المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

المختصر القيم لثرات ابن القيم 01

ابن قيم الجوزية

صفحة ١٧ من ٧٥

174 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي قال ابن هشام: قال ابن مؽٌث: الطلبق ٌنقسم على ضربٌن: طلبق السنة، وطلبق البدعة. فطلبق السنة: هو الواقع على الوجه الذى ندب الشرع إلٌه. وطلبق البدعة: نقٌضه، وهو أن ٌطلقها فى حٌض أو نفاس، أو ثلبثاً فى كلمة واحدة، فإن فعل لزمه الطلبق. ثم اختلؾ أهل العلم بعد إجماعهم على أنه مطلق، كم ٌلزمه من الطلبق. فقال على بن أبى طالب، وابن مسعود: ٌلزمه طلقة واحدة، وقاله ابن عباس. وقال: قوله "ثلبثاً " لا معنى له: لأنه لم ٌطلق ثلبث مرات، وإنما ٌجوز قوله فى "ثلبث" إذا كان مخبراً عما مضى فٌقول طلقت ثلبثاً، بخبر عن ثلبثة أفعال كانت منه فى ثلبثة أوقات كرجل قال: قرأت أمس سورة كذا ثلبث مرات، فذلك ٌصح. ولو قرأها مرة واحدة، فقال: قرأتها ثلبث مرات، لكان كاذباً . وكذلك لو حلؾ بالله تعالى ثلبثاً ٌردد الحلؾ، كانت ثلبثة أٌمان، ولو قال: أحلؾ بالله ثلبثاً، لم ٌكن حلؾ إلا ٌمٌنا واحدة. فالطلبق مثله. ومثله 1/328) ________________________________________ قال الزبٌر بن العوام وعبد الرحمن بن عوؾ رضى الله عنهما، روٌنا ذلك كله عن ابن وضاح. وبه قال من شٌوخ قرطبة ابن زنباع شٌخ هدى، ومحمد بن بقى بن مخلد، ومحمد بن عبد السلبم الخشنى فقٌه عصره، وأصبػ بن الحباب، وجماعة سواهم من فقهاء قرطبة. وكان من حجة ابن عباس: أن الله تعالى فرق فى كتابه لفظ الطلبق، فقال{ :الط لبقُ مَر تَانِ فَإِ مْسَاك بِمَعْرُوؾ أَوْ تَسْرٌِح بِإحْسَان [ }البقرة: 119] . ٌرٌد أكثر الطلبق الذى ٌمكن بعده الإمساك بالمعروؾ وهو الرجعة فى العدة، ومعنى قوله{ :أَوْ تَسْرٌِح بِإِحْسَان } [البقرة: 119] . ٌرٌد تركها بلب ارتجاع حتى تنقضى عدتها، وفى ذلك إحسان إلٌه وإلٌها إن وقع ندم منهما، قال الله تعالى{ :لا تَدْرِى لَعَل اللهَ ٌُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً [ }الطلبق: 6] . ٌرٌد الندم على الفرقة والرؼبة فى المراجعة، وموقع الثلبث ؼٌر محسن، لأنه ترك المندوحة التى وسع الله تعالى بها ونبه علٌها، فذكر الله سبحانه وتعالى لفظ الطلبق مفرقاً . فدل على أنه إذا جمع أنه لفظ واحد فتدبره. وقد ٌخرج من ؼٌر ما مسؤلة من الدٌانة ما ٌدل على ذلك. من ذلك: قول الرجل: مالى صدقة فً المساكٌن: أن الثلث من ذلك ٌجزٌه. هذا كله لفظ صاحب الكتاب بحروفه. أفترى الجاهل الظالم المعتدى ٌجعل هإلاء كلهم كفاراً مباحة دماإهم؟ سبحانك، هذا بهتان عظٌم، بل هإلاء من أكابر أهل العلم والدٌن، وذنبهم عند أهل العمى، أهل التقلٌد: كونهم لم ٌرضوا لأنفسهم بما رضى به المقلدون، وردوا ما تنازع فٌه المسلمون إلى الله ورسوله. وَتِلْكَ شَكاة ٍُ ظَاهِر عَنْكَ عَارُهَا الوجه العشرون: أن هذا مذهب أهل الظاهر: داود، وأصحابه. وذنبهم عند كثٌر من الناس أخذهم بكتاب ربهم وسنة نبٌهم، ونبذهم القٌاس وراء ظهورهم، فلم ٌعببوا به شٌباً، وخالفهم أبو محمد بن حزم فى ذلك، فؤباح جمع الثلبث وأوقعها. فهذه عشرون وجها فى إثبات النزاع فى هذه المسؤلة بحسب بضاعتنا المزجاة من الكتب، وإلا فالذى لم نقؾ علٌه من ذلك كثٌر. وقد حكى ابن وضاح وابن مؽٌث ذلك عن على وابن مسعود والزبٌر وعبد الرحمن 1/329) ________________________________________ بن عوؾ وابن عباس. ولعله إحدى الرواٌتٌن عنهم، وإلا فقد صح بلب شك عن ابن مسعود وعلى وابن عباس: الإلزام بالثلبث لمن أوقعها جملة، وصح عن ابن عباس أنه جعلها واحدة. ولم نقؾ على نقل صحٌح عن ؼٌرهم من الصحابة

عدد الصفحات ١٧٤

175 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي بذلك، فلذلك لم نعد ما حكى عنهم فى الوجوه المبٌنة للنزاع، وإنما نعد ما وقفنا علٌه فى مواضعه ونعزوه إلٌها، وبالله التوفٌق. فإن قٌل: فقد ذكرتم أعذار الأبمة الملزمٌن بالثلبث عن تلك الأحادٌث المخالفة لقولهم، فما عذركم أنتم عن أمٌر المإمنٌن، وثانى الخلفاء الراشدٌن المحدث الملهم، الذى أمرنا باتباع سنته والاقتداء به؟ أفتظنون به أنه كان ٌرى رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم وخلٌفته من بعده والصحابة فً عهده ٌجعلون الثلبث واحدة؟ مع أنه أٌسر على الأمة وأسهل، وأبعد من الحرج، ثم ٌعمد إلى مخالفة ذلك برأٌه وٌلزم الأمة بالثلبث من قبل نفسه، فٌضٌق علٌهم ما وسعه الله تعالى وٌعسر ما سهله وٌسد ما فتحه وٌحرج ما فسحه، ثم ٌتابعه على ذلك أكابر الصحابة، وٌوافقونه ولا ٌخالفونه؟، ثم هب أنهم خافوا منه فً حٌاته، وكلب، فإنه كان أتقى لله سبحانه وتعالى من ذلك. وكان إذا بٌنت له المرأة ما خفى علٌه من الحق رجع إلٌه. وكان الصحابة أتقى لله تعالى وأعلم به أن ٌؤخذهم لومة لابم فً الحق، وأن ٌمسكوا عنه خوفاً من عمر رضى الله عنه. فقد دار الأمر بٌن القدح فى عمر رضى الله عنه والصحابة معه، وبٌن رد تلك الأحادٌث إما لضعفها وإما لنسخها وخفى علٌنا الناسخ، وإما بتؤوٌلها وحملها على محمل ٌصح. ولا رٌب أن هذا أولى لتوفٌة حق الصحابة الذٌن هم أعلم بالله تعالى ورسوله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم من جمٌع من بعدهم؟ قٌل: لعمر الله، وإن هذا لسإال ٌورد أمثاله أهل العلم، وإنه لٌحتاج إلى جواب شاؾ كاؾ، فٌقول: الناس هنا طابفتان: طابفة اعتذرت عن هذه الأحادٌث لأجل عمر ومن وافقه. وطابفة اعتذرت عن عمر رضى الله عنه ولم ترد الأحادٌث. فقالوا: الأحكام نوعان: نوع لا ٌتؽٌر عن حالة واحدة هو علٌها. لا بحسب الأزمنة ولا الأمكنة، ولا اجتهاد الأبمة، كوجوب الواجبات، وتحرٌم المحرمات، والحدود 1/330) ________________________________________ المقدرة بالشرع على الجرابم ونحو ذلك، فهذا لا ٌتطرق إلٌه تؽٌٌر ولا اجتهاد ٌخالؾ ما وضع علٌه. والنوع الثانى: ما ٌتؽٌر بحسب اقتضاء المصلحة له زمانا ومكانا وحالاً، كمقادٌر التعزٌرات وأجناسها وصفاتها. فإن الشارع بنوع فٌها بحسب المصلحة، فشرع التعزٌر بالقتل لمدمن الخمر فى المرة الرابعة. وعزم على التعزٌر بتحرٌق البٌوت على المتخلؾ عن حضور الجماعة لولا ما منعه من تعدى العقوبة إلى ؼٌر من ٌستحقها من النساء والذرٌة. وعزر بحرمان النصٌب المستحق من السلب. وأخبر عن تعزٌر مانع الزكاة بؤخذ شطر ماله. 1/331) ________________________________________ وعزر بالعقوبات المالٌة فى عدة مواضع. وعزر من مثل بعبده بإخراجه عنه وإعتاقه علٌه. وعزر بتضعٌؾ الؽرم على سارق مالاً قطع فٌه، وكاتم الضالة. وعزر بالهجر ومنع قربان النساء. ولم ٌعرؾ أنه عزر بدرة، ولا حبس، ولا سوط، وإنما حبس فى تهمة، لٌتبٌن حال المتهم. وكذلك أصحابه تنوعوا فى التعزٌرات بعده. فكان عمر رضى الله عنه ٌحلق الرأس وٌنفً وٌضرب، وٌحرق حوانٌت الخمارٌن 1/332) ________________________________________ والقرٌة التى تباع فٌها الخمر وحرق قصر سعد بالكوفة لما احتجب فٌه عن الرعٌة.

عدد الصفحات ١٧٥

176 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وكان له رضى الله تعالى عنه فى التعزٌر اجتهاد وافقه علٌه الصحابة لكمال نصحه ووفور علمه وحسن اختٌاره للؤمة، وحدوث أسباب اقتضت تعزٌره لهم بما ٌردعهم، لم ٌكن مثلها على عهد رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم، أو كانت، ولكن زاد الناس علٌها وتتابعوا فٌها. فمن ذلك: أنهم لما زادوا فى شرب الخمر وتتابعوا فٌه، وكان قلٌلبً على عهد رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم، جعله عمر رضى الله عنه ثمانٌن ونفى فٌه. ومن ذلك: اتخاذه درة ٌضرب بها من ٌستحق الضرب. ومن ذلك: اتخاذه داراً للسجن. ومن ذلك: ضربه لنوابح حتى بدا شعرها. وهذا باب واسع اشتبه فٌه على كثٌر من الناس الأحكام الثابتة اللبزمة التى لا تتؽٌر بالتعزٌرات التابعة للمصالح وجودا وعدماً . ومن ذلك: أنه رضى الله عنه لما رأى الناس قد أكثروا من الطلبق الثلبث، ورأى أنهم لا ٌنتهون عنه إلا بعقوبة، رأى إلزامهم بها عقوبة لهم، لٌكفوا عنها. وذلك إما من التعزٌر العارض الذى ٌفعل عند الحاجة، كما كان ٌضرب فى الخمر ثمانٌن وٌحلق فٌها الرأس، وٌنفى عن الوطن، وكما منع النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم الثلبثة الذٌن خلفوا عنه عن الاجتماع بنسابهم، فهذا له وجه. وإما ظناً أن جعل الثلبث واحدة كان مشروعاً بشرط وقد زال، كما ذهب إلى ذلك فى متعة الحج، إما مطلقاً، وإما متعة الفسخ فهذا وجه آخر. 1/333) ________________________________________ وإما لقٌام مانع قام فى زمنه منع من جعل الثلبث واحدة كما قام عنده مانع من بٌع أمهات الأولاد، ومانع من أخذ الجزٌة من نصارى بنى تؽلب وؼٌر ذلك. فهذا وجه ثالث: فإن الحكم ٌنتفى لانتفاء شروطه، أو لوجود مانعه. والإلزام بالفرقة فسخاً أو طلبقاً لمن لم ٌقم بالواجب مما ٌسوغ فٌه الاجتهاد، لكن تارة ٌكون حقاً للمرأة، كما فى العنة والإٌلبء والعجز عن النفقة والؽٌبة الطوٌلة عند من ٌرى ذلك. وتارة ٌكون حقاً للزوج، كالعٌوب المانعة له من استٌفاء المعقود علٌه أو كماله. وتارة ٌكون حقاً لله تعالى كما فى تفرٌق الحكمٌن بٌن الزوجٌن عند من ٌجعلهما وكٌلٌن، وهو الصواب وكما فى وقوع الطلبق بالمولى إذا لم ٌفا فى مدة التربص عند كثٌر من السلؾ والخلؾ وكما قال بعض السلؾ ووافقهم علٌه بعض أصحاب أحمد رحمه الله: إنهما إذا تطاوعا على الإتٌان فى الدبر فرق بٌنهما. وقرٌب من ذلك: أن الأب الصالح إذا أمر ابنه بالطلبق لما ٌراه من مصلحة الولد فعلٌه أن ٌطٌعه، كما قاله أحمد رحمه الله وؼٌره. واحتجوا بؤن النبى صلى الله تعالى علٌه وسلم: "أمَرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ أَنْ ٌُطٌِعَ أَبَاهُ، لَمّا أَمَرَهُ بِطَلبقِ زَوْجَ تِهِ ." 1/334) ________________________________________ فالإلزام إما من الشارع، وإما من الإمام بالفرقة إذا لم ٌقم الزوج بالواجب: هو من موارد الاجتهاد. وأصل هذا: أن الله سبحانه وتعالى لما كان ٌبؽض الطلبق لما فٌه من كسر الزوجة وموافقة رضى عدوه إبلٌس حٌث ٌفرح بذلك، وٌلتزم من ٌكون على ٌدٌه من أولاده وٌدنٌه منه، ومفارقة طاعته بالنكاح الذى هو واجب أو مستحب، وتعرٌض كل من الزوجٌن للفجور والمعصٌة، وؼٌر ذلك من مفاسد الطلبق. وكان مع ذلك قد ٌحتاج إلٌه الزوج أو الزوجة وتكون المصلحة فٌه، شرعه على وجه تحصل به المصلحة وتندفع به المفسدة، وحرمه على ؼٌر ذلك الوجه. فشرعه على أحسن الوجوه وأقربها لمصلحة الزوج والزوجة.

عدد الصفحات ١٧٦

177 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي فشرع له أن ٌطلقها طاهراً من ؼٌر جماع طلقة واحدة، ثم ٌدعها حتى تنقضى عدتها، فإن زال الشر بٌنهما وحصلت الموافقة، كان له سبٌل إلى لم الشعث وإعادة الفراش، كما كان، وإلا تركها حتى انقضت عدتها، فإن تبعتها نفسه كان له سبٌل إلى خطبتها، وتجدٌد العقد علٌها برضاها، وإن لم تتبعها نفسه تركها فنكحت من شاءت. وجعل العدة ثلبثة قروء لٌطول زمن المهلة والاختٌار. فهذا هو الذى شرعه وأذن فٌه. ولم ٌؤذن فى إبانتها بعد الدخول إلا بالتراضى بالفسخ والافتداء، فإذا طلقها مرة بعد مرة بقى له طلقة واحدة. فإذا طلقها الثالثة حرمها علٌه عقوبة له، ولم ٌحل له أن ٌنكحها حتى تنكح زوجاً ؼٌره وٌدخل بها ثم ٌفارقها بموت أو طلبق. فإذا علم أن حبٌبته تصٌر إلى ؼٌره فٌحظى به دونه أمسك عن الطلبق. فلما رأى أمٌر المإمنٌن أن الله سبحانه عاقب المطلق ثلبثاً بؤن حال بٌنه وبٌن زوجته وحرمها علٌه حتى تنكح زوجاً ؼٌره، علم أن ذلك لكراهته الطلبق المحرم وبؽضه له. فوافقه أمٌر المإمنٌن فى عقوبته لمن طلق ثلبثاً جمٌعاً بؤن ألزمه بها وأمضاها علٌه. فإن قٌل: فكان أسهل من ذلك أن ٌمنع الناس من إٌقاع الثلبث، وٌحرمه علٌهم وٌعاقب بالضرب والتؤدٌب من فعله، لبلب ٌقع المحذور الذى ٌترتب علٌه. 1/335) ________________________________________ قٌل: نعم لعمر الله، قد كان ٌمكنه ذلك ولذلك ندم علٌه فى آخر أٌامه، وود أنه كان فعله. قال الحافظ أبو بكر الإسماعٌلى فى مسند عمر: أخبرنا أبو ٌعلى: حدثنا صالح ابن مالك: حدثنا خالد بن ٌزٌد بن أبى مالك عن أبٌه قال: قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: ما ندمت على شىء ندامتى على ثلبث: أن لا أكون حرمت الطلبق، وعلى أن لا أكون أنكحت الموالى، وعلى أن لا أكون قتلت النوابح. ومن المعلوم أنه رضى الله عنه لم ٌكن مراده تحرٌم الطلبق الرجعى، الذى أباحه الله تعالى وعلم بالضرورة من دٌن رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم جوازه. ولا الطلبق المحرم الذى أجمع المسلمون على تحرٌمه كالطلبق فى الحٌض، وفى الطهر المجامع فٌه. ولا الطلبق قبل الدخول الذى قال الله تعالى فٌه{ :لا جُنَاحَ عَلٌَْكُمْ إِنْ ط لْقتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمس وهُن أَوْ تَفْرِضُوا لَهُن فَرٌِضَةً [ }البقرة: 156] . هذا كله من أبٌن المحال أن ٌكون عمر رضى الله عنه أراده: فتعٌن قطعاً أنه أراد تحرٌم إٌقاع الثلبث، فعلم أنه إنما كان أوقعها لاعتقاده جواز ذلك، ولذلك قال: إن الناس قد استعجلوا فى شا كانت لهم فٌه أناة، فلو أمضٌناه علٌهم؟ وهذا كالصرٌح فى أنه ؼٌر حرام عنده، وإنما أمضاه لأن المطلق كانت له فسحة من الله تعالى فى التفرٌق فرؼب عما فسحه الله تعالى له إلى الشدة والتؽلٌظ. فؤمضاه عمر رضى الله عنه علٌه، فلما تبٌن له بؤخرة ما فٌه من الشر والفساد ندم على أن لا ٌكون حرم علٌهم إٌقاع الثلبث ومنعهم منه. وهذا مذهب الأكثرٌن: مالك، وأحمد، وأبى حنٌفة رحمهم الله. فرأى عمر رضى الله عنه أن المفسدة تندفع بإلزامهم به. فلما تبٌن له أن المفسدة لم تندفع بذلك وما زاد الأمر إلا شدة، أخبر أن الأولى كان عُدوله إلى تحرٌم الثلبث الذى ٌدفع المفسدة من أصلها. واندفاع هذه المفسدة بما كان علٌه الأمر فى زمن رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم وأبى بكر، وأول خلبفة عمر رضى الله عنهما أولى من ذلك كله. ولا ٌندفع الشر والفساد بؽٌره البتة ولا ٌصلح الناس سواه، ولهذا لما رؼب عنه كثٌر من الناس احتاجوا إلى أحد أمرٌن لابد لهم منهما: إما الدخول فٌما لعن رسول الله صلى الله علٌه وآله وسلم فاعله وتابع علٌه اللعنة، وإما التزام الآصار والأؼلبل ورإٌة حبٌبته حسرة. 1/336) ________________________________________

عدد الصفحات ١٧٧

: إما الدخول فٌما لعن رسول الله صلى الله علٌه وآله وسلم فاعله وتابع علٌه اللعنة، وإما التزام الآصار والأؼلبل ورإٌة حبٌبته حسرة. 1/336) ________________________________________ والذى شرعه الله تعالى ورسوله صلى الله علٌه وآله وسلم ودلت علٌه السنة الصحٌحة الصرٌحة ٌخلص من هذا وهذا ولكن تؤتى حكمة الله تعالى أن ٌفتح للظالمٌن المتعدٌن لحدوده، الراؼبٌن عن تقواه وطاعته أبواب الٌسر والفرج

عدد الصفحات ١٧٧

178 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي السهولة. فإن الله سبحانه وتعالى إنما جعل ذلك لمن اتقاه والتزم طاعته وطاعة رسوله، كما قال تعالى فى السورة التى بٌن فٌها الطلبق، وأحكامه وحدوده وما شرعه لعباده: {وَمَنْ ٌَت قِ اللهَ ٌجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً [ }الطلبق: 1 ]وقال فٌها {وَمَنْ ٌَت قِ اللهَ ٌَجْعَلْ لَهُ مِ نْ أَمْرِهِ ٌُسْراً [ }الطلبق: 4 ]وقال فٌها {وَمَنْ ٌَت قِ الله ٌُكفِّرْ عَنْهُ سٌَِّباَتِهِ وٌَُعْظِمْ لَهُ أَجْراً [ }الطلبق: 5] . فمن طلق على ؼٌر تقوى الله كان حقٌقاً أن لا ٌجعل الله له مخرجاً وأن لا ٌجعل له من أمره ٌسراً . وقد أشار إلى هذا بعٌنه الصحابة حٌث قال ابن عباس، وابن مسعود، لمن طلق ثلبثاً جمٌعاً : إنك لم تتق الله فٌجعل لك مخرجاً . وقال شعبة عن ابن أبى نجٌح عن مجاهد: سبل ابن عباس عن رجل طلق امرأته مابة؟ فقال: عصٌت ربك: وبانت منك امرأتك، إنك لم تتق الله فٌجعل لك مخرجاً . {وَمَنْ ٌَت قِ اللهَ ٌَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً [ }الطلبق: 1] . وقال الأعمش: عن مالك بن الحارث عن ابن عباس: أن رجلبً أتاه فقال: إن عمى طلق امرأته ثلبثاً، فقال: إن عمك عصى الله فلم ٌجعل له مخرجاً، فاندمه الله تعالى، أطاع الشٌطان فقال: أفلب ٌحللها له رجل؟ فقال من ٌخادع الله ٌخدعه. والله تعالى قد جرت سنته فى خلقه بؤن ٌحرم الطٌبات شرعاً وقدرَاً على من ظلم وتعدى حدوده وعصى أمره، وأن ٌٌسر للعسرى من بخل بما أمره به فلم ٌفعله، واستؽنى عن طاعته باتباع شهواته وهواه، كما أنه سبحانه ٌٌسر للٌسرى من أعطى واتقى وصدق بالحسنى. فهذا نهاٌة إقدام الناس فى باب الطلبق. ٌبقى أن ٌقال: فإذا خفى على أكثر الناس حكم الطلبق، ولم ٌفرقوا بٌن الحلبل والحرام منه جهلبً، وأوقعوا الطلبق المحرم ٌظنونه جابزا هل ٌستحقون العقوبة بالإلزام به، 1/337) ________________________________________ لكونهم لم ٌتعلموا دٌنهم الذى أمرهم الله تعالى به وأعرضوا عنه ولم ٌسؤلوا أهل العلم كٌؾ ٌطلقون؟ وماذا أبٌح لهم من الطلبق؟ وماذا ٌحرم علٌهم منه؟ أم ٌقال لا ٌستحقون العقوبة، لأن الله سبحانه لا ٌعاقب شرعاً ولا قدراً إلا بعد قٌام الحجة ومخالفة أمره، كما قال تعالى{ :وَمَا كُن ا مُعَذَبٌِنَ حَت ى نَبْ عَثَ رَسُولا[ }الإسراء: 65] . وأجمع الناس على أن الحدود لا تجب إلا على عالم بالتحرٌم متعمد لارتكاب أسبابها، والتعزٌرات ملحقة بالحدود. فهذا موضع نظر واجتهاد، وقد قال النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "التّابِبُ مِنَ الذ نْبِ كَمنْ لا ذَنْبَ لَهُ ." فمن طلق على ؼٌر ما شرعه الله تعالى وأباحه جاهلبً، ثم علم به فندم وتاب، فهو حقٌق بؤن لا ٌعاقب وأن ٌفتى بالمخرج الذى جعله الله تعالى لمن اتقاه، وٌجعل له من أمره ٌسراً . والمقصود: أن الناس لابد لهم فى باب الطلبق من أحد ثلبثة أبواب ٌدخلون منها. أحدها: باب العلم والاعتدال الذى بعث الله تعالى به رسوله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم، وشرعه للؤمة رحمة بهم وإحسانا إلٌهم. والثانى: باب الآصار والأؼلبل، الذى فٌه من العسر والشدة والمشقة ما فٌه. والثالث: باب المكر والاحتٌال الذى فٌه من الخداع والتحٌل والتلبعب بحدود الله تعالى، واتخاذ آٌاته هزواً ما فٌه، ولكل باب من المطلقٌن وؼٌرهم جزء مقسوم. فصل ومن مكاٌده التى كاد بها الإسلبم وأهله: الحٌل والمكر والخداع الذى ٌتضمن تحلٌل ما حرم الله، وإسقاط ما فرضه، ومضادته فى أمره ونهٌه، وهى من الرأى الباطل الذى اتفق السلؾ على ذمه 1/338) ________________________________________

عدد الصفحات ١٧٨

179 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي فإن الرأى رأٌان: رأى ٌوافق النصوص وتشهد له بالصحة والاعتبار، وهو الذى اعتبره السلؾ، وعملوا به. ورأى ٌخالؾ النصوص وتشهد له بالإبطال والإهدار، فهو الذى ذموه وأنكروه. وكذلك الحٌل نوعان: نوع ٌتوصل به إلى فعل ما أمر الله تعالى به، وترك ما نهى عنه والتخلص من الحرام، وتخلٌص الحق من الظالم المانع له، وتخلٌص المظلوم من ٌد الظالم الباؼى، فهذا النوع محمود ٌثاب فاعله ومعلمه. ونوع ٌتضمن إسقاط الواجبات، وتحلٌل المحرمات، وقلب المظلوم ظالماً، والظالم مظلوماً، والحق باطلبً والباطل حقاً، فهذا النوع الذى اتفق السلؾ على ذمه، وصاحوا بؤهله من أقطار الأرض. وقال الإمام أحمد رحمة الله: لا ٌجوز شا من الحٌل فى إبطال حق مسلم. وقال المٌمونى: قلت لأبى عبد الله: من حلؾ على ٌمٌن ثم احتال لإبطالها، فهل تجوز تلك الحٌلة؟ قال: نحن لا نرى الحٌلة إلا بما ٌجوز. قلت: ألٌس حٌلتنا فٌها أن نتبع ما قالوا، وإذا وجدنا لهم قولا فى شا اتبعناه؟ قال: بلى هكذا هو. قلت: أو لٌس هذا منا نحن حٌلة؟ قال: نعم. فبٌن الإمام أحمد أن من اتبع ما شرعه الله له وجاء عن السلؾ فى معانى الأسماء التى علقت بها الأحكام لٌس بمحتال الحٌل المذمومة.. وإن سمٌت حٌلة فلٌس الكلبم فٌها. وؼرض الإمام أحمد بهذا: الفرق بٌن سلوك الطرٌق المشروعة التى شرعت لحصول مقصود الشارع، وبٌن الطرٌق التى تسلك لإبطال مقصوده. فهذا هو سر الفرق بٌن النوعٌن، وكلبمنا الآن فى النوع الثانى. قال شٌخنا: فالدلٌل على تحرٌم هذا النوع وإبطاله من وجوه: الوجه الأول: قوله سبحانه وتعالى{ :وَمَنْ الن اسِ مَنْ ٌَقُولُ آمَن ا بِاللهِ 1/339) ________________________________________ وَبِالٌَْوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بمُإْمِنٌِنَ ٌُخَادِعُونَ اللهَ وَال ذٌِنَ آمَنُوا وَمَا ٌَخْدَعُونَ إِلا أَنْ فُسَهُمْ وَمَا ٌَشْعُرُونَ [ }البقرة: 8-9 ]وقال تعالى{ :إِن الُمْنَافِقٌِنَ ٌَخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُه مْ [ }النساء: 641] . وقال فى أهل العهد{ :وَإِنْ ٌُرٌِدُوا أَنْ ٌَخْدَعُوكَ فَإِن حَسْبَكَ اللهُ [ }الأنفال: 61] . فؤخبر سبحانه وتعالى أن هإلاء المخادعٌن مخدوعون، وهم لا ٌشعرون أن الله تعالى خادع من خدعه، وأنه ٌكفى المخدوع شر من خدعه. والمخادعة: هى الاحتٌال والمراوؼة بإظهار الخٌر مع إبطان خلبفه، لٌحصل مقصود المخادع. وهذا موافق لاشتقاق اللفظ فى اللؽة. فإنهم ٌقولون: طرٌق خٌدع، إذا كان مخالفاً للقصد لا ٌشعر به ولا ٌفطن له، وٌقال للسراب الخٌدع، لأنه ٌؽر من ٌراه، وضب خدَعِ، أى مراوغ. كما قالوا: أخدع من ضب، ومنه: "الحرب خدعة" وسوق خادعة، أى متلونة، وأصله: الإخفاء والستر. ومنه سمٌت الخزانة مخدعاً . فلما كان القابل "آمنت" مظهراً لهذه الكلمة، ؼٌر مرٌد حقٌقتها المرعٌة المطلوبة شرعاً، بل مرٌد لحكمها وثمرتها فقط مخادعاً، كان المتكلم بلفظ "بعت" و "اشترٌت" و "طلقت" و "نكحت" و"خالعت" و "آجرت"، و "ساقٌت" و "أو صٌت" ؼٌر مرٌد لحقابقها الشرعٌة المطلوبة منها شرعاً، بل مرٌد لأمور أخرى ؼٌر ما شرعت له، أو ضد ما شرعت له مخادعاً . ذاك مخادع فى أصل الإٌمان، وهذا مخادع فى أعماله وشرابعه. قال شٌخنا: وهذا ضرب من النفاق فى آٌات الله تعالى وحدوده، كما أن الأول نفاق فى أصل الدٌن. ٌإٌد ذلك: ما رواه سعٌد بن منصور عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما "أنه جاءه رجل فقال: إن عمى طلق امرأته ثلبثا، أٌحلها له رجل؟ فقال: من ٌخادع الله ٌخدعه." وعن أنس بن مالك: أنه سبل عن العٌنة، ٌعنى بٌع الحرٌرة؟ فقال: إن الله تعالى لا ٌخدع، هذا ما حرم الله تعالى ورسوله. رواه أبو جعفر محمد بن سلٌمان الحافظ المعروؾ بمُطٌَن فى كتاب البٌوع له.

عدد الصفحات ١٧٩

س بن مالك: أنه سبل عن العٌنة، ٌعنى بٌع الحرٌرة؟ فقال: إن الله تعالى لا ٌخدع، هذا ما حرم الله تعالى ورسوله. رواه أبو جعفر محمد بن سلٌمان الحافظ المعروؾ بمُطٌَن فى كتاب البٌوع له. وعن ابن عباس: أنه سبل عن العٌِنة، ٌعنى بٌع الحرٌرة، فقال: إن الله لا ٌخدع، هذا مما حرم الله تعالى ورسوله، رواه الحافظ أبو محمد النخشى.

عدد الصفحات ١٧٩

180 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي 1/340) ________________________________________ فسمى الصحابة من أظهر عقد التباٌع ومقصود به الربا خداعاً لله، وهم المرجوع إلٌهم فى هذا الشؤن والمعوّل علٌهم فى فهم القرآن. وقد تقدم عن عثمان، وعبد الله بن عمر، وؼٌرهما أنهما قالا فى المطلقة ثلبثا: لا ٌحلها إلا نكاح رؼبة، لا نكاح دِلسة. قال أهل اللؽة: المدالسة: المخادعة. وقال أٌوب السختٌانى فى المحتالٌن: ٌخادعون الله كما ٌخادعون الصبٌان، فلو أتوا الأمر عٌاناً كان أهون علىّ . وقال شرٌك بن عبد الله القاضى فى كتاب الحٌل: هو كتاب المخادعة. وكذلك المعاهدون إذا أظهروا للرسول صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم أنهم ٌرٌدون سلمه، وهم ٌقصدون بذلك المكُر به من حٌث لا ٌشعر. فٌظهرون له أمانا وٌبطنون له خلبفه. كما أن المحلل والمرابى ٌظهران النكاح والبٌع المقصودٌن، ومقصود هذا الطلبق بعد استفراش المرأة، ومقصود الآخر ما تواطآ علٌه قبل إظهار العقد، من بٌع الألؾ الحالة بالألؾ والمابتٌن إلى أجل، فمخالفة ما ٌدل علٌه العقد شرعاً أو عرفاً خدٌعة. قال: وتلخٌص ذلك أن مخادعة الله تعالى حرام، والحٌل مخادعة لله. بٌان الأول: أن الله تعالى ذم المنافقٌن بالمخادعة وأخبر أنه خادعهم، وخدعه للعبد عقوبة تستلزم فعله للمحرم. وبٌان الثانى: أن ابن عباس وأنساً وؼٌرهما من الصحابة والتابعٌن أفتوا أن التحلٌل ونحوه من الحٌل مخادعة لله تعالى، وهم أعلم بكتاب الله تعالى. الثانى: أن المخادعة إظهار شا من الخٌر وإبطان خلبفه كما تقدم. الثالث: أن المنافق لما أظهر الإسلبم، ومراده ؼٌره، سمى مخادعا لله تعالى، وكذلك المرابى. فإن النفاق والربى من باب واحد. فإذا كان هذا الذى أظهر قولاً ؼٌر معتقد ولا مرٌد لما ٌفهم منه، وهذا الذى أظهر فعلبً ؼٌر معتقد ولا مرٌد لما شرع له مخادعاً . فالمحتال لا ٌخرج عن أحد القسمٌن: إما إظهار فعل لؽٌر مقصوده الذى شرع له، أو إظهار قول لؽٌر مقصوده الذى شرع له. وإذا كان مشاركاً لهما فى المعنى الذى سمٌا به مخادعٌن وجب أن ٌشركهما فى اسم الخداع، وعلم أن الخداع اسم لعموم الحٌل لا لخصوص هذا النفاق. 1/341) ________________________________________ الوجه الثانى: أن الله تعالى ذم المستهزبٌن بآٌاته، والمتكلم بالأقوال التى جعل الشارع لها حقابق ومقاصد مثل كلمة الإٌمان، وكلمة الله تعالى التى ٌستحل بها الفروج، ومثل العهود والمواثٌق التى بٌن المتعاقدٌن وهو ٌرٌد بها حقابقها المقومة لها، ولا مقاصدها التى جعلت هذه الألفاظ محصلة لها، بل ٌرٌد أن ٌراجع المرأة لٌضرها وٌسا عشرتها ولا حاجة فى نكاحها، أو ٌنكحها لٌحلها لمطلقها، لا لٌتخذها زوجاً، أو ٌخلعها لٌلبسها، أو ٌبٌع بٌعاً جابزاً ومقصوده به ما حرمه الله تعالى ورسوله، فهو ممن اتخذ آٌات الله تعالى هزواً . ٌوضحه: الوجه الثالث: ما رواه ابن ماجه بإسناد حسن عن أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه. قال: قال رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم "ما بال أقوام ٌلعبون بحدود الله، وٌستهزبون بآٌاته؟ طلقتك، راجعتك، طلقتك، راجعتك؟ " فجعل المتكلم بهذه العقود ؼٌر مرٌد لحقابقها وما شرعت له مستهزباً بآٌات الله تعالى، متلبعباً بحدوده. ورواه ابن بطة بإسناد جٌد، ولفظة "خلعتك، راجعتك، خلعتك، راجعتك." الوجه الرابع: ما رواه النسابى عن محمود بن لبٌد "أن رجلبً طلق امرأته ثلبثاً، على عهد رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم، فقال: أٌلعب بكتاب الله وأنا بٌن أظهركم؟ " الحدٌث، وقد تقدم. فجعله لاعباً بكتاب الله، مع قصده الطلبق، لكنه خالؾ وجه الطلبق وأراد ؼٌر ما أراد الله تعالى به، فإن الله سبحانه وتعالى أراد أن ٌطلق طلبقاً ٌملك فٌه ردّ المرأة إذا شاء، فطلق هو طلبقاً لا ٌملك فٌه ردها.

عدد الصفحات ١٨٠

181 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وأٌضاً فإن المرتٌن والمرات فى لؽة القرآن والسنة، بل ولؽة العرب، بل ولؽات سابر الأمم: لما كان مرة بعد مرة، فإذا جمع المرتٌن والمرات فى مرة واحدة فقد تعدى حدود الله تعالى وما دل علٌه كتابه، فكٌؾ إذا أراد باللفظ الذى رتب علٌه الشارع حكما ضد ما قصده الشارع؟. الوجه الخامس: أن الله سبحانه أخبر عن أهل الجنة الذٌن بلبهم ما بلبهم به فى سورة 1/342) ________________________________________ ن وهم قوم كان للمساكٌن حق فى أموالهم، إذا جذوا نهاراً، بؤن ٌلتقط المساكٌن ما ٌتساقط من التمر فؤرادوا أن ٌجدوا لٌلب لٌسقط ذلك الحق لبلب ٌؤتٌهم مسكٌن وأنه عاقبهم بؤنه أرسل على جنتهم طابفاً وهم نابمون فؤصبحت كالصرٌم. وذلك لما تحٌلوا على إسقاط نصٌب المساكٌن بؤن ٌصرموها مصبحٌن قبل مجا المساكٌن، فكان فى ذلك عبرة لكل محتال على إسقاط حق من حقوق الله تعالى أو حقوق عباده. الوجه السادس: أن الله تعالى أخبر [الأعراؾ: 665 667 ]عن أهل السبت من الٌهود بمسخهم قردة لما احتالوا على إباحة ما حرمه الله تعالى علٌهم من الصٌد بؤن نصبوا الشباك ٌوم الجمعة، فلما وقع فٌها الصٌد أخذوه ٌوم الأحد. قال بعض الأبمة: ففى هذا زجر عظٌم لمن ٌتعاطى الحٌل على المناهى الشرعٌة ممن ٌتلبس بعلم الفقه وهو ؼٌر فقٌه إذ الفقٌه من ٌخشى الله تعالى بحفظ حدوده وتعظٌم حرماته والوقوؾ عندها، لٌس المحتال على إباحة محارمه وإسقاط فرابضه. ومعلوم أنهم لم ٌستحلوا ذلك تكذٌباً لموسى علٌه السلبم وكفراً بالتوراة، وإنما هو استحلبل تؤوٌل واحتٌال، ظاهره ظاهر الاتقاء، وباطنه باطن الاعتداء، ولهذا والله أعلم مسخوا قردة، لأن صورة القرد فٌها شبه من صورة الإنسان وفى بعض ما ٌذكر من أوصافه شبه منه، وهو مخالؾ له فى الحد والحقٌقة. فلما مسخ أولبك المعتدون دٌن الله تعالى بحٌث لم ٌتمسكوا إلا بما ٌشبه الدٌن فى بعض ظاهره دون حقٌقته، مسخهم الله تعالى قردة، ٌشبهونهم فى بعض ظواهرهم دون الحقٌقة جزاء وفاقاً، ٌوضحه: الوجه السابع: أن بنى إسرابٌل كانوا أكلى الربا وأموال الناس بالباطل كما قصه الله 1/343) ________________________________________ تعالى فى كتابه، وذلك أعظم من أكل الصٌد الحرام فى ٌوم بعٌنه، ولذلك كان الربا والظلم حراماً فى شرٌعتنا والصٌد ٌوم السبت ؼٌر محرم فٌها ثم أن أكلة الربا وأموال الناس بالباطل لم ٌعاقبوا بالمسخ كما عوقب به مستحلو الحرام بالحٌلة وإن كانوا عوقبوا بجنس آخر كعقوبات أمثالهم من العصاة. فٌشبه، والله أعلم أن هإلاء لما كانوا أعظم جرماً إذ هم بمنزلة المنافقٌن ولا ٌعترفون بالذنب، بل قد فسدت عقٌدتهم وأعمالهم كانت عقوبتهم أؼلظ من عقوبة ؼٌرهم، فإن من أكل الربا والصٌد الحرام عالما بؤنه حرام فقد اقترن بمعصٌته اعترافه بالتحرٌم، وهو إٌمان بالله تعالى وآٌاته. وٌترتب على ذلك من خشٌة الله تعالى ورجاء مؽفرته وإمكان التوبة ما قد ٌقضى به إلى خٌر ورحمة. ومن أكله مستحلبً له بنوع احتٌال تؤول فٌه، فهو مصر على الحرام، وقد اقترن به اعتقاده الفاسد فى حل الحرام، وذلك قد ٌفضى به إلى شر طوٌل. وقد جاء ذكر المسخ فى عدة أحادٌث قد تقدم بعضها فى هذا الكتاب كقوله فى حدٌث أبى مالك الأشعرى، الذى رواه البخارى فى صحٌحه: "وٌََمْسَخُ آخَرٌِنَ قرَدَةً وَخَنَازٌِرَ إِلَى ٌوْمِ الْقٌَِامَةِ ." وقوله فى حدٌث أنس: "لٌََ بٌِتَن رِجَال عَلَى أَكْل وَشُرْب وَعَزْؾ ، فٌَُصْبِحُونَ عَلَى أرَابِكِهمْ مَمْسُوخٌِنَ قِرَدَةً وَخَنَازٌِرَ ." وفى حدٌث أبى أمامة أٌضا: "ٌَبٌِتُ قَوْم مِنْ هذِهِ الام ةِ عَلَى طعْم وَشرْب وَلَهْو فًٍَُ صْبِحُونَ وَقَدْ مُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنَازِ ٌرَ ." وفى حدٌث عمران بن حصٌن: "ٌَكُونَ فى أُم تِى قَذْؾ وَمَسْخ وَخَسْؾ ."

عدد الصفحات ١٨١

َوْم مِنْ هذِهِ الام ةِ عَلَى طعْم وَشرْب وَلَهْو فًٍَُ صْبِحُونَ وَقَدْ مُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنَازِ ٌرَ ." وفى حدٌث عمران بن حصٌن: "ٌَكُونَ فى أُم تِى قَذْؾ وَمَسْخ وَخَسْؾ ." وكذلك فى حدٌث سهل بن سعد وكذلك فى حدٌث على بن أبى طالب، وقوله: " فلٌرتقبوا عند ذلك رٌحاً حمراء، وخسفاً، ومسخاً ."

عدد الصفحات ١٨١

182 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي 1/344) ________________________________________ وفى حدٌثه الآخر: "ٌمسخ طابفة من أمتى قردة وطابفة خنازٌر." وفى حدٌث أنس رضى الله عنه "لٌكونن فى هذه الأمة خسؾ وقذؾ ومسخ." وفى حدٌث أبى هرٌرة رضى الله عنه "ٌمسخ قوم من هذه الأمة فى آخر الزمان قردة وخنازٌر. قالوا: ٌا رسول الله، ألٌس ٌشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله؟ قال: بلى، وٌصومون، وٌصلون، وٌحجون. قالوا: فما بالهم لله؟ قال: اتخذوا المعازؾ والدفوؾ، القٌنات، فباتوا على شربهم ولهوهم. فؤصبحوا وقد مسخوا قردة وخنازٌر." وفى حدٌث جبٌر بن نفٌر: لٌبتلٌن آخر هذه الأمة بالرجؾ. فإن تابوا تاب الله علٌهم، وإن عادوا عاد الله تعالى علٌهم بالرجؾ، والقذؾ، والمسخ، والصواعق. وقال سالم بن أبى الجعد: لٌؤتٌن على الناس زمان ٌجتمعون فٌه على باب رجل، ٌنظرون أن ٌخرج إلٌهم، فٌطلبوا إلٌه الحاجة، فٌخرج إلٌهم وقد مسخ قرداً أو خنزٌراً، ولٌمرن الرجل على الرجل فى حانوته ٌبٌع، فٌرجع إلٌه وقد مسخ قرداً أو خنزٌراً . وقال أبو هرٌرة: لا تقوم الساعة حتى ٌمشى الرجلبن إلى الأمر ٌعملبنه، فٌمسخ أحدهما قرداً أو خنزٌراً . فلب ٌمنع الذى نجا منهما ما رأى بصاحبه أن ٌمضى إلى شؤنه ذلك حتى ٌقضى شهوته، وحتى ٌمشى الرجلبن إلى الأمر ٌعملبنه، فٌخسؾ بؤحدهما، فلب ٌمنع الذى نجا منهما ما رأى بصاحبه أن ٌمضى لشؤنه ذلك، حتى ٌقضى شهوته منه. وقال عبد الرحمن بن ؼَنْم : "ٌُوشِكُ أَنْ ٌْقعُدَ أُثْنَانِ عَلَى ثِفَالِ رَحىً ٌَطْحَنَانِ، فٌَُمْسَخُ أحَدُهُمَا وَالآخَرُ ٌَنْظُرُ ." وقال مالك بن دٌنار: بلؽنى أن رٌحاً تكون فى آخر الزمان، وظلم، فٌفزع الناس إلى علمابهم، فٌجدونهم قد مسخوا. وقد ساق هذه الأحادٌث والآثار وؼٌرها بؤسانٌدها ابن أبى الدنٌا فى كتاب ذم الملبهى. فالمسخ على صورة القردة والخنازٌر واقع فى هذه الأمة ولا بد وهو فى طابفتٌن: علماء السوء الكاذبٌن على الله ورسوله، الذٌن قلبوا دٌن الله تعالى وشرعه. فقلب الله تعالى صورهم كما قلبوا دٌنه. والمجاهرٌن المتهتكٌن بالفسق والمحارم. ومن لم ٌمسخ منهم فى الدنٌا مسخ فى قبره أو ٌوم القٌامة. 1/345) ________________________________________ وَقد جاءَ فى حدٌث الله أَعلم بحَالهِ : "ٌُحشَرُ أكَلَةُ الرِّبَا ٌَوْمَ الْقٌَِامَةِ فى صَوَرِ الْخَنَازٌِرِ وَالْكِلببِ مِنْ أَجْلِ حٌَِلهِمْ عَلَى الرِّبَا كمَا مُسِخَ أصحاب دَاوُدَ لاحْتٌَِالِهمْ عَلَى أخْذِ الْحٌِتَانِ ٌَوْمَ الس بْتِ ." وبكل حال فالمسخ لأجل الاستحلبل بالاحتٌال قد جاء فى أحادٌث كثٌرة. قال شٌخنا: وإنما ذلك إذا استحلوا هذه المحرمات بالتؤوٌلبت الفاسدة. فإنهم لو استحلوها مع اعتقد أن الرسول حرمها كانوا كفار ولم ٌكونوا من أمته. ولو كانوا معترفٌن بؤنها حرام لأوشك أن لا ٌعاقبوا بالمسخ، كسابر الذٌن ٌفعلون هذه المعاصى، مع اعترافهم بؤنها معصٌة، ولما قٌل فٌهم: ٌستحلون. فإن المستحل للشا هو الذى ٌفعله معتقداً حله. فٌشبه أن ٌكون استحلبلهم للخمر، ٌعنى أنهم ٌسمونها بؽٌر اسمها، كما جاء فى الحدٌث. فٌشربون الأنبذة المحرمة، ولا ٌسمونه خمراً . واستحلبلهم المعازؾ باعتقادهم أن آلات اللهو مجرد سمع صوت فٌه لذة. وهذا لا ٌحرم كؤصوات الطٌور، واستحلبل الحرٌر وسابر أنواعه باعتقادهم أنه حلبل فى بعض الصور كحال الجرب وحال الحكة. فٌقٌسون علٌه سابر الأحوال وٌقولون: لا فرق بٌن حال وحال. وهذه التؤوٌلبت ونحوها واقعة فى الطوابؾ الثلبثة الذٌن قال فٌهم عبد الله بن المبارك رحمه الله: وَ هَلْ أَفسدَ الدٌِّنَ إِلا الملُو ... كُ وَأحبَارُ سُوء ورُهْبَانُهَا ومعلوم أنها لا تؽنى عن أصحابها من الله شٌباً بعد أن بلػ الرسول وبٌن تحرٌم هذه 1/346)

عدد الصفحات ١٨٢

المبارك رحمه الله: وَ هَلْ أَفسدَ الدٌِّنَ إِلا الملُو ... كُ وَأحبَارُ سُوء ورُهْبَانُهَا ومعلوم أنها لا تؽنى عن أصحابها من الله شٌباً بعد أن بلػ الرسول وبٌن تحرٌم هذه 1/346) ________________________________________

عدد الصفحات ١٨٢

183 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي الأشٌاء بٌانا قاطعاً للعذر مقٌما للحجة. والحدٌث الذى رواه أبو داود بإسناد صحٌح من حدٌث عبد الرحمن بن ؼنم عن أبى مالك الأشعرى رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "لٌشربن ناس من أمتى الخمر، ٌسمونها بؽٌر اسمها، ٌعزؾ على رإوسهم بالمعازؾ والقٌنات، ٌخسؾ الله تعالى بهم الأرض، وٌجعل منهم القردة والخنازٌر." الوجه الثامن: أن النبى صلى الله تعالى وآله وسلم قال: "إن مَا الأَعْمَالُ بِالنٌِّ اتِ وَإن مَا لِكُلِّ امْرِئ مَا نَوَى " الحدٌث. وهو أصل فى إبطال الحٌل وبه احتج البخارى على ذلك. فإن من أراد أن ٌعامل رجلبً معاملة ٌعطٌه فٌها ألفاً بؤلؾ وخمسمابة إلى أجل فؤقرضه تسعمابة، وباعه ثوباً بستمابة ٌساوى مابة، إنما نوى بإقراض التسعمابة تحصٌل الربح الزابد. وإنما نوى بالستمابة التى أظهر أنها ثمن الثوب الربا. والله ٌعلم ذلك من جذر قلبه وهو ٌعلمه، ومن عامله ٌعلمه، ومن أطلع على حقٌقة الحال ٌعلمه، فلٌس له من عمله إلا ما نواه وقصده حقٌقة من إعطاء الألؾ حالة، وأخذ الألؾ والخمسمابة مإجلة، وجعل صورة القرض وصورة البٌع محللبً لهذا المحرم. الوجه التاسع: ما رواه عمرو بن شعٌب عن أبٌه عن جده أن النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم قال: "البٌَِّعَانِ بِالخٌَْارِ حَت ى ٌَ تَفَر قَا، إِلا أنْ ٌَكُونَ صَفْقَةَ خٌَِار . وَلا ٌَحِل لَهُ أَنْ ٌُفَارِقَهُ خَشٌَْةَ أنْ ٌَسْتَقِلهُ ." رواه أحمد وأهل السنن، وحسنه الترمذى. وقد استدل به الإمام أحمد، وقال: فٌه إبطال الحٌل. ووجه ذلك: أن الشارع أثبت الخٌار إلى حٌن التفرق الذى ٌفعله المتعاقدان بداعٌة طباعهما. فحرم صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم أن ٌقصد المفارق منع الآخر من الاستقالة وهى طلب الفسخ، سواء كان العقد جابزا أو لازماً، لأنه قصد بالتفرق ؼٌر ما جعل التفرق فى العرؾ له. فإنه قصد به إبطال حق أخٌه من الخٌار، ولم ٌوضع التفرق لذلك. وإنما جعل التفرق لذهاب كل منهما فى حاجته ومصلحته. 1/347) ________________________________________ الوجه العاشر: ما روى محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هرٌرة أن رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم قال: "لا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكبَتِ الٌَْهُودُ، وَتَسْتَحِ ل واً مَحَارِمَ اللهِ بِؤَدْنَى الْحٌَِلِ ." رواه أبو عبد الله بن بطة: حدثنا أحمد بن محمد بن سلبم حدثنا الحسن بن الصباح الزعفرانى حدثنا ٌزٌد بن هارون حدثنا محمد بن عمرو، وهذا إسناد جٌد ٌصحح مثله الترمذى. وهو نص فى تحرٌم استحلبل محارم الله تعالى بالحٌل. وإنما ذكر صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم أدنى الحٌل تنبٌها على أن مثل هذا المحرم العظٌم الذى قد توعد الله تعالى علٌه بمحاربة من لم ٌنته عنه. فمن أسهل الحٌل على من أراد فعله: أن ٌعطٌه مثلبً ألفاً إلا درهماً باسم القرض، وٌبٌعه خرقة تساوى درهماً بخمسمابة. وكذلك المطلق ثلبثاً : من أسهل الأشٌاء علٌه أن ٌعطى بعض السفهاء عشرة دراهم مثلبً . وٌستعٌره لٌنزو على مطلقته فتطٌب له، بخلبؾ الطرٌق الشرعى. فإنه ٌصعب معه عودها حلبلاً إذ من الممكن أن لا ٌطلق بل أن ٌموت المطلق أولا قبله ثم إنه صلى الله علٌه وآله وسلم نهانا عن التشبه بالٌهود، وقد كانوا احتالواً فى الاصطٌاد ٌوم السبت، بؤن حفرواً خنادق ٌوم الجمعة تقع فٌها الحٌتان ٌوم السبت ثم ٌؤخذونها ٌوم الأحد، وهذا عند المحتالٌن جابز. لأن فعل الاصطٌاد لم ٌوجد ٌوم السبت، وهو عند الفقهاء حرام لأن المقصود هو الكؾ عما ٌنال به الصٌد بطرٌق التسبب أو المباشرة. ومن احتٌالهم: أن الله سبحانه وتعالى لما حرم علٌهم الشحوم، تؤولواً أن المراد نفس إدخاله الفم، وأن الشحم هو الجامد

عدد الصفحات ١٨٣

لأن المقصود هو الكؾ عما ٌنال به الصٌد بطرٌق التسبب أو المباشرة. ومن احتٌالهم: أن الله سبحانه وتعالى لما حرم علٌهم الشحوم، تؤولواً أن المراد نفس إدخاله الفم، وأن الشحم هو الجامد دون المذاب، فجملوه فباعوه وأكلوا ثمنه، وقالوا: ما أكلنا الشحم، ولم ٌنظروا فى أن الله تعالى إذا حرم الانتفاع بشا فلب فرق بٌن الانتفاع بعٌنه أو ببدله، إذ البدل ٌسد مسده. فلب فرق بٌن حال جامده وودكه، فلو كان ثمنه حلبلاً لم ٌكن فى تحرٌمه كثٌر أمر، وهذا هو:

عدد الصفحات ١٨٣

184 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي 1/348) ________________________________________ الوجه الحادى عشر: وهو ما روى ابن عباس قال: "بَلَػَ عُمَرَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أنّ فُلبناً بَاعَ خَمْراً . فقَالَ : قَاتَلَ اللهُ فُلبناً، أَلَمْ ٌَعْلَمْ أَنّ رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ تَعالَى عَلٌْهِ وآله وسّلمَ قَالَ : "قَاتَلَ اللهُ الٌَْهُودَ، حُرّمَتْ عَلٌَْهِمُ الش حُومُ فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا" متفق علٌه. قال الخطابى: "جملوها" معناه: أذابوها حتى تصٌر ودكا فٌزول عنها اسم الشحم ٌقال: جملت الشحم، وأجملته، واجتملته. والجمٌل: الشحم المذاب. وعن جابر بن عبد الله: أنه سمع النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم ٌقول: "إِنّ اللهَ حَر مَ بٌَْعَ الْخَمرِ وَالمٌَْتَةِ، وَالْخَنْزٌِرِ، وَالأَصّ نَامِ، فَقٌِلَ : ٌَا رَسُولَ اللهِ أَرَأٌَْتَ شُحُومَ المٌَْتَةِ فإِنّهَا ٌُطْلَى بهَا الس فُنُ، وٌَُدْهَنُ بهَا الْجُلُودُ، وٌََسْتَصْبِح بهَا النّاسُ؟ فَقَالَ : لا، هُوَ حَرَام . ثُم قالَ رَسُولُ الله صلى اللهُ تعالى علٌه وآله وسلم عِنْدَ ذلِكَ : قَاتَلَ اللهُ الٌَْهُودَ، إِن اللهَ لَم ا حَر مَ عَلٌَْهِمْ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ ثُم بَاعُوهُ فَؤَكَلُوا ثمَنَهُ " رواه البخارى وأصله متفق علٌه. قال الإمام أحمد، فى رواٌة صالح، وأبى الحارث فى أصحاب الحٌل: عمدواً إلى السنن، فاحتالوا فى نقضها، فالشا الذى قٌل إنه حرام احتالوا فٌه حتى أحلوه. ثم احتج بهذا الحدٌث، وحدٌث: "لَعَنَ اللهُ المُحَلِّلَ وَالمُحَل لَ لَهُ ." قال الخطابى قد ذكر حدٌث الشحوم: فى هذا الحدٌث بطلبن كل حٌلة ٌحتال بها المتوصل إلى المحرم، وأنه لا ٌتؽٌر حكمه بتؽٌر هٌبة وتبدٌل اسمه، وقد مثلت حٌلة أصحاب الشحوم بمن قٌل له: لا تقرب مال الٌتٌم، فباعه وأخذ ثمنه فؤكله وقال: لم آكل نفس مال الٌتٌم. أو اشترى شٌباً فى ذمته ونقده وقال: هذا قد ملكته وصار عوضه دٌنا فى ذمتى، فإنما أكلت ما هو ملكى باطناً وظاهراً . ولولا أن الله سبحانه رحم هذه الأمة بؤن نبٌها نبههم على ما لعنت به الٌهود، وكان السابقون منها فقهاء أتقٌاء، علموا مقصود الشارع، فاستقرت الشرٌعة بتحرٌم المحرمات: من المٌتة والدم ولحم الخنزٌر وؼٌرها وإن تبدلت صورها، وبتحرٌم أثمانها، لطر ق الشٌطان لأهل الحٌل ما طرق لهم فى الأثمان ونحوها. إذ البابان باب واحد على ما لا ٌخفى. الوجه الثانى عشر: أن باب الحٌل المحرمة مداره على تسمٌة الشا بؽٌر اسمه، على تؽٌٌر 1/349) ________________________________________ صورته مع بقاء حقٌقته، فمداره على تؽٌٌر الاسم مع بقاء المسمى، وتؽٌٌر الصورة مع بقاء الحقٌقة. فإن المحلل مثلب ؼٌر اسم التحلٌل إلى اسم النكاح، واسم المحلل إلى الزوج، وؼٌر مسمى التحلٌل بؤن جعل صورته صورة النكاح، والحقٌقة حقٌقة التحلٌل. ومعلوم قطعاً أن لعن رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم على ذلك إنما هو لما فٌه من الفساد العظٌم الذى اللعنة من بعض عقوبته، وهذا الفساد لم ٌزل بتؽٌٌر الاسم والصورة مع بقاء الحقٌقة، ولا بتقدٌم الشرط من صلب العقد إلى ما قبله. فإن المفسدة تابعة للحقٌقة، لا للبسم ولا لمجرد الصورة. وكذلك المفسدة العظٌمة التى اشتمل علٌها الربا لا تزول بتؽٌٌر اسمه من الربا إلى المعاملة ولا بتؽٌٌر صورته من صورة إلى صورة، والحقٌقة معلومة متفق علٌها بٌنهما قبل العقد ٌعلمها من قلوبهما عالم السرابر فقد اتفقا على حقٌقة الربا الصرٌح قبل العقد، ثم ؼٌر اسمه إلى المعاملة، وصورته إلى التباٌع الذى لا قصد لهما فٌه ألبتة وإنما هو حٌلة ومكر ومخادعة الله تعالى ولرسوله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم. وأىّ فرق بٌن هذا وبٌن ما فعلته الٌهود من استحلبل ما حرم الله علٌهم من الشحوم بتؽٌٌر اسمه وصورته؟ فإنهم أذابوه

عدد الصفحات ١٨٤