إِنّهَا تُ ذكرُكُمُ الآخِرَةَ " رواه الإمام أحمد. وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال: "مَر رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ تَعالى علٌهِ وآلهِ وسلمَ بِقُبُورِ المَدٌِنَةِ، فَؤَقْبَلَ عَلٌَْهِمْ بِوَجْهِهِ، فقَالَ : الس لبَمُ عَلٌَْكُمْ ٌَا أَهْلَ القُبُورِ، ٌَؽْفِرُ اللهُ لَنَا وَلَكُمْ، وَنَحْنُ بِالأَثَرِ " رواه أحمد، والترمذى وحَس نه. وعن ابن مسعود رضى الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم قال: "كُنْتُ نَهٌَْتُكُمْ عَنْ زٌَِارَةِ القُبُورِ فَزوروا القُبُورَ، فَإِنّهَا تُزَهدُ فى الد نٌَْا، وَتُذَكرُ الآخِرَةَ " رواه ابن ماجه. وروى الإمام أحمد عن أبى سعٌد رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "ك نْتُ نهٌَْتُكُمْ عَنْ زٌَِارَةِ القُبُورِ، فَزَورُوهَا فَإِن فٌِهَا عِبْرَةً ." فهذه الزٌارة التى شرعها رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم لأمته، وعلمهم إٌاها، هل تجد فٌها شٌباً مما ٌعتمده أهل الشرك والبدع؟ أم تجدها مضادة لما هم علٌه من كل وجه؟.
عدد الصفحات ١٠٨109 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وما أحسن ما قال مالك بن أنس رحمه الله: "لن ٌصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. ولكن كلما ضعؾ تمسك الأمم بعهود أنبٌابهم، ونقص إٌمانهم، عوضوا عن ذلك بما أحدثوه من البدع والشرك." ولقد جرد السلؾ الصالح التوحٌد، وحموا جانبه، حتى كان أحدهم إذا سلم على 1/200) ________________________________________ النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم، ثم أراد الدعاء، استقبل القبلة، وجعل ظهره إلى جدار القبر، ثم دعا. فقال سلمة بن وردان: "رأٌت أنس بن مالك رضى الله عنه ٌسلم على النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم، ثم ٌسند ظهره إلى جدار القبر، ثم ٌدعو." ونص على ذلك الأبمة الأربعة: أنه ٌستقبل القبلة وقت الدعاء، حتى لا ٌدعو عند القبر، فإن الدعاء عبادة. وفى الترمذى وؼٌره مرفوعاً . "الد عَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ ." فجرد السلؾ العبادة الله، ولم ٌفعلوا عند القبور منها إلا ما أذن فٌه رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: من السلبم على أصحابها والاستؽفار لهم، والترحم علٌهم. وبالجملة. فالمٌت قد انقطع عمله، فهو محتاج إلى من ٌدعو له وٌشفع له. ولهذا شرع فى الصلبة علٌه من الدعاء له، وجوباً واستحباباً، ما لم ٌشرع مثله فى الدعاء للحى. قال عوؾ بن مالك: "صَلّى رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ علٌْهِ وسّلَم عَلَى جَنَازَة ، فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَابِه وَهُوَ ٌَقُولُ : "اللهُم اؼْفِرْ لَهُ وَارْ حمهُ، وَعَافِهِ وَاعْؾُ عَنْهُ، وَأكْرِمْ نُزُلَهُ وَوَسعْ مَدْخَلَهُ، وَاؼْسِلْهُ بِالمَاءِ وَالث لْجِ وَالبَرَدِ، وَنَقهِ مِنَ الْخَطَاٌَا كما نَقٌّْتَ الث وْبَ الأبٌَْضَ مِنَ الد نَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خٌَْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلبً خٌَْرًا مِنْ أهْلِه، وَزَوْجًا خٌَْرًا مِنْ زَوْجِهِ . وَأَدْخِلْهُ الجنة، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، أوْ مِنْ عَذَابِ الن ارِ . حتى تمَن ٌْتُ أَنْ أَكُونَ أَنَا المٌَتُ، لِدُعَاءِ رَسُولِ اللهِ صلّى الله تَعَالَى علٌهِ وآلهِ وسلم عَلَى ذلِكَ المٌَتِ " رواه مسلم. وقال أبو هرٌرة رضى الله تعالى عنه: سمعت رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم ٌقول فى صلبته على الجنازة: "الّلهُم أَنْتَ رَب هَا، وَأَنْتَ خَلَقْتَهَا وَأنْتَ هَدٌَْتَهَا لِلئِسْلبَمِ، وَأنْتَ قَبَضْتَ روُحَهَا وَأنْتَ أعْلَمُ بِسِرهَا وَعَلبنٌَِتِهَ ا جِبْنَا شُفَعَاءَ فَاؼْفِرْ لَهُ " رواه الإمام أحمد. وفى سنن أبى داود عن أبى هرٌرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم قال: "إِذَا صَل ٌْتُمْ عَلَى المٌت فَؤَخْلِصُوا لَهُ الد عَاءَ ." وقالت عابشة، وأنس عن النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "مَا مِنْ مٌَت ٌُصَلى عَلٌَْهِ أُم ة مِنَ المُسْلِمٌِنَ ٌَبْلُؽُونَ مِابَةً كُل هُمْ ٌَشْفَعُونَ لَهُ، إلاّ شفعوا فٌِهِ ". رواه مسلم 1/201) ________________________________________ وعن ابن عباس رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم ٌقول: "ما من رجل مسلم ٌموت فٌقوم على جنازته أربعون رجلبً، لا ٌشركون بالله شٌباً، إلا شفعهم الله فٌه" رواه مسلم. فهذا مقصود الصلبة على المٌت، وهو الدعاء له والاستؽفار، والشفاعة فٌه. ومعلوم أنه فى قبره أشد حاجة منه على نعشه. فإنه حٌنبذ معر ض للسإال وؼٌره. وقد كان النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم ٌقؾ على القبر بعد الدفن فٌقول: "سَلُوا لَهُ الت ثْبٌِتَ، فَإِن هُ الآنَ ٌُسْؤَلُ ." فعلم أنه أحوج إلى الدعاء له بعد الدفن، فإذا كنا على جنازته ندعو له، لا ندعو به، ونشفع له، لا نشفع به. فبعد الدفن أولى وأحرى. فبدل أهل البدع والشرك قولاً ؼٌر الذى قٌل لهم: بدلوا الدعاء له بدعابه نفسه، والشفاعة له بالاستشفاع به. وقصدوا
عدد الصفحات ١٠٩ه ندعو له، لا ندعو به، ونشفع له، لا نشفع به. فبعد الدفن أولى وأحرى. فبدل أهل البدع والشرك قولاً ؼٌر الذى قٌل لهم: بدلوا الدعاء له بدعابه نفسه، والشفاعة له بالاستشفاع به. وقصدوا بالزٌارة التى شرعها رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم إحساناً إلى المٌت وإحساناً إلى الزابر، وتذكٌراً
عدد الصفحات ١٠٩110 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي بالآخرة: سإال المٌت، والإقسام به على الله، وتخصٌص تلك البقعة بالدعاء الذى هو مخ العبادة، وحضور القلب عندها، وخشوعه أعظم منه فى المساجد، وأوقات الأسحار. ومن المحال أن ٌكون دعاء الموتى، أو الدعاء بهم، أو الدعاء عندهم، مشروعاً وعملبً صالحاً، وٌصرؾ عنه القرون الثلبثة المفضلة بنص رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم، ثم ٌرزقه الخلوؾ الذٌن ٌقولون ما لا ٌفعلون، وٌفعلون ما لا ٌإمرون. فهذه سنة رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم فى أهل القبور بضعاً وعشرٌن سنة، حتى توفاه الله تعالى، وهذه سنة خلفابه الراشدٌن، وهذه طرٌقة جمٌع الصحابة والتابعٌن لهم بإحسان، هل ٌمكن بشر على وجه الأرض أن ٌؤتى عن أحد منهم بنقل صحٌح، أو حسن، أو ضعٌؾ، أو منقطع: أنهم كانوا إذا كان لهم حاجة قصدوا القبور فدعوا عندها، وتمسحوا بها، فضلب أن ٌصلوا عندها، أو ٌسؤلوا الله بؤصحابها، أو ٌسؤلوهم حوابجهم. فلٌوقفوا على أثر واحد: أو حرؾ واحد مى ذلك، بلى، ٌمكنهم أن ٌؤتوا عن الخلوؾ التى خلفت بعدهم بكثٌر من ذلك، وكلما تؤخر الزمان وطال العهد، كان ذلك أكثر، حتى لقد وجد فى ذلك عدة 1/202) ________________________________________ مصنفات لٌس فٌها عن رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم، ولا عن خلفابه الراشدٌن، ولا عن أصحابه حرؾ واحد من ذلك، بلى فٌها من خلبؾ ذلك كثٌر كما قدمناه من الأحادٌث المرفوعة. وأما آثار الصحابة فؤكثر من أن ٌحاط بها. وقد ذكرنا إنكار عمر رضى الله عنه على أنس رضى الله عنه صلبته عند القبر. وقوله له: القبر، القبر. وقد ذكر محمد بن إسحاق فى مؽازٌه من زٌادات ٌونس بن بكٌر عن أبى خلدة خالد بن دٌنار قال: حدثنا أبو العالٌة قال: "لما فتحنا تستر وجدنا فى بٌت مال الهرمزان سرٌرا علٌه رجل مٌت، عند رأسه مصحؾ له، فؤخذنا المصحؾ، فحملناه إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فدعا له كعباً، فنسخه بالعربٌة. فؤنا أول رجل من العرب قرأه، قرأته مثل ما أقرأ القرآن. فقلت لأبى العالٌة: ما كان فٌه؟ قال سٌرتكم وأموركم ولحون كلبمكم. وما هو كابن بعد. قلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا بالنهار ثلبثة عشر قبراً متفرقة، فلما كان اللٌل دفناه وسوٌنا القبور كلها، لنعمٌه على الناس لا ٌنبشونه، فقلت: وما ٌرجون منه؟ قال: كانت السماء إذا حبست عنهم أبرزوا السرٌر فٌمطرون. فقلت من كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل ٌقال له: دانٌال، فقلت: مُذْ كم وجدتموه مات؟ قال: مذ ثلبثمابة سنة، قلت: ما كان تؽٌر منه شىء؟ قال: لا، إلا شعٌرات من قفاه، إن لحوم الأنبٌاء لا تبلٌها الأرض، ولا تؤكلها السباع" ففى هذه القصة ما فعله المهاجرون والأنصار من تعمٌة قبره 1/203) ________________________________________ لب ٌفتتن به الناس، ولم ٌبرزوه للدعاء عنده والتبرك به، ولو ظفر به المتؤخرون لجالدوا علٌه بالسٌوؾ، ولعبدوه من دون الله، فهم قد اتخذوا من القبور أوثانا من لا ٌدانى هذا ولا ٌقاربه، وأقاموا لها سدنة، وجعلوها معابد أعظم من المساجد. فلو كان الدعاء عند القبور والصلبة عندها والتبرك بها فضٌلة أو سنة أو مباحاً، لنصب المهاجرون والأنصار هذا القبر علما لذلك، ودعوا عنده، وسنوا ذلك لمن بعدهم ولكن كانوا أعلم بالله ورسوله ودٌنه من الخلوؾ التى خلفت بعدهم، وكذلك التابعون لهم بإحسان راحوا على هذا السبٌل، وقد كان عندهم من قبور أصحاب رسول الله صلى الله تعالى وآله وسلم بالأمصار عدد كثٌر، وهم متوافرون. فما منهم من استؽاث عند قبر صاحب، ولا دعاه، ولا دعا به، ولا دعا عنده، ولا استشفى به، ولا استسقى به، ولا استنصر به، ومن المعلوم أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعى على نقله، بل على نقل ما هو دونه.
عدد الصفحات ١١٠عند قبر صاحب، ولا دعاه، ولا دعا به، ولا دعا عنده، ولا استشفى به، ولا استسقى به، ولا استنصر به، ومن المعلوم أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعى على نقله، بل على نقل ما هو دونه. وحٌنبذ، فلب ٌخلو، إما أن ٌكون الدعاء عندها والدعاء بؤربابها أفضل منه فى ؼٌر تلك البقعة، أولا ٌكون، فإن كان أفضل، فكٌؾ خفى علما وعملب على الصحابة والتابعٌن وتابعٌهم؟ فتكون القرون الثلبثة الفاضلة جاهلة بهذا الفضل العظٌم، وتظفر به الخلوؾ علما وعملبً؟ ولا ٌجوز أن ٌعلموه وٌزهدوا فٌه، مع حرصهم على كل خٌر لا سٌما الدعاء،
عدد الصفحات ١١٠111 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي فإن المضطر ٌتشبث بكل سبب، وإن كان فٌه كراهة ما، فكٌؾ ٌكونون مضطرٌن فى كثٌر من الدعاء، وهم ٌعلمون فضل الدعاء عند القبور، ثم لا ٌقصدونه؟ هذا محال طبعاً وشرعاً . فتعٌن القسم الآخر. وهو أنه لا فضل للدعاء عندها، ولا هو مشروع، ولا مؤذون فٌه بقصد الخصوص، بل تخصٌصها بالدعاء عندها ذرٌعة إلى ما تقدم من المفاسد. ومثل هذا مما لا ٌشرعه الله ورسوله البتة، بل استحباب الدعاء عندها شرع عبادة لم ٌشرعها الله، ولم ٌنزل بها سلطاناً . وقد أنكر الصحابة ما هو دون هذا بكثٌر. فروى ؼٌر واحد عن المعرور بن سوٌد قال: "صلٌت مع عمر بن الخطاب رضى الله عنه فى طرٌق مكة صلبة الصبح، فقرأ فٌها: {أَلَمْ تَرَ كٌَْؾَ فَعلَ رَب كَ بِؤَصْحابَ الْفٌِلِ [ }الفٌل: 6 ]و {لإٌِلبَؾِ قُرٌَْش [ }قرٌش: 6] . ثم رأى الناس ٌذهبون مذاهب، فقال: "أٌن ٌذهب هإلاء؟ "، فقٌل: ٌا أمٌر المإمنٌن، مسجد صلى فٌه النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم، فهم ٌصلون فٌه، فقال: 1/204) ________________________________________ "إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا. كانوا ٌتبعون آثار أنبٌابهم، وٌتخذونها كنابس وبٌعاً . فمن أدركته الصلبة منكم فى هذه المساجد فلٌصل، ومن لا فلٌمض، ولا ٌتعمدها"، وكذلك أرسل عمر رضى الله تعالى عنه أٌضاً فقطع الشجرة التى باٌع تحتها أصحاب رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم. بل قد أنكر رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم على الصحابة لما سؤلوه أن ٌجعل لهم شجرة ٌعلقون علٌها أسلحتهم ومتاعهم بخصوصها. فروى البخارى فى صحٌحة عن أبى واقد اللٌثى قال: "خرجنا مع رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم قبل حنٌن، ونحن حدٌثوا عهد بكفر، وللمشركٌن سدرة، ٌعكفون حولها وٌنوطون بها أسلحتهم، ٌقال لها: ذات أنواط. فمررنا بسدرة، فقلنا: ٌا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط، فقال النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم: "اللهُ أَكْبَرُ، هذَا كما قَالَتْ بَنُو إِسْرَابٌلَ { :اجْعَلَ لَنَا إِلهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَة قَالَ إِن كُمْ قَوْم تَجْهَلُونَ [ }الأعراؾ: 658 ]لَتَرْكَبُن سَنَنَ مَن كان قَبْلَكُمْ ". فإذا كان اتخاذ هذه الشجرة لتعلٌق الأسلحة والعكوؾ حولها اتخاذ إله مع الله تعالى، مع أنهم لا ٌعبدونها، ولا ٌسؤلونها. فما الظن بالعكوؾ حول القبر، والدعاء به ودعابه، والدعاء عنده؟ فؤى نسبة للفتنة بشجرة إلى الفتنة بالقبر؟ لو كان أهل الشرك والبدعة ٌعلمون. قال بعض أهل العلم من أصحاب مالك: فانظروا رحمكم الله أٌنما وجدتم سدرة أو شجرة ٌقصدها الناس، وٌعظمونها، وٌرجون البرء والشفاء من قِبلها، وٌضربون بها المسامٌر والخرق، فهى ذات أنواط، فاقطعوها. ومن له خبرة بما بعث الله تعالى به رسوله، وبما علٌه أهل الشرك والبدع الٌوم فى هذا الباب وؼٌره، علم أن بٌن السلؾ وبٌن هإلاء الخلوؾ من البعد أبعد مما بٌن المشرق والمؽرب، وأنهم على شىء والسلؾ على شىء، كما قٌل: سَارَتْ مُشَرقَة وَسِرْتُ مُؽَرباً ... شَت انَ بٌَْنَ مُشَرق وَمُؽَربِ والأمر والله أعظم مما ذكرنا. 1/205) ________________________________________ وقد ذكر البخارى فى الصحٌح عن أم الدرداء رضى الله عنها قالت: "دخل على أبو الدرداء مؽضباً، فقلت له: مالك؟ "، فقال: "والله ما أعرؾ فٌهم شٌبا من أمر محمد صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم، إلا أنهم ٌصلون جمٌعا." وروى مالك فى الموطؤ عن عمه أبى سهٌل بن مالك عن أبٌه أنه قال: "ما أعرؾ شٌباً مما أدركت علٌه الناس إلا النداء بالصلبة، ٌعنى الصحابة رضى الله عنهم."
عدد الصفحات ١١١112 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وقال الزهرى: "دخلت على أنس بن مالك بدمشق، وهو ٌبكى، فقلت له: ما ٌبكٌك؟ "، فقال: "ما أعرؾ شٌباً مما أدركت إلا هذه الصلبة. وهذه الصلبة قد ضٌعت". ذكره البخارى. وفى لفظ آخر: "ما كنت أعرؾ شٌباً على عهد رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم إلا قد أنكرته الٌوم." وقال الحسن البصرى: "سؤل رجل أبا الدرداء رضى الله عنه فقال: رحمك الله، لو أن رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم بٌن أظهرنا، هل كان ٌنكر شٌباً مما نحن علٌه؟ فؽضب، واشتد ؼضبه، وقال: وهل كان ٌعرؾ شٌبا مما أنتم علٌه؟ ." وقال المبارك بن فضالة: "صلى الحسن الجمعة وجلس، فبكى، فقٌل له: ما ٌبكٌك ٌا أبا سعٌد؟ فقال: "تلوموننى على البكاء، ولو أن رجلبً من المهاجرٌن اطلع من باب مسجدكم ما عرؾ شٌباً مما كان علٌه على عهد رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم أنتم الٌوم علٌه إلا قبلتكم هذه." وهذه هى الفتنة العظمى التى قال فٌها عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: "كٌؾ أنتم إذا لبستكم فتنة ٌهرم فٌها الكبٌر، وٌنشؤ فٌها الصؽٌر، تجرى على الناس، ٌتخذونها سنة إذا ؼٌرت قٌل: ؼٌرت السنة، أو هذا منكر." وهذا مما ٌدل على أن العمل إذا جرى على خلبؾ السنة فلب عبرة به ولا التفات إلٌه. فإن العمل قد جرى على خلبؾ السنة منذ زمن أبى الدرداء وأنس كما تقدم. وذكر أبو العباس أحمد بن ٌحٌى قال: حدثنى محمد بن عبٌد بن مٌمون، حدثنى عبد الله 1/206) ________________________________________ بن إسحاق الجعفرى قال: كان عبد الله بن الحسن ٌكثر الجلوس إلى ربٌعة، قال: فتذاكروا ٌوماً السنن، فقال رجل كان فى المجلس: لٌس العمل على هذا، فقال عبد الله: "أرأٌت إن كثر الجهال، حتى ٌكونواً هم الحكام، فهم الحجة على السنة؟ "، فقال ربٌعة: "أشهد أن هذا كلبم أبناء الأنبٌاء." فصل ومن أعظم مكاٌده: ما نصبه للناس من الأنصاب والأزلام، التى هى من عمله، وقد أمر الله تعالى باجتناب ذلك، وعلق الفلبح باجتنابه، فقال: {ٌَا أٌَ هَا ال ذٌِنَ آمَنُوا إِن مَا الْخْمرُ وَالْمٌَْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْس مِنْ عَمَل الش ٌْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَل كُمْ تُفْلِحُونَ [ }المابدة: 91 . ]فالأنصاب: كل ما نصب ٌعبد من دون الله: من حجر، أو شجر، أو وثن، أو قبر. وهى جمع، واحدها نصب، كطنب وأطناب. قال مجاهد: وقتادة، وابن جرٌج: "كانت حول البٌت أحجار كان أهل الجاهلٌة ٌذبحون علٌها وٌشرحون اللحم علٌها، وكانوا ٌعظمون هذه الحجارة وٌعبدونها قالوا: ولٌست بؤصنام، إنما الصنم ما ٌصور وٌنقش." وقال ابن عباس: "هى الأصنام التى ٌعبدونها من دون الله تعالى." وقال الزجاج: "حجارة كانت لهم ٌعبدونها، وهى الأوثان." وقال الفراء: "هى الآلهة التى كانت تعبد، من أحجار وؼٌرها." 1/207) ________________________________________ وأصل اللفظة: الشا المنصوب الذى ٌقصده من رآه، ومنه قوله تعالى: {ٌَوْمَ ٌَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعاً كؤَن هُمْ إِلَى نُصُب ٌُوفِضُونَ [ }المعارج: 45 . ]قال ابن عباس: إلى ؼاٌة، أو علم ٌسرعون. وهو قول أكثر المفسرٌن. وقال الحسن: "ٌعنى إلى أنصابهم، أٌهم ٌستلمها أوّلا ." قال الزجاج: "وهذا على قراءة من قرأ "نصب" بضمتٌن، كقوله{ :وَمَا ذُبِحَ عَلَى الن صُبِ [ }المابدة: 5 . ]قال: ومعناه: أصنام لهم."
عدد الصفحات ١١٢113 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي والمقصود: أن النصب كل شا نصب من خشبة، أو حجر، أو علم. والإٌفاض الإسراع. وأما الأزلام. فقال ابن عباس رضى الله عنهما: "هى قداح كانوا ٌستقسمون بها الأمور. أى ٌطلبون بها علم ما قسم لهم." وقال سعٌد بن جبٌر: "كانت لهم حصٌات إذا أراد أحدهم أن ٌؽزو، أو ٌجلس استقم بها." وقال أٌضاً : "هى القدحان اللذان كان ٌستقسم بهما أهل الجاهلٌة فى أمورهم. أحدهما علٌه مكتوب: أمرنى ربى، والآخر: نهانى. فإذا أرادوا أمرا ضربوا بها، فإن خرج الذى علٌه أمرنى فعلوا ما هموا به. وإن خرج الذى علٌه نهانى تركوه." وقال أبو عبٌد: "الاستقسام: طلب القسمة." وقال المبرد: "الاستقسام: أخذ كل واحد قسمه." وقٌل: الاستقسام: إلزام أنفسهم بما تؤمرهم به القداح، كقسم الٌمٌن. وقال الأزهرى: "وأن تستقسموا بالأزلام: أى تطلبوا من جهة الأزلام ما قسم لكم من أحد الأمرٌن." وقال أبو إسحاق الزجاج وؼٌره: "الاستقسام بالأزلام حرام." ولا فرق بٌن ذلك وبٌن قول المنجم: لا تخرج من أجل نجم كذا، واخرج من أجل طلوع نجم كذا، لأن الله تعالى ٌقول: {وَمَا تَدْرِى نَفْس مَاذَا تَكْسِبُ ؼَداً [ }لقمان: 54] . (1/208) ________________________________________ وذلك دخول فى علم الله عز وجل الذى هو ؼٌب عنا. فهو حرام كالأزلام التى ذكرها الله تعالى. والمقصود: أن الناس قد ابتلوا بالأنصاب والأزلام. فالأنصاب للشرك والعبادة، والأزلام للتكهن، وطلب علم ما استؤثر الله به. هذه للعلم، وتلك للعمل، ودٌن الله سبحانه وتعالى مضاد لهذا وهذا، والذى جاء به رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم إبطالهما، وكسر الأنصاب والأزلام. فمن الأنصاب ما قد نصبه الشٌطان للمشركٌن: من شجرة، أو عمود أو وثن، أو قبر أو خشبة، أو ؼٌر ذلك. والواجب هدم ذلك كله، ومحو أثره كما أمر النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم علٌا رضى الله عنه بهدم القبور المشرفة وتسوٌتها بالأرض. كما روى مسلم فى صحٌحه عن أبى الهٌاج الأسدى. قال: قال لى على رضى الله عنه: "أَلاَ أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِى عِلٌَْهِ رَسُولُ اللهِ تعالِى علٌه وآله وسلم؟ أَنْ لا أَدَعَ تِمْثَالاً إِلا طمسته ولا قبراً مشرفاً إِلا سَو ٌْتُهُ ." وعمى الصحابة بؤمر عمر رضى الله عنه قبر دانٌال، وأخفوه عن الناس. ولما بلؽه أن الناس ٌنتابون الشجرة التى باٌع تحتها رسول الله صلى الله تعالى علٌه 1/209) ________________________________________ وآله وسلم أصحابه أرسل فقطعها. رواه ابن وصاح فى كتابه فقال: سمعت عٌسى بن ٌونس ٌقول: "أمر عمر بن الخطاب رضى الله عنه بقطع الشجرة التى بوٌع تحتها النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم فقطعها، لأن الناس كانوا ٌذهبون فٌصلون تحتها فخاؾ علٌهم الفتنة." قال عٌسى بن ٌونس: وهو عندنا من حدٌث ابن عون عن نافع: "أن الناس كانوا ٌؤتون الشجرة، فقطعها عمر رضى الله عنه." فإذا كان هذا فعل عمر رضى الله عنه بالشجرة التى ذكرها الله تعالى فى القرآن، وباٌع تحتها الصحابة رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم فماذا حكمه فٌما عداها من هذه الأنصاب والأوثان، التى قد عظمت الفتنة بها، واشتدت البلٌة بها؟. وأبلػ من ذلك: أن رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم هدم مسجد الضرار.
عدد الصفحات ١١٣114 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي ففى هذا دلٌل على هدم ما هو أعظم فساداً منه، كالمساجد المبنٌة على القبور. فإن حكم الإسلبم فٌها أن تهدم كلها، حتى تسوى بالأرض، وهى أولى بالهدم من مسجد الضرار. وكذلك القباب التى على القبور ٌجب هدمها كلها، لأنها أسست على معصٌة الرسول، لأنه قد نهى عن البناء على القبور كما تقدم. فبناء أسس على معصٌته ومخالفته بناء ؼٌر محترم. وهو أولى بالهدم من بناء الؽاصب قطعاً . وقد أمر رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم بهدم القبور المشرفة كما تقدم. فهدم القباب والبناء والمساجد التى بنٌت علٌها أولى وأحرى، لأنه لعن متخذى المساجد علٌها ونهى عن البناء علٌها فٌجب المبادرة والمساعدة إلى هدم ما لعن رسول الله تعالى علٌه وآله وسلم فاعله ونهى عنه. والله عز وجل ٌقٌم لدٌنه وسنة رسوله من ٌنصرهما وٌذب عنهما. فهو أشد ؼٌرة وأسرع تؽٌٌراً . وكذلك ٌجب إزالة كل قندٌل أو سراج على قبر، وطفٌه. فإن فاعل ذلك ملعون بلعنة رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم. ولا ٌصح هذا الوقؾ ولا ٌحل إثباته وتنفٌذه. 1/210) ________________________________________ قال الإمام أبو بكر الطرطوشى: "انظروا رحمكم الله أٌنما وجدتم سدرة، أو شجرة ٌقصدها الناس وٌعظمونها، وٌرجون البرء والشفاء من قبلها، وٌضربون بها المسامٌر والخرق، فهى ذات أنواط، فاقطعوها." وقال الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعٌل المعروؾ بؤبى شامة فى كتاب الحوادث والبدع: "ومن هذا القسم ما قد عم به الابتلبء من تزٌٌن الشٌطان للعامة تخلٌق الحٌطان والعمد، وسرج مواضع مخصوصة من كل بلد، ٌحكى لهم حاك أنه رأى فى منامه بها أحدا ممن شهر بالصلبح والولاٌة، فٌفعلون ذلك، وٌحافظون علٌه، مع تضٌٌعهم فرابض الله، وسننه، وٌظنون أنهم متقربون بذلك. ثم ٌتجاوزون هذا إلى أن ٌعظم وقع تلك الأماكن فى قلوبهم فٌعظمونها، وٌرجون الشفاء لمرضاهم، وقضاء حوابجهم بالنذر لها، وهى من بٌن عٌون، وشجر وحابط، وحجر. وفى مدٌنة دمشق من ذلك مواضع متعددة. كعوٌنة الحمى خارج باب توما، والعمود المخلق داخل باب الصؽٌر، والشجرة الملعونة الٌابسة خارج باب النصر، فى نفس قارعة الطرٌق، سهل الله قطعها واجتثاثها من أصلها، فما أشبهها بذات أنواط التى فى الحدٌث"، ثم ساق حدٌث أبى واقد: "أَنّهُمْ مَر وا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلّى اللهُ تَعَالَى علٌهِ وآلهِ وَسلم بِشَجَرَة عَظٌِمَة خَضْرَاءَ ٌقالُ لهَا: ذَات أَنْوَاط ، فقَالوا: ٌَا رَسُولَ اللهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْواط كَما لَهُمْ ذَات أَنْواط . فقَالَ الن بى صلى الله علٌه وسلم: الله أكبر، هذا كما قَالَ قَوْمُ مُوسَى لِمُوسَى: اجْعَلْ لَنَا إ لهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَة. قَالَ : إِن كُمْ قَوْم تَجْهَلُونَ، لَتَرْكَبُن سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ". قال الترمذى: هذا حدٌث حسن صحٌح. ثم ذكر ما صنعه بعض أهل العلم ببلبد إفرٌقٌة: "أنه كان إلى جانبه عٌن تسمى عٌن العافٌة، كان العامة قد افتتنوا بها ٌؤتونها من الآفاق، فمن تعذر علٌه نكاح، أو ولد، قال: امضوا بى إلى العافٌة، فٌعرؾ فٌها الفتنة، فخرج فى السحر فهدمها، وأذن للصبح علٌها، ثم 1/211) ________________________________________ قال: اللهم إنى هدمتها لك، فلب ترفع لها رأسا، قال: فما رفع لها رأس إلى الآن." وقد كان بدمشق كثٌر من هذه الأنصاب، فٌسر الله سبحانه كسرها على ٌد شٌخ الإسلبم وحزب الله الموحدٌن، كالعمود المخلق، والنصب الذى كان بمسجد النارنج عند المصلى ٌعبده الجهال، والنصب الذى كان تحت الطاحون الذى عند مقابر النصارى ٌنتابه الناس للتبرك به، وكان صورة صنم فى نهر القلوط ٌنذرون له وٌتبركون به، وقطع الله سبحانه النصب الذى كان عند الرحبة ٌسرج عنده، وٌتبرك به المشركون.
عدد الصفحات ١١٤لطاحون الذى عند مقابر النصارى ٌنتابه الناس للتبرك به، وكان صورة صنم فى نهر القلوط ٌنذرون له وٌتبركون به، وقطع الله سبحانه النصب الذى كان عند الرحبة ٌسرج عنده، وٌتبرك به المشركون. وكان عموداً طوٌلبً على رأسه حجر كالكرة. وعند مسجد درب الحجر نصب قد بنى علٌه مسجد صؽٌر، ٌعبده المشركون ٌسر الله كسره. فما أسرع أهل الشرك إلى اتخاذ الأوثان من دون الله، ولو كانت ما كانت، وٌقولون: إن هذا الحجر، وهذه الشجرة، وهذه العٌن تقبل النذر، أى تقبل العبادة من دون الله تعالى، فإن النذر عبادة وقربة، ٌتقرب بها الناذر إلى المنذور له،
عدد الصفحات ١١٤115 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وٌتمسحون بذلك النصب، وٌستلمونه. ولقد أنكر السلؾ التمسح بحجر المقام الذى أمر الله تعالى أن ٌتخذ منه مصلى، كما ذكر الأزرقى فى كتاب تارٌخ مكة عن قتادة فى قوله تعالى: {وَات خِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْراهٌِمَ مُصَلى[ }البقرة: 615 . ]قال: "إنما أمروا أن ٌصلوا عنده، ولم ٌإمروا بمسحه. ولقد تكلفت هذه الأمة شٌبا ما تكلفته الأمم قبلها، ذكر لنا من رأى أثره وأصابعه، فما زالت هذه الأمة تمسحه حتى اخلولق." وأعظم الفتنة بهذه الأنصاب فتنة أنصاب القبور، وهى أصل فتنة عبادة الأصنام كما قاله السلؾ من الصحابة والتابعٌن، وقد تقدم. ومن أعظم كٌد الشٌطان: أنه ٌنصب لأهل الشرك قبر معظم ٌعظمه الناس، ثم ٌجعله وثنا ٌعبد من دون الله، ثم ٌوحى إلى أولٌابه: أن من نهى عن عبادته، واتخاذه عٌدا، وجعله وثنا فقد تنقصه وهضم حقه. فٌسعى الجاهلون المشركون فى قتله وعقوبته وٌكفرونه. وذنبه عند أهل الإشراك: أمره بما أمر الله به ورسوله، ونهٌه عما نهى الله عنه ورسوله: من جعله وثنا وعٌدا، وإٌقاد السرج علٌه، وبناء المساجد والقباب علٌه وتجصٌصه، وإشادته وتقبٌله، واستلبمه، ودعابه، والدعاء به أو السفر إلٌه أو الاستؽاثة به من دون الله، مما قد علم بالاضطرار من دٌن الإسلبم أنه مضاد لما بعث الله به رسوله: من تجرٌد التوحٌد لله 1/212) ________________________________________ وأن لا ٌعبد إلا الله. فإذا نهى الموحد عن ذلك ؼضب المشركون، واشمؤزت قلوبهم، وقالوا: قد تنقص أهل الرتب العالٌة. وزعم أنهم لا حرمة لهم ولا قدر. وٌسرى ذلك فى نفوس الجهال والطؽام، وكثٌر ممن ٌنسب إلى العلم والدٌن حتى عادوا أهل التوحٌد، ورموهم بالعظابم، ونفروا الناس عنهم. ووالوا أهل الشرك وعظموهم، وزعموا أنهم هم أولٌاء الله وأنصار دٌنه ورسوله، وٌؤبى الله ذلك. فما كانوا أولٌاءه، وإن أولٌاإه إلا المتبعون له الموافقون له، العارفون بما جاء به، الداعون إلٌه، لا المتشبعون بما لم ٌعطوا، لابسو ثٌاب الزور، الذٌن ٌصدون الناس عن سنة نبٌهم، وٌبؽونها عوجاً، وهم ٌحسبون أنهم ٌحسنون صنعاً . فصل ولا تحسب أٌها المنعم علٌه باتباع صراط الله المستقٌم، صراط أهل نعمته ورحمته وكرامته أن النهى عن اتخاذ القبور أوثانا وأعٌاداً وأنصابا، والنهى عن اتخاذها مساجد، أو بناء المساجد علٌها، وإٌقاد السرج علٌها، والسفر إلٌها، والنذر لها، واستلبمها، وتقبٌلها، وتعفٌر الجباه فً عرصاتها: ؼض من أصحابها، ولا تنقٌص لهم، ولا تنقص كما ٌحسبه أهل الإشراك والضلبل. بل ذلك من إكرامهم وتعظٌمهم واحترامهم، ومتابعتهم فٌما ٌحبونه وتجنب ما ٌكرهونه. فؤنت والله ولٌهم ومحبهم، وناصر طرٌقهم وسنتهم، وعلى هدٌهم ومنهاجهم. وهإلاء المشركون أعصى الناس لهم، وأبعدهم من هدٌهم ومتابعتهم. كالنصارى مع المسٌح، والٌهود مع موسى علٌهما السلبم، والرافضة مع على رضى الله عنه. فؤهل الحق أولى بؤهل الحق من أهل الباطل، فالمإمنون والمإمنات بعضهم أولٌاء بعض. والمنافقون والمنافقات بعضهم من بعض. فاعلم أن القلوب إذا اشتؽلت بالبدع أعرضت عن السنن، فتجد أكثر هإلاء العاكفٌن على القبور معرضٌن عن طرٌقة من فٌها وهدٌه وسنته، مشتؽلٌن بقبره عما أمر به ودعا إلٌه. وتعظٌم الأنبٌاء والصالحٌن ومحبتهم إنما هى باتباع ما دعو إلٌه من العلم النافع والعمل الصالح، واقتفاء آثارهم، وسلوك طرٌقتهم دون عبادة قبورهم والعكوؾ علٌها واتخاذها أعٌاداً . 1/213) ________________________________________ فإن من اقتفى آثارهم كان متسببا إلى تكثٌر أجورهم باتباعه لهم، ودعوته الناس إلى اتباعهم، فإذا أعرض عما دعوا إلٌه، واشتؽل بضده حرم نفسه وحرمهم ذلك الأجر. فؤى تعظٌم لهم واحترام فى هذا؟.
عدد الصفحات ١١٥من اقتفى آثارهم كان متسببا إلى تكثٌر أجورهم باتباعه لهم، ودعوته الناس إلى اتباعهم، فإذا أعرض عما دعوا إلٌه، واشتؽل بضده حرم نفسه وحرمهم ذلك الأجر. فؤى تعظٌم لهم واحترام فى هذا؟. وإنما اشتؽل كثٌر من الناس بؤنواع من العبادات المبتدعة التى ٌكرهها الله ورسوله لإعراضهم عن المشروع أو بعضه، وإن قاموا بصورته الظاهرة فقد هجروا حقٌقته المقصودة منه، وإلا فمن أقبل على الصلوات الخمس بوجهه
عدد الصفحات ١١٥116 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي وقلبه، عارفاً بما اشتملت علٌه من الكلبم الطٌب والعمل الصالح، مهتما بها كل الاهتمام، أؼنته عن الشرك، وكل من قصر فٌها أو فى بعضها تجد فٌه من الشرك بحسب ذلك. ومن أصؽى إلى كلبم الله بقلبه، وتدبره وتفهمه أؼناه عن السماع الشٌطانى الذى ٌصد عن ذكر الله وعن الصلبة، وٌنبت النفاق فى القلب. وكذلك من أصؽى إلٌه وإلى حدٌث الرسول صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم بكلٌته، وحدث نفسه باقتباس الهدى والعلم منه، لا من ؼٌره أؼناه عن البدع والآراء والتخرصات والشطحات والخٌالات، التى هى وساوس النفوس وتخٌلبتها. ومن بعد عن ذلك فلب بد له أن ٌتعوض عنه بما لا ٌنفعه، كما أن من عمر قلبه بمحبة الله تعالى وذكره، وخشٌته، والتوكل علٌه، والإنابة إلٌه: أؼناه ذلك عن محبة ؼٌره وخشٌته والتوكل علٌه، وأؼناه أٌضاً عن عشق الصور. وإذا خلب من ذلك صار عبد هواه، أى شا استحسنه ملكه واستعبده. فالمعرض عن التوحٌد مشرك، شاء أم أبى، والمعرض عن السنة مبتدع ضال، شاء أم أبى، والمعرض عن محبة الله وذكره عبدُ الص ورَ، شاء أم أبى، والله المستعان، وعلٌه التكلبن، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظٌم. فصل فإن قٌل: فما الذى أوقع عباد القبور فى الافتتان بها، مع العلم بؤن ساكنٌها أموات، لا ٌملكون لهم ضرا ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حٌاة ولا نشوراً؟ قٌل: أوقعهم فى ذلك أمور: منها: الجهل بحقٌقة ما بعث الله به رسوله، بل جمٌع الرسل من تحقٌق التوحٌد وقطع أسباب الشرك، فقل نصٌبهم جداً من ذلك. ودعاهم الشٌطان إلى الفتنة، ولم ٌكن 1/214) ________________________________________ عندهم من العلم ما ٌبطل دعوته، فاستجابوا له بحسب ما عندهم من الجهل، وعصموا بقدر ما معهم من العلم. ومنها: أحادٌث مكذوبة مختلقة، وضعها أشباه عباد الأصنام من المقابرٌة على رسول الله صلى الله تعالى وآله وسلم تناقض دٌنه، وما جاء به كحدٌث: "إذا أعٌتكم الأمور فعلٌكم بؤصحاب القبور" وحدٌث: "لو أحسن أحدكم ظنه بحجر نفعه" وأمثال هذه الأحادٌث التى هى مناقضة لدٌن الإسلبم. وضعها المشركون وراجت على أشباههم من الجهال الضلبل. والله بعث رسوله ٌقتل من حسن ظنه بالأحجار، وجنب أمته الفتنة بكل طرٌق كما تقدم. ومنها: حكاٌات حكٌت لهم عن تلك القبور: أن فلبنا استؽاث بالقبر الفلبنى فى شدة فخلص منها. وفلبناً دعاه به فى حاجة فقضٌت له. وفلبنا نزل به ضر فاسترجى صاحب ذلك القبر فكشؾ ضره. وعند السدنة والمقابرٌة من ذلك شىء كثٌر ٌطول ذكره. وهم من أكذب خلق الله تعالى على الأحٌاء والأموات. والنفوس مولعة بقضاء حوابجها، وإزالة ضروراتها وٌسمع بؤن قبر فلبن ترتاق مجرب. والشٌطان له تلطؾ فى الدعوة فٌدعوهم أولا إلى الدعاء، فٌدعو العبد عنده بحرقة وانكسار وذلة، فٌجٌب الله دعوته لما قام بقلبه، لا لأجل القبر. فإنه لو دعاه كذلك فى الحانة والخمارة والحمام والسوق أجابه، فٌظن الجاهل أن للقبر تؤثٌرا فى إجابة تلك الدعوة والله سبحانه ٌجٌب دعوة المضطر، ولو كان كافراً . وقد قال تعالى: {كُ نُمِد هإُلاءِ وَهإُلاءِ مِنْ عَطَاءِ ربك ومَا كَانَ عَطَاءُ رَبكَ مَحْظُورًا [ }الإسراء:11 ]وقد قال الخلٌل{ :وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الث مرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالٌَْوْمِ الآخِرِ [ }البقرة: 616 ]فقال الله سبحانه وتعالى{ :وَمَنْ كَفَرَ فَؤُمَتعُهُ قَلٌِلبً ثُم أَضْطَر هُ إِلَى عَذَابِ الن ارِ وَبِبْسَ المَصٌُِر [ }البقرة: 616] . فلٌس كل من أجاب الله دعاءه ٌكون راضٌاً عنه، ولا محباً له، ولا راضٌاً بفعله فإنه ٌجٌب البر والفاجر، والمإمن والكافر، وكثٌر من الناس ٌدعو دعاء ٌعتدى فٌه، أو ٌشترط فى دعابه، أو ٌكون مما لا ٌجوز أن ٌسؤل، فٌحصل له ذلك أو بعضه. فٌظن أن عمله صالح 1/215)
عدد الصفحات ١١٦عله فإنه ٌجٌب البر والفاجر، والمإمن والكافر، وكثٌر من الناس ٌدعو دعاء ٌعتدى فٌه، أو ٌشترط فى دعابه، أو ٌكون مما لا ٌجوز أن ٌسؤل، فٌحصل له ذلك أو بعضه. فٌظن أن عمله صالح 1/215) ________________________________________
عدد الصفحات ١١٦117 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي مرضى لله، وٌكون بمنزلة من أملى له وأمد بالمال والبنٌن، وهو ٌظن أن الله تعالى ٌسارع له فى الخٌرات. وقد قال تعالى: {فَلَم ا نَسُوا مَاذُكروا بِهِ فَتَحْنَا عَلٌَْهِمْ أَبْوَابَ كُل شَىء [ }الأنعام: 44 . ]فالدعاء قد ٌكون عبادة فٌثاب علٌه الداعى. وقد ٌكون مسؤلة تقضى به حاجته وٌكون مضرة علٌه، إما أن ٌعاقب بما ٌحصل له، أو تنقص به درجته، فٌقضى حاجته وٌعاقبه على ما جرأ علٌه من إضاعة حقوقه واعتداء حدوده. والمقصود: أن الشٌطان بلطؾ كٌده ٌحسن الدعاء عند القبر، وأنه أرجح منه فى بٌته ومسجده وأوقات الأسحار. فإذا تقرر ذلك عنده نقله درجة أخرى، من الدعاء عنده إلى الدعاء به، والإقسام على الله به، وهذا أعظم من الذى قبله، فإن شؤن الله أعظم من أن ٌقسم علٌه، أو ٌسؤل بؤحد من خلقه، وقد أنكر أبمة الإسلبم ذلك. فقال أبو الحسٌن القدورى فى شرح كتاب الكرخى: قال بشر بن الولٌد: سمعت أبا ٌوسؾ ٌقول: قال أبو حنٌفة: "لا ٌنبؽى لأحد أن ٌدعو الله إلا به. قال: وأكره أن ٌقول: أسؤلك بمعقد العز من عرشك. وأكره أن ٌقول: بحق فلبن، وبحق أنبٌابك ورسلك، وبحق البٌت الحرام." قال أبو الحسٌن: "أما المسؤلة بؽٌر الله فمنكرة فى قولهم، لأنه لا حق لؽٌر الله علٌه، وإنما الحق لله على خلقه، وأما قوله: بمعقد العز من عرشك، فكرهه أبو حنٌفة ورخص فٌه أبو ٌوسؾ." وقال: "وروى أن النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم دعا بذلك، قال: ولأن معقد العز من العرش إنما ٌراد به القدرة التى خلق بها العرش، مع عظمته. فكؤنه سؤله بؤوصافه." 1/216) ________________________________________ وقال ابن بلدجى فى شرح المختار: "وٌكره أن ٌدعو الله تعالى إلا به، فلب ٌقول: أسؤلك بفلبن، أو بملببكتك، أو بؤنبٌابك ونحو ذلك، لأنه لا حق للمخلوق على خالقه، أو ٌقول فى دعابه: أسؤلك بمعقد العز من عرشك. وعن أبى ٌوسؾ جوازه." وما ٌقول فٌه أبو حنٌفة وأصحابه أكره كذا، هو عند محمد حرام. وعند أبى حنٌفة وأبى ٌوسؾ هو إلى الحرام أقرب، وجانب التحرٌم علٌه أؼلب. وفى فتاوى أبى محمد بن عبد السلبم: "أنه لا ٌجوز سإال الله سبحانه بشىء من مخلوقاته، لا الأنبٌاء، ولا ؼٌرهم، وتوقؾ فى نبٌنا صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم، لاعتقاده أن ذلك جاء فى حدٌث، وأنه لم ٌعرؾ صحة الحدٌث." فإذا قرر الشٌطان عنده أن الإقسام على الله به، والدعاء به أبلػ فى تعظٌمة واحترامه، وأنجع فى قضاء حاجته، نقله درجة أخرى إلى دعابه نفسه من دون الله. ثم ٌنقله بعد ذلك درجة أخرى إلى أن ٌتخذ وثنا ٌعكؾ علٌه وٌوقد علٌه القندٌل، وٌعلق علٌه الستور، وٌبنى علٌه المسجد، وٌعبده بالسجود له، والطواؾ به وتقبٌله واستلبمه والحج إلٌه والذبح عنده. ثم ٌنقله درجة أخرى إلى دعاء الناس إلى عبادته، واتخاذه عٌداً ومنسكاً وأن ذلك أنفع لهم فى دنٌاهم وآخرتهم. قال شٌخنا قدس الله روحه: "وهذه الأمور المبتدعة عند القبور مراتب، ابعدها عن الشرع: أن ٌسؤل المٌت حاجته، وٌستؽٌث به فٌها، كما ٌفعله كثٌر من الناس. قال: وهإلاء من جنس عباد الأصنام، ولهذا قد ٌتثمل لهم الشٌطان فى صورة المٌت أو الؽابب كما ٌتمثل لعباد الأصنام. وهذا ٌحصل للكفار من المشركٌن وأهل الكتاب، ٌدعو أحدهم من ٌعظمه فٌتمثل له الشٌطان أحٌاناً . وقد ٌخاطبهم ببعض الأمور الؽاببة. وكذلك السجود للقبر، والتمسح به وتقبٌله." والمرتبة الثانٌة: أن ٌسؤل الله عز وجل به. وهذا ٌفعله كثٌر من المتؤخرٌن، وهو بدعة باتفاق المسلمٌن. الثالثة: أن ٌسؤله نفسه. الرابعة: أن ٌظن أن الدعاء عند قبره مستجاب، أو أنه أفضل من الدعاء فى المسجد 1/217) ________________________________________
عدد الصفحات ١١٧118 المختصر القٌم لثرات ابن القٌم (المجلد1) اختزال وتوضٌب: الباحث عبدالرؤوف البٌضاوي فٌقصد زٌارته والصلبة عنده لأجل طلب حوابجه. فهذا أٌضاً من المنكرات المبتدعة باتفاق المسلمٌن. وهى محرمة، وما علمت فى ذلك نزاعاً بٌن أبمة الدٌن وإن كان كثٌر من المتؤخرٌن ٌفعل ذلك، وٌقول بعضهم: قبر فلبن ترٌاق مجرب. والحكاٌة المنقولة عن الشافعى أنه كان ٌقصد الدعاء عند قبر أبى حنٌفة، من الكذب الظاهر. فصل فى الفرق بٌن زٌارة الموحدٌن للقبور، وزٌارة المشركٌن أما زٌارة الموحدٌن: فمقصودها ثلبثة أشٌاء: أحدها: تذكر الآخرة والاعتبار والاتعاظ. وقد أشار النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم إلى ذلك بقوله: "زُورُوا الْقُبُورَ، فَإ نّهَا تُذَكرُكُمُ الآخِرَةَ ." الثانى: الإحسان إلى المٌت، وأن لا ٌطول عهده به، فٌهجره، وٌتناساه، كما إذا ترك زٌارة الحى مدة طوٌلة تناساه، فإذا زار الحى فرح بزٌارته وسر بذلك، فالمٌت أولى. لأنه قد صار فى دار قد هجر أهلها إخوانهم وأهلهم ومعارفهم، فإذا زاره وأهدى إلٌه هدٌة: من دعابه، أو صدقة، أو أهدى قربة، ازداد بذلك سروره وفرحه، كما ٌسر الحى بمن ٌزوره وٌهدى له. ولهذا شرع النبى صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم للزابرٌن أن ٌدعوا لأهل القبور بالمؽفرة والرحمة، وسإال العافٌة فقط. ولم ٌشرع أن ٌدعوهم، ولا ٌدعواً بهم، ولا ٌصلى عندهم. الثالث: إحسان الزابر إلى نفسه باتباع السنة، والوقوؾ عند ما شرعه الرسول صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم، فٌحسن إلى نفسه وإلى المزور. وأما الزٌارة الشركٌة فؤصلها مؤخوذ عن عباد الأصنام. 1/218) ________________________________________ قالوا: المٌت المعظم الذى لروحه قرب ومنزلة ومزٌة عند الله تعالى لا ٌزال تؤتٌه الألطاؾ من الله تعالى وتفٌض على روحه الخٌرات. فإذا علق الزابر روحه به، وأدناها منه فاض من روح المزور على روح الزابر من تلك الألطاؾ بواسطتها، كما ٌنعكس الشعاع من المرآة الصافٌة والماء ونحوه على الجسم المقابل له. قالوا: فتمام الزٌارة أن ٌتوجه الزابر بروحه وقلبه إلى المٌت، وٌعكؾ بهمته علٌه، وٌوجه قصده كله وإقباله علٌه، بحٌث لا ٌبقى فٌه التفات إلى ؼٌره. وكلما كان جمع الهمة والقلب علٌه أعظم كان أقرب إلى انتفاعه به. وقد ذكر هذه الزٌارة على هذا الوجه ابن سٌنا والفارابى وؼٌرهما. وصرح بها عباد الكواكب فى عبادتها. وقالوا: إذا تعلقت النفس الناطقة بالأرواح العلوٌة فاض علٌها منها النور. وبهذا السر عبدت الكواكب واتخذت لها الهٌاكل، وصنفت لها الدعوات، واتخذت الأصنام المجسدة لها. وهذا بعٌنه هو الذى أوجب لعباد القبور اتخاذها أعٌاداً، وتعلٌق الستور علٌها، وإٌقاد السرج علٌها، وبناء المساجد علٌها. وهو الذى قصد رسول الله صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم إبطاله ومحوه بالكلٌة، وسد الذرابع المفضٌة إلٌه. فوقؾ المشركون فى طرٌقه وناقضوه فى قصده. وكان صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم فى شق، وهإلاء فى شق. وهذا الذى ذكره هإلاء المشركون فى زٌارة القبور هو الشفاعة التى ظنوا أن آلهتهم تنفعهم بها وتشفع لهم عند الله تعالى. قالوا: فإن العبد إذا تعلقت روحه بروح الوجٌه المقرب عند الله وتوجه بهمته إلٌه وعكؾ بقلبه علٌه صار بٌنه وبٌنه اتصال، ٌفٌض به علٌه منه نصٌب مما ٌحصل له من الله. وشبهوا ذلك بمن ٌخدم ذا جاه وحظوة وقرب من السلطان، فهو شدٌد التعلق به. فما ٌحصل لذلك من السلطان من الإنعام والإفضال ٌنال ذلك المتعلق به بحسب تعلقه به. فهذا سر عبادة الأصنام، وهو الذى بعث الله رسله، وأنزل كتبه بإبطاله، وتكفٌر أصحابه ولعنهم. وأباح دماءهم وأموالهم وسبى ذرارٌهم، وأوجب لهم النار. والقرآن من أوله إلى آخره مملوء من الرد على أهله، وإبطال مذهبهم. 1/219) ________________________________________
عدد الصفحات ١١٨