�51 :-I« « :-I« .)1(- أعلمنا برسول الله ﷺIأبو بكر وقال ابن القيم -رحمه الله-: (درجات الفهم متفاوتة في الناس أعظم تفاوت، فإن قوى الأذهان كقوى الأبدان، والناس متفاوتون في هذا وهذا تفاوتًا .)2(لا ينضبط وقال في موضع آخر: (وتفاوت الأمة في مراتب الفهم عن الله ورسوله لا يحصيه إلا الله، ولو كانت الأفهام متساوية لتساوت أقدام العلماء في .)3(العلم وتفاوت الناس في الفهم له عدة اعتبارات: باعتبار مقدار التحصيل، فإن الإنسان كلما ازداد علماً ازداد فهماً، أولاً: وقوي تصوره للمسألة، وهذا أمرٌ مكتسب يمكن تصيله بقدر همة الطالب في الاستزادة من العلم والبحث والدراسة. باعتبار تفاوت الأفهام في نفسها، وهو نوعان:ثانيًا: موهبة وذكاء يمنحه الله لمن يشاء من عباده يفهم به ما لا يفهمه الأول: : Eغيره بقدر نباهته وفطنته، لا سيما في الأمور الدقيقة، كما في قوله ﴾، وقد يُحعبرّ عنه بالملكة. ﮦ ﮧﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﴿ قال ابن تيمية -رحمه الله-: (من المعلوم أن الأمور الدقيقة -سواء كانت .)4(حقًا أو باطلاً؛ إيمانًا أو كفرًا- لا تُحدرك إلا بذكاء وفطنة )273/2« )1( )507/2« )2( )332/1« )3( )53/18« )4(
عدد الصفحات ٥١� 52 توفيقٌ من الله تعالى وفتحٌ منه بقدر إخلاص العبد وصدقه يهتدي الثاني: به لمعرفة حكم الله في الباطن، وهذا هو الفهم الخاص. قيل للإمام أحمد: من نسأل بعدك؟ فقال: سلوا عبد الوهاب الوراق، فقيل: إنه ضيق العلم، فقال: عبد الوهاب رجل صالح، مثله يُحوفّق لإصابة .)1(الحق وقال ابن القيم -رحمه الله-: (والمعوّل في ذلك كله على حسن النية، وخلوص القصد، وصدق التوجه في الاستمداد من المعلم الأول؛ معلم الرسل والانبياء صلوات الله وسلامه عليهم، فإنه لا يُحرد من صدق في التوجه إليه لتبليغ دينه وإرشاد عبيده ونصيحتهم والتخلص من القول عليه بلا علم، فإذا صدقت نيته ورغبته في ذلك لم يُحعدم أجرًا إن فاته أجران، والله المستعان... وكلما قرب القلب من الله زالت عنه معارضات السوء، وكان نور كشفه للحق أتم وأقوى، وكلما بَرعُحد عن الله كثرت عليه المعارضات، وضعف نور كشفه للصواب، فإن العلم نور يقذفه الله في القلب يُحفرّق به .)2(العبد بين الخطأ والصواب وأما ضبط العلم فهو درجتان على وجه الإجمال لا التفصيل: ضبطُح المسألة، بمعنى: تصورها تصورًا صحيحًا ومعرفة حكمها الأولى: ودليلها ومرتبتها على نحو ما سبق ذكره من مراتب النظر في كل مسألة. سلامة الدليل والجواب عن المعارض.الثانية: قال ابن تيمية -رحمه الله- في شروط معرفة الحق: (لابد من ذكر الدليل .)3(والجواب عن المعارض )47/2)،254/1« )1( )258/4« )2( )307/27« )3(
عدد الصفحات ٥٢�53 فإن الإنسان قد يكون ضابطًا لمسألة من المسائل؛ بأن يعرف صورتها وحكمها ودليلها ومرتبتها من جهة المأمورات والمنهيات، لكن قد لا يكون مستوعبًا لجميع أدلتها، ولا عارفًا بجميع فروعها، ولا ملماً بما فيها من الخلاف، فضلاً عن الجواب عن دليل المخالف. مثال ذلك: مسألة نقض الوضوء من مس الذَّكَرر، فقد يكون الطالب ملماً بما يلي: صورة المس: مباشرة اليد للذَّكَرر بدون حائل، لأن المس لا يكون إلا - بمباشرة اليد خصوصًا. حكمه: ناقض من نواقض الوضوء.- « -، وحديث «دليل الحكم: حديث .أحدكم بيده إلى فرجه، وليس بينهم ستر ولا حجاب، فليتوضأ وجه الدلالة: الأمر بالوضوء، والأمر يقتضي الوجوب.- أن الحكم يعم ذَركَرر الرجل وقُحبُحل المرأة. - أنه يعم جميع أحوال المس: بشهوة أو بغير شهوة، مع القصد وبدونه، - والدليل: عموم الحديث. وهذا الإلمام يُحعدّ أدنى درجات الضبط لهذه المسألة، وفوق ذلك درجات؛ كاستيعاب الأدلة الأثرية والنظرية، ومعرفة مدى ثبوتها أثرًا ونظرًا، والإلمام بأقوال المخالفين ودلائلهم والجواب عنها، ومعرفة فروع المسألة ونوازلها. فالضبط إذًا يتفاوت كتفاوت الناس في الفهم، لكنّ الضبط مكتسبٌ بقدر الجدّ والاجتهاد، بخلاف الفهم فإن منه توفيقًا ومنه ملكة وموهبة.
عدد الصفحات ٥٣� 54 يوضح ذلك أن أهل البدع قد يكونون ضابطين لمذهبهم، وإن لم يكونوا موفَّقين لمعرفة الحق والصواب، فقد تجد أشعريًا ضابطًا لعقيدة الأشاعرة، ملماًّ بأصولها وقواعدها، عارفًا بأقوال أئمتها وخلافهم، فهو من هذه الجهة ضابطٌ لمذهبه، لكنه لم يُحرزق فهماً يعرف به خطأ عقيدة الأشاعرة،وتناقضها، وبطلان أصولها، وبُحعدَرها عن الحق، ولم يهتد لعقيدة السلف والأئمة المهديين، إما جهلاً بها، أو تقديماً لعقيدة الأشاعرة عليها. وعلى هذا، فالفهمُح قد يراد به الضبط، وقد يراد به التوفيق للصواب والحق. وكما أن الضبط يتفاوت باعتبار المسألة نفسها، فإنه يتفاوت باعتبار المسائل والعلوم، فقد يكون الطالب ضابطًا لباب من الأبواب كباب الطهارة في الفقه مثلاً دون غيره من الأبواب، وقد يكون ضابطًا لفن أو فنون كالفقه أو العقيدة، وقد يكون ضابطًا للفنون كلها، وهذا نادر، ومن هنا أوصى العلماء بالتخصص وذلك لسعة العلم، وكثرة مسائله، وقصر العمر عن تصيله، فضلاً عن ضبطه وإتقانه. ومثل هذا يقال أيضًا في مراحل الضبط التي سبقت الإشارة إليها، فقد يكون الطالب ضابطًا لمرحلة التأسيس دون ما بعدها، وقد يكون ضابطًا لأكثر من مرحلة، أو لجميعها.
عدد الصفحات ٥٤�55 المبحث الثالث تنبيهات مهمة معينة على ضبط المسائل التنبيه الأول: التركيز على المتن المدروس في كل مرحلة، وحفظ مسائله ودلائله وتلخيصها ليسهل مراجعتها: على طالب العلم في كل مرحلة من مراحل طلب العلم أن يعتني بالمتن المدروس على يد الشيخ؛ ويبذل جهده في فهمه وضبطه، فإنَّ عَردَرمَر العناية به، والانشغال بالتنقل والقراءة هنا وهناك، ومزاحمة المتن المدروس بغيره، مما يشتت الذهن ويُحضعف الضبط. فالذي يدرس متنًا معينًا في فن من فنون العلم عند شيخ متقن، وفي نفس الوقت يقرأ متونًا أخرى في نفس الفن، باحثًا عن التوسع خارج المتن المدروس، فإنه سيرهق نفسه بكثرة التفريعات واختلاف العبارات وتنوع المسائل والدلائل، وهذا يضعف الحفظ والضبط، ويؤدي إلى التباس المسائل وتشتتها في الذهن، فيصير حاله كحال الذي يبني على الماء، لا يقر له قرار، ولا يثبت له بناء. التنبيه الثاني: الحرص على الحفظ: من المهم لطالب العلم أن يعتني بالحفظ، فيبدأ بحفظ القرآن أولاً والعناية به، ثم بحفظ المسائل والأحكام والدلائل. فعن الوليد بن مسلم -رحمه الله- قال: كنا إذا جالسنا الأوزاعي، فرأى ﮓ فينا حدثًا، قال: يا غلام! قرأت القرآن؟ فإن قال: نعم، قال: اقرأ ﴿
عدد الصفحات ٥٥� 56 ، وإن قال: لا. قال: اذهب تعلم القرآن قبل]11[﴾ﮔ ﮕ ﮖ .)1(أن تطلب العلم -رحمه الله- في بيان أهمية الحفظ لطالب العلم: الخليل بن أحمدوقال (الاحتفاظ بما في صدرك أولى من درس ما في كتابك، واجعل كتابك رأس .)2(المال، وما في صدرك للنفقة -رحمه الله-: (كل علم لا يدخل مع صاحبه الحمام فلا عبد الرزاقوقال .)3(تعده علماً -رحمه الله-: (ليس بعلم ماحوى القِمطْر ... ما عبيد الله الصيرفيوقال .)4(العلم إلا ماحواه الصدر والمراد بالحفظ ما كان مصحوبًا بالفهم، لا مجرد حفظ النصوص. .)5( -رحمه الله-: (الحفظ الإتقانعبد الرحمن بن مهديقال -رحمهما الله-: ما الحفظ؟ قال: (الإتقان هو مهنا الإمام أحمد وسأل .)6(الحفظ وهذا الحفظ يتأتى بطريقين: الطريق الأول: حفظ النص: بتكرار المحفوظ على الطرق المعتادة المعهودة، كحفظ القرآن والأحاديث )160/1« )1( 70 ذكره العسكري )2( )373/2 رواه الخطيب )3( )374/2 المرجع السابق )4( )668/1 المرجع السابق )5( )118/2 ذكره ابن مفلح )6(
عدد الصفحات ٥٦�57 والمتون والمنظومات العلمية، فهذا حفظ يحتاج إلى تكرار المحفوظ حتى يثبت في الذهن نصًا. الطريقة الثانية: الحفظ بالاستظهار بكثرة النظر والمراجعة والمذاكرة: من أدام النظر في كتاب وأكثر من مراجعته والنظر فيه وتقليب صفحاته بين الفينة والأخرى لابد أن يستظهره استظهارًا، وإن لم يحفظه نصًا. قال محمد بن أبي حاتم -رحمه الله- صاحب البخاري: قلتُح لمحمد بن إسماعيل البخاري يومًا خلوة: هل من دواءٍ يشربه الرجل فينتفع به للحفظ؟ فقال: لا أعلم. قال: ثم أقبل عليَّ وقال: لا أعلم شيئًا أنفع للحفظ من نهَرمة .)1(الرجل ومداومة النظر وقال أحمد بن الفرات -رحمه الله-: (لم نزل نسمع شيوخنا يذكرون .)2(أشياء في الحفظ، فأجمعوا أنه ليس شيء أبلغ فيه إلا كثرة النظر فطالب العلم ينبغي أن يكون صاحب نهَرمة، كثير النظر في المسائل والكتب، كثير السؤال والملازمة للعلماء. ومما يُحعين على الحفظ العمل بالعلم، وتبليغه للناس. .)3(قال الشعبي -رحمه الله-: (كنّا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به وقال الحافظ ابن الصلاح -رحمه الله-: (وروينا عن وكيع أن قال: إذا .)4(أردت أن تفظ الحديث فاعمل به )406/12 ذكره الذهبي )1( )401/2 رواه الخطيب )2( )25/2 رواه ابن عبد ال )3( )123/9 رواه أبو نعيم )4(
عدد الصفحات ٥٧� 58 التنبيه الثالث: عدم الانتقال من مرحلة إلى مرحلة، ومن متن إلى متن إلا بعد ضبط الأول ومراجعته والتمكن منه: لا تنتقل من متن أو كتاب إلى ما هو أعلى منه حتى تضبطه، فالعلم كالبناء، كلما قوي الأساس قوي البناء وثبت، وكلما ضعف الأساس وهن البناء وانهدم. وبعض الطلبة قد يدفعهم الاستعجال أوحب البروز والتميز عن الأقران إلى الانتقال من الأدنى إلى الأعلى قبل ضبط الأدنى، فتراه يتوسع في المسائل قبل ضبط أصولها، فتكثر المسائل في ذهنه وتتشعب حتى تتشتت الأحكام؛ ارتقى في العلم توسعت المسائل وتفرعت وكثرت الدلائل، فإن لم فإنه كلما يكن ضابطًا للأصل، فلن يتمكن من ضبط فروعه. ومن ذلك ما يفعله بعض الطلبة من الانكباب على قراءة كتب العقيدة والتوسع في مسائلها والنظر في مقالات الفرق ودلائلها، قبل ضبط مذهب أهل السنة والجماعة ومعرفة أصولهم، كأصلهم في الإيمان أو الصفات أو القدر ونحوها من الأصول، وهؤلاء بسبب العجلة في الترقي قبل التمكن والضبط قد تلتبس عليهم أقوال الفرق بأقوال أهل السنة والجماعة لعدم الضبط. التنبيه الرابع: اختيار كتابٍ جامع في كل فنٍّ يكون مرجعًا في الباب: مما يُحعين طالب العلم على الضبط أن يختار له في كل فن من فنون العلم كتابًا جامعًا يجعله أصلاً له في الباب وعمدة له فيه، يسعى لضبطه وإتقانه وإكثار النظر فيه حتى يصير المرجع الأول له في الباب، يحُحشيّ عليه، ويُحضيف إليه ما يستفيده من غيره، ويلخصه، ثم يكرر النظر فيه بين الوقت والآخر
عدد الصفحات ٥٨�59 حتى يستظهره استظهارًا، بحيث فيما لو تشعبت المسائل في ذهنه وتفرعت لكثرة الاطلاع والتوسع والترقّي، تبقى مسائل هذا الكتاب محفوظة لديه حاضرة في الذهن. قال ابن فرحون اليعمري المالكي -رحمه الله-: (لازمت تفسير ابن .)1(عطية حتى كدت أحفظه وإليك بعض الكتب على سبيل التمثيل فقط، ولطالب العلم أن يختار ما يراه أنسب: ففي فن التوحيد يعتني بكتاب وكتاب وفي العقيدة: يعتني بـ الصواعق المرسلة وفي الفقه: يعتني بـ وفي الأصول: يعتني بـ لابن النجار. وفي التفسير: يعتني بتفسير ابن كثير، أو البغوي. وفي اللغة: يعتني بـ وفي المصطلح: يعتني بـ رجب. وفي شرح الحديث: يعتني بشرح النووي على مسلم، و للصنعاني، فإن قوي على العناية بـ )454/1« )1(
عدد الصفحات ٥٩� 60 التنبيه الخامس: الحرص على المذاكرة مع الأقران والأصحاب ومناقشة المسائل، والمنافسة في حفظ الدلائل: المذاكرة والمدارسة والمناقشة تثبت العلم وترسّخه في الذهن، فالمسألة التي يحصل فيها نقاش ومدارسة، ويتناظر فيها طالب العلم مع أقرانه وزملائه بذكر الحجج والدلائل لا تكاد تُحنسى، فإن طالب العلم قد يقرأ المسألة قراءة جيدة ويستوعبها استيعابًا بمعرفة أدلتها وما فيها من الخلاف، ومع ذلك ينسى أكثر ذلك بعد فترة، أما المسائل التي يتم بحثها ومناقشتها ومدارستها مع الأقران أو مع الشيوخ فإنها لا تكاد تُحنسى؛ لأن المراجعة والمذاكرة تقوي الحفظ وتفتح الذهن وتثير الانتباه. ذكر فيه )1(وقد عقد الدارمي في سننه بابًا بعنوان آثارًا كثيرة عن السلف في أهمية المذاكرة، أشير إلى بعضها: قال: (تذاكروا، فإن الحديث يهيج -I-عن أبي سعيد الخدري .)2(الحديث - قال: (تذاكروا هذا الحديث لا ينفلت Lوعن ابن عباس منكم، فإنه ليس مثل القرآن مجموع محفوظ، وإنكم إن لم تذاكروا هذا الحديث ينفلت منكم، ولا يقولن أحدكم حدثت أمس فلا أحدث اليوم، بل حدث .)3(أمس ولتحدث اليوم ولتحدث غدًا وعن يونس -رحمه الله- قال: (كنا نأتي الحسن، فإذا خرجنا من عنده .)4(تذاكرنا بيننا )477/1 سنن الدارمي )1( )478/1 المرجع السابق، )2( )479/1 المرجع السابق، )3( )482/1 المرجع السابق، )4(
عدد الصفحات ٦٠�61 وعن محمد بن فضيل عن أبيه -رحمه الله- قال: (كان الحارث بن يزيد العكلي وابن شبرمة والقعقاع بن يزيد ومغيرة إذا صلوا العشاء الآخرة جلسوا .)1(في الفقه، فلم يفرق بينهم إلا أذان الصبح .)2(وعن الزهري قال: (آفة العلم النسيان وترك المذاكرة وقال أبو مسهر -رحمه الله-: سمعت سعيد بن عبد العزيز يعاتب .)3(أصحاب الأوزاعي، فقال: (مالكم لا تجتمعون؟ مالكم لا تتذاكرون؟ السادس: العناية بالقراءة المنظمة للكتب، واتباع المنهجية الصحيحة في التنبيه اختيار الكتب، وتدوين الفوائد، والفهرسة، والتلخيص: طالب العلم ينبغي أن تكون قراءته للكتب قراءة منهجية، ولا يكون همه إتمام الكتاب والفراغ منه، بل ليكن همه الاستفادة من الكتاب قدر المستطاع والإحاطة بما فيه من المسائل والدلائل. فلا بد أن تكون قراءته قراءة متأنية، يتأمل خلالها مسائل الكتاب ويتصورها تصورًا صحيحًا، وإذا أشكل عليه شيء منها كرر النظر وأعمل ذهنه في فهمها، وإلا استعان بشيخه في فهمها ومعرفة صورتها أو معرفة دليلها أو وجه الدلالة منه، وقد يحتاج إلى الرجوع إلى كتاب آخر يوضح له ما استشكل منها. ولا بد لطالب العلم أن يدون فوائد الكتب ويرتبها ويهذبها ليسهل عليه مراجعتها وحفظها، ولئلا تضيع عليه، كما أن من المهم أيضًا أن يلخص طالب )483/1 سنن الدارمي ، )1( )487/1 المرجع السابق، )2( )411/2 رواه الخطيب )3(
عدد الصفحات ٦١� 62 العلم الكتاب بعد الانتهاء منه بذكر موضوعه، وأهم مسائله ونتائجه، وبيان منهج مؤلفه، وذكر مميزاته وعيوبه. أما القراءة السريعة، لا سيما للكتب المهمة التي يُحراد الاستفادة منها وتصيل ما فيها من العلم لا مجرد الاطلاع على ما فيها، فإنها تفوت علماً كثيرًا؛ ولذا لزم أن يكون لطالب العلم منهجية صحيحة في القراءة، حتى لا يحتاج إلى إعادة القراءة مرة أخرى، ما لم يكن الكتاب أصلاً معتمدًا له في فنٍّ من الفنون، كما سبقت الإشارة إليه، فحينئذ تكون إعادة القراءة وتكرار النظر أمرًا مقصودًا. التنبيه السابع: الحرص على إرجاع الفروع إلى أصولها ومعرفة منشأ النزاع في المسائل الخلافية: ينبغي لطالب العلم أن يحرص على إرجاع المسائل الجزئية الفرعية إلى كلياتها وأصولها، فإن القواعد الكلية مشتملة على مقاصد الشرع وأصوله وأسراره وأحكامه، ولكل قاعدة من الفروع ما لا يحُحصى، فضبطُح الأصول والقواعد الكلية يرتب الفروع في الذهن، ويقوي النظر، ويُحعين على إدراك المسائل إدراكًا بيّنًا، ويعصم من الخطأ والزلل. قال ابن تيمية -رحمه الله-: (لا بد أن يكون مع الإنسان أصولٌ كلية يردّ إليها الجزئيات ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت، وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات، وجهل وظلم في الكليات، فيتولد فساد .)1(عظيم قال القرافي -رحمه الله-: (من جعل يخرج الفروع بالمناسبات الجزئية )44/5« )1(
عدد الصفحات ٦٢�63 دون القواعد الكلية تناقضت عليه الفروع، واختلفت، وتزلزلت خواطره فيها واضطربت، وضاقت نفسه لذلك وقنطت، واحتاج إلى حفظ الجزئيات التي لا تتناهى، وانتهى العمر ولم تقض نفسه من طلب مناها، ومن ضَربَرطَر الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات لاندراجها في الكليات، واتد عنده ما تناقض عند غيره وتناسب، وأجاب الشاسع البعيد وتقارب، وحصل طلبته في أقرب الأزمان، وانشرح صدره لما أشرق فيه من البيان، .)1(فبين المقامين شأوٌ بعيد، وبين المنزلتين تفاوت شديد ويدخل في ذلك معرفة منشأ النزاع في المسائل الخلافية، لما له من أهمية كبيرة في تصور الخلاف وتمييز الراجح من الأقوال، كما أنه يرسخ الفهم ويقوي النظر والاستدلال، ويعين على إدراك المسائل. ولتصور هذا التنبيه إليك بعض الأمثلة: ﮂ ﮃ فمن ذلك: مسألة الحكمين المذكورين في قوله تعالى: ﴿ .]35[﴾ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ اختلف العلماء في نفوذ حكمهما، كما لو اختارا الفراق مثلاً، هل ينفذ حكمهما وإن لم يرض الزوجان؟ أم أن حكمهما لا ينفذ إلا برضا الزوجين؟ الخلاف في هذه المسألة مبني على أصل، وهو: هل الحكمان منصوبان من قِبَرل الحاكم؟ أم أنهما وكيلان عن الزوجين؟ فمَرن قال: إنهما منصوبان من قِبَرل الحاكم، جعل حكمهما نافذًا ولو لم يرض الزوجان، ومَرن قال: إنهما وكيلان عن الزوجين، لم يُحنفذ حكمهما، لأن حكم الوكيل لا ينفذ إلا بإذن الموكل. فمن أرجع الخلاف إلى أصله وحرر النزاع فيه سهل عليه الترجيح، وسلم من التناقض. مقدمة كتاب )1(
عدد الصفحات ٦٣� 64 ومن ذلك: مسألة الاستئجار على تعليم القرآن وما شابهه من القربات، هل هو جائز أم ممنوع؟ وقع فيه نزاع بين الأئمة، لكن منشأ النزاع يرجع إلى أصل، وهو: أن الأعمال التي يختص فاعلها أن يكون من أهل القرب، وهي العبادات، هل يجوز إيقاعها على غير وجه التقرب؟ فمَرن منع من ذلك، لم يجوِّز الإجارة، ومَرن رخّص فيه جوّز إيقاعها على غير وجه التقرب، فجوّز الإجارة. ومن ذلك: مسألة من رأى الهلال وحده؛ هل له أن يصوم إذا لم يصم الناس؟ أم لا يصوم إلا مع الناس؟ فيه خلاف؛ منهم مَرن قال: لو رأى الهلال وحده صام، ومنهم مَرن قال: لا يصوم حتى يصوم الناس. لكن هذا الخلاف مبني على تعريف الهلال، هل هو اسم لما يظهر في السماء وإن لم يشتهر، أم أنه اسم لما اشتهر وظهر وذاع؟ فمن قال بالأول أوجب عليه الصوم، ومن قال بالثاني منع من الصوم. ومن ذلك: مسألة دخان النجاسة، هل هو نجس أم لا؟ فيه خلاف، منهم من حكم بنجاسته، ومنهم من حكم بطهارته، إلا أن الخلاف مبني على أصل، وهو: مسألة طهارة النجاسة بالاستحالة، وتغيرها من حال إلى حال، كما لو تولت إلى رماد بالاحتراق، أو إلى ملح فيما لو ألقيت في مملحة، فمَرن طهّر النجاسة بالاستحالة حكم بطهارة دخانها، ومن لم يُحطهّر بالاستحالة حكم بنجاسته. ومن ذلك: مسألة المسح على الخف المخرق، من العلماء من منع من المسح عليه، ومنهم من جوّز، إلا أن سبب اختلافهم يرجع إلى سبب انتقال
عدد الصفحات ٦٤�65 الفرض من الغسل إلى المسح، هل هو لأجل موضع الستر، يعني ستر الخف للقدمين، أم لموضع المشقة؟ فمَرن قال: إن المسح لأجل موضع الستر، لم يجُحوّز المسح بظهور شيء من القدم، ومَرن قال: إنَّ المسح لأجل المشقة، جوّز المسح على الخف المخرق؛ لأن المشقة باقية. ومن ذلك: مسألة كلام الله تعالى: هل هو متعلق بمشيئته أم لا؟ والخلاف فيها مبني على الخلاف في قيام الأفعال الاختيارية بذات الله، فأهل السنة والجماعة يثبتون قيام الأفعال الاختيارية بالله كما دلت عليه النصوص، والمعطلة ينفون أن يقوم بذاته تعالى فعل يتعلق بمشيئته، ولذا أنكروا كلامه المتعلق بمشيئته، ومنهم من قال: يتكلم بمشيئته كلامًا لا يقوم بذاته، بل يخلقه في غيره. ومن ذلك: معرفة أن أصل التعطيل في الصفات عمومًا، وهي مسألة كبيرة، يرجع إلى طريقة المتكلمين في إثبات العالم بحدوث الأعراض وطريقتهم في تركيب الأجسام، كما أن أصل ضلالهم في حدوث العالم يرجع إلى ضلالهم في مسألة القدر والخوض في أفعال الله، والبحث عن الحكمة في الإرادة: ولم فعل ما فعل؟ ولذلك يقول ابن تيمية: .)1((وأصل ضلال الخلق من كل فرقة هو الخوض في فعل الإله بعلة كما أن هذا الأمر نافع أيضًا في معرفة حقيقة الخلاف الحاصل بين أئمة الفرقة نفسها، فمن ذلك مثلاً: مسألة رؤية الله تعالى يوم القيامة عند الأشاعرة، فإنهم مختلفون فيها، فالمتقدمون منهم كأبي الحسن وقدماء أصحابه يثبتونها )246/8« )1(
عدد الصفحات ٦٥� 66 كإثبات أهل السنة والجماعة، والمتأخرون يثبتونها بغير جهة، مما يقتضي نفي الرؤية، لكن خلاف المتقدمين والمتأخرين من الأشاعرة مبني على اختلافهم في إثبات علو الله تعالى وأنه فوق العرش، فالمتقدمون يثبتون علوه تعالى، ويقولون: إنه فوق العرش؛ ولذلك أثبتوا الرؤية كإثبات أهل السنة، والمتأخرون لا يثبتون علوه تعالى ولا فوقيته على العرش، ولذلك قالوا: يُحرى، لكن في غير جهة؛ لأن العلو يستلزم الجهة، والجهة ممتنعة عليه عندهم. الشاهد من هذا أن إرجاع الفروع إلى أصولها، ومعرفة منشأ النزاع في المسائل المختلف فيها، معينٌ على إدراك المسائل وتصورها، وتمييز الراجح من المرجوح، والسلامة من التناقض. وطالب العلم يمكنه الاستعانة في هذا الباب ببعض الكتب المفيدة ككتاب وابن القيم نفائس عظيمة من هذه الدقائق. التنبيه الثامن: تجنب الإغراب وتبني الأقوال الشاذة والغريبة الخارجة عن المشتهر من الفتوى: يقول العلماء: لا يأتيك القول الشاذ إلا من الرجل الشاذ، فطالب العلم ينبغي له أن يسير على ما سار عليه العلماء، ولا يبدأ مشواره العلمي قبل رسوخ قدمه فيه بتبني الأقوال الغريبة غير المألوفة، ومخالفة أئمة الفتوى في زمانه، بل لابد أن يكون منضبطًا في طلبه للعلم وفي أقواله واختياراته. قال عبد الرحمن بن مهدي -رحمه الله-: (لا يكون إمامًا في العلم من .)1(أخذ بالشاذ من العلم )103/2 رواه ابن عبد ال )1(
عدد الصفحات ٦٦