197 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وفى هذا دلٌل على أن المذبوح بدون إذن أهله ٌمنع من أكله المذبوح له دون ؼٌره، كالصٌد إذا ذبحه الحلبل لحرام، حرم على الحرام دون الحلبل. وقد نقل صالح عن أبٌه فٌمن سرق شاة فذبحها: لا ٌحل أكلها، ٌعنى له، قلت لأبى: فإن ردها على صاحبها؟ قال: تإكل. فهذه الرواٌة قد ٌإخذ منها أنها حرام على الذابح مطلقاً، لأن أحمد لو قصد التحرٌم من جهة أن المالك لم ٌؤذن له فى الأكل، لم ٌخص الذابح بالتحرٌم. فهذا القول الذى دل علٌه الحدٌث فى الحقٌقة حجة لتحرٌم مثل هذه المرأة على القاتل لٌتزوجها دون ؼٌره بطرٌق الأولى. هذا كله كلبم شٌخنا. 1/374) ________________________________________ وبعد، فالتحرٌم مطرد على قواعد أحمد، ومالك من وجوه متعددة. منها: مقابلة الفاعل بنقٌض قصده كطلبق الفار، وقاتل مورثه، وقاتل الموصى، والمدبر إذا قتل سٌده. ومنها: سد الذرابع. ومنها: تحرٌم الحٌل. ومنها: تخلٌل الخمر كما ذكره شٌخنا، والله تعالى أعلم. قال: فتلخص أن الحٌل نوعان: أقوال، وأفعال. فالأقوال: ٌشترط لثبوت أحكامها العقل، وٌعتبر فٌها القصد، وتكون صحٌحة تارة، وفاسدة أخرى. ثم ما ثبت حكمه، منه ما ٌمكن فسخه ورفعه بعد وقوعه، كالبٌع والنكاح. ومنه مالا ٌمكن فٌه ذلك كالعتق والطلبق. فهذا الضرب إذا قصد به الاحتٌال على فعل محرم، أو إسقاط واجب أمكن إبطاله، إما من جمٌع الوجوه، وإما من الوجه الذى ٌبطل مقصود المحتال، بحٌث لا ٌترتب علٌه الحكم المحتال على حصوله، كما حكم به الصحابة رضوان الله تعالى علٌهم فى طلبق الفار. وأما الأفعال: فإن اقتضت الرخصة للمحتال لم تحصل كالسفر للقصر والفطر. وإن اقتضت تحرٌماً على الؽٌر فإنه قد ٌقع وتكون بمنزلة إتلبؾ النفس والمال. وإن اقتضت حلبً عاماً إما بنفسها أو بواسطة زوال الملك، فهذه مسؤلة القتل وذبح الصٌد للحلبل، وذبح المؽصوب للؽاصب. وبالجملة: فإذا قصد بالفعل استباحة محرم لم ٌحل له، وإن قصد إزالة ملك الؽٌر لٌحل له فالأقٌس أن لا ٌحل له أٌضاً وإن حل لؽٌره. وقد دخل فى القسم الأول احتٌال المرأة على فسخ النكاح بالردة، فهى لا تمشى ؼالبا إلا عند من ٌقول: الفرقة تنجز بنفس الردة، أو ٌقول: بؤنها لا تقتل، فالواجب فى مثل هذه الحٌلة: أن لا ٌنفسخ بها النكاح، وإذا علم الحاكم أنها ارتدت لذلك لم ٌفرق بٌنهما. وتكون مرتدة من حٌث العقوبة والقتل، ؼٌر مرتدة من حٌث فساد النكاح، حتى لو توفٌت أو قتلت قبل الرجوع استحق مٌراثها، لكن لا ٌجوز له وطإها فى حالة الردة، فإن 1/375) ________________________________________ الزوجة قد ٌحرم وطإها بؤسباب من جهتها كما لو أحرمت، لكن لو ثبت أنها ارتدت ثم قالت: إنما ارتدت لفسخ النكاح، لم ٌقبل هذا، فإنه قد ٌجعل ذرٌعة إلى عود نكاح كل مرتدة، بؤن تلقن أنها إنما ارتدت للفسخ، ولأنها متهمة فى ذلك، ولأن الأصل أنها مرتدة فى جمٌع الأحكام. فصل وقد استدل البخارى فى صحٌحه على بطلبن الحٌل بقوله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "لا ٌُجْمَعُ بٌَْنَ مُتَفَرِّق ، وَلا ٌُفَر قُ بٌَْنَ مُجْتَمِع ، خَشٌَْةَ الص دَقَةَ ."
عدد الصفحات ١٩٧198 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي فإن هذا النهى ٌعم ما قبل الحول وما بعده. واحتج بقوله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم فى الطاعون: "إِذَا وَقَعَ بِؤَرْض وَأَنْتُمْ بِهَا فَلب تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ ." وهذا من دقة فقهه رحمه الله، فإنه إذا كان قد نهى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم عن الفرار من قدر الله تعالً إذا نزل بالعبد، رضا بقضاء الله تعالى وتسلٌماً لحكمه، فكٌؾ بالفرار من أمره ودٌنه إذا نزل بالعبد؟. واحتج بؤنه صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "نَهَى عَنْ بٌَْعِ فَضْلِ المَاءِ لٌَِمْنَعَ بِهِ الْكَ لؤَ ." فدل على أن الشا الذى هو فى نفسه ؼٌر محرم إذا قصد به أمر محرم صار محرماً . واحتج أحمد رحمه الله على بطلبن الحٌل وتحرٌمها بلعنة رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم للمحلل، وبقوله "لا ترتكبوا ما ارتكبت الٌهود، فتستحلوا محارم الله تعالى بؤدنى الحٌل." واحتج على تحرٌم الحٌل لإسقاط الشفعة بقوله "فلب ٌحل له أن ٌبٌع حتى ٌإذن شرٌكه." واحتج ابن عباس وبعده أٌوب السختٌانى، وؼٌره من السلؾ: بؤن الحٌل مخادعة لله تعالى. وقد قال الله تعالى: {ٌُخَادِعُونَ اللهَ وَال ذٌِنَ آمَنُوا وَمَا ٌَخْدَعُونَ إلا أَنْفُسَهُمْ } [البقرة: 9] . قال ابن عباس: ومن ٌخادع الله ٌخدعه. 1/376) ________________________________________ و رٌب أن من تدبر القرآن والسنة، ومقاصد الشارع جزم بتحرٌم الحٌل وبطلبنها فإن القرآن دل على أن المقاصد والنٌات معتبرة فى التصرؾ والعادات، كما هى معتبرة فى القربات والعبادات، فٌجعل الفعل حلبلاً أو حراماً، وصحٌحاً أو فاسداً، وصحٌحاً من وجه، فاسداً من وجه، كما أن القصد والنٌة فى العبادات تجعلها كذلك. وشواهد هذه القاعدة كثٌر ة جداً فى الكتاب والسنة. فمنها: قوله تعالى فى آٌة الرجعة{ :وَ تُمْسِكُوهُن ضِرَاراً لِ تَعْتَدُوا[ }البقرة: 156] . وذلك نص فى أن الرجعة إنما تثبت لمن قصد الصلبح دون الضرار، فإذا قصد الضرار لم ٌملكه الله تعالى الرجعة. ومنها: قوله تعالى فى آٌة الخلع{ :وَ ٌَحِل لَكُمْ أَنْ تَؤْخُذُوا م مِا آتٌَْتُمُوهُن شٌَْباً إِلا أَنْ ٌخَافَا ألا ٌُقِ ٌمَا حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا ٌُقٌِماَ حُدُودَ اللهِ فَلب جُنَاحَ عَلٌَْهِمَا فٌِمَا افْتَدَتْ بِهِ [ }البقرة: 119] . وهذا دلٌل على أن الخلع المؤذون فٌه إنما هو إذا خاؾ الزوجان أن لا ٌقٌما حدود الله، وأن النكاح الثانى إنما ٌباح إذا ظنا أن ٌقٌما حدود الله، فإنه شرط فى الخلع عدم خوؾ إقامة حدوده، وشرط فى العود ظن إقامة حدوده. ومنها: قوله تعالى فى آٌة الفرابض{ :مِنْ بَعْدِ وَصٌِ ة ٌُوصَى بهَا أَوْ دٌَْن ؼٌَْرَ مضُار[ }النساء: 61] . فإنه سبحانه وتعالى إنما قدم على المٌراث وصٌة من لم ٌضار الورثة، فإذا كانت الوصٌة وصٌة ضرار كانت حراماً، وكان للورثة إبطالها، وحرم على الموصى له أخذ ذلك بدون رضا الورثة، وأكد سبحانه وتعالى ذلك بقوله: {تِلكَ حُدُودُ اللهِ فَلب تَعْتَدُوهَا[ }البقرة: 119] . وتؤمل كٌؾ ذكر سبحانه وتعالى الضرار فى هذه الآٌة دون التى قبلها. لأن الأولى تضمنت مٌراث العمودٌن، والثانٌة تضمنت مٌراث الأطراؾ: من الزوجٌن، والإخوة. والعادة أن المٌت قد ٌضار زوجته وإخوته، ولا ٌكاد ٌضار والدٌه وولده. والضرار نوعان: جنؾ، وإثم. فإنه قد ٌقصد الضرار، وهو الإثم، وقد ٌضار من ؼٌر قصد، وهو الجنؾ، فمن أوصى بزٌادة على الثلث فهو مضار، قصد أو لم ٌقصد، فللوارث رد هذه الوصٌة. وإن أوصى بالثلث فما دون ولم ٌعلم أنه قصد الضرار وجب إمضاإها. 1/377) ________________________________________ فإن علم الموصى له أن الموصى إنما أوصى ضرارا لم ٌحل له الأخذ، ولو اعترؾ الموصى أنه إنما أوصى ضرارا لم تجز إعانته على إمضاء هذه الوصٌة.
عدد الصفحات ١٩٨199 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وقد جوز سبحانه وتعالى إبطال وصٌة الجنؾ والإثم، وأن ٌصلح الوصى أو ؼٌره بٌن الورثة والموصى له فقال تعالى{ :فَمَنْ خَاؾَ مِنْ مُوص جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَؤَصْلَحَ بٌَْنَهُمْ فَلبَ إِثْمَ عَلٌَْهِ [ }البقرة: 681] . وكذلك إذا ظهر للحاكم أو الوصى الجنؾ أو الإثم فً الوقؾ ومصرفه أو بعض شروطه فؤبطل ذلك كان مصلحاً لا مفسدا. ولٌس له أن ٌعٌن الواقؾ على إمضاء الجنؾ والإثم، ولا ٌصحح هذا الشرط ولا ٌحكم به، فإن الشارع قد رده وأبطله. فلٌس له أن ٌصحح ما رده الشارع وحرمه، فإن ذلك مضادة له ومناقضة. ومن ذلك: قوله تعالى{ :وَ تَعْضُلُوهُن لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتٌَْتُمُوهُن إِلا أَنْ ٌَؤْتٌِنَ بِفَاحِشَة مُبٌَِّنة [ }النساء: 69] . فهذا دلٌل على أنه إذا عضلها لتفتدى نفسها منه وهو ظالم لها بذلك لم ٌحل له أخذ ما بذلته له ولا ٌملكه بذلك. ومن ذلك قوله تعالى{ :ٌَؤٌَ هَا ال ذٌِنَ آمَنُوا لا ٌَحِل لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا الن سَاءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُن لِتَذْهَبُوا بِبعَضِ مَا آتٌَْتُمُوهُن } [النساء: 69] . فحرم سبحانه وتعالى أن ٌؤخذ منها شٌباً مما آتاها إذا كان قد توسل إلٌه بالعضل. ومن ذلك: أن جداد النخل عمل مباح أى وقت شاء صاحبه لكن لما قصد به أصحابه فً اللٌل حرمان الفقراء عاقبهم الله تعالى بإهلبكه. ثم قال{ :وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا ٌَعْلَمُونَ [ }القلم: 55[ ]الزمر: 16] . ثم جاءت السنة بكراهة الجداد باللٌل، لكونه ذرٌعة إلى هذه المفسدة. ونص علٌه ؼٌر واحد من الأبمة كؤحمد بن حنبل وؼٌره. قال أصحاب الحٌل: قد أسمعتمونا على بطلبن الحٌل وتحرٌمها ما فٌه كفاٌة. فاسمعوا الآن على جوازها واستحبابها ما نقٌم به عذرنا. قال الله سبحانه وتعالى{ :إِن ال ذٌِنَ تَوَف اهُمُ المَلببِكَةُ ظَالِمًِ أنفسهم قَالُوا 1/378) ________________________________________ فٌِمَ كُنْتُمْ قَالُوا كَن ا مُسْتَضْعَفٌِنَ فِى الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فٌِهَا فَؤُولبِكَ مَؤْوَاهُمْ جَهَنّمُ وَسَاءَتْ مَصٌِ راً إِلا المَسْتَضْعَفٌِنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدَانِ لا ٌَسْتَطٌُِعونَ حٌَِلة وَلا ٌَهْتَدُونَ سَبٌِلب فَؤُولبِكَ عَسَى اللهُ أَنْ ٌعْفُوَ عَنْهُمْ [ }النساء: 97-99] . ووجه الاستدلال: أنه سبحانه وتعالى إنما عذرهم بتخلفهم وعجزهم إذ لم ٌستطٌعوا حٌلة ٌتخلصون بها من المقام بٌن أظهر الكفار، وهو حرام. فعلم أن الحٌلة التى تخلص من الحرام مستحبة مؤذون فٌها. وعامة الحٌل التى تنكرونها علٌنا هى من هذا الباب. فإنها حٌل تخلص من الحرام، ولهذا سمى بعض من صنؾ فى ذلك كتابه: "المخارج الحرام والتخلص من الآثام" واعتبر هذا بحٌلة العٌنة، فإنها تخلص من الربا المحرم. وكذلك الجمع بٌن الإجارة والمساقاة ٌخلص من بٌع الثمرة قبل بدو صلبحها، وهو حرام. وكذلك خلع الٌمٌن ٌخلص من وقوع الطلبق الذى هو حرام أو مكروه، أو من مواقعة المرأة بعد الحنث وهو حرام. وكذلك هبة الرجل ماله قبل الحول لولده أو امرأته، ٌخلصه من إثم منع الزكاة، كما ٌتخلص من إثم المنع بإخراجها، فهما طرٌقان للتخلص. فالحٌل تخلص من الحرج وتخلص من الإثم. والله تعالى قد نفى الحرج عنا وعن دٌننا، وندبنا إلى التخلص منه ومن الآثام، فمن أفضل الأشٌاء معرفة ما ٌخلصنا من هذا وهذا وتعلٌمه، وفتح طرٌقه. ألا ترى أن الرجل إذا حلؾ بالطلبق لٌقتلن أباه، أو لٌشربن الخمر، أو لٌزنٌن بامرأة ونحو ذلك. كانت الحٌلة تخلٌصه من مفسدة فعل ذلك، ومن مفسدة خراب بٌته، ومفارقة أهله. فإن من لا ٌرى الحٌلة لٌس له عنده مخرج إلا بوقوع
عدد الصفحات ١٩٩لٌقتلن أباه، أو لٌشربن الخمر، أو لٌزنٌن بامرأة ونحو ذلك. كانت الحٌلة تخلٌصه من مفسدة فعل ذلك، ومن مفسدة خراب بٌته، ومفارقة أهله. فإن من لا ٌرى الحٌلة لٌس له عنده مخرج إلا بوقوع الطلبق، فإذا علم أنه ٌقع به الطلبق فزال، فعل المحلوؾ علٌه، فؤى شا أفضل من تخلٌصه من هذا وهذا؟ وكذلك من وقع علٌه الطلبق الثلبث ولا صبر له عن امرأته، وٌرى اتصالها بؽٌره أشد من موته، فاحتلنا له بؤن زوجناها بعبد فوطبها، ثم وهبناه منها فانفسخ نكاحه، وحلت لزوجها المطلق بعد انقضاء العدة. 1/379) ________________________________________
عدد الصفحات ١٩٩200 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي قالوا: وقد قال الله تعالى لنبٌه أٌوب علٌه السلبم، وقد حلؾ لٌجلدن امرأته مابة{ .وَخُذْ بٌَِدِكَ ضِؽْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ [ }ص: 44] . قال سعٌد عن قتادة: كانت امرأته قد عرضت له بؤمر، وأرادها إبلٌس على شا فقال لها: لو تكلمت بكذا وكذا؟ وإنما حملها علٌها الجوع. فحلؾ نبى الله لبن شفاه الله تعالى لٌجلدنها مابة جلدة، قال: فؤمر بؤصل فٌه تسعة وتسعون قضٌباً، والأصل تكملة المابة، فٌضربها به ضربة واحدة. فؤبر الله تعالى نبٌه. وخفؾ عن أَمتَه. وقال عبد الرحمن بن جبٌر: لقٌها إبلٌس فقال لها: والله لو تكلم صاحبك بكلمة واحدة لكشؾ عنه كل ضر، ولرجع إلٌه ماله وولده، فؤخبرت أٌوب فقال: وٌلك، ذاك عدو الله، إنما مثلك المرأة الزانٌة، إذا جاءها صدٌقها بشا قبلته وأدخلته. وإن لم ٌؤتها بشا طردته وأؼلقت بابها عنه. لما أعطانا الله تعالى المال والولد آمنا به، وإذا قبض الذى له منا نكفر به. إن أقامنى الله تعالى من مرضى لأجلدنك مابة. فؤفتاه الله بما أخبر به: أن ٌؤخذ ضؽثاً، وهو الحزمة من الشا، مثل الشمارٌخ الرطبة والعٌدان ونحوها، مما هو قابم على ساق، فٌضربها ضربة واحدة. وهذا تعلٌم منه سبحانه لعباده التخلص من الآثام، والمخرج من الحرج بؤٌسر شا وهذا أصلنا فى باب الحٌل، فإنا قسنا على هذا وجعلناه أصلبً . قالوا: وقد أرشد النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم إلى التخلص من صرٌح الربا بؤن ٌبٌع التمر بدراهم، ثم ٌشترى بتلك الدراهم تمراً . وروى أبو سعٌد الخدرى رضى الله تعالى عنه قال: "جَاءَ بِلبل إلى الن ب ى صلى اللهُ تعالى علٌه وآلهِ وسَلمَ بِتَمْر بَرْنِى ، فَقَالَ لَهُ الن ب ى صلى اللهُ تعالى علٌه وآلهِ وسلمَ : مِنْ أٌْنَ هذَا؟ قَالَ : كانَ عِنْدَنَا تمْر رديء فَبِعْت مِنْهُ صَاعٌَْنِ بِصَاع لنُطْعِمَ النّب ى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم. فَقَالَ لَهُ النّب ى صلى اللهُ تعَالى علٌه وآله وسَلم عِنْدَ ذلِكَ : أو هْ عٌَْنُ الرِّبَا، لا تَفْعَلْ وَلكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَن تَشْتَرِىَ فَبِعِ الت مْرَ بِالد رَاهِمِ، ثُم اشْتَرِ بِهِ " متفق علٌه. وفى لفظ آخر: "بِعِ الجَمْعَ بِالد رَاهِمِ، ثُم اُشْتَرِ بِالد رَاهِمِ جَنٌِباً ". والجمع والجنٌب نوعان من التمر. 1/380) ________________________________________ وفى لفظ لمسلم: "بِعْهُ بِسِلْعَة ، ثُمّ ابْتَعْ بِسِلْعَتِكَ أَى الت مْرِ شِبتَ ." فقد أمره أن ٌبٌع التمر بالدراهم أو السلعة، ثم ٌبتاع بها تمراً . وهذا ضرب من الحٌلة. ولم ٌفرق بٌن بٌعه ممن ٌشترى منه التمر، أو من ؼٌره. وقد جاء قوله تعالى{ :إِ أَنْ تَكُونَ تَجَارَة حَاضِرَةً تُدٌِرُونَهَا بٌَْنكُمْ [ }البقرة: 181] . وهذا إرشاد إلى حٌلة العٌِنة وما ٌشبهها. فإن السلعة تدور بٌن المتعاقدٌن، للتخلص من الربا. قالوا: وقد دلت السنة على أنه ٌجوز للئنسان أن ٌتخلص من القول الذى ٌؤثم به أو ٌخاؾ بالمعارٌض، وهى حٌلة فى الأقوال، كما أن تلك حٌلة فى الأعمال. فروى قٌس بن الربٌع عن سلٌمان التٌمى عن أبى عثمان النهدى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: إن فى معارٌض الكلبم ما ٌؽنى الرجل عن الكذب. وقال الحكم عن مجاهد عن ابن عباس رضى الله عنهما: ما ٌسرنى بمعارٌض الكلبم حمر النعم. وقال الزهرى عن حمٌد بن عبد الرحمن بن عوؾ عن أمه أم كلثوم بنت عقبة ابن أبى معٌط، وكانت من المهاجرات الأول: "لَمْ أَسْمَعْ رَسُولَ اللهِ صلى الله تعالى علٌه وآلهِ وسلمَ ٌُرَخِّصُ فى شَاْ م مِا ٌَقُولُ الن اسُ إِنّهُ كَذِب إِلا فى ثَلبث : الر جُل ٌُصْلِحُ بٌَْنَ الن اسِ، وَال رجُلِ ٌَكْذِبُ لامْرَأَتِه، وَالْكَذِبِ فى الْحَرْبِ ." ومعنى الكذب فى ذلك هو المعارٌض لا صرٌح الكذب.
عدد الصفحات ٢٠٠الن اسُ إِنّهُ كَذِب إِلا فى ثَلبث : الر جُل ٌُصْلِحُ بٌَْنَ الن اسِ، وَال رجُلِ ٌَكْذِبُ لامْرَأَتِه، وَالْكَذِبِ فى الْحَرْبِ ." ومعنى الكذب فى ذلك هو المعارٌض لا صرٌح الكذب. وقال منصور: كان لهم كلبم ٌدرءون به عن أنفسهم العقوبة والبلبٌا، وقد لقى رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم طلٌعة للمشركٌن، وهو فى نفر من أصحابه فقال المشركون: "مًم نْ أَنْتُمْ؟ فقَالَ الن بُى صلى اللهُ تعالى علٌهِ وآله وسلمَ : نَحْنَ مِنْ مَاء . فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْض فَقَالُوا: أَحٌَْاءُ الٌَْمَنِ كَثٌِر ، لَعَلّهُمْ منهم، وَانْصَرَفُوا ." وأراد صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم بقوله "نحن من ماء" قوله تعالى{ :خُلقَ مِنْ مَاء دَافِق [ }الطارق: 6] .
عدد الصفحات ٢٠٠201 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي ولما وطا عبد الله بن رواحة جارٌته أبصرته امرأته فؤخذت السكٌن وجاءته فوجدته قد قضى حاجته. فقالت: لو رأٌتك حٌث كنت لوجؤت بها فى عنقك. فقال ما فعلت؟ فقالت: إن كنت صادقاً فاقرأ القرآن. فقال: 1/381) ________________________________________ شَهِدْتُ بؤَنّ وَعْدَ اللهِ حَق ... وَأَنّ الن ارَ مَثْوَى الْكَافِرٌنَا وَأن الْعَرْش فَوْقَ المَاءِ طَاؾ ... وَفَوْقَ الْعَرْشِ رَب الْعَالَمٌِنَ وَتَحْمِلُهُ مَلببِكَة شِدَاد ... مَلببِكَةُ الإلهِ مُسَو مٌِنَا فقالت: آمنت بكتاب الله وكذبت بصرى. فبلػ ذلك رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم فضحك حتى بدت نواجذه. قال ابن عبد البر: ثبت ذلك عن عبد الله بن رواحة. وٌذكر عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال: عجبت لمن ٌعرؾ المعارٌض، كٌؾ ٌكذب؟. ودعى أبو هرٌرة رضى الله عنه إلى طعام فقال: "إنى صابم ثم رأوه ٌؤكل. فقالوا: ألم تقل: إنى صابم. فقال: ألم ٌقل رسول الله صلى الله علٌه وآله وسلم: "صٌِامَ ثَلبثَةِ أٌ ام مِنْ كُلِّ شَهْر صٌَِامُ الد هرِ ." وكان محمد بن سٌرٌن إذا اقتضاه ؼرٌم ولا شا معه، قال: أعطٌك فى أحد الٌومٌن إن شاء الله تعالى. فٌظن أنه أراد ٌومه والذى ٌلٌه، وإنما أراد ٌومى الدنٌا والآخرة. وذكر الأعمش عن إبراهٌم أنه قال له رجل: إن فلبناً أمرنى أن آتى مكان كذا وكذا وأنا لا أقدر على ذلك المكان، فكٌؾ الحٌلة؟ فقال له: قل والله ما أبصر إلا ما سددنى ؼٌرى، ٌعنى إلا ما أبصرك ربك. وقال حماد عن إبراهٌم فى رجل أخذه رجل، فقال: إن لى معك حقاً . فقال: لا. فقال: احلؾ بالمشى إلى بٌت الله، فقال احلؾ بالمشى إلى بٌت الله واعن مسجد حٌَِّك. وذكر هشام بن حسان عن ابن سٌرٌن أن رجلبً كان ٌصٌب بالعٌن، فرأى بؽلة شرٌح فؤراد أن ٌعٌنها ففطن له شرٌح. فقال: إنها إذا ربضت لم تقم حتى تقام. فقال الرجل: أؾ أؾ. وسلمت بؽلته. وإنما أراد: أن الله سبحانه وتعالى هو الذى ٌقٌمها. وقال الأعمش عن إبراهٌم: إنه سبل عن الرجل ٌبلؽه عن الرجل الشًء ٌقوله فٌه: فٌسؤله عنه، فقال: قل: والله إن الله لٌعلم ما من ذلك من شٌا، ٌعنى ب"ما": الذى. 1/382) ________________________________________ وقال عقبة بن المعٌرة: كنا نؤتى إبراهٌم وهو خابؾ من الحجاج فكنا إذا خرجنا من عنده ٌقول: إن سبلتم عنى وحلفتم، فاحلفوا بالله ما تدرون أٌن أنا. ولا لنا به علم ولا فى أى موضع هو. واعنوا أنكم لا تدرون أى موضع أنا فٌه قابم أو قاعد، وقد صدقتم. وجاءه رجل فقال: إنى اعترضت على دابة فنفقت فؤخذت ؼٌرها، وٌرٌدون أن ٌحلفونى أنها الدابة التى اعترضت علٌها؟ فقال: اركبها واعترض علٌها على بطنك راكناً . ثم احلؾ أنها الدابة التى اعترضت علٌها. وقال أبو عوانة عن أبى مسكٌن: كنت عند إبراهٌم، وامرأته تعاتبه فى جارٌة له، وبٌده مروحة، فقال: أشهدكم أنها لها، فلما خرجنا قال: علبم شهدتم؟ قلنا: شهدنا أنك جعلت الجارٌة لها. قال: أما رأٌتمونى أشٌر إلى المروحة؟ إنما قلت لكم: اشهدوا أنها لها، وأنا أعنى المروحة. وقال محمد بن الحسن عن عمر بن ذر عن الشعبى: من حلؾ على ٌمٌن لا ٌستثنى، فالبر والإثم فٌها على علمه. قلت: ما تقول فى الحٌل؟ قال: لا بؤس بالحٌل فٌما ٌحل وٌجوز، وإنما الحٌل شا ٌتخلص به الرجل من الحرام، وٌخرج به إلى الحلبل. فما كان من هذا ونحوه، فلب بؤس به، وإنما نكره من ذلك أن ٌحتال الرجل فى حق لرجل حتى ٌبطله، أو ٌحتال فى باطل حتى ٌموهه، أو ٌحتال فى شا حتى ٌدخل فٌه شبهة، وأما ما كان على السبٌل الذى قلنا فلب بؤس بذلك. وكان حماد رحمه الله إذا جاءه من لا ٌرٌد الاجتماع به وضع ٌده على ضرسه ثم قال: ضرسى، ضرسى.
عدد الصفحات ٢٠١202 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي ووجه الرشٌد إلى شرٌك رجلبً لٌحضره، فسؤله شرٌك أن ٌنصرؾ وٌدافع بحضوره، ففعل. فحبسه الرشٌد، ثم أرسل إلٌه رسولاً آخر فؤحضره، وسؤله عن تخلفه لما جاءه رسوله. فحلؾ له بالأٌمان المؽلظة أنه ما رأى الرسول فى الٌوم الذى أرسله فٌه، وعنى بذلك الرسول الثانى، فصدقه، وأمر بإطلبق الرجل. وأحضر الثورى إلى مجلس المهدى فؤراد أن ٌقوم فمنع، فحلؾ بالله أنه ٌعود، فترك نعله وخرج ثم رجع فلبسها ولم ٌعد، فقال المهدى: ألم ٌحلؾ أنه ٌعود؟ فقالوا: 1/383) ________________________________________ إنه عاد فؤخذ نعله. قالوا: ولٌس مذهب من مذاهب الأبمة المتبوعٌن إلا وقد تضمن كثٌرا من مسابل الحٌل. فؤبعد الناس عن القول بها مالك، وأحمد، وقد سبل أحمد عن المروزى وهو عنده، ولم ٌرد أن ٌخرج إلى السابل، فوضع أحمد إصبعه فى كفه، وقال: لٌس المروزى هاهنا. وماذا ٌصنع المروزى هاهنا؟،. وقد سبل أحمد عن رجل حلؾ بالطلبق لٌطؤن امرأته فى نهار رمضان، فقال ٌسافر بها وٌطإها فى السفر. وقال صاحب المستوعب: وجدت بخط شٌخنا أبى حكٌم: حكى أن رجلبً سؤل أحمد عن رجل حلؾ أن لا ٌفطر فى رمضان؟ فقال له: اذهب إلى بشر ابن الولٌد، فاسؤله ثم ابتنى فؤخبرنى، فذهب فسؤله، فقال له بشر: إذا أفطر أهلك فاقعد معهم ولا تفطر، فإذا كان وقت السحر، فكل، واحتج بقول النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "هَلُم إِلَى الْؽَدَاءِ المبَارَكِ " فاستحسنه أحمد. قالوا: وقد علم الله سبحانه نبٌه ٌوسؾ علٌه السلبم الحٌلة التى توصل بها إلى أخذ أخٌه، بإظهار أنه سارق ووضع الصواع فى رحله، ولم ٌكن كذلك حقٌقة. لكن أظهر ذلك توصلبً إلى أخذ أخٌه وجعله عنده. وأجزه الله سبحانه أن ذلك كٌد، كاده سبحانه لٌوسؾ، لٌؤخذ أخاه، ثم أخبر سبحانه وتعالى أن ذلك من العلم الذى رفع به درجات من ٌشاء، وأن الناس متفاوتون فٌه. فوق كل ذى علم علٌم. فصل قال منكرو الحٌل: الحٌل ثلبثة أنواع: نوع هو قربة وطاعة، وهو من أفضل الأعمال عند الله تعالى. ونوع هو جابز مباح، لا حرج على فاعله، ولا على تاركه تركه، وترجح فعله على تركه أو عكس ذلك تابع لمصلحته. 1/384) ________________________________________ ونوع هو محرم ومخادعة لله تعالى ورسوله، متضمن لإسقاط ما أوجبه، وإبطال ما شرعه، وتحلٌل ما حرمه. وإنكار السلؾ والأبمة، وأهل الحدٌث إنما هو لهذا النوع. فإن الحٌلة لا تذم مطلقاً، ولا تحمد مطلقاً، ولفظها لا ٌشعر بمدح ولا ذم، وإن ؼلب فى العرؾ إطلبقها على ما ٌكون من الطرق الخفٌة إلى حصول الؽرض، بحٌث لا ٌتفطن له إلا بنوع من الذكاء والفطنة. وأخص من هذا: تخصٌصها بما ٌذم من ذلك، وهذا هو الؽالب على عرؾ الفقهاء المنكرٌن للحٌل، فإن أهل العرؾ لهم تصرؾ فى تخصٌص الألفاظ العامة ببعض موضوعاتها وتقٌٌد مطلقها ببعض أنواعه. فإن الحٌلة فعلة، من الحول، وهو التصرؾ من حال إلى حال، وهى من ذوات الواو، وأصلها "حولة" فسكنت الواو وانكسر ما قبلها، فقلبت ٌاء، كمٌزان، ومٌقات، ومٌعاد. قال فى المحكَم: الحْولُ، والحٌَلْ، والحِوَلُ، والحَوْلة، والحٌِلة، والحوٌِل، والمحالة، والمحال، والاحتٌال، والت حو ل، والت حٌ ل: كل ذلك: الحذق، وجودة النظر، والقدرة على وجه التصرؾ. قال: والحول والحٌل، والحٌلبت: جمع حٌلة،
عدد الصفحات ٢٠٢203 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي ورجل حُوَل، وحُوَلةَ، وحول، وحُو لة، وحوالى، وحولول، وحُو لى : شدٌد الاحتٌال. وما أحوله وأحٌله، وهو أحول منك، وأحٌل، انتهى. فالحٌلة: فعلة من الحول، وهو التحول من حال إلى حال، وكل من حاول أمراً ٌرٌد فعله أو الخلبص منه، فما ٌحاوله به حٌلة ٌتوصل بها إلٌه. فالحٌلة: معتبرة بالأمر المحتال بها علٌه إطلبقاً ومنعا ومصلحة ومفسدة وطاعة ومعصٌة. فإن كان المقصود أمرا حسناً كانت الحٌلة حسنة. وإن كان قبٌحاً كانت الحٌلة قبٌحة. وإن كان طاعة وقربة كانت الحٌلة علٌه كذلك. وإن كانت معصٌة وفسوقاً كانت الحٌلة علٌه كذلك. ولما قال النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "لا تَرْتَكبُوا مَا ارْتَكَبَتِ الٌَْهُودُ، فَتَسْتَحِل وا محَاَرِمَ اللهِ تَعَالَى بِؤَدْنَى الْحٌِلِ ." صارت فى عرؾ الفقهاء إذا أطلقت: ٌقصد بها الحٌل التى تستحل بها المحارم كحٌل الٌهود. وكل حٌلة تتضمن إسقاط حق لله تعالى أو لآدمى، فهى مما ٌستحل بها المحارم. 1/385) ________________________________________ ونظٌر ذلك: لفظ الخداع، فإنه ٌنقسم إلى محمود ومذموم، فإن كان بحق فهو محمود، وإن كان بباطل فهو مذموم. ومن النوع المحمود: قوله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم "الحرب خدعة" وقوله فى الحدٌث الذى رواه الترمذى وؼٌره: "كُل الْكَذِبِ ٌُكْتَبُ عَلَى ابْنِ آدَمَ، إِلا ثَلبثَ خِصَال : رَجُل كَذَبَ عَلَى امْرَأَتِهِ لٌُِرْضٌَِهَا، وَرَجُل كَذَبَ بٌَْنَ اُثْنٌَْنِ لٌُِصْلِجَ بٌَْنَهُمَا، وَرَجُل كَذَبَ فى خِدْعَةِ حَرْب . ومن النوع المذموم قوله فى حدٌث عٌاض بن جمار، الذى رواه مسلم فى صحٌحه: "أَهْلُ الن ارِ خَمْسَة ، ذَكَرَ مِنْهُمْ رَجُلبً لا ٌُصْبِحُ وَلا ٌُمْسِى إِلا وَهْوَ ٌَخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ وَمِالِكَ ." وقوله تعالى{ :ٌُخَادِعُونَ اللهَ وَال ذٌِنَ آمَنُوا وَمَا ٌَ خْدَعُونَ إلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا ٌَشْعُرُونَ [ }البقرة: 9 ]وقوله تعالى{ :وَإِنْ ٌُرٌِدُوا أَنْ ٌَخْدَعُوكَ فَإِن حَسْبَكَ اللهُ [ }الأنفال: 61] . ومن النوع المحمود: خدع كعب بن الأشراؾ وأبى رافع، عَدُو ى رسول الله 1/386) ________________________________________ صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم، حتى قتلب، وقتل خالد بن سفٌان الهذلى. ومن أحسن ذلك: خدٌعة معبد بن أبى معبد الخزاعى لأبى سفٌان وعسكر المشركٌن حٌن هموا بالرجوع لٌستؤصلوا المسلمٌن، وردهم من فورهم. ومن ذلك: خدٌعة نعٌم بن مسعود الأشجعى لٌهود بنى قرٌظة، ولكفار قرٌش والأحزاب، 1/387) ________________________________________ حتى ألقى الخلْؾ بٌنهم، وكان سبب تفرقهم ورجوعهم. ونظابر ذلك كثٌرة. وكذلك المكر، ٌنقسم إلى محمود ومذموم. فإن حقٌقته إظهار أمر وإخفاء خلبفه لٌتوصل به إلى مراده. فمن المحمود: مكره تعالى بؤهل المكر، مقابلة لهم بفعلهم، وجزاء لهم بجنس عملهم. قال تعالى{ :وٌََمْكُرُونَ وٌََمْكُرُ اللهُ والله خٌَْرُ الْمَاكِرٌنَ [ }الأنفال: 51 ]وقال تعالى {وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لا ٌَشْعُرُون[ }النمل: 51] . وكذلك الكٌد ٌنقسم إلى نوعٌن. قال تعالى{ :وَأُمْلِى لَهُمْ إ ن كٌَْدِى مَتٌِن [ }الأعراؾ: 685 ]وقال تعالى{ :كَذلِكَ كِدْنَا لٌُِوسُؾَ مَا كَانَ لٌَِؤْخُذَ أَخَاهُ فِى دٌِنِ المَلِكِ إِلا أَنْ ٌَشَاءَ اللهُ [ }ٌوسؾ: 76 ]وقال تعالى {إن هُمْ ٌَكٌِدُونّ كٌَْداً وَأَكٌِدُ كٌَْداً } [الطارق: 65-66] .
عدد الصفحات ٢٠٣204 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي فصل إذا عرؾ ذلك فلب إشكال أنه ٌجوز للئنسان أن ٌظهر قولاً أو فعلبً مقصوده به مقصود صالح وإن كان ظاهره خلبؾ ما قصد به إذا كانت فٌه مصلحة دٌنٌة، مثل دفع الظلم عن نفسه أو ؼٌره، أو إبطال حٌلة محرمة. وإنما المحرم: أن ٌقصد بالعقود الشرعٌة ؼٌر ما شرعها الله تعالى ورسوله له. فٌصٌر مخادعاً لله تعالى ورسوله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم، كابداً لدٌنه، ماكراً بشرعه، فإن مقصوده حصول الشا الذى حرمه الله تعالى ورسوله بتلك الحٌلة، وإسقاط الذى أوجبه بتلك الحٌلة. 1/388) ________________________________________ وهذا ضد الذى قبله. فإن ذلك مقصوده التوصل إلى إظهار دٌن الله تعالى. ودفع معصٌته، وإبطال الظلم وإزالة المنكر. فهذا لون، وذاك لون آخر. ومثال ذلك: التؤوٌل فى الٌمٌن، فإنه نوعان: نوع لا ٌنفعه، ولا ٌخلصه من الإثم وذلك إذا كان الحق علٌه فجحده، ثم حلؾ على إنكاره متؤولا، فإن تؤوٌله لا ٌسقط عنه إثم الٌمٌن الؽموس، والنٌة للمستحلؾ فى ذلك باتفاق المسلمٌن، بل لو تؤول من ؼٌر حاجة لم ٌنفعه ذلك عند الأكثرٌن. وأما المظلوم المحتاج فإنه ٌنفعه تؤوٌله، وٌخلصه من الإثم، وتكون الٌمٌن على نٌته. فإذا استحلفه ظالم بؤٌمان البٌعة، أو أٌمان المسلمٌن فتؤول الأٌمان بجمع ٌمٌن وهى الٌد أو حلفه بؤن كل امرأة له طالق فتؤول أنها طالق من وثاق، أو طالق عند الولادة أو طالق من ؼٌرى ونحو ذلك. أو استحلفه بؤن كل مملوك له حر أو عتٌق، فتؤول أنه عتٌق أو كرٌم، من قولهم: فرس عتٌق. أو استحلفه بؤن تكون امرأته علٌه كظهر أمه، فتؤول ظهر أمه بمركوبها، فإن ضٌق علٌه وألزمه أن ٌقول: إنه مظاهر من امرأته، تؤول بؤنه قد ظاهر بٌن ثوبٌن، أو جبتٌن من عند امرأته. وإن استحلفه بالحرام، تؤول أن الحرام الذى حرمه الله تعالى علٌه ٌلزمه تحرٌمه، فإن ضٌق علٌه بؤن ٌلزمه أن ٌقول: الحرام ٌلزمنى من زوجتى، أو أن تكون على حراماً، قٌد ذلك بنٌة: إذا أحرمت، أو صامت، أو قامت إلى الصلبة، ونحو ذلك. وإن استحلفه بؤن كل ماله، أو كل ما ٌملكه صدقة، تؤول بؤنه صدقة من الله سبحانه وتعالى علٌه. وإن قال له: قل: وإن جمٌع ما أملكه: من دار وعقار وضٌعة وقؾ على المساكٌن، تؤول الفعل المضارع بما ٌملكه فى المستقبل، بعد كذا وكذا سنة. فإن ضٌق علٌه، وقال قل: جمٌع ما هو جار فى ملكى الآن، نوى إضافة الملك إلى 1/389) ________________________________________ الآن، لا إلى نفسه، والآن لا ٌملك شٌباً، فإن قال: مما هو فى ملكى فى هذا الوقت ٌكون وقفاً، أخرج معنى لفظ الوقؾ عن المعهود إلى معنى آخر، والعرب تسمى سوار العاج وقفاً . وإن استحلفه بالمشى إلى بٌت الله، نوى مسجداً من مساجد المسلمٌن. فإن قال قل: على الحج إلى بٌت الله، نوى بالحج القصد إلى المسجد. فإن قال: إلى البٌت العتٌق، نوى المسجد القدٌم، فإن قال: البٌت الحرام، نوى الحرام هدمه واتخاذه دار أو حماماً ونحو ذلك. وإن استحلفه بالأمانة، نوى بها الودٌعة، أو اللقطة، ونحو ذلك. وإن استحلفه بصوم سنة، نوى بالصوم الإمساك عن كلبم ٌمكنه الإمساك عنه سنة أو دابما. هذا كله فى المحلوؾ به. وأما المحلوؾ علٌه، فٌجرى هذا المجرى.
عدد الصفحات ٢٠٤205 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي فإذا استحلفه: ما رأٌت فلبنا، نوى ما ضربت ربته. أو ما كلمته، نوى ما جرحته. أو ما عاشرته ولا خالطته، نوى بالمعاشرة والمخالطة معاشرة الزوجة والسرٌة. أو ما باٌعته ولا شارٌته، نوى بذلك ما باٌعته بٌعة الٌمٌن، ولا شارٌته من المشاراة، وهى اللجاج أو الؽضب، تقول: شرى، على مثال علم، إذا لج أو استشاط ؼضباً . وإن استحلفه لص أنه لا ٌدل علٌه، ولا ٌعلم به ولا ٌخبر به أحداً، نوى أنه لا ٌفعل ذلك مادام معه. وإن ضٌق علٌه وقال: ما عاش، أو ما بقى، أو مادام فى هذه البلدة، نوى قطع الظرؾ عما قبله، وأن لا ٌكون متعلقاً به، أو نوى بما: الذى، أى لا أدل علٌك الذى عاش أو بقى بعد أخذك. وإن استحلفه أن لا ٌطؤ زوجته نوى وطؤها برجله. وإن استحلفه أن لا ٌتزوج فلبنة، نوى أن لا ٌتزوجها نكاحاً فاسداً . وكذلك إذا استحلفه أن لا ٌبٌع كذا، أو لا ٌشترٌه، أو لا ٌإجره، ونحو ذلك. وكذلك إذا استحلفه أن لا ٌدخل هذه الدار أو البلد أو المحلة، قٌد الدخول بنوع معٌن بالنٌة. 1/390) ________________________________________ وكذلك لو استحلفه: أنك لا تعلم أٌن فلبن؟ نوى مكانه الخاص من داره، أو بلده أو سوقه. ولو استحلفه: أنه لٌس عنده فى داره، نوى أنه لٌس عنده إذا خرج من الدار. فإن ضٌق علٌه، وقال: الآن، نوى أنه لٌس حاضراً معه الآن، وقد بر وصدق. وإن استحلفه لٌس لى به علم، نوى أنه لٌس لى علم بسره وما ٌنطوى علٌه، وما ٌضمره، أو لٌس لى علم به على جهة التفصٌل، فإن هذا لا ٌعلمه إلا الله سبحانه وحده. فصل وللمظلوم المستحلؾ مخرجان ٌتخلص بهما: مخرج بالتؤوٌل حال الحلؾ. فإن فاته فله مخرج ٌتخلص به بعده إن أمكنه، كما إذا استحلفه قطاع الطرٌق أو اللصوص أن لا ٌخبر بهم أحداً . فالحٌلة فى ذلك أن ٌجمع الوالى المتهمٌن، ثم ٌسؤله عن واحد واحد، فٌبرئ البرئ، وٌسكت عن المتهم، وهذا المخرج أضٌق من الأول. فإذا استحلفه ظالم أن لا ٌشكو ؼرٌمه، ولا ٌطالبه بحقه، فحلؾ ولم ٌتؤول أحال علٌه بذلك الحق من ٌطالبه به، ولم ٌحنث فى ٌمٌنه. وإذا استحلفه ظالم أن ٌبٌعه شٌباً، فله أن ٌملكه زوجته أو ولده، فإذا باعه بعد فلك كان قد بر فى ٌمٌنه، وٌمنع من تسلٌمه مَن مَل كه إٌاه. 1/391) ________________________________________ المجلد الثانً الثالث عشر (تابع) ... فصل وللحٌل التى ٌتخلص بها من مكر ؼٌره والؽدر به أمثلة: المثال الأول: إن استؤجر منه أرضاً أو بستاناً أو دارا سنٌن، ثم لا ٌؤمن من مكره إذا صلحت الأرض والبستان، بنوع من أنواع المكر والؽدر، ولو لم ٌكن إلا بؤن ٌدعى أن أجرة المثل فى هذه الحال أكثر مما سمى. فالحٌلة فى أمنه من ذلك: أن ٌسمى لكل سنة أجراً معلوماً، وٌجعل أجرة السنٌن المتؤخرة معظم الأجرة، وأقلها للسنٌن الأول، فلب ٌسهل علٌه المكر بعد ذلك. وعكسه إذا خاؾ المإجر مكر المستؤجر وؼدره فى المستقبل جعل معظم الأجرة فى السنٌن الأول، وأقلها فى الأواخر. المثال الثانى: أن ٌخاؾ المإجر ؼٌبة المستؤجر، فلب ٌتمكن من مطالبة امرأته بالأجرة، ولا من إخراجها.
عدد الصفحات ٢٠٥206 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي فالحٌلة فى أمنه من ذلك: أن ٌإجرها رب الدار من المرأة. فإن دخل علٌه تعذر مطالبتها بالأجرة، ضمن الزوج الأجرة أو أخذ بها رهنا. فإن كان قد أجرها من الزوج، وخاؾ ؼٌبته أشهد على إقرار المرأة أن الدار له، وأنها فى ٌدها بحكم إجارة الزوج إلى مدة كذا وكذا، وإن كفل المرأة وقت العقد أنها تردّ إلٌه الدار عند انقضاء المدة نفعه ذلك. المثال الثالث: أن ٌخاؾ المستؤجر أن ٌزاد علٌه فى الأجرة، وٌفسخ عقده، إما بكون العٌن المإجرة وقفا عند من ٌرى ذلك، أو ٌتحٌل علٌه، حتى ٌبطل عقده. 2/3) ________________________________________ فالحٌلة فى أمنه وتخلٌصه: أن ٌسمى للؤجرة أكثر مما اتفقا علٌه، ثم ٌصارفه علٌه بقدر المسمى وٌدفعه إلٌه، وٌشهد علٌه أنه قبض المسمى الذى وقع علٌه العقد. فإذا مكر به وطلب فسخ عقده طالبه بما قبضه من المسمى. هذا إذا تعذر علٌه رفع تلك الإجارة إلى حاكم ٌحكم بلزومها، وعدم فسخها للزٌادة. المثال الرابع: أن ٌخاؾ أن ٌإجره مالا ٌملك، فٌؤبى المالك وٌفسخ العقد، وٌرجع علٌه بالأجرة. فالحٌلة فى تخلٌصه: أن ٌضمن المإجر درك العٌن المستؤجرة، وإن ضمن من ٌخاؾ منه الاستحقاق ومطالبته كان أقوى. المثال الخامس: أن ٌخاؾ فَلَس المستؤجر ولم ٌجد من ٌضمنه الأجرة. فالحٌلة فى فسخه: أن ٌشهد علٌه فى العقد أنه متى تعذر علٌه القٌام بؤجرة شهر أو سنة فله الفسخ. وٌصح هذا الشرط ولو لم ٌشرط ذلك. فإنه ٌملك الفسخ عند تعذر قبض أجرة ذلك الشهر، أو السنة، وٌكون حدوث الفلس عٌبا فى الذمة ٌتمكن به من الفسخ. كما ٌكون حدوث العٌب فى العٌن المستؤجرة مسوّؼاً للفسخ. وهذا ظاهر إذا سمى لكل شهر أو سنة قسطاً معلوماً . ولا ٌعٌن مقدار المدة، بل ٌقول آجرتك كل سنة بكذا، أو كل شهر بكذا، تقوم لى بالأجرة فى أول الشهر أو السنة، فإن أفلس قبل مضى شا من المدة ملك المإجر الفسخ. وإن أفلس بعد مضى شا منها، فهل ٌملك الفسخ؟ على وجهٌن: أحدهما: لا ٌملكه. لأن مضى بعضها كتلؾ بعض المبٌع، وهو ٌمنع الرجوع. والثانى: ٌملكه. وهو قول القاضى. وهو الصحٌح، لأن المنافع إنما تملك شٌباً فشٌباً بخلبؾ الأعٌان فإنها تملك فى آن واحد. فٌتعذر تجدد العقد عند تجدد المنافع. المثال السادس: إذا خاؾ المستؤجر أن تنهدم الدار فٌعمرها، فلب ٌحتسب له المإجر بما أنفق فى ذلك. فالحٌلة فى ذلك: أن ٌقول وقت العقد: وأذن المإجر للمستؤجر أن ٌعمر ما تحتاج 2/4) ________________________________________ الدار إلى عمارته من أجرتها، وٌقدر لذلك قدراً معلوما. فٌقول، مثلب: بمابة فما دونها، أو ٌقول: من عشرة إلى مابة. فإن لم ٌفعل ذلك واحتاجت إلى عمارة لا ٌتم الانتفاع إلا بها، أشهد على ذلك وعلى ما أنفق علٌها، وأنه ؼٌر متبرع به، وحسب له من الأجرة. وكذلك إذا استؤجر منه دابة، واحتاجت إلى علؾ وخاؾ أن لا ٌحتسب له به المإجر فعل مثل ذلك. فإن قال: أذنت لك أن تنفق على الدار، أو الدابة ما تحتاج إلٌه، فادعى قدراً وأنكره المإجر. فالقول قول المإجر. والحٌلة فى قبول المستؤجر: أن ٌسلؾ رب الدار ما ٌعلم أنها تحتاج إلٌه من العمارة، وٌشهد علٌه بقبضه من الأجرة ثم ٌدفعها إلٌه، وٌوكله أن ٌنفق منه على الدار أو الدابة ما تحتاج إلٌه، فالقول حٌنبذ قوله لأنه أمٌن. فإن خاؾ المإجر أن ٌستهلك المستؤجر المال الذى قبضه وٌقول إنه تلؾ، وهو أمانة، فلب ٌلزمنى ضمانه، فالحٌلة فى أمنه من ذلك: أن ٌقرضه إٌاه، وٌجعله فى ذمته، ثم ٌوكله أن ٌنفق على العٌن ما تحتاج إلٌه من ذلك. المثال السابع: إذا آجره دابة، أو داراً مدة معلومة، وخاؾ أن ٌحبسها عنه بعد انقضاء المدة. فطرٌق التخلص من ذلك: أن ٌقول: فإذا انقضت المدة فؤجرتها بعدها لكل ٌوم دٌنار أو نحوه، فلب ٌسهل علٌه حبسها بعد انقضاء المدة.
عدد الصفحات ٢٠٦207 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي المثال الثامن: إذا كان له علٌه دٌن فقال: اشتر له به كذا وكذا ففعل، لم ٌبرأ من الدٌن بذلك لأنه لا ٌكون مبرباً لنفسه من دٌن الؽٌر بفعله. وطرٌق التخلص: أن ٌشهد على إقرار رب الدٌن أن من علٌه الدٌن برئ منه بعد شرابه لمستحقه كذا وكذا، والقٌاس أنه ٌبرأ بالشراء وإن لم ٌفعل ذلك، لأنه بتوكٌله له قد أقامه مقام نفسه، فكما قام مقامه فى التصرؾ قام مقامه فى الإبراء. فهو لم ٌبرأ بفعل نفسه لنفسه، وإنما برئ بفعله لموكله القابم مقام فعل الموكل. المثال التاسع: إذا أراد أن ٌستؤجر إلى مكان بؤجرة معلومة. فإن لم ٌبلؽه وأقام دونه فالأجرة كذا وكذا، فقالوا: لا ٌصح العقد. لأنا لا نعلم على أى المسافتٌن وقع العقد. 2/5) ________________________________________ قالوا: والحٌلة فى تصحٌحه: أن ٌسمى للمكان الأقرب أجرة، ثم ٌسمى منه إلى المكان الأبعد أجرة أخرى. فٌقول مثلب: آجرتك إلى الرملة بمابة، ومن الرملة إلى مصر بمابة. لكن لا ٌؤمن المستؤجر مطالبة المإجر له بالأجرة إلى المكان الأقصى، وٌكون قد أقام فى المكان الأقرب. فالحٌلة فى تخلصه: أن ٌشترط علٌه الخٌار فى العقد الثانى. إن شاء أمضاه، وإنْ شاء فسخه. وٌصح اشتراط الخٌار فى عقد الإجارة، إذا كانت على مدة لا تلى العقد. والقٌاس ٌقتضى صحة الإجارة على أنه إن وصل إلى مكان كذا وكذا فالأجرة مابة. وإن وصل إلى مكان كذا وكذا فالأجرة مابتان. ولا ؼرر فى ذلك، ولا جهالة. وكذا إذا قال: إن خطت هذا الثوب رومٌاً . فلك درهم، وإن خطته فارسٌاً، فلك نصؾ درهم، إنما ٌقع على وجه واحد. وكذلك قطع المسافة، فإنه إما أن ٌقطع القرٌبة أو البعٌدة، فلب ٌشبه هذا قوله: بعتكه بعشرة نقداً، أو بعشرٌن نسٌبة. فإنه إذا أخذه لا ٌدرى بؤى الثمنٌن أخذ. فٌقع التنازع، ولا سبٌل لنا إلى العلم بالمعٌن منهما. بخلبؾ عقد الإجارة، فإن استٌفاء المعقود علٌه لا ٌقع إلا معٌنا، فٌجب أجرة عمله. المثال العاشر: إذا زرع أرضه. ثم أراد أن ٌإجرها، والزرع قابم لم ٌجز، لتعذر انتفاع المستؤجر بالأرض. طرٌق تصحٌحها: أن ٌبٌعه الزرع، ثم ٌإجره الأرض، فإن أحب بقاء الزرع على ملكه قدر لكماله مدة معٌنة. ثم أجره الأرض بعد تلك المدة إجارة مضافة. فإن خاؾ أن ٌفسخ علٌه العقد حاكم ٌرى بطلبن هذه الإجارة، فالحٌلة: أن ٌبٌعه الزرع، ثم ٌإجره الأرض، فإذا تم العقد اشترى منه الزرع، فعاد الزرع إلى ملكه، وصحت الإجارة. المثال الحادى عشر: إذا أراد أن ٌإجر الأرض على أن خراجها على المستؤجر. لم ٌصح، 2/6) ________________________________________ لأن الخراج تابع لرقبة الأرض، فهو على مالكها، لا على المنتفع بها: من مستؤجر، أو مستعٌر. وطرٌق الجواز: أن ٌإجره إٌاها بؤجرة زابدة على أجر مثلها بقدر خراجها، ثم ٌشهد علٌه أنه قد أذن للمستؤجر أن ٌدفع من أجرة الأرض فى الخراج كل سنة كذا وكذا. وكذلك لو استؤجر دابة على أن ٌكون علفها على المستؤجر لم ٌصح. وطرٌق الحٌلة: أن ٌستؤجرها بشًء مسمى، ثم ٌقدر له ما تحتاج إلٌه الدابة، وٌوكله فى إنفاقه علٌها. والقٌاس ٌقتضى صحة العقد بدون ذلك، فإن ا نصحح استبجار الأجٌر بطعامه وكسوته، كما أجر موسى علٌه السلبم نفسه بعفة فرجه وشبع بطنه. فكذلك ٌجوز إجارة الدابة بعلفها، وكما ٌجوز أن ٌكون علفها جمٌع الأجرة، ٌجوز أن ٌكون بعض الأجرة، والبعض الآخر شٌباً مسمى. المثال الثانى عشر: لا تجوز إجارة الأشجار، لأن المقصود منها الفواكه. وذلك بمنزلة بٌعها قبل بدوها. قالوا: والحٌلة فى جوازه: أن ٌإجره الأرض، وٌساقٌه على الشجر بجزء معلوم. قال شٌخ الإسلبم: وهذا لا ٌحتاج إلٌه، بل الصواب جواز إجارة الشجر. كما فعل عمر بن الخطاب رضى الله عنه بحدٌقة أسٌد بن حضٌر. فإنه أجرها سنٌن، وقضى بها دٌنه.
عدد الصفحات ٢٠٧قٌه على الشجر بجزء معلوم. قال شٌخ الإسلبم: وهذا لا ٌحتاج إلٌه، بل الصواب جواز إجارة الشجر. كما فعل عمر بن الخطاب رضى الله عنه بحدٌقة أسٌد بن حضٌر. فإنه أجرها سنٌن، وقضى بها دٌنه. قال: وإجارة الأرض لأجل ثمنها بمنزلة إجارة الأرض لمؽلها. فإن المستؤجر ٌقوم على الشجر بالسقى والإصلبح، والذٌار فى الكرم، حتى تحصل الثمرة. كما ٌقوم على الأرض بالحرث والسقى والبذر، حتى ٌحصل المَؽَل. فثمرة الشجر تجرى مجرى مؽل الأرض. 2/7)
عدد الصفحات ٢٠٧208 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي ________________________________________ فإن قٌل: الفرق بٌن المسؤلتٌن: أن المؽل من البذر. وهو ملك المستؤجر، والمعقود علٌه الانتفاع بإٌداعه فى الأرض. وسقٌه، والقٌام علٌه. بخلبؾ استبجار الشجر، فإن الثمرة من الشجرة، وهى ملك المإجر. والجواب من وجوه: أحدها: أن هذا لا تؤثٌر له فى صحة العقد وبطلبنه. وإنما هو فرق عدٌم التؤثٌر. الثانى: أن هذا ٌبطل باستبجار الأرض لكلبها وعشبها الذى ٌنبته الله سبحانه وتعالى، بدون بذر من المستؤجر، فهو نظٌر ثمرة الشجر. الثالث: أن الثمرة إنما حصلت بالسقى والخدمة، والقٌام على الشجرة، فهى متولدة من عمل المستؤجر، ومن الشجرة. فللمستؤجر سعى وعمل فى حصولها. الرابع: أن تولد الزرع لٌس من البذر وحده. بل من البذر: والتراب، والماء، والهواء. فحصول الزرع من التراب الذى هو ملك المإجر كحصول الثمرة من الشجرة. والبذر فى الأرض قابم مقام السقى للشجرة. فهذا أودع فى أرض المإجر عٌنا جامدة. وهذا أودع فى شجرة عٌنا مابعة، ثم حصلت الثمرة من أصل هذا وماء المستؤجر وعمله، كما حصل العمل من أرض هذا وبذر المستؤجر وعمله. وهذا من أصح قٌاس على وجه الأرض. وبه ٌتبٌن أن الصحابة أفقه الأمة وأعلمهم بالمعانى المإثرة فى الأحكام، ولم ٌنكر أحد من الصحابة على عمر رضى الله عنه، فهو إجماع منهم. ثم إن هذه الحٌلة التى ذكرها هإلاء تتعذر ؼالبا إذا كان البستان لٌتٌم، أو وقفاً، فإن المإجر لٌس له أن ٌحابى فى المساقاة حٌنبذ، ولا ٌخلص من ذلك محاباة المستحق فى إجارة الأرض، فإنه إذا أربحه فى عقد لم ٌجز له أن ٌخسره فى عقد آخر، ولا ٌخلص من ذلك اشتراط عقد فى عقد، بؤن ٌقول: إنما أساقٌك على جزء من ألؾ جزء، بشرط أن أإجرك الأرض بكذا وكذا، فإن هذا لا ٌصح. فعلى ما فعله الصحابة - وهو مقتضى القٌاس الصحٌح - لا ٌحتاج إلى هذه الحٌلة، وبالله التوفٌق. المثال الثالث عشر: إذا اشترى دارا أو أرضا، وخاؾ أن تخرج وقفا أو مستحقة فتإخذ منه هى وأجرتها، فالحٌلة: أن ٌضمن البابع أو ؼٌره درك المبٌع، وأنه ضامن لما 2/8) ________________________________________ ؼرمه المشترى من ذلك، وٌصح ضمان الدرك، حتى عند من ٌبطل ضمان المجهول، وضمان ما لم ٌجب، للحاجة إلى ذلك، فإن ضمن من ٌخاؾ استحقاقه: كان أقوى، فإن خاؾ أن ٌظهر الاستحقاق على وارثه بعد موته، ضمن الدرك ورثة البابع، أو ورثة من ٌخاؾ استحقاقه إن أمكنه. فإن كان على ثقة أنه متى استحق علٌه المبٌع رجع بثمنه ولكن ٌؽرم قٌمة المنفعة، وهى أجرة المثل لمدة استٌلببه على العٌن، وهذا قول ضعٌؾ جدا. فإن المشترى إنما دخل على أن ٌستوفى المنفعة بلب عوض، والعوض الذى بذله فى مقابلة العٌن لا للبنتفاع، فإلزامه بالأجرة إلزام ما لم ٌلتزمه، وكذلك نقول فى المستعٌر إذا استحقت العٌن، لم ٌلزمه عوض المنفعة، لأنه إنما دخل على أن ٌنتفع مجاناً بلب عوض، بخلبؾ المستؤجر، فإنه التزم الانتفاع بالعوض، ولكن لا ٌلزمه إلا المسمى الذى دخل علٌه. وكذلك الأمة المشتراة إذا وطبها، ثم استحقت، لم ٌلزمه المهر، لأنه دخل على أن ٌطؤها مجاناً، بخلبؾ الزوج، فإنه دخل على أن الوطء فى مقابلة المهر، ولكن لا ٌلزمه إذا استحقت إلا المسمى، وعلى هذا فلٌس للمستحق أن ٌطالب المؽرور، لأنه معذور، ؼٌر ملتزم للضمان، وهو محسن ؼٌر ظالم، فما علٌه من سبٌل، وهذا هو الصواب. فإن طالبه على القول الآخر رجع على من ؼره بما لم ٌلتزم ضمانه خاصة، ولا ٌرجع علٌه بما التزم ؼرامته. فإذا ؼرم المودع أو المُت هِب قٌمة العٌن والمنفعة، رجع على الؽار بهما، وإذا ؼرم المستؤجر ذلك رجع بقٌمة العٌن، دون قٌمة المنفعة، إلا أنه ٌرجع بالزابد على المسمى، حٌث لم ٌلتزم ضمانه، وإذا ضمن وهو مشتر، أو مستعٌر قٌمة العٌن والمنفعة،
عدد الصفحات ٢٠٨ع على الؽار بهما، وإذا ؼرم المستؤجر ذلك رجع بقٌمة العٌن، دون قٌمة المنفعة، إلا أنه ٌرجع بالزابد على المسمى، حٌث لم ٌلتزم ضمانه، وإذا ضمن وهو مشتر، أو مستعٌر قٌمة العٌن والمنفعة، رجع بقٌمة المنفعة دون قٌمة العٌن، لكنه ٌرجع بما زاد على الثمن المسمى.
عدد الصفحات ٢٠٨