المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

ضبط العلم

فيصل بن قزاز الجاسم

صفحة ٢ من ٥

�19 الدفع، بل هو في حالٍ دون حال، فتجد هذا الجاهل يقرأ كلامًا لبعض العلماء فينزله على جميع الأحوال، مع أن الكلام قد يكون في أحوال خاصة، وفي صور معينة. المثال السادس: الخطأ في المسائل الفقهية: منها: مسألة التفريق بين ملك المنفعة، وملك الانتفاع، فإن عدم ضبط هذه المسألة قد يحمل بعض الناس على التسوية بين مالك المنفعة، ومالك الانتفاع، ومن هنا سوّغ بعضهم بيع البطاقة المدنية والجنسية للاكتتاب في تأسيس الشركات؛ ولم يتفطّنوا إلى أن البطاقة المدنية والجنسية تُحسوّغ لصاحبها الانتفاع بها لكن لا يملك منفعتها، كما منع آخرون من تأجير المستأجر العين المؤجرة لمثله، مع أنه مالكٌ للمنفعة، ومن ملك المنفعة جاز له أن يستوفيها بنفسه أو بغيره. ومنها: مسألة جمع رمي أكثر من يوم من أيام التشريق في يوم منها، وفيه «-، قالIحديث عدي بن حاتم لرعاء الإبل في البيتوتة؛ -أي خارج منى- يرمون يوم النحر، ثم يرمون الغد، ؛ أي أمرهم أن يجمعوا رمي يومين )1(ومن بعد غد ليومين، ويرمون يوم النفر في يوم، ثم يرمون يوم النفر. «وفي لفظ النسائي ، وقد أصدر بعض الدكاترة فتوى تتابع كثيرون على نشرها في في أحدهما الحج، جوّز فيها للمتعجل أن يرمي يوم النحر، ثم في اليوم الأول من أيام التشريق يرمي ليومين؛ الحادي عشر والثاني عشر، ثم ينفر في اليوم الأول من أيام التشريق! )، 1010/2)، وابن ماجه282/2)، والترمذي605/1)، وأبو داود450/5 رواه أحمد )1( )273/5والنسائي في الصغرى

عدد الصفحات ١٩

� 20 ﭘوهذا قولٌ باطل، لم يقل به أحدٌ قبله، فأين هو من قول الله تعالى: ﴿ ، فالتعجل لا يكون إلا في يومين. ]203[ ﴾ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ وهؤلاء قرأوا كلامًا لبعض العلماء لم يفهموه فحملوه على غير محمله. ومنها: مسألة حيض الحامل: فإن بعض الناس لم يتصور المسألة المختلف فيها، فإن العلماء اختلفوا في الحامل: هل تيض أم لا تيض؟ فمن قائلٍ بأنها تيض، فإذا رأت الدم امتنعت من الصلاة والصيام، ومن قائلٍ بأنها لا تيض، فلا تمتنع من الصلاة والصيام وإن رأت الدم. وبعض الناس لم يتصور هذه المسألة على حقيقتها، فلم يعرف المراد بحيض الحامل، إذ ظن أن المراد هو خروج أي دمٍ من الحامل، فربما تسأله المرأة: وتخبره بأنه قد خرج منها دم، فيفتيها بترك الصلاة والصيام إلى حين انقطاعه، وهذا خطأ، لأن مراد العلماء بحيض الحامل هو نزول دم العادة المعتاد في وقته وعلى صورته، لا مطلق الدم، إذ أن الحامل لا تخلو غالبًا من الدماء لا سيما إذا كانت تعمل وتبذل جهدًا. ومن هنا يتبين لنا أهمية أن يتصور طالب العلم المسألة تصورًا صحيحًا. ومنها: عدم التفريق بين فعل المحظور وترك المأمور، فتجد بعضهم يسوي بينهما في الأحكام، وقد قرأت في الحج الماضي لبعض طلبة العلم من منظري الفكر الثوري بحثًا يقرر فيه عدم وجوب الدم على من ترك واجبًا في الحج، وفي أثناء بحثه يستدل على ذلك بعدم وجوب الفدية على فعل بعض المحظورات؛ كلبس السراويل لمن لم يجد إزارًا، والخف لمن لم يجد نعلين، وهذا

عدد الصفحات ٢٠

�21 خطأ، فإن لبس السراويل فعل محظور، وترك الواجب ترك مأمور، ولا يُحقاس فعل المحظور على ترك المأمور، فإن بينهما فرقًا في الأحكام، لكن الخطأ وعدم ضبط العلم يحمل الإنسان على مثل هذه الأخطاء. تنبيه: ضبطُ العلم لا يعني عدم الخطأ والزلل ضبطُح العلم لا يعني عصمة صاحبه من الزلل، فإنه لا يسلم أحد من العلماء وإن عظمت مكانته من الزلة والخطأ. .)1(قال ابن تيمية -رحمه الله-: (قلّ عظيم في الأمة إلا وله زلة إلا أن زلة العلماء والأئمة ليست ناشئة عن عدم ضبط العلم وقواعده، بل لاعتبارات أخرى ليس المجال للحديث عنها. وعلى هذا، فالرجل قد يكون ضابطًا للعلم، ومع ذلك قد تزل قدمه، وقد يخطئ، وقد يخالف الدليل بتأويل أو بغيره. لكن ضبط العلم يعصم الإنسان من التناقض في الأحكام، أو الزلل بسبب عدم فهم قواعد الدين وأصول العلم. 162« )1(

عدد الصفحات ٢١

22

عدد الصفحات ٢٢

�23 المبحث الثاني الوسائل المعينة على ضبط العلم يمكن تقسيم الوسائل المعينة على ضبط العلم إلى قسمين: القسم الأول: صفات ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم لتحقيق الضبط المطلوب. القسم الثاني: المنهجية العملية لضبط العلم. المطلب الأول: الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها الراغب في ضبط العلم ومسائله أشير إلى أهمها باختصار: الصفة الأولى: الإخلاص: وذلك بأن يكون طالب العلم مخلصًا لله عز وجل في طلبه للعلم، وفي سعيه لفهمه وضبطه، لا يبتغي بذلك حظًّا دنيويًا، ولا رياءً ولا سمعة. - قال: سمعت النبي عليه الصلاة Iفعن كعب بن مالك «والسلام يقول .)1(أو يصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النار فطلب العلم ينبغي أن يكون لله تعالى. قال عبد الله بن المبارك -رحمه الله-: (أول العلم النية)، أي: أول العلم أن )329/4 رواه الترمذي )1(

عدد الصفحات ٢٣

� 24 تكون عندك نية حسنة صادقة، تبتغي من ذلك وجه الله، قال: (ثم الاستماع، .)1(ثم الفهم، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم الن وقال الإمام أحمد -رحمه الله-: (العلم لا يعدله شيءٌ لمن صحت نيته، قالوا: وكيف تصح النية يا أبا عبد الله؟ قال: ينوي يتواضع فيه وينفي عنه ، يقصد برفع الجهل عن نفسه؛ أن يتعبد الله على بصيرة، وأن يدل )2(الجهل الناس على أحكام الله حتى يعبدوا الله على بصيرة. وقال الحليمي -رحمه الله-: (ينبغي لطالب العلم أن يكون تعلمه وللعالم أن يكون تعليمه لوجه الله تعالى عز وجل، لا يريد بالتعلم أن يكسب بما تعلمه مالاً، أو يزداد به في الناس جاهًا، أو على أقرانه استعلاءً أو لأضداده إقماعًا -أي: إذلالاً-، ولا يريد العالم بتعليمه أن يكثر الآخذون عنه، و إذا أُححصوا وُحجدوا أكثر من الآخذين عن غيره، ولا أن يكون علمه أظهر في الناس من علم غيره، بل يريد العالم أداء الأمانة بنشر ما حصل عنده، وإحياء معالم الدين وصيانتها عن أن تُحدرس،كما روى أبو هريرة ﭑ ﭒ - أنه قال: لولا آية في كتاب الله لما حدثتكم، ثم قرأ: ﴿I- ،]187[ ﴾ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ويريد المتعلم عبادة الله عز وجل بطلب علم الدين ليتوصل بما تعلمه إلى العلم بما يرضى الله عنه، وأن يكثر العلماء فيكون ذلك أحوط للعلم وأحرى .)3(لبقائه إن انقرض أحدهم وبالله التوفيق وقال الربيع بن سليمان -رحمه الله-: دخلت على الشافعي وهو عليل، )232/1 رواه ابن عبد ال )1( )380/1 ذكره أبو يع )2( )267/3« )3(

عدد الصفحات ٢٤

�25 فسأل عن أصحابنا، وقال: (يا بني، لوددت أن الخلق كلهم تعلموا، يريد . يعني: أن المهم عنده أن يتعلم الناس، لا أن )1(كتبه، ولا يُحنسب إليّ منه شيء يقولوا: تعلمنا من الشافعي. وقال ابن جماعة -رحمه الله-: (حسن النية في طلب العلم بأن يقصد به وجه الله تعالى، والعمل به، وإحياء الشريعة، وتنوير قلبه، وتلية باطنه، والقرب من الله تعالى يوم القيامة، والتعرض لما أعد لأهله من رضوانه .)2(وعظيم فضله والنية في العلم عزيزة، ومن هنا كان المتعين على طالب العلم أن يراجع نيته، ويعتني بتصفيتها، فإن الواردات عليها لا سيما في العلم كثيرة. قال سفيان الثوري -رحمه الله-: (ما عالجت شيئًا أشدّ عليّ من نيتي، إنها .)3(تقلب ع وقال يزيد بن هارون -رحمه الله-: (ما عزَّت النية في الحديث إلا .)4(لشرفه الصفة الثانية: الصدق في الطلب: أن يكون طالب العلم صادقًا في طلبه، والمراد بالصدق: ألا يكون له طلبٌ ورغبة وسعي إلا في العلم وضبطه، بحيث لا يشركه غيره من المطلوبات، وهذا ما يسمى بتوحيد الطلب. وفيه حديث النبي عليه الصلاة والسلام عندما قال لرجل أسلم من )118/9 رواه أبو نعيم )1( 35« )2( )494/1 رواه الخطيب )3( )494/1 المرجع السابق )4(

عدد الصفحات ٢٥

� 26 ، فقُحتل «الأعراب وخرج معه للقتال طالبًا الشهادة .)1(«- على النحو الذي أراد، فقال ﷺI- فمن صدق في طلبه للعلم صدقه الله وفتح عليه في العلم قال ابن القيم -رحمه الله-: (والفرق بينه -أي: الصدق- وبين الإخلاص: أن للعبد مطلوبًا وطلبًا، فالإخلاص: توحيد مطلوبه، والصدق: توحيد طلبه، فالإخلاص: ألا يكون المطلوب منقسماً، والصدق: ألا يكون .)2(الطلب منقسماً، فالصدق بذل الجهد، والإخلاص: إفراد المطلوب فطالب العلم لا يجعل لطلب العلم فضول أوقاته، بل يجعل عامة وقته في طلب العلم والبحث فيه. والعلم عزيز، لا يتمكن منه طالبه حتى يبذل له أنفس أوقاته، وعلى هذا فالتشاغل عن طلب العلم بغيره، كالانشغال بالسياسة، أوالتجارة، أو الصيد، أو كثرة الخروج والاجتماع بالأصحاب ونحو ذلك، كل ذلك من أسباب عدم ضبط العلم لعدم التفرغ والصدق في طلبه. الصفة الثالثة: الهمة العالية، والصبر على ما يناله طالب العلم من مشقة في طلبه: ﯪ فالعلم يحتاج إلى صبر، وضبطه يحتاج إلى صبرٍ أعظم، قال تعالى: ﴿ ﴾ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ .]200[ - قال:(لما قُحبض رسول الله ﷺ قلت لرجل Lوعن ابن عباس من الأنصار: هلم فلنسأل أصحاب رسول الله ﷺ، فإنهم اليوم كثير، فقال: )60/4 رواه النسائي في الصغرى )1( )110/1« )2(

عدد الصفحات ٢٦

�27 واعجبًا لك يا ابن عباس! أترى الناس يفتقرون إليك وفي الناس من أصحاب رسول الله ﷺ من فيهم؟! قال: فتركت ذاك، وأقبلت أسأل أصحاب رسول الله ﷺ، وإن كان يبلغني الحديث عن الرجل فآتي بابه وهو قائلٌ، فأتوسد ردائي على بابه، تسفي الريح عليَّ من التراب، فيخرج فيراني، فيقول: يا ابن عم رسول الله ﷺ، ما جاء بك؟ هلا أرسلت إليَّ فآتيك؟ فأقول: لا أنا أحق أن آتيك. قال: فأسأله عن الحديث، فعاش هذا الرجل الأنصاري حتى رآني .)1(وقد اجتمع الناس حولي يسألونني، فيقول: هذا الفتى كان أعقل مني - صبر على طلب العلم، وكابد فيه، حتى برز Lفابن عباس وعلا شأنه، وصارإمامًا من أئمة الهدى والعلم. وقال يحيى بن أبي كثير -رحمه الله- أحد أئمة التابعين:(لا يُحستطاع العلم .)2(براحة الجسد فلا يجتمع العلم وراحة الجسد، بل لا بد من تعب البدن والمكابدة والمصابرة. قيل للشعبي -رحمه الله-: من أين لك هذا العلم كله؟ قال: (بنفي ، والسير في البلاد -أي: في طلب العلم-، وصبر كصبر الحمار، )3(الاغتمام .)4(وبكور كبكور الغراب وقال الإمام مالك -رحمه الله-: (إن هذا الأمر لن يُحنال حتى يذاق فيه .)5(طعم الفقر )188/1 رواه الحاكم )1( )612 رواه مسلم برقم )2( هكذا في تاريخ دمشق وسير أعلام النبلاء، ولعل المراد: نفي الحزن الذي قد يصاحب طالب )3( العلم بسبب السفر والجهد والتعب، بل يكون نشيطًا طيب النفس ) 300/4 ذكره الذهبي )4( )194/1 رواه ابن عبد ال )5(

عدد الصفحات ٢٧

� 28 وقال الشافعي -رحمه الله-: (والناس طبقات في العلم، موقعهم من العلم بقدر درجاتهم فيه، فحقٌّ على طلبة العلم بلوغ غاية جهدهم في الاستكثار من علمه، والصبر على كل عارض دون طلبه، وإخلاص النية لله في استدراك علمه نصًا واستنباطًا، والرغبة إلى الله في العون عليه، فإنه لا .)1(يُحدرك خيرٌ إلا بعونه وقصص العلماء في صبرهم على العلم، وبذلهم أعمارهم وأموالهم في سبيل تصيله أشهر من أن تُحذكر، والمؤلفات في هذا الباب كثيرة. والعلم مهما بُحذل في طلبه من الأوقات فلن يستطيع الإنسان تصيله كله. قال أبو يوسف القاضي -رحمه الله-: (العلم شيءٌ لا يعطيك بعضه حتى .)2(تعطيه كُحلَّك فمن لم يوطن نفسه على الصبر وبذل الجهد وعلو الهمة في طلب العلم فلا يُحتعب نفسه، فإنه لن يحصل أكثر من ثقافة عامة، ولن يحصل تأصيلاً وتقعيدًا وتمكنًا في العلم. ويمكن الاستعانة لمعرفة هذه الصفات وتقوية العزائم بكتب آداب الطلب، والنظر في تراجم العلماء، فإنها تشحذ الهمم. الصفة الرابعة: العمل بالعلم: أن يكون الإنسان عاملاً بعلمه، فإن العمل بالعلم من أعظم ما يثبت العلم في قلب العبد. )204/2)، ورواه الخطيب21/1« )1( )252/2« )2(

عدد الصفحات ٢٨

�29 قال الزهري -رحمه الله-: (إن للعلم غوائل، فمن غوائله: أن يُحترك .)1(العمل به حتى يذهب بعلمه فترك العمل يُحذهب بالعلم. وقال الشعبي -رحمه الله-: (كنّا نستعين على حفظ الحديث بالعمل .)2(به .)3(وقال الشافعي -رحمه الله-: (ليس العلم ما حُحفظ، العلم ما نفع وقال الحافظ ابن الصلاح -رحمه الله-: (وروينا عن وكيع أنه قال: إذا .)4(أردت أن تفظ الحديث فاعمل به والعمل بالعلم يُحراد به عبادة الإنسان نفسه، كما يُحراد به أيضًا التعليم والتبليغ. الصفة الخامسة: عدم الاستعجال بطلب النتائج والثمار، أو طلب الترؤس والتمشيخ. فإن هذا داء مميت، وفي ذلك حديث النبي ﷺ لما اشتكى بعض الصحابة .)5(«أذى قريش، حيث قال والحديث فيه تنبيه على أن نيل المكارم، والظفر، والرفعة، لا يجامع الاستعجال، بل يحتاج إلى صبر عظيم وتوطئة نفس. «وفي حديث النبي عليه الصلاة والسلام )364/3 رواه أبو نعيم )1( )25/2 رواه ابن عبد ال )2( )123/9 رواه أبو نعيم )3( 247« )4( )3612 رواه البخاري برقم )5(

عدد الصفحات ٢٩

� 30 فيه برفق، ولا تُبغِّض إلى نفسك عبادة الله، فإنّ المُنْبَتَّر لا أرضًا قطع، و ، ما يدل على خطورة الاستعجال في أخذ العلم، كحال من )1(ظهرًا أبقى يريد اختصار مدة طلبه للعلم، فتراه يستثقل حضور الدروس العلمية الأسبوعية المنتظمة، ويكتفي بحضور دورات علمية مختصرة في شرح متون علمية تأصيلية، محاولاً أخذ أكبر قدرٍ ممكن من العلوم في وقت قصير، وهذه الدورات المكثفة لا تبني طالب علم، ولا يمكن الاكتفاء بها عن الدروس المنتظمة، فإن ما يحتاجه طالب العلم في الحلقات العلمية أمران: أن تُحصّور له المسائل تصورًا صحيحًا بضرب الأمثلة، مع ذكر الأول: الدلائل ووجوه دلالتها. أن تُحلقى عليه المسائل شيئًا فشيئًا حتى يُحعطى الوقت الكافي الثاني: لمراجعة المسائل وحفظها ومذاكرتها. وهذه الدورات المكثفة يتعذر فيها الجمع بين هذين الأمرين، بل قد يخلو بعضها منهما جميعًا، وهذا مما ابتُحليت به الساحة العلمية اليوم. قال يونس بن يزيد: قال لي ابن شهاب الزهري: (يا يونس، لا تكابر العلم، فإنَّ العلم أودية، فأيها أخذت فيه قَرطَرعَر بك قبل أن تبلغه، ولكن خُحذهُح مع الأيام واللَّيالي، ولا تأخذ العلم جمُحلة، فإنَّ من رام أخذه جمُحلة ذهب عنه .)2(جمُحلة، ولكنَّ الشيء بعد الشيء مع اللَّيالي والأيام فالعلم يحتاج إلى صبرٍ وتؤدة وتأنٍّ وتدرّج بعيدًا عن الاستعجال والاختصار، فبهذا يُحبنى العلم. )، 18/3)، والبيهقي 1883 رواه ابن الأعرا )1( )210/2والخطيب )206/1 رواه ابن عبد ال )2(

عدد الصفحات ٣٠

�31 وقد روى الخطيب البغدادي أن أبا حنيفة -رحمه الله- أتى حمادًا، فقال له: ما جاء بك؟ قال: أطلب الفقه، قال: تعلَّم كل يوم ثلاث مسائل ولا تزد عليها شيئًا حتى يتفق لك شيء من العلم، ففعل، ولزم الحلقة حتى فقه، فكان الناس يُحشيرون إليه بالأصابع. ثم قال الخطيب معلقًا: (وينبغي له أن يتثبت في الأخذ ولا يُحكثر، بل يأخذ قليلاً قليلاً حسب ما يحتمله حفظه ويقرب من فهمه، فإن الله تعالى ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷﯸ ﯹ ﯺ يقول: ﴿ .)1()]32[﴾ﯻ ﯼﯽ ﯾ ﯿ وقد يكون الدافع إلى الاستعجال أحيانًا الطمع في الترؤس والتمشيخ، وهذا لا يسلم منه إلا من سلّمه الله ووفقه لمراقبة نيته وجهاد نفسه. وأنت إذا تأملت عامة من يشذون عن العلماء بفتاواهم، أو بتأصيلاتهم المخترعة، ويتجرؤون في عظائم الأمور، ويطلقون ألسنتهم في النوازل ويصدرون أحكامهم فيها قبل العلماء، وجدتهم من هذا الصنف؛ ممن تعجل التصدّر قبل التمكن، وكل من استعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه. الصفة السادسة: ملازمة العلماء، وأخذ العلم عنهم، ومراجعتهم، وعدم الاكتفاء بالكتب والمطالعات: فالعلم لا يؤخذ إلا من العلماء، ولا يمكن تصيل العلم بكثرة القراءة والاطلاع، ولا بقوة الحفظ. -: (ألا وإن الناس بخيرٍ ما Iولذلك يقول عمر بن الخطاب )200/2« )1(

عدد الصفحات ٣١

� 32 أخذوا العلم عن أكابرهم، ولم يقم الصغير على الكبير، فإذا قام الصغير ع .)1(الكبير فَرقَردْ -أي: فقد هلكوا وهذا يدل على أن طالب العلم ينبغي أن يكون خلف العالم يتعلم منه، ويقتدي به، لا أن يتقدم بين يديه، أو يستغني عنه. -: (لا يزال الناس بخير ما أتاهم Iوقال عبد الله بن مسعود .)2(العلم من قبل كبرائهم، فإذا أتاهم العلم من قبل أصاغرهم هلكوا «وقد قال النبي ﷺ .)3(الأصاغر ويراد بالأصاغر طائفتان: أهل البدع، والأصاغر في العلم غير المتمكنين منه. والآثار في ضرورة أخذ العلم عن العلماء والتحذير من الاكتفاء بالكتب والصحف كثيرة يمكن الرجوع إليها في مظانها، وسأكتفي بنقل كلام نفيس للشاطبي في هذا الشأن، يبينّ فيه أن العلم لا يمكن أن يحُحصّل إلا عن العلماء؛ سواء طلبه الإنسان مشافهة، أو عن طريق الكتب والمطالعة. قال رحمه الله: (من أنفع طرق العلم الموصلة إلى غاية التحقق به أخذه عن أهله المتحققين به على الكمال والتمام... فإذا تقرر هذا فلا يؤخذ إلا ممن تقق به، وهذا أيضًا واضح في نفسه... )، والخطيب84/1 رواه اللالكائي )1( 249أهل الحديث )، والطبراني في 124/1)، والدارمي246/11 رواه عبد الرزاق )2( )311/7)، و114/9« )، واللالكائي361/22 رواه الطبرا )3( 240)، والخطيب85/1والجماعة

عدد الصفحات ٣٢

�33 وللعالم المتحقق بالعلم أمارات وعلامات الثانية: أن يكون ممن ربّاه الشيوخ في ذلك العلم؛ لأخذه عنهم، وملازمته لهم؛ فهو الجدير بأن يتصف بما اتصفوا به من ذلك، وهكذا كان شأن السلف الصالح... - ومراجعته النبي ﷺ ثم أبا بكر Iثم ذكر رحمه الله قصة عمر - في شروط صلح الحديبية، وقول أبي بكر له: (إنه رسول الله، ولن I- يضيعه الله أبدًا)، ثم قال: فهذا من فوائد الملازمة، والانقياد للعلماء، والص عليهم في مواطن الإشكال؛ حتى لاح البرهان للعيان... وحسبك من صحة هذه القاعدة أنك لا تجد عالمًا اشتهر في الناس الأخذ عنه إلا وله قدوة واشتهر في قرنه بمثل ذلك-أي: ما من عالم إلا وله شيخ معروف بالعلم-، وقلما وجدت فرقة زائغة، ولا أحدٌ مخالف للسنّة إلا وهو مفارق لهذا الوصف -أي: لا يُحعرف المبتدعة بالأخذ عن العلماء، ولاملازمتهم، ومراجعتهم-... وبضد ذلك كان العلماء الراسخون كالأئمة الأربعة وأشباههم... وإذا ثبت أنه لا بد من أخذ العلم عن أهله؛ فلذلك طريقان: أحدهما: المشافهة، -أي: التلقي المباشر عبر حلقات العلم- وهي أنفع الطريقين وأسلمهما... ثم ذكر فوائد مجالسة العلماء، ثم قال: يُحفتح للمتعلم بين أيديهم ما لا يفتح له دونهم، ويبقى ذلك النور لهم بمقدار ما بقوا في متابعة معلمهم، وتأدبهم معه، واقتدائهم به... الطريق الثاني: مطالعة كتب المصنفين ومدوني الدواوين، وهو أيضًا نافع في بابه؛ بشرطين:

عدد الصفحات ٣٣

� 34 الأول: أن يحصل له من فهم مقاصد ذلك العلم المطلوب، ومعرفة اصطلاحات أهله؛ ما يتم له به النظر في الكتب، وذلك يحصل بالطريق الأول، ومن مشافهة العلماء، أو مما هو راجع إليه، وهو معنى قول من قال: « والكتب وحدها لا تفيد الطالب منها شيئًا، دون فتح العلماء، وهو مشاهد .)1(معتاد فالعلم المودع في الكتب، والكنوز والدرر والفوائد التي حوتها، لا بد لتحصيلها من مفتاح، والمفتاح هو العلماء، فهم مفاتيح الكتب، وبدون العلماءلا يتمكن القارئ من فهم الكتب وتصيل ما فيها وضبطه. تنبيه: الدروس المسجلة لا تغني عن ملازمة العلماء في حلقات العلم ومما يحسن التنبيه إليه: أن العناية بسماع الشروحات العلمية المسجّلة؛ السمعية منها والمرئية، وإن كانت معينة على العلم، إلا أنها لا تغني بأي حال من الأحوال عن ملازمة العلماء في حلقات العلم ومجالستهم والتلقّي عنهم مباشرة، وذلك لأمور عدة: أن من فوائد مجالسة العلماء تلقّي الأدب عنهم قبل العلم، وتعلّم أولاً: السمت والهدي، وهذا متعذرٌ في الدروس المسجلة. أن من فوائد مجالسة العلماء في حلقات العلم: حصول السكينة ثانيًا: ونزول الرحمة وحفيف الملائكة، وهذه الأمور لها أثرٌ عظيم على الجالسين، منها: حصول البركة بالفهم والاستيعاب وحسن التصور، وهذا كله متعذرٌ في الدروس المسجلة. )148 - 139 /1« )1(

عدد الصفحات ٣٤