها، واستباحة محرماتها. والتذرع إلى حصول المفاسد التى قصدت دفعها. وإذا كان الشا الذى قد ٌكون ذرٌعة إلى الفعل المحرم إما بؤن ٌقصد به ذلك المحرم، أو بؤن لا ٌقصد به، وإنما ٌقصد به المباح نفسه، لكن قد ٌكون ذرٌعة إلى المحرم، ٌحرمه الشارع بحسب الإمكان، ما لم ٌعارض ذلك مصلحة راجحة تقتضى حله، فالتذرع إلى المحرمات بالاحتٌال علٌها أولى أن ٌكون حراماً، وأولى بالإبطال والإهدار إذا عرؾ قصد فاعله، وأولى أن لا ٌعان فاعله علٌه، وأن ٌعامل بنقٌض قصده، وأن ٌبطل علٌه كٌده ومكره. وهذا بحمد الله تعالى بٌن لمن له فقه وفهم فى الشرع ومقاصده.
عدد الصفحات ١٩٤195 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي قال شٌخ الإسلبم ابن تٌمٌة: وتجوٌز الحٌل ٌناقض سد الذرابع مناقضة ظاهرة، فإن الشارع ٌسد الطرٌق إلى ذلك المحرم بكل ممكن، والمحتال ٌتوسل إلٌه بكل ممكن، ولهذا اعتبر الشارع فى البٌع والصرؾ والنكاح وؼٌرها، شروطاً سد ببعضها التذرع إلى الربا والزنا، وكمل بها مقصود العقود، ولم ٌمكن المحتال الخروج منها فى الظاهر. ومن ٌرٌد الاحتٌال على ما منع الشارع منه فٌؤتى بها مع حٌلة أخرى توصله بزعمه إلى نفس ذلك الشا الذى سد الشارع الذرٌعة إلٌه، لم ٌبق لتلك الشروط التى أتى بها فابدة ولا حقٌقة، بل تبقى بمنزلة العبث واللعب، وتطوٌل الطرٌق إلى المقصود من ؼٌر فابدة. 1/370) ________________________________________ قال: واعتبر هذا بالشفعة، فإن الشارع أباح انتزاع الشقص من مشترٌه، والشارع لا ٌخرج الملك عن مالكه بقٌمة أو ؼٌرها، إلا لمصلحة راجحة، وكانت المصلحة هاهنا تكمٌل العقار للشرٌك فإنه بذلك ٌزول ضرر المشاركة والمقاسمة، ولٌس فى هذا التكمٌل ضرر على البابع، لأن مقصوده من الثمن ٌحصل بؤخذه من المشترى، شرٌكاً كان أو أجنبٌاً، فالمحتال لإسقاطها مناقض لمقصود الشارع، مضاد له فى حكمه. فالشارع ٌقول: لا ٌحل له أن ٌبٌع حتى ٌإذن شرٌكه، فإن شاء أخذ وإن شاء ترك، والمحتال ٌقول: لك أن تتحٌل على منع الشرٌك من الأخذ بؤنواع من الحٌل، التى ظاهرها مكر وخداع، وباطنها منع الشرٌك مما أباحه له الشارع ومكنه منه، وتفوٌت نفس مقصود الشارع. والمصٌبة الكبرى: إظهار المحتال أنه إنما فعل ما أذن له الشارع فى فعله، وأنه مكنه من المكر والخداع، والتحٌل على إسقاط حق الشرٌك، وهذا بٌن لمن تؤمله. قال: والمقصود: بٌان تحرٌم الحٌل، وأن صاحبها متعرض لسخط الله تعالى، وألٌم عقابه. وٌترتب على ذلك أن ٌنقض على صاحبها مقصوده منها بحسب الإمكان، وذلك فى كل حٌلة بحسبها. فلب ٌخلو الاحتٌال: إما أن ٌكون من واحد أو اثنٌن فؤكثر، فإن كان من اثنٌن فؤكثر، فإن كان عقد بٌع تواطآ علٌه تحٌلب على الربا، كما فً العٌنة حكم بفساد العقدٌن، وٌرد إلى الأول رأس ماله، كما قالت أم المإمنٌن عابشة رضى الله تعالى عنها، وكان بمنزلة المقبوض بعقد ربا، لا ٌحل الانتفاع به، بل ٌجب رده إن كان باقٌاً، وبدله إن كان تالفاً، وكذلك إن جمعا بٌن بٌع وقرض، أو إجارة وقرض، أو مضاربة، أو شراكه أو مساقاة، أو مزارعة، وقرض، حكم بفسادهما، فٌجب أن ٌرد علٌه بدل ماله الذى جعلبه قرضاً، والعقد الآخر فاسد، حكمه حكم العقود الفاسدة. وكذلك إن كان نكاحاً تواطآ علٌه كان حكمه حكم الأنكحة الفاسدة. وكذلك إن تواطآ على هبة أو بٌع لإسقاط الزكاة، أو على هبة لتصحٌح نكاح فاسد، أو وقؾ فاسد، مثل أن ترٌد مواقعة مملوكها فتهبه لرجل فٌزوجها به، فإذا قضت وطرها منه استوهبته من الرجل فوهبتها إٌاه، فانفسخ النكاح، فهذا البٌع والهبة فاسدان فى جمٌع الأحكام. 1/371) ________________________________________ وإن كان الاحتٌال من واحد، فإن كانت الحٌلة ٌستقل بها لم ٌحصل بها ؼرضه. فإن كانت عقداً كان فاسداً، مثل أن ٌهب لابنه هبة ٌرٌد أن ٌرجع فٌها لبلب ٌجب علٌه الزكاة فإن وجود هذه الهبة كعدمها لٌست هبة فى شا من الأحكام، لكن إن ظهر المقصود ترتب الحكم علٌه ظاهرا وباطنا وإلا كانت فاسدة فى الباطن فقط. وإن كانت حٌلة لا ٌستقل بها، مثل أن ٌنوى التحلٌل، ولا ٌظهره للزوجة، أو ٌرتجع المرأة إضراراً بها، أو ٌهب ماله إضراراً للورثة ونحو ذلك، كانت هذه العقود بالنسبة إلٌه وإلى من علم ؼرضه باطلة، فلب ٌحل له وطء المرأة ولا ٌرثها لو ماتت. وإذا علم الموهوب له، والموصى له ؼرضه باطلب: لم ٌحصل له الملك فى الباطن. فلب ٌحل له الانتفاع به بل ٌجب رده إلى مستحقه.
عدد الصفحات ١٩٥من علم ؼرضه باطلة، فلب ٌحل له وطء المرأة ولا ٌرثها لو ماتت. وإذا علم الموهوب له، والموصى له ؼرضه باطلب: لم ٌحصل له الملك فى الباطن. فلب ٌحل له الانتفاع به بل ٌجب رده إلى مستحقه. وأما بالنسبة إلى العاقد الآخر الذى لم ٌعلم فإنه صحٌح ٌفٌد مقصود العقود الصحٌحة، ولهذا نظابر كثٌرة فى الشرٌعة. وإن كانت الحلٌة له وعلٌه كطلبق المرٌض، صح الطلبق من جهة أنه أزال ملكه ولم ٌصح من جهة أنه ٌمنع الإرث. فإنه إنما منع من قطع الإرث، لا من إزالة ملك البضع. وإن كانت الحٌلة فعلب ٌفضى إلى ؼرض له مثل أن ٌسافر فى الصٌؾ لٌتؤخر عنه الصوم إلى الشتاء، لم ٌحصل ؼرضه بل ٌجب علٌه الصوم فً هذا السفر.
عدد الصفحات ١٩٥196 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي قلت: ونظٌر هذا ما قالت المالكٌة: إنه لا ٌستبٌح رخصة المسح على الخفٌن إذا لبسهما لنفس المسح، فلو مسح لذلك لم ٌجزه، وعلٌه إعادة الصلبة أبدا. وإنما تثبت الرخصة فى حق من لبسهما لحاجة، كالبرد والركوب ونحوهما. فٌمسح علٌهما لمشقة النزع. وخالفهم باقى الفقهاء فى ذلك، والمنع جار على أصول من راعى المقاصد. قال شٌخنا: وإن كان ٌفضى إلى سقوط حق ؼٌره مثل أن ٌطؤ امرأة أبٌه أو ابنه، لٌنفسخ نكاحه، أو مثل أن تباشر المرأة ابن زوجها، أو أباه عند من ٌرى ذلك موجبا للتحرٌم، فهذه الحٌل بمنزلة الإتلبؾ للملك بقتل أو ؼصب لا ٌمكن إبطالها، لأن حرمة المرأة بهذا السبب حق الله تعالى ٌترتب علٌه فسخ النكاح ضمنا. والأفعال الموجبة للتحرٌم لا ٌعتبر لها العقل فضلب عن القصد. وهذا بمنزلة أن ٌحتال على نجاسة مابع فإن نجاسات 1/372) ________________________________________ المابعات بالمخالطة، وتحرٌم المصاهرة بالمباشرة، أحكام تثبت بؤمور حسٌة فلب ترفع الأحكام مع وجود تلك الأسباب. قلت: هذا كان قول الشٌخ أولاً ثم رجع إلى أن تحرٌم المصاهرة لا ٌثبت بالمباشرة المحرمة. وحٌنبذ فصورة ذلك: أن ترضع ابنته الكبٌرة أو أمته امرأته الصؽٌرة. لٌنفسخ نكاحها. فإن فسخ النكاح هاهنا لا ٌتوقؾ على العقل ولا على القصد، بل لو كانت المرضعة مجنونة ٌثبت التحرٌم، فهو بمنزلة أن ٌلقى فى مابعه ما ٌنجسه. قال: وإن كانت الحٌلة فعلب ٌفضى إلى تحلٌل له أو لؽٌره مثل أن ٌقتل رجلبً لٌتزوج امرأته، أو ٌزوجها ؼٌره. فهاهنا تحل المرأة لؽٌر من قصد تزوٌجها به. فإنها بالنسبة إلٌه كمن مات عنها زوجها، أو قتل بحق أو فى سبٌل الله. وأما بالنسبة إلى من قصد بالقتل أن ٌتزوج المرأة إما بمواطؤة منها أو بدونها، فهذا ٌشبه من بعض الوجوه ما لو خلل الخمر بنقلها من موضع إلى موضع، من ؼٌر أن ٌطرح فٌها شٌباً . والصحٌح أنها لا تطهر، وإن كانت تطهر إذا تخللت بفعل الله تعالى. وكذلك هذا الرجل لو مات بدون هذا القصد حلت المرأة، فإذا قتله لهذا القصد أمكن أن ٌقال تحرم علٌه مع حلها لؽٌره. وٌشبه هذا: الحلبل إذا صاد الصٌد وذبحه لحرام، فإنه ٌحرم على ذلك المحرم وٌحل للحلبل. ومما ٌإٌد هذا: أن القاتل ٌمنع الإرث، ولا ٌمنعه ؼٌره من الورثة. لكن لما كان مال الرجل تتطلع إلٌه نفوس الورثة كان القتل مما ٌقصد به المال، بخلبؾ الزوجة فإن ذلك لا ٌكاد ٌقصد، فإن التفات الرجل إلى امرأة ؼٌره بالنسبة إلى التفات الورثة إلى مال المورث قلٌل. وكونه ٌقتله لٌتزوجها، فهذا أقل. فلذلك لم ٌشرع أن من قتل رجلبً حرمت علٌه امرأته، كما شرع أن من قتل مورثا منع مٌراثه، فإذا قتله لٌتزوج بها فقد وجدت الحكمة فٌه فٌعاقب بنقٌض قصده. وأكثر ما ٌقال فى رد هذا: أن الأفعال المحرمة لحق الله تعالى لا تفٌد الحل، كذبح الصٌد، وتحلٌل الخمر، والتذكٌة فى ؼٌر المحل. أما المحرم لحق الآدمى، كذبح المؽصوب، فإنه بفٌد الحل. أو ٌقال: إن الفعل المشروع لثبوت الحكم ٌشترط فٌه وقوعه على الوجه 1/373) ________________________________________ المشروع كالذكاة والقتل لم ٌشرع لحل المرأة، وإنما انقضاء النكاح بانقضاء الأجل، فحصل الحل صمنا وتبعاً . وٌمكن أن ٌقال فى جواب هذا: إن قتل الآدمى حرام لحق الله تعالى وحق الآدمى. ولهذا لا ٌستباح بالإباحة، بخلبؾ ذبح المؽصوب، فإنه حرم لمحض حق الآدمى. ولهذا لو أباحه حل، فالمحرم هناك إنما هو تفوٌت المالٌة على المالك لا إزهاق الروح. وقد اختلؾ فى الذبح بآلة مؽصوبة، وفٌه عن أحمد رواٌتان واختلؾ العلماء فى ذبح المؽصوب، وقد نص أحمد على أنه ذكى. وفٌه حدٌث رافع بن خدٌج فى ذبح الؽنم المنهوبة، والحدٌث الآخر فى المرأة التى أضافت النبى صلى الله
عدد الصفحات ١٩٦وبة، وفٌه عن أحمد رواٌتان واختلؾ العلماء فى ذبح المؽصوب، وقد نص أحمد على أنه ذكى. وفٌه حدٌث رافع بن خدٌج فى ذبح الؽنم المنهوبة، والحدٌث الآخر فى المرأة التى أضافت النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم، فذبحت له شاة أخذتها بدون إذن أهلها، فقال: "أَطعْمِوُهَا الأُسَارَى."
عدد الصفحات ١٩٦