المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

ضبط العلم

فيصل بن قزاز الجاسم

صفحة ٣ من ٥

�35 جلوس الطلاب بين يدي الشيخ في الحلقات العلمية يبعث عثالثًا: الانتباه والتركيزبحيث يمنع الطالب من الانشغال بغير الدرس، فإن حصل شيء من ذلك نبّهه الشيخ، بخلاف الدروس المسجلة فإن السامع يكون أكثر عرضة للانقطاع عن السماع والانشغال بغيره. يتمكن الطالب في حلقات العلم من سؤال الشيخ عما أشكل رابعًا: عليه من المسائل، والشيخ أيضًا يسأل طلابه ويختبرهم، مما يقوي الفهم ويحُحسّن التصور، وهذا كله متعذرٌ في الدروس المسجلة. جاء في فتوى اللجنة الدائمة برئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- ما نصه: (يجب أخذ العلم عن طريق العلماء العاملين، لا عن مجرد الكتب والأشرطة؛ لأن العلماء يوضحون الغامض، ويشرحون المشكل، ويوجهون إلى الفهم الصحيح، والكتب والأشرطة العلمية مجرد وسائل يستعان بها على طلب العلم، إذا كانت كتبا وأشرطة موثوقة، صادرة عن .)1(علماء، لكن لا يقتصر عليها )97/12« )1(

عدد الصفحات ٣٥

� 36 المطلب الثاني: المنهجية العلمية في ضبط العلم المنهجية الصحيحة في ضبط العلم تنبني على معرفة وتقيق أمرين: الأول: معرفة مراحل التدرج في طلب العلم. الثاني: معرفة مراتب النظر في كل مسألة من مسائل العلم. الأمر الأول: التدرج في طلب العلم: : Cبأن يبدأ طالـب العلم بصغار العلم قبل كبـاره، كما في قولــه ، قيل: (الرباني: الذي يربي الناس بصغار ]79[﴾ﮁ ﮂ ﮃ ﴿ ، فعلى طالب العلم أن يبدأ بالأهم من الفنون، فيبدأ )1(العلم قبل كباره بالتوحيد والعقيدة، ثم بفقه العبادات، فيبدأ بالصلاة وشروطها، ثم بباقي العبادات، وفي كل فنٍّ يبدأ بالمختصرات من متونه التي تصلح للمبتدئين، ثم ينتقل إلى ما هو أعلى منها، بحسب الترتيب المعهود عند العلماء. ويمكن تقسيم مراحل التدرج في طلب العلم إلى خمس مراحل: المرحلة الأولى: مرحلة التأسيس: وهذه المرحلة تقوم على منهجية التأسيس في كل فن من الفنون، بتحصيل أهم مسائله، وضبطها وحفظها، ويتحقق ذلك من خلال دراسة متنٍ مختصرٍ في كل فن بما يناسب المبتدئين، وقراءته على شيخ متقن، وتصور مسائله تصورًا صحيحًا؛ كـ و و )49/1 البخاري، كتاب العلم، باب العلم قبل القول والعمل )1(

عدد الصفحات ٣٦

�37 الأصول أو يبتدئ بها طالب العلم في كل فن، فيقرأها على شيخ متقن، ويضبطها ويتصور مسائلها تصورًا صحيحًا. وهذه المرحلة تُحعد من أهم المراحل لأنها تمثل أساس البناء العلمي للطالب، وأي خلل أو نقص في هذه المرحلة سيظهر أثره فيما يليه من المراحل ولا بد. المرحلة الثانية: مرحلة التدليل: وذلك بمعرفة أدلة المسائل العلمية؛ السمعية والنظرية، وحفظها، ومعرفة وجه دلالتها على مدلولاتها، والإلمام بأهم الفروع العلمية المبنية على الأصول، ويتحقق ذلك من خلال دراسة متنٍ متوسط في كل فن، وقراءته على شيخٍ متقن، كـ لابن تيمية في العقيدة، و و المرحلة الثالثة: مرحلة العلم المقارن: وهي مرحلة التوسع في تفريع المسائل على أصولها مع معرفة أدلتها، والإحاطة بمذاهب المخالفين على سبيل الإجمال ومعرفة أبرز أدلتهم، ويتحقق ذلك من خلال دراسة متنٍ أو كتاب موضوع لهذه الطبقة، للمنتهين في كل فن، وقراءته على شيخٍ متقن؛ كـ الروض المربع الفحول

عدد الصفحات ٣٧

� 38 المرحلة الرابعة: مرحلة التحرير وهي التي يحرر فيها طالب العلم المسائل المختلف فيها، بحيث يعتني بحل الإشكالات والجواب على الإيرادات على نحو مفصل، والنظر في المسائل الخلافية بمنظورٍ أوسع، فهي تدخل في البحث الموسع في المسائل العلمية؛ العقدية منها والفقهية والأصولية وغير ذلك من فنون العلم، والاجتهاد فيه لمعرفة الصواب من المذاهب والأقوال، ويكون ذلك باعتماد مرجعٍ مطول معتمد في كل فن، مع تكرار النظر فيه، وإدمان مطالعته، وعرض ما يُحشكل منه على عالم متمكن في الفن، له خبرة طويلة في مسائل العلم وقضاياه. ومن أمثلة كتب هذه المرحلة الاعتراضات المصرية التأسيس لابن قدامة أو في أصول الفقه، ونحوها من الكتب الموسعة المتقدمة التي تذكر المذاهب والأقوال وتقارن بينها، وتستوعب ذكر الأدلة وتمحصها. فهذه مراحل أربع لبناء طالب علم متقن إلى أن يصل إلى مرحلة التمكن والرسوخ. المرحلة الخامسة: مرحلة التخصص: بعد تقيق المراحل الأربع الأُحوَرل يكون طالب العلم قد حصّل من كل فنّ مهماته وأصوله وألمّ بكثير من جزئياته وفروعه، واستوعب أشهر مسائل الخلاف ودلائلها، فلم يبق إلا التبحر في الفنون بحثًا ودراسة وتقيقًا، والغوص في دقائقها، والتوسع في القراءة والاطلاع بحسب الوسع والطاقة، وبقدر التفاوت في هذه المرحلة يكون التفاوت بين العلماء.

عدد الصفحات ٣٨

�39 قال الشافعي -رحمه الله-: (من تعلم علماً فليدقـق فيه لئلا يضيع دقيـق .)1(العلـم ولما كان العمر لا يُحسعف غالبًا إلى مثل هذا التوسع في جميع الفنون، كان الأولى بطالب العلم أن يتخصص في فنٍّ منها، فيجعل همّه فيه، محاولاً استيعاب مسائل الفن ودلائله ومعرفة ما فيها من الخلاف، مع التحقيق والتدقيق، حتى لا يفوته شيء. قال ابن قتيبة -رحمه الله- في ذكر الفرق بين العالم والأديب:(كان يقال: إذا أردتَر أن تكون عالمًا فاقصِد لفنّ من العلم، وإذا أردت أن تكون أديبًا .)2(فخذ من كل شيء أحسَرنَره وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: (ما ناظرني رجل قط وكان مفننًا في .)3(العلوم إلا غلبته، ولا ناظرني رجل ذو فن واحد إلا غلبني في علمه ذلك ولا ينبغي أن يحمله التخصص على إهمال الفنون الأخرى، بل طالب العلم يحتاج دومًا إلى مراجعة ما حصّل من جميع الفنون، وتكرار النظر فيما اعتمده من أصولها على نحو ما سبق ذكره، لئلا يطرأ عليه النسيان، ومن خير ما يُحستعان به في تثبيت العلم:التدريس، بأن يحرص طالب العلم على عقد حلقات علمية في تدريس الفنون الأخرى وشرح بعض متونها فضلاً عن تخصصه. وفي هذه المرحلة يكون طالب العلم قد تأهل للتصنيف والتأليف. قال ابن جماعة -رحمه الله-: (وإذا كملت أهليته وظهرت فضيلته )377/1 رواه البيهقي )1( )129/2« )2( )257/1 رواه ابن عبد ال )3(

عدد الصفحات ٣٩

� 40 ومرَّ على أكثر كتب الفن أو المشهورة منها بحثًا ومراجعة ومطالعة اشتغل .)1(بالتصنيف تنبيه: ضرورة وجود إشراف علمي يلزم التنويه إلى أمر مهم، وهو ضرورة وجود إشراف علمي في تصيل هذه المراحل، إما شيخ متقن، أو مؤسسات علمية، كالجامعات والكليات والمعاهد الشرعية المتخصصة، فإن طالب العلم المبتدئ لا يتمكن وحده من تصيل هذه المراحل والترقي فيها وحده، بل يحتاج إلى من يوجهه ويرشده، ويعالج أي قصور فيه أو في طرق التحصيل ووسائله، كما يحتاج إلى من يختبر حفظه وضبطه للمتون المدروسة، ويتحقق من صحة تصوره للمسائل العلمية ليقوّم ما قد يوجد من خلل، ويقيّم الطالب ليعرف مدى تصيله واستفادته، فإن العلم كالبناء، إن خلا عن الإشراف المتخصص، كان عرضة للوهن أو التلف. أما مدة هذه المراحل فإنها تختلف من شخص إلى شخص بحسب قوة الحفظ، ومدى الفهم، والوقت المبذول في التحصيل والمراجعة. الأمر الثاني: معرفة مراتب النظر في كل مسألة من المسائل العلمية لا بد لطالب العلم من تصيل خمس مراتب في كل مسألة علمية. المرتبة الأولى: تصور المسألة تصورًا صحيحًا: فأول العلم التصور، وهذه أهم وظائف الشيخ؛ فالشيخ يصور لك المسألة تصويرًا صحيحًا بضرب الأمثلة، فإن طالب العلم إذا قرأ المسألة في الكتاب وحده قد لا يهتدي إلى صورتها الصحيحة، فتنطبع في ذهنه صورة مخالفة، فيبني على ذلك أحكامًا خاطئة. 116« )1(

عدد الصفحات ٤٠

�41 مثال ذلك: الشفعة. ما معنى الشفعة؟ وما صورتها؟ يقول العلماء حق انتزاع حصة الشريك ممَّن انتقلت إليه بعِوَرض مالي، ما معنى هذا الشفعة الكلام؟ لا بد للإنسان أن يتصور حقيقة الشفعة، ويعرف معنى الشريك، وهل تثبت الشفعة لكل شريك؟وهل يشمل ذلك الجار، أم لا؟ ومن أمثلة ذلك: الكافر الحربي. يقول العلماء: إن الكفار أربعة أنواع: ذمّي، ومعاهد، ومستأمن، وحربي، من الحربي؟ بعض الناس يظن أن الحربي هو المحارب الفعلي؛ إما بانتمائه إلى قوم محاربين لنا حربًا قائمة، أو الذي يرفع السلاح علينا، وهذا خطأ وجهل، فالحربي كل كافر ليس ذميًّا، ولا مستأمنًا، ولا معاهدًا، حتى لو لم تكن ثمة حرب قائمة، فهو حربي باعتبار جواز محاربته وعدم عصمة دمه وماله، لكن الجاهل بمفهوم هذا المصطلح يظن أن مسمى الحربي مرتبط بالحروب الفعلية القائمة. ومن أمثلة ذلك: الإجارة، ما معنى الإجارة؟ يقول العلماء: هي بيع المنافع، فالمستأجر مالك للمنفعة، لكن ما معنى ملك المنفعة؟ وما الفرق بينها وبين ملك العين؟ ومن أمثلة ذلك: الماء المستعمل؟ عند بعض الفقهاء: الماء المستعمل طاهر غير مطهر، لكن: ما المستعمل؟ هل هو المتساقط من الأعضاء عند غسلها للطهارة، أم هو الماء الباقي في الإناء الذي اغترف منه المتطهر؛ فمن المهم أن يتصور طالب العلم حقيقة المسألة ويعرف صورة الماء المستعمل. ومن أمثلة ذلك: الذهب المستعمل. قال بعض الفقهاء: ليس فيه زكاة، لكن ما الذهب المستعمل؟ هل هو الملبوس فعلاً؟ أم المعدّ للبس وإن لم يكن ملبوسًا؟ ومن أمثلة ذلك: التيمم، قال بعض العلماء: إن التيمم مبيح لا رافع، لكن: ما معنى كون التيمم مبيحًا؟ وما الفرق بين الإباحة والرفع؟

عدد الصفحات ٤١

� 42 ،)1(«ومن أمثلة ذلك: قوله ﷺ ما معنى قوله رمى إنسان صيدًا، فقطع رجله ثم مشى الصيد قليلاً ثم سقط ميتًا، ميتة؟ فلو فهل ما قُحطع قبل موته يعتبر ميتة؟ أم لا؟. ومن أمثلة ذلك: قال العلماء: يُحشترط في زكاة بهيمة الأنعام السوم، لكن: ما معنى السوم؟ وهل هو مشترط في كل الحول أم بعضه؟ وفيما لو رعت الأنعام ما زرعه صاحب الأرض فهل يُحعتبر هذا سومًا؟ ومن أمثلة ذلك: المحصن الحر إن زنا يُحرجم، لكن: ما معنى الإحصان؟ وهل الإحصان في باب الزنا هو الإحصان في باب القذف؟ أو أن بينهما فرقًا؟ ومن أمثلة ذلك: نذر اللجاج والغضب؛ قال العلماء: إن نذر اللجاج والغضب حكمه حكم اليمين، فلا يلزم الوفاء به، بل تكفي فيه كفارة يمين، لكن: ما صورة نذر اللجاج والغضب؟. ومن أمثلة ذلك: أن المدَّعِي عليه البينة، والمدَّعَرى عليه يكفيه اليمين، لكن هل كل طالبٍ يُحعتبر مدعيًا؟ وكل مطلوب يُحعتبر مدعًى عليه؟ الجواب: لا، فما حقيقة المدّعي إذًا، وما حقيقة المدّعى عليه؟. ومثل هذا يُحقال أيضًا في مسائل العقيدة كمسائل الإيمان؛ قال العلماء: الإيمان قولٌ وعمل، فما مرادهم بالقول؟ وما مرادهم بالعمل؟ وهل القول أو العمل شيء واحد أم متعدد؟ ثم يُحقال أيضًا: ما منزلة القول والعمل والاعتقاد في الإيمان؟ هل هي أركان؟ أم أجزاء؟ أم شروط؟ وإذا كانت شروطًا فهل هي شروط صحة؟ أم شروط كمال؟ أم أن الإيمان حقيقة مركبة من هذه الأجزاء، فيكون القول )126/3)، والترمذي123/2)، وأبو داود218/5 رواه أحمد )1(

عدد الصفحات ٤٢

�43 جزءًا في الإيمان، والعمل جزءًا في الإيمان، بحيث تنتفي الحقيقة بانتفاء أحد أجزائه، وهذا هو الصواب، لكن هل المراد بالعمل العمل كله أم بعضه أم الإنسان حقيقة التصور فإنه قد يخطئ جنسه؟ هذه مسائل إن لم يتصورها فيها. ومن أمثلة ذلك: قال السلف: إن من أصول أهل السنة والجماعة إثبات الصفات على ظاهرها، لكن: ما معنى الظاهر؟ كما أنهم يقولون: صفات الله على الحقيقة لا على المجاز، فما معنى الحقيقة؟ وهل الحقيقة هي الظاهر؟ أم أن بينهما فرقًا؟ ومن أمثلة ذلك مصطلحات أصول الفقه: كالمنطوق والمفهوم، والخاص والعام، والمطلق والمقيد، ما معنى هذه المصطلحات؟ وكيف يعرف الإنسان الفرق بين المطلق والمقيد؟ وما الفرق بين المطلق والعام؟ وهل بينهما خصوص وعموم؟ فالمرتبة الأولى إذًا: مرتبة تصور المسائل، فلا بد لطالب العلم أن يتصور المسائل تصورًا صحيحًا. المرتبة الثانية: معرفة الحكم: طالب العلم إذا تصور المسألة تصورًا صحيحًا احتاج أن يعرف حكمها، سواء كان حكماً تكليفيًا كالوجوب والتحريم والإباحة والكراهة والاستحباب، أو وضعيًا كالشرط والمانع والسبب ونحو ذلك. مثال ذلك: حكم الماء المستعمل: طاهر غير مطهر. حكم الذهب المستعمل: لا تجب فيه الزكاة. حكم ستر العورة في الصلاة: شرط لصحة الصلاة.

عدد الصفحات ٤٣

� 44 حكم بيع المعدوم: البيع باطل حكم الكافر الحربي: حلال الدم والمال. منزلة العمل من الإيمان: جزء من حقيقة الإيمان لا يصح إلا به. وهكذا، فبعد تصور المسألة يُحعرف حكمها. المرتبة الثالثة: معرفة أدلة الأحكام: الدليل إما أن يكون كتابًا أو سنة، أو أثرًا عن صاحب، أو إجماعًا أو قياسًا، وثمة أنواع أخر مختلف في اعتبار دلالتها، كالمصالح المرسلة والاستصحاب والاستحسان، ونحو ذلك. مثال ذلك: «ما دليل عدم طهورية الماء المستعمل؟ الجواب: حديث ﷺ أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، أو يغتسل الرجل بفضل المرأة، وليغترفا .)1(« وجاء بلفظجميعًا ما دليل عدم وجوب الزكاة في الذهب المستعمل؟ الجواب:حديث: ، وأقوال بعض الصحابة.)2(« ﮐ ﮑ ﮒما دليل كون العمل من الإيمان؟ الجواب: قوله تعالى: ﴿ ، فإن المراد بالإيمان في الآية: صلاتهم إلى بيت ]143[﴾ﮓ ﮔ هل تدرون المقدس قبل تويل القبلة، وقوله ﷺ في حديث وفد عبد القيس «. قالوا الله ورسوله أعلم، قالما الإيمن بالله وحده؟ )130/1)، والنسائي في الصغرى68/1)، وأبو داود111/4 رواه أحمد )1( )،1955 رواه الدارقطني برقم )2(

عدد الصفحات ٤٤

�45 الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، ، ففسر الإيمان بالأعمال.)1(وتعطوا الخمس من المغنم ما دليل وجوب الزكاة في الأرز؟ الجواب: قياسًا على وجوب الزكاة في البرُحّ، لاجتماعهما في العلة وهي مجموع الكيل والطعم والاقتيات. فلا بد لطالب العلم أن يعرف أدلة الأحكام ووجه الدلالة منها. المرتبة الرابعة: معرفة الجوامع والفوارق بي المسائل قد تبدو بعض مسائل العلم متشابهة في صورها، فيظن طالب العلم المبتدئ استواءها في الأحكام، ولا يهتدي لما بينها من الاختلاف الدقيق المستوجب لاختلاف الأحكام. وهناك مسائل أخرى مختلفة لكن يجمعها أصل واحد، أو تندرج تت قاعدة واحدة، ومن هنا يتعين على طالب العلم معرفة ما تجتمع به المسائل وما تفترق، فإن معرفة الجوامع والفوارق يقي من التناقض في الأحكام. قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن -رحمه الله-: (اعلم أن مَرنْ تصور حقيقة أي شيء على ما هو عليه في الخارج، وعَررَرف ماهيته بأوصافها الخاصة، عرف ضرورة ما يناقضه ويضاده، وإنما يقع الخفاء بلبس إحدى الحقيقتين، أو بجهل كلا الماهيتين، ومع انتفاء ذلك وحصول التصوُّر التام لهما، لا يخفى ولا يلتبس أحدهما بالآخر، وكم هلك بسبب قصور العلم وعدم معرفة الحدود والحقائق من أُحمَّة، وكم وقع بذلك من غلط وريب .)2(وغمة وقال الشيخ السعدي-رحمه الله- في مقدمة رسالته )87 رواه البخاري برقم )1( 12« )2(

عدد الصفحات ٤٥

� 46 الجامعة والتقاسيم البديعة النافعة أهم العلوم وأكثرها فائدة وأعظمها نفعًا). ويمكن لطالب العلم أن يستعين في معرفة هذا المرتبة ببعض الكتب، ككتب الفروق، ومنها: كتاب للكرابيسي، وكتب الأشباه والنظائر، ومنها: كتاب للسيوطي، وكتب قواعد الأحكام، ومن أشهرها كتاب للعز بن عبد السلام، وكتب القواعد الفقهية، ومن أنفسها كتاب لابن رجب. وطالب العلم كلما قوي عوده في العلم واتسع اطلاعه فيه اهتدى لمثل هذه المسائل ووقف عليها إما في بطون الكتب، أومن أفواه العلماء، فعرف مصادرها، ومواضعها. ولعله بالمثال يتضح المقال: فمن أمثلة ذلك: معرفة الفرق بين شروط الصحة، وشروط الإجزاء، وشروط اللزوم، في الحج. ومعرفة الفرق بين الإحصان في باب الزنا، والإحصان في باب القذف، فإن بينهما فروقًا. ومعرفة الفرق بين العقد اللازم والجائز، وبين عقود المعاوضات والتوثيقات والشركات والإرفاق، وما يترتب على ذلك من اختلاف في الأحكام. ومعرفة الفرق بين المعاهَرد، والمستأمِن، وما يترتب على ذلك من أحكام.

عدد الصفحات ٤٦

�47 وإليك بعض المسائل من صلى بغير طهارة ناسيًا أعاد الصلاة، ومن صلى وعلى ثوبه نجاسة ناسيًا لم يُحعد الصلاة، ما الموجب لاختلاف الحكم؟ من احتاج إلى حلق شعره في الحج حلق وفدى، ومن احتاج إلى لبس السراويل عند عدم الإزار لبس ولم يفد، مع أن كليهما محظور، ومع ذلك أُحلزم بالفدية في أحدهما دون الآخر، فما الموجب لاختلاف الحكم؟ من نَرذَرر نَرذْر لجاج وغضب لم يلزمه الوفاء به، وحكمه حكم اليمين، ومن نَرذَرر نَرذْر تبرر وجب عليه الوفاء به، ولم تجَرزه كفارة اليمين، مع أنهما نذران، لكن لماذا افترقت أحكامهما؟ إذا حرّم الرجل زوجته كان ظهارًا، وإذا حرّم أمته كان يمينًا، فما الفرق بينهما؟ المسح على الجبيرة غير مؤقت، والمسح على الخف مؤقت، مع أن كليهما حائل في محل غسل، فما الفرق الذي أوجب اختلاف الحكم؟ يصح حج الصبي غير المميز، ولا تصح الصلاة منه، فما الفرق؟ لماذا صحح العلماء حجه، ولم يصححوا صلاته؟ تجب الزكاة في مال المجنون ولا تجب عليه الصلاة، فما الفرق بينهما؟ إذا صلى الرجل في ثوب حرير بطلت صلاته، وإذا صلى في عمامة حرير لم تبطل صلاته، فما الموجب لاختلاف الحكم؟ مَرن أُحكره على قتلِ مسلمٍ أو الزنا بمسلمة لم يجز له فعل ذلك حتى لو استلزم قتله، لكن من أُحكره على الكفر جاز له فعله ظاهرًا لا باطنًا، فما الفرق الذي أوجب الاختلاف في الحكم؟

عدد الصفحات ٤٧

� 48 لا يجوز بيع الذهب بالذهب إلا متماثلين؛ وزنًا بوزن، لكن يجوز أُحجرة الذهب بالدنانير مع التفاضل، فما الفرق الذي أوجب اختلاف الحكم؟ من طلق امرأته ثلاثًا بألفاظ متتابعة، فإن كانت مدخولاً بها وقعت ثلاثًا عند أكثر الفقهاء، وإن كانت غير مدخول بها لم تقع إلا واحدة اتفاقًا، فما الموجب لاختلاف الحكم بين الصورتين؟ عقد الإجارة، وعقد الجعالة، بينهما تشابه، فإن كليها عقد على منفعة في الذمة، لكن تختلف أحكامهما، فمن ذلك: أن عقد الإجارة لازم، وعقد الجعالة جائز، والجعالة قد يكون العمل فيها مجهولاً أو معلومًا، ومع معين وغير معين، ولا يصح هذا في الإجارة،كما أن العامل في الجعالة لا يستحق الجعل إلا بانتهاء العمل، بخلاف الإجارة، فقد يستحق بعضه ببعض العمل على تفصيل معروف، لكن لتقارب الصورتين فقد يُحظن استواؤهما. فساد الحج وبطلانه، الأول يجب المضي في فاسده وقضاؤه، والثاني لا يوجب ذلك. المفتي والقاضي يشتبهان ظاهرًا لكن يختلفان في الأحكام، فإن حكم المفتي غير ملزم، بخلاف القاضي، كما أن المفتي لا يُحشترط أن يسمع كلام الطرف الآخر، بخلاف القاضي. المرتبة الخامسة: معرفة مراتب المسائل: المأمورات والمنهيات ليست على حد سواء، فمن المأمورات: الواجب والمستحب، ومن المنهيات: المحرم والمكروه، والواجبات ليست على حد سواء، فمنها ما هو أوجب وآكد من غيره، وكذلك المنهيات، منها ما هو أشد تريماً من غيره.

عدد الصفحات ٤٨

�49 قال الشاطبي -رحمه الله-: (فالأوامر والنواهي من جهة اللفظ ع تساوٍ في دلالة الاقتضاء، والتفرقة بين ما هو منها أمر وجوب أو ندب وما هو نهي تريم أو كراهة لا تعلم من النصوص، وإن علم منها بعض؛ فالأكثر منها غير معلوم، وما حصل لنا الفرق بينها إلا باتباع المعاني، والنظر إلى المصالح، وفي أي مرتبة تقع، وبالاستقراء المعنوي، ولم نستند فيه لمجرد الصيغة، وإلا لزم في الأمر أن لا يكون في الشريعة إلا على قسم واحد، لا على .)1(أقسام متعددة، والنهي كذلك أيضًا ومن هنا فإن طالب العلم يحتاج إلى معرفة مراتب المأمورات والمنهيات، ليعرف ما الذي يُحقدم أو يُحؤخر عند التزاحم. فمن ذلك: تقديم الفرض على النفل، وتقديم الفضل المتعلق بذات العبادة على الفضل المتعلق بزمانها أو مكانها، وتقديم نفقة الزوجة على نفقة الأولاد، وتقديم الجهاد المتعين على طاعة الوالدين وعلى الحج الواجب، وهكذا. ومن ذلك: معرفة أن الشرك أعظم من سائر الكبائر، وأن الكبيرة أعظم من الصغيرة. ومن فروع ذلك: معرفة أن الزنا بامرأة الجار أعظم من الزنا بغيرها، وأن الربا أعظم من الزنا، وأن القتل أعظم من الربا. إذًا لابد لطالب العلم أن يعرف مراتب المأمورات والمنهيات. فهذه خمس مراتب يحتاج طالب العلم إلى تصيلها في كل مسألة من مسائل العلم. )419/3« )1(

عدد الصفحات ٤٩

� 50 تنبيه: تفاوت الناس في درجات الفهم والضبط العلم بحرٌ لا ساحل له، يعجز الطالب عن بلوغ قعره، وكلما غاص في أعماقه أدرك بُحعدَر نهايته. قال الشعبي -رحمه الله-: (العلم ثلاثة أشبار، فمن نال منه شبرًا شمخ بأنفه وظن أنه ناله، ومن نال الشبر الثاني صغرت إليه نفسه وعلم أنه لم ينله، .)1(وأما الشبر الثالث فهيهات لا يناله أحد أبدًا وقال أبو يوسف القاضي -رحمه الله-: (العلم شيءٌ لا يعطيك بعضه .)2(حتى تعطيه كُحلَّك وقال بكر أبو زيد -رحمه الله-: (قيل: العلم ثلاثة أشبار، من دخل في الشبر الأول تكبر، ومن دخل في الشبر الثاني تواضع، ومن دخل في الشبر .)3(الثالث علم أنه ما يعلم ومن هنا فإن العلماء يتفاوتون في العلم بقدر تصيلهم، وبقدر أفهامهم، والناس ليسوا على حد سواء في الفهم، بل هم متفاوتون فيه تفاوتًا كبيرًا. قال ابن الجوزي -رحمه الله-: (ما أكثر تفاوت الناس في الفهوم، حتى .)4(العلماء يتفاوتون التفاوت الكثير في الأصول والفروع وقال ابن تيمية -رحمه الله-: (قد يقصر فهم كثير من الناس عن فهم ما دلت عليه النصوص، والناس متفاوتون في الأفهام، ولذلك قال تعالى: ﴾، ولو كان الفهم متماثلاً لما خُحصَّ به، وكذلك في كتاب ﮦ ﮧﮨ ﴿ -: I- في القضاء إلى أبي موسى الأشعريIعمر بن الخطاب 59 ذكره ابن أبي الدنيا )1( )252/2« )2( 79« )3( 756« )4(

عدد الصفحات ٥٠