المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

المختصر القيم لثرات ابن القيم 01

ابن قيم الجوزية

صفحة ١٥ من ٧٥

153 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي ورواٌة طاوس نفسه عن ابن عباس لٌس فى شا منها "قبل الدخول" وإنما حكى ذلك طاوس عن سإال أبى الصهباء لابن عباس، فؤجابه ابن عباس بما سؤله عنه. ولعله إنما بلؽه جعل الثلبث واحدة فى حق مطلق قبل الدخول، فسؤل عن ذلك ابن عباس، وقال: "كانوا ٌجعلونها واحدة"، فقال له ابن عباس "نعم" أى الأمر على ما قلت. وهذا لا مفهوم له فإن التقٌٌد فى الجواب وقع فى مقابلة تقٌٌد السإال، ومثل هذا لا ٌعتبر مفهومه. نعم. لو لم ٌكن السإال مقٌداً فقٌد المسبول الجواب، كان مفهومه معتبراً، وهذا كما إذا سبل عن فؤرة وقعت فى سمن، فقال: "إِذَا وَقَعَتِ الْفَؤْرَةُ فى الس مْنِ فَؤَلْقُوهَا وَمَا حَوْلهَا وَكُلُوهُ ." لم ٌدل ذلك على تقٌٌد الحكم بالسمن خاصة. وبالجملة فؽٌر المدخول بها فرد من أفراد النساء، فذكر النساء مطلقاً فى أحد الحدٌثٌن، 1/285) ________________________________________ وذكر بعض أفرادهن فى الحدٌث الآخر، لا تعارض بٌنهما. وأما الحدٌث الآخر: فقال أبو داود فى "سننه": حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جرٌج قال: أخبرنى بعض بنى أبى رافع- مولى النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم- عن عكرمة عن ابن عباس قال: "طَلّقَ عَبْدُ ٌَزٌِدَ - أبُوُ رُكانَةَ وَإِخْوَتِهِ - أُم رُكانَة وَنَكَحَ امْرَأةً مِنْ مُزٌَْنَةَ، فَجَاءَتْ إِلَى الّنبىِّ صَلّى اللهُ تعالى علٌهِ وآله وسلم، فقَالَتْ : مَا ٌُؽنى عَنِّى إِلا كما تُؽْنِى هذِه الشعرةُ - لِشعرة أخذَتها منْ رَأَسها- فَفرقْ بٌْنَىِ وَبٌََنْهُ، فَؤَخَذَتِ الن بى صلى اللهُ تعالى علٌه وآله وسلمَ حَمٌِّة ، فَدَعَا بِرُكانَة وَإخْوَتِهِ، ثُم قَالَ لُجُلَسَابِه: "أَتَرَوْنَ فُلبناً ٌُشْبِهُ مِنْهُ كَذَا وكَذَا؟ مِنْ عَبْدِ ٌَزٌِدَ، وَفُلبناً ٌشبه مِنْهُ كَذَا وَكَذَا؟ " قَالُوا: نَعمْ، فقَالَ النّبى صلى الله علٌه وآله وسلم: "طَلِّقْهَا"، فَفعَلَ، فقَالَ : رَاجِعِ امْرَأتَكَ أُم رُكَانَة، فَقَالَ : إِنِّى طَلّقْتُهَا ثَلبثاَ ٌَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ : قَدْ عَلِمْتُ، رَاجِعْهَا، وَتَلب { :ٌَؤٌَ هَا الن بى إِذَا طَل قْتُمُ الن سَاءَ فَطَلَقُوهُن لِعد تِهن وَأَحْصُوا الْعِد ةَ ... الآٌة[ }الطلبق: 6] ". فؤمره أن ٌراجعها وقد طلقها ثلبثا، وتلب الآٌة التى هى وما بعدها صرٌحة فى كون الطلبق الذى شرعه الله لعباده هو الطلبق الذى ٌكون للعدة، فإذا شارفت انقضاءها، فإما أن ٌمسكها بمعروؾ أو ٌفارقها بمعروؾ، وأنه سبحانه شرعه على وجه التوسعة والتٌسٌر، فلعل المطلق أن ٌندم، فٌكون له سبٌل إلى الرجعة، وهو قوله تعالى{ :لا تَدْرِى لَعَل اللهَ ٌُحْدِثُ بعد ذلِكَ أَمْراً [ }الطلبق: 6] . فؤمره بالمراجعة، وتلبوته الآٌة كاؾ فى الاستدلال على ما كان علٌه الحال. فإن قٌل: فهذا الحدٌث فٌه مجهول، وهو بعض بنى [أبى]رافع، والمجهول لا تقوم به حجة. فالجواب من ثلبثة أوجه: أحدها: أن الإمام أحمد قد قال فى "المسند": حدثنا سعد بن إبراهٌم حدثنا أبى عن محمد بن إسحق قال: حدثنى داود بن الحصٌن عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس قال: 1/286) ________________________________________ "طلق ركانة بن عبد ٌزٌد- أخو المطلب- امرأته ثلبثاً فى مجلس واحد، فحزن علٌها حزناً شدٌداً، فسؤله رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "كٌؾ طلقتها؟ " قال: طلقتها ثلبثاً قال: "فى مجلس واحد؟ " قال: نعم، قال: "فإنما تلك واحدة، فارجعها إن شبت"، قال: فراجعها" قال: "وكان ابن عباس ٌرى أن الطلبق عند كل طهر." ورواه الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسى فى "مختاراته" التى هى أصح من "صحٌح الحاكم." فهذا موافق للؤول، وكلبهما موافق لحدٌث طاوس، وأبى الصهباء، وأبى الجوزاء عن ابن عباس، وطاوس وعكرمة

عدد الصفحات ١٥٣

عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسى فى "مختاراته" التى هى أصح من "صحٌح الحاكم." فهذا موافق للؤول، وكلبهما موافق لحدٌث طاوس، وأبى الصهباء، وأبى الجوزاء عن ابن عباس، وطاوس وعكرمة أعلم أصحاب ابن عباس. فإن عكرمة كان مولاه مصاحبا له وكان ٌقٌده على العلم، وكان طاوس خاصاً عنده ٌجتمع به كثٌراً، وٌدخل علٌه مع الخاصة. وكان طاوس وعكرمة ٌفتٌان بؤن الثلبث واحدة، وكذلك ابن إسحق، لما صح عنده هذا الحدٌث أفتى بموجبه، وكان ٌقول: "جَهِلَ الس ن ةَ فٌَُرَد إِلٌَْهَا." فرواة هذا الحدٌث أفتوا به وعملوا به.

عدد الصفحات ١٥٣

154 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وعن ابن عباس فٌه رواٌتان إحداهما: موافقة عمر رضى الله عنه تؤدٌبا وتعزٌرا للمطلقٌن، والثانٌة: الإفتاء بموجبه. وروى حماد بن زٌد عن أٌوب عن عكرمة عن ابن عباس- وحسبك بهذا السند صحة وجلبلة- "إذا قال: أنت طالق ثلبثا بفم واحد، فهى واحدة" ذكره أبو داود فً "السنن." الوجه الثانى: أن هذا المجهول هو من التابعٌن، من أبناء مولى النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم، ولم ٌكن الكذب مشهوراً فٌهم، والقصة معروفة محفوظة، وقد تابعه علٌها داود بن الحصٌن وهذا ٌدل على أنه حفظها. الوجه الثالث: أن رواٌته لم ٌعتمد علٌها وحدها، فقد ذكرنا رواٌة داود بن الحصٌن، وحدٌث أبى الصهباء، فهب أن وجود رواٌته وعدمها سواء، ففى حدٌث داود كفاٌة، وقد زالت تهمة تدلٌس ابن إسحاق بقوله "حدثنى به" وقد احتج الأبمة بهذا السند بعٌنه فى حدٌث 1/287) ________________________________________ تقدٌر العراٌا بخمسة أوسق أو دونها، وأخذوا به وعملوا بموجبه، مع مخالفة عمومات الأحادٌث الصحٌحة فى منع بٌع الرطب بالتمر له: والقول بهذه الأحادٌث موافق لظاهر القرآن، ولأقوال الصحابة، وللقٌاس ومصالح بنى آدم. أما ظاهر القرآن: فإن الله سبحانه شرع الرجعة فى كل طلبق، إلا طلبق ؼٌر المدخول بها، والمطلقة طلقة ثالثة بعد الأولتٌن، ولٌس فى القرآن طلبق بابن قط، إلا فى هذٌن الموضعٌن وأحدهما بابن ؼٌر محرم، والثانى بابن محرم، وقال تعالى{ :الطّلبقُ مَر تَانِ [ }البقرة: 119] . والمرتان ما كان مرة بعد مرة، كما تقدم. 1/288) ________________________________________ وأما القٌاس، فإن الله سبحانه قال{ :وَال ذٌِنَ ٌَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ ٌَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شهَادَات بِ اللهِ [ }النور: 6 ]، ثم قال{ :وٌََدْرَإا عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبع شَهَادَات بِاللهِ [ }النور: 8] ، فلو قال: أشهد بالله أربع شهادات إنى صادق، أو قالت: أشهد بالله أربع شهادات إنه كاذب، كانت شهادة واحدة، ولم تكن أربعا، فكٌؾ ٌكون قوله، أنت طالق ثلبثاً ثلبث تطلٌقات؟ وأى قٌاس أصح من هذا؟ وهكذا كل ما ٌعتبر فٌه العدد من الإقرار ونحوه، ولهذا لو قال المقر بالزنى: إنى أقر بالزنى أربع مرات، كان ذلك مرة واحدة، وقد قال الصحابة لماعز: "إن أقررت أربعا رجمك رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم" فلو قال: أقر به أربع مرات، كانت مرة واحدة. فهكذا الطلبق سواء. فهذا القٌاس، وتلك الآثار، وذاك ظاهر القرآن. وأما أقوال الصحابة: فٌكفى كون ذلك على عهد الصدٌق، ومعه جمٌع الصحابة، لم ٌختلؾ علٌه منهم أحد، ولا حكى فً زمانه القولان، حتى قال بعض أهل العلم: إن ذلك إجماع قدٌم وإنما حدث الخلبؾ فى زمن عمر رضى الله عنه، واستمر الخلبؾ فى المسؤلة إلى وقتنا هذا، كما سنذكره. قالوا: فقد صح بلب شك أنهم كانوا فى زمن رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم، وأبى بكر مدة خلبفته كلها، وصدراً من خلبفة عمر رضى الله عنهما ٌوقعون على من طلق ثلبثاً واحدة. قالوا: فنحن أحق بدعوى الإجماع منكم، لأنه لا ٌعرؾ فى عهد الصدٌق أحد رد ذلك ولا خالفه، فإن كان إجماع فهو من جانبنا أظهر ممن ٌدعٌه من نصؾ خلبفة عمر رضى الله عنه، وهلم جرا، فإنه لم ٌزل الاختلبؾ فٌها قابما، وذكره أهل العلم فى مصنفاتهم قدٌما وحدثنا. فممن ذكر الخلبؾ فى ذلك: داود، وأصحابه، واختاروا أن الثلبث واحدة. وممن حكى الخلبؾ: الطحاوى فى كتابه "اختلبؾ العلماء"، وفى كتاب "تهذٌب الآثار"، 1/289) ________________________________________

عدد الصفحات ١٥٤

155 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وأبو بكر الرازى فى كتاب "أحكام القرآن"، وحكاه ابن المنذر، وحكاه ابن جرٌر، وحكاه المإرخ فى "تفسٌره"، وحكى حجة القولٌن، ثم قال: وهى مسؤلة خلبؾ بٌن العلماء، وحكاه محمد بن نصر المروزى، واختار القول بالثلبث: أنها واحدة فً حق البكر، ثلبث فى "حق" المدخول بها، وحكاه من المتؤخرٌن المازرى فى كتاب "المَعْلَم"، وحكاه عن محمد بن مقاتل من أصحاب أبى حنٌفة، وهو من أجل أصحابهم من الطبقة الثالثة من أصحاب أبى حنٌفة. فهو أحد القولٌن فى مذهب أبى حنٌفة. وحكاه التلمسانى فى "شرح التفرٌع فى مذهب مالك"، قولاً فى مذهبه، بل رواٌة عن مالك، وحكاه ؼٌره قولاً فى المذهب، فهو أحد القولٌن فى مذهب مالك، وأبى حنٌفة، وحكاه شٌخ الإسلبم عن بعض أصحاب أحمد، وهو اختٌاره، وأسوأ أحواله أن ٌكون لبعض أصحاب الوجوه فى مذهبه، كالقاضى وأبى الخطاب وهو أجل من ذلك، فهو قول فى مذهب، أحمد بلب شك. وأما التابعون فقال ابن المنذر: كان سعٌد بن جبٌر، وطاوس، وأبو الشعثاء، وعطاء، وعمرو بن دٌنار، ٌقولون: من طلق البكر ثلبثا فهى واحدة. قال: واختلؾ فى هذا الباب عن الحسن، فروى عنه أنه ثلبث، وذكر قتادة، وحمٌد، وٌونس عنه: أنه رجع عن قوله بعد ذلك، وقال: واحدة بابنة. 1/290) ________________________________________ وقال محمد بن نصر فى كتاب "اختلبؾ العلماء": أجمع أهل العلم أن الرجل إذا طلق امرأته تطلٌقة، ولم ٌدخل، بها أنها بانت منه، ولٌس علٌها عدة، واختلفوا فى ؼٌر المدخول بها، إذا طلقها الزوج ثلبثا بلفظ واحد، فقال الأوزاعى، ومالك، وأهل المدٌنة: لا تحل له حتى تنكح زوجاً ؼٌره، وروى عن ابن عباس وؼٌر واحد من التابعٌن أنهم قالوا: "إذا طلقها ثلبثاً قبل أن ٌدخل بها فهى واحدة". وأكثر أهل الحدٌث على القول الأول. قال: وكان إسحق ٌقول: طلبق الثلبث للبكر واحدة، وتؤول حدٌث طاوس عن ابن عباس: "كانَ الط لبقُ الثّلبثُ عَلَى عَهْدِ رسُولِ اللهِ صلى اللهُ تعالى علٌه وآله وسلّم وَأبى بكر وعُمَر رَضى اللهُ عَنهُمْ ٌُجْعَلُ وَاحِدَةً "، عَلَى هذَا: قلت: هذا تؤوٌل إسحاق، وأما أبو داود فجعله منسوخاً، فقال فى كتاب "السنن": باب نسخ المراجعة بعد التطلٌقات الثلبث، ثم ساق حدٌث ابن عباس رضى الله عنهما: "أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلبثاً، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى{ :الط لبقُ مَر تَانِ [ }البقرة: 119] . ثم ذكر فى أثناء الباب حدٌث أبى الصهباء، وكؤنه اعتقد أن حكمه كان ثابتا، لما كان الرجل ٌراجع امرأته كلما طلقها، وهذا وهم؛ لوجهٌن: أحدهما: أن المنسوخ هو ثبوت الرجعة بعد الطلبق ولو بلػ ما بلػ، كما كان فى أول الإسلبم. الثانى: أن النسخ لا ٌثبت بعد موت رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم، وكون الثلبث واحدة قد عمل به فى خلبفة الصدٌق كلها، وأول خلبفة عمر رضى الله عنه، فمن المستحٌل أن ٌنسخ بعد ذلك. وأما ابن المنذر فقال: لم ٌكن ذلك عن علم النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم، ولا عن أمره، قال: وؼٌر جابز أن ٌظن بابن عباس أنه ٌحفظ عن النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم شٌباً ثم ٌفتى بخلبفه، فلما لم ٌجز ذلك دل فتٌا ابن عباس رضى الله عنه على أن ذلك لم ٌكن عن علم النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم ولا عن أمره، إذ لو كان ذلك عن علم النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم ما استحل ابن عباس أن ٌفتى بخلبفه، أو ٌكون ذلك منسوخاً، استدلاًلاً بفتٌا ابن عباس، وهذا المسلك ضعٌؾ جداً لوجوه: 1/291) ________________________________________ أحدها: أن حدٌث عكرمة عن ابن عباس فى رد النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم امرأة ركانة علٌه بعد الطلبق الثلبث. ٌبطل هذا التؤوٌل رأساً .

عدد الصفحات ١٥٥

________________________________________ أحدها: أن حدٌث عكرمة عن ابن عباس فى رد النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم امرأة ركانة علٌه بعد الطلبق الثلبث. ٌبطل هذا التؤوٌل رأساً . الثانى: أن هذا لو كان صحٌحاً لقال ابن عباس لأبى الصهباء: ما أدرى، أبلػ ذلك رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم أو لم ٌبلؽه؟ فلما أقره على ذلك كان إقراره دلٌلب على أنه مما بلؽه.

عدد الصفحات ١٥٥

156 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي الثالث: أنه لو كان ذلك صحٌحا، لم ٌقل عمر: "إن الناس قد استعجلوا فى أمر كانت لهم فٌه أناة"، بل كان الواجب أن ٌبٌن السنة عن رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم فى خلبؾ ذلك، وأن هذا العمل من الناس خلبؾ دٌن الإسلبم، وشرع محمد صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم، ولا ٌقول: "فلو أنا أمضٌناه علٌهم" فإن هذا إنما ٌكون إمضاء من الله تعالى ورسوله، لا من عمر. الرابع: أنه من الممتنع، والمستحٌل أن ٌكون خٌار الخلق ٌطلقون فى عهد رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم وعهد خلٌفته من بعده، وٌراجعون على خلبؾ دٌنه، فٌطلقون طلبقاً محرماً، وٌراجعون رجعة محرمة، ولا ٌعلمون بذلك رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم، وهو بٌن أظهرهم. ثم حدٌث ابن عباس الذى رواه أحمد ٌرد ذلك، ثم ٌرده فتوى ابن عباس فى إحدى الرواٌتٌن عنه، وهى ثابته عنه بؤصح الإسناد كما أن الرواٌة الأخرى ثابته عنه. وكٌؾ ٌستمر جهل أخٌار الأمة بالطلبق والرجعة مدة حٌاته صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم ومدة حٌاة الصدٌق كلها، وشطراً من خلبفة عمر رضى الله عنهما، ثم ظهر لهم بعد ذلك الطلبق والرجعة الجابزان؟ وكٌؾ ٌصح قول عمر رضى الله عنه: "إن الناس قد استعجلوا فى شىء كانت لهم فٌه أناة"؟ وكٌؾ ٌصح قوله: "فلو أنا أمضٌناه علٌهم"؟ فهذا المسلك كما ترى. وأما الإمام أحمد فإنما رده بفتوى ابن عباس بخلبفه، وهو راوى الحدٌثٌن. قال الأثرم: سؤلت أبا عبد الله عن حدٌث ابن عباس: "كان الطلبق الثلبث على عهد 1/292) ________________________________________ رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم، وأبى بكر، وعمر رضى الله عنهما: طلبق الثلبث واحدة" بؤى شىء تدفعه؟ قال: برواٌة الناس عن ابن عباس من وجوه خلبفه. وكذلك نقل عنه ابن منصور وهذا المسلك إنما ٌجىء على إحدى الرواٌتٌن: أن الصحابى إذا عمل بخلبؾ الحدٌث لم ٌحتج به، واتبع عمل الصحابى والمشهور عنه: أن العبرة بما رواه الصحابى لا بقوله، إذا خالؾ الحدٌث، ولهذا أخذ برواٌة ابن عباس فى حدٌث برٌرة، وأن بٌع الأمة لا ٌكون طلبقا لها، لأن رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم خٌرها ولو انفسخ ببٌعها لم ٌخٌرها، مع أن مذهب ابن عباس: أن بٌع الأمة طلبقها، واحتج بظاهر القرآن، وهو قوله تعالى: {وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ الن سَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أٌََمْانُكُمْ [ }النساء: 14] . فؤباح وطء مملوكته المزوجة ولو كان النكاح باقٌا لم ٌنفسخ، لم ٌبح له وطؤها. والجمهور وأحمد معهم خالفوه فى ذلك، وقالوا: لا ٌكون بٌعها طلبقاً . واحتجوا بحدٌث برٌرة، وتركوا رأٌه لرواٌته، فإن رواٌته معصومة ورأٌه ؼٌر معصوم. والمشهور من مذهب الشافعى: أن الأخذ برواٌته دون رأٌه، والمشهور من مذهب أبى حنٌفة عكس ذلك، وعن أحمد رواٌتان. فهذا المسلك فى رد الحدٌث لا ٌقوى. وسلك آخرون فى رد الحدٌث مسلكاً آخر. فقالوا: هو حدٌث مضطرب، لا ٌصح، ولذلك أعرض عنه البخارى، وترجم فى "صحٌحه" على خلبفه، فقال: "باب جواز الطلبق الثلبث فى كلمة، لقوله تعالى{ :الط لبقُ مَر تَانِ [ }البقرة: 119] . (1/293) ________________________________________ ثم ذكر حدٌث اللعان، وفٌه: "فَطَلّقَهَا ثَلبثاً قَبْلَ أَنْ ٌَؤْمُرَه رسُولُ اللهِ صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم" ولم ٌؽٌر علٌه النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم، وهو لا ٌقر على باطل." قالوا: ووجه اضطرابه: أنه تارة ٌروى عن طاوس عن ابن عباس، تارة عن طاوس عن أبى الصهباء عن ابن عباس، وتارة عن أبى الجوزاء عن ابن عباس، فهذا اضطرابه من جهة السند.

عدد الصفحات ١٥٦

157 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وأما المتن: فإن أبا الصهباء تارة ٌقول: "ألم تعلم أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلبثاً قبل أن ٌدخل بها جعلوها واحدة؟ " وتارة ٌقول: "ألم ٌكن الطلبق الثلبث على عهد رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم، وأبى بكر، وصدرا من خلبفة عمر واحدة؟ " فهذا ٌخالؾ اللفظ الآخر. وهذا المسلك من أضعؾ المسالك ورد الحدٌث به ضرب من التعنت ولا ٌعرؾ أحد من الحفاظ قدح فى هذا الحدٌث، ولا ضعفه، والإمام أحمد لما قٌل له: بؤى شىء ترده؟ قال: "برواٌة الناس عن ابن عباس خلبفه" ولم ٌرده بتضعٌؾ، ولا قدح فى صحته، وكٌؾ ٌتهٌؤ القدح فى صحته ورواته كلهم أبمة حفاظ؟ حدث به عبد الرزاق وؼٌره عن ابن جرٌج بصٌؽة الإخبار. وحدث به كذلك ابن جرٌج عن ابن طاوس، وحدث به ابن طاووس عن أبٌه، وهذا إسناد لا مطعن فٌه لطاعن، وطاووس من أخص أصحاب ابن عباس، ومذهبه: أن الثلبث واحدة، وقد رواه حماد بن زٌد عن أٌوب عن ؼٌر واحد عن طاووس، فلم ٌنفرد به عبد الرزاق، ولا ابن جرٌج، ولا عبد الله بن طاووس، فالحدٌث من أصح الأحادٌث، وترك رواٌة البخارى له لا ٌوهنه، وله حكم أمثاله من الأحادٌث الصحٌحة التى تركها البخارى، لبلب ٌطول كتابه، فإنه سماه: "الجامع المختصر الصحٌح" مثل هذا العذر لا ٌقبله من له حظ من العلم. وأما رواٌة من رواه عن أبى الجوزاء فإن كانت محفوظة فهى مما ٌزٌد الحدٌث قوة، وإن لم تكن محفوظة وهو الظاهر فهى وهم فى الكنٌة، انتقل فٌها عبد الله بن المإمل عن ابن أبى ملٌكة من أبى الصهباء، إلى أبى الجوزاء، فإنه كان سىء الحفظ، والحفاظ قالوا: "أبو الصهباء" وهذا لا ٌوهن الحدٌث. 1/294) ________________________________________ وهذه الطرٌق عند الحاكم فى "المستدرك." وأما رواٌة من رواه، مقٌداً "قبل الدخول"، فإنه تقدم أنها لا تناقض رواٌة الآخرٌن، على أنها عند أبى داود عن أٌوب عن ؼٌر واحد، ورواٌة الأطلبق عن معمر عن ابن جرٌج عن ابن طاووس عن أبٌه، فإن تعارضا فهذه الرواٌة أولى، وإن لم ٌتعارضا فالأمر واضح. وحدٌث داود بن الحصٌن عن عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم صرٌح فى كون الثلبث واحدة فى حق المدخول بها. وعامة ما ٌقدر فى حدٌث أبى الصهباء: أن قوله "قبل الدخول" زٌادة من ثقة، فٌكون الأخذ بها أولى، وحٌنبذ فٌدل أحد حدٌثى ابن عباس على أن هذا الحكم ثابت فى حق البكر، وحدٌثه الآخر على أنه ثابت فى حكم الثٌب أٌضاً، فؤحد الحدٌثٌن ٌقوى الآخر، وٌشهد بصحته. وبالله التوفٌق. وقد رده آخرون بمسلك أضعؾ من هذا كله: فقالوا: هذا حدٌث لم ٌروه عن رسول الله صلى الله علٌه وسلم إلا ابن عباس وحده، ولا عن ابن عباس إلا طاووس وحده. قالوا: فؤٌن أكابر الصحابة وحفاظهم عن رواٌة مثل هذا الأمر العظٌم، الذى الحاجة إلٌه شدٌدة جداً؟ فكٌؾ خفى هذا على جمٌع الصحابة، وعرفه ابن عباس وحده؟ وخفى على أصحاب ابن عباس كلهم وعلمه طاووس وحده؟ وهذا أفسد من جمٌع ما تقدم، ولا ترد أحادٌث الصحابة وأحادٌث الأمة الثقات بمثل هذا. فكم من حدٌث تفرد به واحد من الصحابة، لم ٌروه ؼٌره، وقبلته الأمة كلهم، فلم ٌرده أحد منهم وكم من حدٌث تفرد به من هو دون طاووس بكثٌر ولم ٌرده أحد من الأبمة؟، ولا نعلم أحداً من أهل العلم قدٌماً ولا حدٌثاً قال: إن الحدٌث إذا لم ٌروه إلا صحابى واحد لم ٌقبل، وإنما ٌحكى عن أهل البدع ومن تبعهم فى ذلك أقوال، لا ٌعرؾ لها قابل من الفقهاء. 1/295) ________________________________________ قد تفرد الزهرى بنحو ستٌن سنة، لم ٌردها ؼٌره، وعملت بها الأمة، ولم ٌردوها بتفرده. هذا، مع أن عكرمة روى عن ابن عباس رضى الله عنهما حدٌث ركانة، وهو موافق لحدٌث طاووس عنه، فإن قدح فى عكرمة أبطل وتناقض،

عدد الصفحات ١٥٧

ستٌن سنة، لم ٌردها ؼٌره، وعملت بها الأمة، ولم ٌردوها بتفرده. هذا، مع أن عكرمة روى عن ابن عباس رضى الله عنهما حدٌث ركانة، وهو موافق لحدٌث طاووس عنه، فإن قدح فى عكرمة أبطل وتناقض، فإن الناس احتجوا بعكرمة، وصحح أبمة الحفاظ حدٌثه، ولم ٌلتفتوا إلى قدح من قدح فٌه.

عدد الصفحات ١٥٧

158 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي فإن قٌل: فهذا هو الحدٌث الشاذ، وأقل أحواله؟ أن ٌتوقؾ فٌه، ولا ٌجزم بصحته عن رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم. قٌل: لٌس هذا هو الشاذ، وإنما الشاذ: أن ٌخالؾ الثقات فٌما رووه، فٌشذ عنهم برواٌته، فؤما إذا روى الثقة حدثٌا منفردا به، لم ٌرو الثقات خلبفه، فإن ذلك لا ٌسمى شاذاً، وإن اصطلح على تسمٌته شاذاً بهذا المعنى، لم ٌكن الاصطلبح موجباً لرده ولا مسوؼاً له. قال الشافعى رحمه الله: "ولٌس الشاذ أن ٌنفرد الثقة برواٌة الحدٌث، بل الشاذ أن ٌروى خلبؾ ما رواه الثقات"، قاله فى مناظرته لبعض من رد الحدٌث بتفرد الراوى به. ثم إن هذا القول لا ٌمكن أحداً من أهل العلم، ولا من الأبمة، ولا من أتباعهم طرده ولو طردوه لبطل كثٌر من أقوالهم وفتاوٌهم. والعجب أن الرادٌن لهذا الحدٌث بمثل هذا الكلبم قد بنوا كثٌراً من مذاهبهم على أحادٌث ضعٌفة، انفرد بها رواتها، لا تعرؾ عن سواهم، وذلك أشهر وأكثر من أن ٌعد. ولما رأى بعضهم ضعؾ هذه المسالك وأنها لا تجدى شٌباً استروح إلى تؤوٌله. فقال: معنى الحدٌث: أن الناس كانوا ٌطلقون على عهد رسول الله صلى الله علٌه وسلم، وأبى بكر، وعمر واحدة، ولا ٌوقعون الثلبث، فلما كان فى أثناء خلبفة عمر رضى الله عنه أوقعوا الثلبث، وأكثروا من ذلك، فؤمضاه علٌهم عمر رضى الله عنه. كما أوقعوه، فقوله: "كانت الثلبث على عهد رسول الله علٌه الصلبة والسلبم واحدة" أى فى التطلٌق، وإٌقاع المطلقٌن: لا فى حكم الشرع. 1/296) ________________________________________ قال هذا القابل: وهذا من أقوى ما ٌجاب به، وبه ٌزول كل إشكال. ولعمر الله، لو سكت هذا كان خٌراً له وأستر، فإن هذا المسلك من أضعؾ ما قٌل فى الحدٌث. وسٌاقه ٌبٌن بطلبنه بٌاناً ظاهراً لا إشكال فٌه، وكؤن قابله أحب التروٌج على قوم ضعفاء العلم، مخلدٌن إلى حضٌض التقلٌد، فروج علٌهم مثل هذا، وهذا القابل كؤنه لم ٌتؤمل ألفاظ الحدٌث، ولم ٌعن بطرقه، فقد ذكرنا من بعض ألفاظه قول أبى الصهباء لابن عباس: "أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلبثاً قبل أن ٌدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم، وأبى، وصدراً من إمارة عمر رضى الله عنهما؟ " فؤقر ابن عباس بذلك، وقال: "نعم." وأٌضا فقول هذا المتؤول: إنهم كانوا ٌطلقون على عهد رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم واحدة، فقد نقضه هو بعٌنه وأبطله حٌث احتج على وقوع الثلبث بحدٌث الملبعن، وحدٌث محمود بن لبٌد: "أن رجلبً طلق امرأته على عهد رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم ثلبثاً، فؽضب النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم وقال: أٌلعب بكتاب الله، وأنا بٌن أظهركم؟ " ثم زاد هذا القابل فى الحدٌث زٌادة من عنده، فقال: "وأمضاه علٌه، ولم ٌرده." وهذه اللفظة موضوعة لا تروى فى شىء من طرق هذا الحدٌث ألبته، ولٌست فى شىء 1/297) ________________________________________ من كتب الحدٌث، وإنما هى من كٌس هذا القابل، حمله علٌها فرط التقلٌد. ومحمود بن لبٌد لم ٌذكر ما جرى بعد ذلك، من إمضاء أو رد إلى واحدة. والمقصود: أن هذا القابل تناقص، وتؤول الحدٌث تؤوٌلب بطلبنه من سٌاقه. ومن بعض ألفاظه: "أن الطلبق الثلبث على عهد رسول الله صلى الله علٌه وسلم وأبى بكر وصدرا من خلبفة عمر رضى الله عنهما ٌرد إلى الواحدة"، وهذا موافق للفظ الآخر: "كان إذا طلق امرأته ثلبثاً جعلوها واحدة"، وجمٌع ألفاظه متفقة على هذا المعنى، ٌفسر بعضها بعضا. فجعل هذا وأمثاله المحكم متشابها، والواضح مشكلبً وكٌؾ ٌصنع بقوله: "فلو أمضٌناه علٌهم"؟ فإن هذا ٌدل على أنه رَأْى من عمر رضى الله عنه رأى أن ٌمضٌه علٌهم

عدد الصفحات ١٥٨

المعنى، ٌفسر بعضها بعضا. فجعل هذا وأمثاله المحكم متشابها، والواضح مشكلبً وكٌؾ ٌصنع بقوله: "فلو أمضٌناه علٌهم"؟ فإن هذا ٌدل على أنه رَأْى من عمر رضى الله عنه رأى أن ٌمضٌه علٌهم لتتاٌعهم فٌه، وسدهم على أنفسهم ما وسعه الله علٌهم، وجمعهم ما فرقه وتطلٌقهم على ؼٌر الوجه الذى شرعه،

عدد الصفحات ١٥٨

159 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وتعدٌهم حدوده، ومن كمال علمه رضى الله عنه أنه علم أن الله سبحانه وتعالى لم ٌجعل المخرج إلا لمن اتقاه، وراعى حدوده، وهإلاء لم ٌتقوه فى الطلبق، ولم ٌراعوا حدوده، فلب ٌستحقون المخرج الذى ضمنه لمن اتقاه. ولو كان الثلبث تقع ثلبثاً على عهد رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم، وهو دٌنه الذى بعثه الله تعالى به، لم ٌضؾ عمر رضى الله عنه إمضاءه إلى نفسه، ولا كان ٌصح هذا القول منه، وهو بمنزلة أن ٌقول فى الزنى، وقتل النفس، وقذؾ المحصنات: لو حرمناه علٌهم[ .فحرمه علٌهم]، وبمنزلة أن ٌقول فى وجوب الظهر والعصر، ووجوب صوم شهر رمضان، والؽسل من الجنابة: فلو فرضناه علٌهم، ففرضه علٌهم. فدعوى هذه التؤوٌلبت المستكرهة التى كلما نظر فٌها طالب العلم ازداد بصٌرة فى المسؤلة، وقوى جانبها عنده، فإنه ٌرى أن الحدٌث لا ٌرد ٌمثل هذه الأشٌاء. وقد سلك أبو عبد الرحمن النسابى فى "سننه" فى الحدٌث مسلكاً آخر، فقال: باب طلبق الثلبث المتفرقة قبل الدخول بالزوجة، ثم ساقه قال: حدثنا أبو داود حدثنا أبو عاصم عن ابن جرٌج عن ابن طاووس عن أبٌه: أن أبا الصهباء جاء إلى ابن عباس رضى الله عنهما فقال: "ٌا ابن عباس، ألم تعلم أن الثلبث كانت على عهد رسول الله صلى علٌه وآله وسلم 1/298) ________________________________________ وأبى بكر وصدرا من خلبفة عمر ترد إلى الواحدة؟ قال: نعم" وأنت إذا طابقت بٌن هذه الترجمة، وبٌن لفظ الحدٌث وجدتها لا ٌدل علٌها ولا ٌشعر بها بوجه من الوجوه، بل الترجمة لون والحدٌث لون أخر. وكؤنه لما أشكل علٌه وجه الحدٌث حمله على ماذا قال لؽٌر المدخول بها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، طلقت واحدة، ومعلوم أن الحكم لم ٌزل ولا ٌزال كذلك، ولا ٌتقٌد ذلك بزمان رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم وأبى بكر، وصدراً من خلبفة عمر رضى الله عنهما، ثم ٌتؽٌر فى خلبفة عمر رضى الله عنه، وٌمضى الثلبث بعد ذلك علً المطلق. فالحدٌث لا ٌندفع بمثل هذا ألبتة. وسلك آخرون فى الحدٌث مسلكاً آخر، وقالوا: هذا حدٌث ٌخالؾ أصول الشرع، فلب ٌلتفت إلٌه. قالوا: لأن الله سبحانه ملك الزوج ثلبث تطلٌقات وجعل إٌقاعها إلٌه، فإن قلنا بقول الشافعى ومن وافقه: أن جمع الثلبث جابز، فقد فعل ما أبٌح له فٌصح، وإن قلنا: جمع الثلبث حرام، وهو طلبق بدْعى ، فالشارع إنما ملكه تفرٌق الثلبث فسحة له، فإذا جمعها فقد جمعها ما فُسح له فى تفرٌقه، فلزمه حكمه كما لو فرقه. قالوا: وهذا كما أنه ٌملك تفرٌق المطلقات وجمعهن فكذلك ٌملك تفرٌق الطلبق وجمعه، فهذا قٌاس الأصول، فلب نبطله بخبر الواحد. قال الآخرون: هذا القٌاس لا ٌصلح أن ٌثبت به هذا الحكم لو لم ٌعارض بنص، فضلبً عن أن ٌقدم على النص، وهو قٌاس مخالؾ لأصول الشرع، ولؽة العرب، وسنة رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم، وعمل الصحابة فى عهد الصدٌق. فؤما مخالفته لأصول الشرع، فإن الله سبحانه إنما ملك المطلق بعد الدخول طلبقاً ٌملك فٌه الرجعة وٌكون مخٌراً فٌه بٌن الإمساك بالمعروؾ، وبٌن التسرٌح بالإحسان، ما لم ٌكن بعوض أو ٌستوفى فٌه العدد. والقرآن قد بٌن ذلك كله: فبٌن أن الطلبق قبل الدخول تبٌن به المرأة، ولا عدة علٌها، وبٌن أن المفتدٌة تملك نفسها، ولا رجعة لزوجها علٌها، وبٌن أن المطلقة الطلقة المسبوقة بطلقتٌن قبلها تبٌن منه، وتحرم علٌه فلب تحل له حتى تنكح زوجاً ؼٌره، وبٌن 1/299) ________________________________________ أن ما عدا ذلك من الطلبق فللزوج فٌه الرجعة، وهو مخٌر بٌن الإمساك بالمعروؾ والتسرٌح بإحسان. وهذا كتاب الله عز وجل قد تضمن هذه الأنواع الأربعة وأحكامها، وجعل سبحانه أحكامها من لوازمها التى لا تنفك عنها.

عدد الصفحات ١٥٩

بق فللزوج فٌه الرجعة، وهو مخٌر بٌن الإمساك بالمعروؾ والتسرٌح بإحسان. وهذا كتاب الله عز وجل قد تضمن هذه الأنواع الأربعة وأحكامها، وجعل سبحانه أحكامها من لوازمها التى لا تنفك عنها. فلب ٌجوز أن تتؽٌر أحكامها البته، فكما لا ٌجوز فى الطلبق قبل الدخول أن تثبت فٌه الرجعة وتجب فٌه العدة، ولا فى الطلقة المسبوقة بطلقتٌن أن تثبت فٌها الرجعة، وأن تباح بؽٌر زوج وإصابة، ولا فى طلبق الفدٌة أن تثبت فٌه

عدد الصفحات ١٥٩

160 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي الرجعة، فكذلك لا ٌجوز فى النوع الآخر من الطلبق أن ٌتؽٌر حكمه، فٌقع على وجه لا تثبت فٌه الرجعة، فإنه مخالؾ لحكم الله تعالى الذى حكم به فٌه. وهذا صفة لازمة له فلب ٌكون على خلبفها البتة. ومن تؤمل القرآن وجده لا ٌحتمل ؼٌر ذلك، فما شرع الله سبحانه الطلبق إلا وشرع فٌه الرجعة، إلا الطلبق قبل الدخول، وطلبق الخلع، والطلقة الثالثة. فبٌننا وبٌنكم كتاب الله، فإن كان فٌه شىء ؼٌر هذا فؤوجدونا إٌاه. ومما ٌوضح ذلك: أن جمهور الفقهاء من الطوابؾ الثلبثة احتجوا على الشافعى فى تجوٌزه جمع الثلبث بالقرآن وقالوا: ما شرع الله سبحانه جمع الطلبق الثلبث، وما شرع الطلبق بعد الدخول بؽٌر عوض إلا شرع فٌه الرجعة ما لم ٌستوؾ العدد. واحتجوا علٌه بقوله تعالى{ :الطّلبقُ مَر تَانِ [ }البقرة: 119] . قالوا: ولا ٌعقل فى لؽة من لؽات الأمم المرتان إلا مرة بعد مرة. فعارضهم بعض أصحابه بقوله تعالى{ :وَمَنْ ٌَقْنُتْ مِنْكُن للهِ وَرَسُوِلهِ وَتَعْمَلْ صَالحِاً نُإْتِهاَ أَجْرَهَا مَر تٌَْنِ [ }الأحزاب: 56] . وقوله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "ثَلبثَة ٌُإْتَوْنَ أجْرَهُمْ مَر تٌَْنِ ".فؤجابهم الآخرون بؤن المرتٌن والمرات ٌراد بها الأفعال تارة، والأعٌان تارة. وأكثر ما تستعمل فى الأفعال. وأما الأعٌان فكقوله فى الحدٌث: "انْشَق الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسولِ الله صلى 1/300) ________________________________________ الله تعالى علٌه وآله وسلم مَرّتٌَْن ." أى شقتٌن وفلقتٌن. ولما خفى هذا على من لم ٌحط به علماً زعم أن الانشقاق وقع مرة بعد مرة فى زمانٌن. وهذا مما ٌعلم أهل الحدٌث ومن له خبرة بؤحوال الرسول صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم وسٌرته أنه ؼلط وأنه لم ٌقع الانشقاق إلا مرة واحدة، ولكن هذا وأمثاله فهموا من قوله "مرتٌن" المرة الزمانٌة. إذا عرؾ هذا فقوله{ :نُإْتِهَا أَجْرَهَا مَر تٌَْنِ [ }الأحزاب: 56 ]وقوله "ٌُإْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَر تٌَْنِ ." أى ضعفٌن فٌإتون أجرهم مضاعفاً . وهذا ٌمكن اجتماع المرتٌن منه فى زمان واحد. وأما المرتان من الفعل فمحال اجتماعهما فى زمن واحد، فإنهما مثلبن، واجتماع المثلٌن محال. وهو نظٌر اجتماع حرفٌن فى آن واحد من متعلم واحد، وهذا مستحٌل قطعاً فٌستحٌل أن ٌكون مرتا الطلبق فى إٌقاع واحد. ولهذا جعل مالك وجمهور العلماء من رمى الجمار بسبع حصٌات جملة أنه ؼٌر مإد للواجب علٌه، وإنما ٌستحب له رمى حصاة واحدة، فهى رمٌة لا سبع رمٌات واتفقوا كلهم على أنه لو قال فى اللعان: أشهد بالله أربع شهادات أنى صادق، كانت شهادة واحدة. وفى الحدٌث الصحٌح: "مَنْ قَالَ فى ٌَوْم سُبْحَانَ اللهِ وَبحَمْدِهِ مِابَةَ مَر ة حُطّتْ عَنْهُ خَطَاٌَاهُ وَلَوْ كانَتْ مِثْلَ زَبَدَ الْبَحْرِ ." فلو قال: سبحان الله وبحمده مابه مرة، هذا اللفظ، لم ٌستحق الثواب المذكور وكانت تسبٌحة واحدة. وكذلك قوله: "تُسَبِّحُونَ اللهَ دُبُرَ كُلِّ صلبة ثَلبثاَ وَثَلبَثٌِنَ، وَتحْمَدُونَ ثَلبثاً وَثَ لبثٌِن، وَتُكَبِّرُونَ أَرْبَعاً وَثلبثٌِنَ ." لو قال: سبحان الله ثلبثا وثلبثٌن، لم ٌكن مسبحاً هذا العدد حتى ٌؤتى به واحدة بعد واحدة. ونظابر ذلك فى الكتاب والسنة أكثر من أن تذكر. قالوا: فقوله تعالى{ :الطّلبقُ مَر تَانِ [ }البقرة: 119 . ]إما أن ٌكون خبراً فى معنى الأمر، أى إذا طلقتم 1/301) ________________________________________ فطلقوا مرتٌن. وإما أن ٌكون خبراً عن حكمه الشرعى الدٌنى، أى الطلبق الذى شرعته لكم، وشرعت فٌه الرجعة: مرتان. وعلى التقدٌرٌن: إما أن ٌكون ذلك مرة بعد مرة، فلب ٌكون موقعاً للطلبق الذى شرع إلا إذا طلق مرة بعد مرة، ولا ٌكون موقعاً للمشروع بقوله: أنت طالق ثلبثاً، ولا مرتٌن.

عدد الصفحات ١٦٠

161 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي قالوا: وٌوضح ذلك أنه حصر الطلبق المشروع فى مرتٌن، فلو شرع جمع الطلبق فى دفعة واحدة لم ٌكن الحصر صحٌحاً، ولم ٌكن الطلبق كله مرتان بل كان منه مرتان ومنه مرة واحدة بجمعه. وهذا خلبل ظاهر القرآن، وأنه لا طلبق للمدخول بها إلا مرتان. وتبقى الثالثة المحرمة بعد ذلك. قالوا: وٌدل علٌه أن الطلبق اسم محلى باللبم، ولٌست للعهد بل للعموم، فالمراد بالآٌة: كل الطلبق مرتان. والمرة الثالثة التى تحرمها علٌه، وتسقط رجعته. وهذا صرٌح فى أن الطلبق المشروع هو المتفرق، لأن المرات لا تكون إلا متفرقة كما تقدم. قالوا: وٌدل علٌه قول تعالى{ :فَإِمْسَاك بمَعْرُوؾ أَوْ تَسْرٌِح بِإِحْساَن [ }البقرة: 119] . فهذا حكم كل طلبق شرعه الله، إلا الطلقة المسبوقة بطلقتٌن قبلها، فإنه لا ٌبقى بعدها إمساك. قالوا: وٌدل علٌه قوله تعالى{ :وَإِذَا طَل قْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَؽْنَ أَجَلَهُن فَؤَمْسِكوهُن بمَعْرُوؾ أَوْ سَرِّحُوهُن بِمَعْرُوؾ [ }البقرة: 156] . و"إذا" من أدوات العموم، كؤنه قال: أى طلبق وقع منكم فى أى وقت فحكمه هذا، إلا أنه أخرج من هذا العموم الطلقة المسبوقة باثنتٌن فبقى ما عدها داخلبً فى لفظ الآٌة نصاً أو ظاهراً . قالواً : وٌدل علٌه أٌضاً قوله تعالى{ :وَإِذَا طَل قْتُمُ النساء فَبَلَؽْنَ أَجَلَهُن فَلب تَعْضُلوهُن أَنْ ٌَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُن [ }البقرة: 151] . فهذا عام فى كل طلبق ؼٌر الثالثة المسبوقة باثنتٌن، فالقرآن ٌقتضى أن ترجع إلى زوجها إذا أرادت فى كل طلبق ماعدا الثالثة. قالوا: وٌدل علٌه أٌضاً قوله تعالى{ :ٌَا أٌَ هَا الن بى إِذَا طَل قْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلقُوهُن لِعِد تِهن وَأَحْصُوا الْعِد ةَ وَاتّقُوا اللهَ رَب كُمُ لا تُخْرِجُ وهن مِنْ بٌُُوتهِن وَلا ٌَخْرُجْنَ إلا أَنْ ٌَؤْتٌِنَ بِفَاحِشَة مُبٌَِّنَة وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ ومَنْ ٌَتَعَد حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِى لَعَل اللهَ ٌُحْدِثُ بَعَدَ ذلِكَ أمَراً * فَإِذَا بَلَؽْنَ أَجَلَهُن فَؤَمْسِكُوهُ ن بِمَعْرُوؾ أَوْ فَارِقُوهُن بِمَعْرُوؾ [ }الطلبق: 6-1] . ووجه الأستدلال بالآٌة من وجوه. 1/302) ________________________________________ أحدها: أنه سبحانه وتعالى إنما شرع أن تطلق لعدتها، أى لاستقبال عدتها. فتطلق طلبقاً ٌعقبه شروعها فى العدة، ولهذا أمر رسول الله صلى الله علٌه وآله وسلم عبد الله بن عمر رضى الله عنهما لما طلق امرأته فى حٌضها أن ٌراجعها، وتلب هذه الآٌة تفسٌراً للمراد بها، وأن المراد بها الطلبق فى قبل العدة. وكذلك كان ٌقرإها عبد الله بن عمر، ولهذا قال كل من قال بتحرٌم جمع الثلبث: إنه لا ٌجوز له أن ٌردؾ الطلقة بؤخرى فى ذلك الطهر، لأنه ؼٌر مطلق للعدة. فإن العدة قد استقبلت من حٌن الطلقة الأولى فلب تكون الثانٌة للعدة. ثم قال الإمام أحمد فى ظاهر مذهبه ومن وافقه: إذا أراد أن ٌطلقها ثانٌة طلقها بعد عقد أو رجعة لأن العدة تنقطع بذلك. فإذا طلقها بعد ذلك أخرى طلقها للعدة. وقال فى رواٌة أخرى عنه: له أن ٌطلقها الثانٌة فى الطهر الثانى، وٌطلقها الثالثة فى الطهر الثالث، وهو قول أبى حنٌفة فٌكون مطلقاً للعدة أٌضا لأنها تبتنى على ما مضى. والصحٌح هو الأول، وأنه لٌس له أن ٌردؾ الطلبق قبل الرجعة أو العقد، لأن الطلبق البابن لم ٌكن لاستقبال العدة، بل هو طلبق لؽٌر العدة، فلب ٌكون مؤذوناً فٌه. فإن العدة إنما تحسب من الطلقة الأولى، لأنها طلبق العدة بخلبؾ الثانٌة والثالثة. ومن جعله مشروعاً قال: هو الطلبق لتمام العدة، والطلبق لتمامها كالطلبق لاستقبالها. وكلبهما طلبق للعدة. وأصحاب القول الأول ٌقولون: المراد بالطلبق للعدة الطلبق لاستقبالها كما فى القراءة الأخرى التى تفسر القراءة

عدد الصفحات ١٦١

بق لتمام العدة، والطلبق لتمامها كالطلبق لاستقبالها. وكلبهما طلبق للعدة. وأصحاب القول الأول ٌقولون: المراد بالطلبق للعدة الطلبق لاستقبالها كما فى القراءة الأخرى التى تفسر القراءة المشهورة فطلقوهن فى قُبُلِ عدِّتهن. قالوا: فإذا لم ٌشرع إرداؾ الطلبق للطلبق قبل الرجعة أو العقد فإن لا ٌشرع جمعه معه أولى وأحرى، فإن إرداؾ الطلبق أسهل من جمعه ولهذا ٌسوغ الإرداؾ فى الأطهار من لا ٌجوزّ الجمع فى الطهر الواحد.

عدد الصفحات ١٦١

162 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وقد احتج عبد الله بن عباس على تحرٌم جمع الثلبث بهذه الآٌة. قال مجاهد: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال: إنه طلق امرأته ثلبثاً، فسكت حتى ظننت أنه رادها إلٌه. ثم قال: ٌنطلق أحدكم فٌركب الأحموقة، ثم ٌقول: ٌا ابن عباس، 1/303) ________________________________________ وإن الله عز وجل قال{ :وَمَنْ ٌَت قِ اللهَ ٌَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً [ }الطلبق: 1] . فما أجد لك مخرجاً، عصٌت ربك، وبانت منك امرأتك، وإن الله عز وجل قال{ :ٌَؤٌَ هَا الن بِى إِذَا طَلّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلّقُوهُن لعِد تِهِن [ }الطلبق: 6] . ففهم ابن عباس من الآٌة أن جمع الثلبث محرم، وهذا فهم من دعاً له النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "أنْ ٌُفَقِّهَهُ اللهُ الدٌِّنِ، وٌَُعَلّمَهُ الت ؤْوٌِلَ ." وهو من أحسن الفهوم كما تقرر. الوجه الثانى من الاستدلال بالآٌة: قوله تعالى{ :لا تُخْرِجُوهُن مِنْ بٌُُوتِهن وَلا ٌَخْرُجْنَ [ }الطلبق: 6] . وهذا إنما هو فى الطلبق الرجعى. فؤما البابن فلب سكنى لها ولا نفقة لسنة رسول الله صلى الله تعالى وآله وسلم الصحٌحة التى لا مطعن فى صحتها، الصرٌحة التى لا شبهة فى دلالتها. فدل على أن هذا حكم كل طلبق شرعه الله تعالى ما لم ٌسبقه طلقتان قبله، ولهذا قال الجمهور: إنه لا ٌشرع له ولا ٌملك إبانتها بطلقة واحدة بدون العوض. وأبو حنٌفة قال: لا ٌملك ذلك لأن الرجعة حقه وقد أسقطها. والجمهور ٌقولون: ثبوت الرجعة وإن كان حقاً له فلها علٌه حقوق الزوجٌة، فلب ٌملك إسقاطها إلا بمخالعة أو باستٌفاء العدد كما دل علٌه القرآن. الوجه الثالث: أنه قال{ :وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ ٌَتعَد حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [ }الطلبق: 6] . فإذا طلقها ثلبثا جملة واحدة فقد تعدى حدود الله فٌكون ظالماً . الوجه الرابع: أنه سبحانه قال{ :لا تَدْرِى لَعَل اللهَ ٌُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أمْراً [ }الطلبق: 6] . وقد فهم أعلم الأمة بالقرآن وهم الصحابة أن الأمر هاهنا هو الرجعة. قالوا "وأىّ أمر ٌحدث بعد الثلبث؟ ." الوجه الخامس: قوله تعالى{ :فَإذا بَلَؽْنَ أَجَلَهُن فَؤَمْسِكُوهُن بمَعْرُوؾ أوْ فَارِقُوهُن بِمَعْرُوؾ [ }البقرة: 156] . فهذا حكم كل طلبق شرعه الله إلا أن ٌسبق بطلقتٌن قبله، وقد احتج ابن عباس على تحرٌم جمع الثلبث بقوله تعالى: {ٌَؤٌَ هَا الن بِى إذَا طَلّقْتُمُ النِّ سَاءَ فَطَلِّقُوهُن لعِد تهِن [ }الطلبق: 6] . كما تقدم وهذا حق، فإن الآٌة إذا دلت على منع إرداؾ 1/304) ________________________________________ الطلبق الطلبق فى طهر أو أطهار قبل رجعة أو عقد كما تقدم لأنه ٌكون مطلقاً فى ؼٌر قبل العدة، فلؤن تدل على تحرٌم الجمع أولى وأحرى. قالوا: والله سبحانه شرع الطلبق على أٌسر الوجوه وأرفقها بالزوج والزوجة لبلب ٌتسارع العبد فى وقوعه ومفارقة حبٌبته. وقد وقت للعدة أجلبً لاستدراك الفارط بالرجعة فلم ٌبح له أن ٌطلق المرأة فى حال حٌضها، لأنه وقت نفرته عنها، وعدم قدرته على استمتاعه بها ولا عقٌب جماعها لأنه قد قضى ؼرضه منها وربما فترت رؼبته فٌها وزهد فى إمساكها لقضاء وطره. فإذا طلقها فى هاتٌن الحالتٌن ربما ٌندم بعد هذا مع ما فى الطلبق فى الحٌض من تطوٌل العدة، وعقٌب الجماع من طلبق مَن لعلها. قد اشتمل رحمها على ولد منه فلب ٌرٌد فراقها. فؤما إذا حاضت ثم طهرت فنفسه تتوق إلٌها لطول عهده بجماعها فلب ٌقدم على طلبقها فى هذه الحال إلا لحاجته إلٌه. فلم ٌبح له الشارع أن ٌطلقها إلا فى هذه الحال أو فى حال استبانة حملها، لأن إقدامه أٌضاً على طلبقها فى هذه الحال دلٌل على حاجته إلى الطلبق. وقد أكد النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم هذا بمنعه لعبد الله بن عمر أن ٌطلق فى الطهر الذى ٌلى الحٌضة التى

عدد الصفحات ١٦٢