ضبــطُ العلـم تأليف
عدد الصفحات ١8
عدد الصفحات ٣�5 مقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: لقد أفاضت النصوص في بيان فضل العلم والعلماء، وتنوعت فيه الدلالات، واعتنى العلماء قديماً وحديثًا ببيان هذا الفضل وإبراز شرف هذه المنزلة، وأفردوا في ذلك مؤلفات خاصة، من أجمعها وفضله ونصوص السلف والأئمة في بيان فضل العلم وذكر منزلة العلماء أكثر من أن تُحصر، وقد أوجز الثوري -رحمه الله- هذا الفضل بقوله: (ليس ، فالعلم من أعظم القربات )1(عملٌ بعد الفرائض أفضل من طلب العلم والعبادات لله تبارك وتعالى، بل هومن أجلِّ أنواع العبادة، والأحاديث في فضله كثيرة، ولذلك قال الإمام أحمد -رحمه الله-: (العلم لا يعدله شيء لمن ، فمن كانت نيته خالصة لله تعالى فالعلم لا يعدله شيء من )2(صحّت نيته العبادات؛ لأنه مفتاح أبواب الخير كله. وموضوع هذه الرسالة المختصرة يتعلق ببيان جانب مهم من جوانب العلم، ألا وهو ضبطُح العلم وإتقانه، فإنه لا يخفى على كل ذي بصيرة كثرة من يطلب العلم وينخرط في حلقاته في المساجد والجامعات والمعاهد الشرعية، لكنَّ الثابتين على طلبه من هؤلاء قليلون، وأقل منهم من يضبط العلم. ) ط دار المغني، ت: حسين أسد. وابن عبد ال352/1 رواه الدارمي )1( )، ط. مؤسسة الريان، ت: فواز زمر63/1بيان العلم وفضله )، ط: مؤسسة الرسالة، ت: شعيب الأرناؤوط وعمر 38/2 ذكره ابن مفلح)2( القيام
عدد الصفحات ٥� 6 فإن كثيرًا من الناس يطلب العلم، لكن قليلٌ منهم من يستمر في طلبه، وهؤلاء المستمرون قليلٌ منهم من يطلب العلم بحيث يتمكن من فهمه وضبطه، ومعرفة أصوله وقواعده، ويقدر على تدريسه وتعليمه، فضلاً عن الجواب عما يرد على مسائل العلم من شبهات أهل الزيغ والانحراف، وهذه الأمور لا يقدر عليها إلا أهل الإتقان والضبط. وضبطُح العلم نعني به فهمه وتصوره؛ فالضابط للعلم هو الذي رزقه الله جل وعلا فهماً وصحة تصور يعرف بهما مدلول كلام الله وكلام رسوله ﷺ وكلام الصحابة والسلف، ويعرف أصول العلم وقواعده، ويتمكن من النظر والاستنباط واستخراج المعاني. وما شرَرُحف العالم على العابد إلا بضبط العلم وإتقانه، فإن العالم هو الضابط للعلم لا الحافظ له، ولا المطلع على أقوال أهله ومقالاتهم، فمن لم يكن ضابطًا للعلم فهو أشبه بالعوام، فإن تكلم به مع عدم ضبطه فهو من الأئمة المضلين، ولولا ضبط العلماء للعلم وإتقانهم له لاضطربت أحوال الناس، وعم الشر والفساد، والتبس الحق بالباطل، فبقدر ما يقل من الضبط يقل الخير. وهذه الرسالة المختصرة تهدف إلى إبراز أهمية الضبط، وإيضاح معناه، وبيان الطرق الكفيلة بتحقيقه وتصيله على نحو ميسر ومختصر. والله أسأل التوفيق والسداد في القول والعمل. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. كتبه الكويت– العارضية م2017 يناير29هـ1438 جمادى الأو1
عدد الصفحات ٦�7 المبحث الأول مفهوم ضبطِ العلم ضبط العلم هو الفهم وصحة التصور، وليس معرفة المسائل وحفظها، بل معرفة أصول العلم وقواعده وكلياته التي تتفرع منها الجزئيات، وبدون الضبط لا يتمكن الإنسان من القياس والاستنباط والحكم الصحيح في المسائل، ولا من ردّ الشبهات المثارة حول مسائل العلم في جميع أبوابه، بل لايتمكن من تمحيص الأقوال، ومعرفة الخطأ من الصواب إلا بالفهم والضبط؛ لأن الضابط ينطلق من أصول وقواعد ثابتة، فلا تراه متناقضًا في أحكامه، كالذي يفرّق بين المتماثلين، ويسوّي بين المختلفين. فالضبط هو الفهم وصحة التصور، وقد ذكر الله عز وجل ذلك في كتابه، ﮣ ﮤ ﮥ ﮦﮧ ﮨ فأمر بالتدبر والتفهم، قال جل وعلا: ﴿ ؛ أي لا يفهمها إلا العالمون، فدلّ على ]43[﴾ﮩ ﮪ ﮫ ﮗ أن العالم لا يكون عالمًا إلا أن يكون صاحب فهم، وقال جل وعلا: ﴿ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ، فالله جل وعلا قد ]79،78[﴾ﮱ ﯓ ﯔﯕ ﯖ ﯗ في Sآتى داود وسليمان عليهما السلام حكماً وعلماً، وخصّ سليمان هذه المسألة بالخصوص بالفهم، فكان حُحكمه أقرب وأوفق للحق. ، ]2[﴾ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ وقال تبارك وتعالى: ﴿
عدد الصفحات ٧� 8 ﯤ ﯥ ﯦ ﯧﯨ ﯩ ﯪوالمراد بالعقل: الفهم، وقال جل وعلا: ﴿ - L، قال ابن عباس]269[﴾ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯﯰ ، )1(وقتادة والضحاك وغيرهم -رحمهم الله-: (الحكمة: القرآن، والفهم فيه - بأن يُحفقَّه في Lوقد دعا النبي عليه الصلاة والسلام لابن عباس .)2(الدين، ويُحعلّم التأويل فالإنسان قد يكون حاملاً للعلم، حافظًا للمسائل، لكن ليس لديه فقه «ولا فهم، وفي ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام حديثًا فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب ، فالحديث يشير إلى أن ناقل العلم قد يكون أقل )3(حامل فقه ليس بفقيه فقهًا من المنقول إليه،وقد يكون الإنسان حافظًا للأحاديث والمسائل، لكن بلا فقهٍ ولا فهم. - من بين الصحابة بالفهم في بعض أقوال Iوقد خُحصّ أبو بكر - بالفهم عمن Mالنبي صلى الله عليه وسلم، كما خُحص الصحابة كان Dدونهم، وهكذا كلما كان الإنسان أقرب إلى عهد النبوة، وأتقى أقرب إلى الفهم، من أمثلة ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام قال في مرض «موته والسلام - أنه عليه الصلاة I، ففهم أبو بكر )4(فاختار ما عنده )، و 373/1)، و 9/5 انظر: ابن جرير في تفسيره )1( .)334/1التنزيل )266/1)، وأحمد في مسنده153 رواه البخاري برقم )2( )،84/1)، وابن ماجه 346/2)، وأبو داود 330/4)، والترمذي 80/4 رواه أحمد )3( )431/3والنسائي في الكبرى )2382)، ومسلم برقم3904 رواه البخاري برقم )4(
عدد الصفحات ٨�9 هو المخيرّ، فقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله، ولم يتفطن الصحابة - لمراده، ولذلك قال أبو سعيد الخدري: (فكان رسول الله ﷺ M- هو المخير، وكان أبو بكر هو أعلمنا به)، أي: كان أفهم لكلامه عليه الصلاة والسلام. وقد كان الصحابة يحرصون على التفهم، وضبط العلم والمسائل، ولما -، وقد ولاّه على I- إلى أبي موسى الأشعريIكتب عمر ؛ أي احرص على )1(بعض نواحي العراق، قال في كتابه: (الفهمَر الفهم الفهم، احرص على فهم المسائل لا حفظها. -: هل خصّكم رسول الله ﷺ Iولما سُحئل علي بن أبي طالب «بشيء دون الناس، فقال بعض C؛ أي قد يخصُّ ا )2(اللهَّر عبدًا في كتابه، وما في هذه الصحيفة عباده بالفهم والفقه. فقوة الحفظ أو كثرة المحفوظات لا تستلزم الفهم والفقه، بل قد تكون سببًا لافتتان صاحبها بنفسه وافتتان غيره به، وهذا واقعٌ اليوم، فبعض المنحرفين عن الجادة السوية ممن ينتسب إلى علم أو دعوة افتُحتن بهم بعض الناس لما أظهروه من الحفظ والقدرة على استحضار المسائل، ولو أمعن الإنسان النظر لوجد أن الانحراف غالبًا ما يخرج من أمثال هؤلاء المعجبين بحفظهم، حتى تأثر بعض الناس بهم ظنًّا منهم أن العلم هو الحفظ وكثرة الاطلاع على المسائل والإلمام بالخلاف. )115/10 رواه البيهقي في الكبرى )1( )3047 رواه البخاري برقم )2(
عدد الصفحات ٩� 10 ولذلك يقول الإمام مالك -رحمه الله-: (إن العلم ليس بكثرة الرواية؛ .)1(إنما العلم نورٌ يقذفه الله في القلب قال أحمد بن صالح المصري -رحمه الله-، وهو من أصحاب الإمام مالك، مفسرًا قوله: (تأويل قوله رحمه الله: إن العلم نور ليس بكثرة الرواية، ، فهذا هو العلم.)2(يريد به فهم العلم ومعرفة معانيه فالعلم هو الفهم الذي يتمكن الإنسان به من معرفة معاني كلام الله وكلام رسوله ﷺ، ويضبط ذلك وفق أصول العلم وقواعده. قال ابن عبد البر -رحمه الله-: (طلب الحديث على ما يطلبه كثير من أهل عصرنا اليوم دون تفقه فيه ولا تدبر لمعانيه فمكروه عند جماعة أهل .)3(العلم وقال الخطيب البغدادي -رحمه الله-: (إن العلم هو الفهم والدراية، .)4(وليس الإكثار والتوسع في الرواية وقال ابن القيم -رحمه الله-: (فالفهم نعمة من الله على عبده، ونورٌ يقذفه الله في قلبه يعرف به ويدرك ما لا يدركه غيره ولا يعرفه، فيفهم من النص ما لا يفهمه غيره، مع استوائهما في حفظه وفهم أصل معناه.فالفهم عن الله ورسوله عنوان الصديقية، ومنشور الولاية النبوية، وفيه تفاوتت مراتب .)5(العلماء، حتى عُحدَّ ألفٌ بواحد فالعلم إذن ليس كثرة المحفوظات، ولا سعة الاطلاع والقراءة، ولا ).231)، والبيهقي3180/10 رواه ابن أبي حاتم في تفسيره )1( 28 ذكره ابن كثير في تفسير سورة فاطر، آية )2( )251/2« )3( )252/2« )4( )41/1« )5(
عدد الصفحات ١٠�11 الاستكثار من الشيوخ والدروس، بل العلم في حقيقته هو: الضبط والفهم فيه لا غير. ومَرن لم يضبط العلم فإنه يتخبط في أحكامه وفتاواه، وتلتبس عليه المسائل، ويفقد التمييز بينها، فتراه يفرق بين المتماثلات، ويسوّي بين المفترقات. وإن المتأمل في واقع المسلمين اليوم، والناظر فيما يُحنشر ويُحكتب ويُحذاع يجد أن عدم ضبط العلم هو السمة البارزة عند كثيرٍ ممن يتكلم به، لا سيما في ظل وسائل التواصل الاجتماعي التي مكَّنت الجاهل من أن يقول ما شاء، وقد يكون متابعوه بالآلاف، أوالملايين، فربما حمله ذلك على العجب بنفسه، حتى يدفعه إلى التكلم بالعلم والتخبط فيه. فظهور الأقوال الشاذة اليوم في الفقه والحديث والأصول وغير ذلك من أصول العلم ما هو إلا نتيجة طبيعية لعدم ضبط العلم، بل إن البدع والضلالات من أكبر أسبابها بعد الهوى: عدم ضبط العلم وقواعده وأصوله، فتنشأ البدعة بسبب شبهة دليل. وهذا يُحبرز لنا أهمية ضبط العلم والعناية بتحقيقه، فإن عدم الضبط قد يحمل الإنسان على إطلاق أحكامٍ جائرة غير مستحقة؛ كتكفير المسلمين بلا بيّنة، وهي فتنة العصر، وأخيتها تبديع المسلمين والسلفين بلا بيّنة، وتفسيقهم أو تضليلهم. وما تعانيه الأمة اليوم من غلوٍّ في التكفير والتبديع سببه عدم ضبط العلم وعدم التدبر والتفهم لنصوص الوحيين وكلام العلماء، فتجد الرجل يكفّر حكام المسلمين، وربما كفّر الجيوش، وربما كفّر الأفراد، بل تجرأ بعضهم حتى كفَّر العلماء؛ بسبب عدم ضبط العلم حتى استحكمت في قلوبهم الشبهة.
عدد الصفحات ١١� 12 هذا إن سلمنا بحسن نياتهم، وإلا فإن أكثرهم أصحاب نيات خبيثة وقد قابلهم آخرون فبدَّعوا من ليس مبتدعًا، واخترعوا أصولاً في التبديع لم يُحسبقوا إليها، بدعوا بسببها أناسًا معروفين بالسنَّة والدعوة إليها، تشهد بذلك مؤلفاتهم ومحاضراتهم، والسبب في ذلك أنهم لم يضبطوا العلم ولم يعرفوا قواعده، فترى الواحد منهم يتكلم في فنٍّ لم يحُحسنه. وكل من ينظر إلى الواقع العلمي والدعوي يلحظ تقعيدات وتأصيلات دخيلة على العلم، تصدرمن أشخاصٍ لم يضبطوا العلم ولم يتمكنوا منه، وإن كان بعضهم صاحب حفظ واطلاعٍ واسع في كتب العلم، وإلمام بكلام العلماء، لكنه غير ضابطٍ لمسائل العلم. ولعل من المناسب ضرب بعض الأمثلة التي تؤكد هذا الأمر، وتبينّ أثر القصور في ضبط العلم، حتى تُحتصور المسألة.
عدد الصفحات ١٢�13 أمثلة موضحة لعدم الضبط ومبيّنةلأثره في الحكم من الأمثلة التي تبيّن عدم الضبط وتوضح أثره في الحكم: عدم التمييز بين أصول الدين الكبار وبين فروعه، وهذه المثال الأول: مسألة كبيرة وخطيرة، من لم يضبطها يفقد التمييز بين ما يُحبدع به الشخص، وما يخُحطَّأ فيه من غير تبديع، ومعرفة ما يخُحرج الإنسان من السنة إلى البدعة أمرٌ مهم ودقيق، وهذا لا يتمكن منه إلا من عرف أصول الدين وقواعده الكبار، وعدمُح ضبط هذه المسألة حمل أناسًا على تبديع أقوام من أهل السنة والجماعة بالخطأ والزلة، بل بفلتة اللسان. كما حمل آخرين أيضًا على إدخال أقوامٍ من المبتدعة المخالفين لأصول أهل السنة في أهل السنة والجماعة، وترك ما يجب في حق هؤلاء الخارجين عن السنة من الإنكار، والتحذير إذا استلزم الأمر. والعلماء قد بينوا أصول الدين وكلّياته،كما بينوا فروعه وجزئياته،وتكلّموا عن هذه المسألة بالخصوص في كُحتبهم ومؤلفاتهم، فجاء تفصيلهم فيها وبيانهم لها من جهتين: من جهة الكتابة والتأليف، فدوّنوا ذلك في كُحتبهم الجهة الأولى: ومؤلفاتهم. من جهة التطبيق والتنزيل؛ فإنهم نزلوا هذه الأحكام الجهة الثانية: وطبقوها على الأفراد والجماعات، فمن نظر في أحكامهم على المخالفين في وقتهم، وتأمل كيفية تنزيلهم هذه الأحكام على الوقائع رزقه الله فهم هذه
عدد الصفحات ١٣� 14 القواعد؛ لأن بعض الناس ربما يقف على نص لبعض العلماء في مسألة معينة، أو موقفٍ من شخص أو جماعة فيجعله قاعدة مطّردة، وقد تكون قاعدة أغلبية، أو نسبية، كأن تكون في حال دون حال، أو قيلت في وقت معين، أو ارتبطت بها ظروف معينة، لكنّ ضعيف الضبط قد يجعلها قاعدة مطردة يعممها ويهدم بها نصوصًا كثيرة لعلماء آخرين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: (والبدعة التي يُحعد بها الرجل من أهل الأهواء - أي يصير صاحبها من أهل الأهواء؛ أي أهل البدع - ما اشتُحهر عند أهل العلم بالسنة مخالفتها للكتاب والسنة، كبدعة الخوارج .)1(والروافض والقدرية والمرجئة فهذه هي البدعة التي يُحبدّع أهلها المخالفون للكتاب والسنة؛ كالخوارج والقدرية والمرجئة ونحوهم ممن لا يخُحتلف على أنهم مخالفون للكتاب والسنة، وتفصيل هذا له مقام آخر. ومن أمثلة عدم ضبط هذه المسألة بالخصوص: إدخال الأشاعرة والماتريدية في أهل السنة والجماعة، حتى كتب مجموعة من المنسوبين إلى العلم فتوى منشورة تنص على أن الأشاعرة والماتريدية من أهل السنة والجماعة، وأن مصطلح أهل السنة والجماعة يعم فرقًا ثلاثًا: الأثرية ويُحطلق بعضهم عليها الحنبلية أو أهل الحديث، والأشاعرة والماتريدية. وهؤلاء بسبب جهلهم لم يهتدوا إلى مدلول مصطلح أهل السنة في كلام العلماء، فإن هذا المصطلح قد يُحذكر عامًا ويراد به الخصوص، ومطلقًا ويراد )414/35« )1(
عدد الصفحات ١٤�15 به التقييد، وقد يكون نسبيًا، وهؤلاءلا يفرق الواحد منهم بين كلام العلماء عامه وخاصه، مطلقه ومقيده، وهذا كله بسبب عدم ضبطِ العلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: (فلفظ أهل السنة يُحراد به مَرن أثبت خلافة الخلفاء الثلاثة، فيدخل في ذلك جميع الطوائف إلا الرافضة، فيدخل في ذلك حتى المعتزلة، وقد يُحراد به أهل الحديث والسنة المحضة فلا يدخل فيه إلا مَرن يثبت الصفات لله تعالى، ويقول: إن القرآن غير مخلوق، وإن الله يُحرى في الآخرة، ويثبت القدر، وغير ذلك من الأصول المعروفة عند .)1(أهل الحديث والسنة .)2(وقد ذكر رحمه الله هذه الأصول في شرح الأصفهانية ويتفرع عن هذه المسألة: الحكم بالبدعة على بعض العلماء الكبار من أئمة المذاهب الذين زلت أقدامهم فوقعوا في بعض الأخطاء في مسائل العقيدة، ولهم كتب مشهورة وجهود مشكورة في خدمة العلم؛ كالنووي وابن حجر، وغيرهما. فترى بعض مَرن لم يضبط هذه الأصول يُحطلق لسانه في تبديعهم، بل منهم من يمنع من مطالعة كتبهم ومؤلفاتهم، وآخرون على الضد من ذلك؛ يستدلون بموقف العلماء المتزن من هؤلاء العلماء الذين وقعوا في بعض الأخطاء العقدية مع علو كعبهم في العلم وجميل أثرهم في الإسلام، فيُحلحقون بهم مبتدعة هذا العصر، قائلين: عاملوا المبتدعة المعاصرين كما ، ولا شك أن كلا الفريقين؛ الذي بدّع وأمر )3(تعاملون النووي وابن حجر )132/2« )1( 31 ص )2( وفي مقال لي بعنوان )3( بين زلل العلماء المتقدمين والمعاصرين www.f-aljasem.comعلى الشبكة العنكبوتية
عدد الصفحات ١٥� 16 بهجر كتبهم وترك الاستفادة منها، والذي سكت عن مبتدعة العصر وتَررَركَر ما يجب في حقهم من النكير والهجران، لم يقعا فيما وقعا فيه من الخطأ إلا بسبب عدم ضبط أصول العلم. لحكم على من أفتى بجواز المظاهرات بالبدعة مطلقًا والخروج عن السنّنة: المثال الثاني: ا بعض الناس يجعل مجرد الإفتاء بجواز المظاهرات بدعة وضلالة، ويعتبر المجيز لها خارجًا عن السنة إلى البدعة، ويوجب هجره والتحذير منه، ولم يفرّق هذا الجاهل بين من يجيزها باعتبارها وسيلة للخروج على الظلمة، والثورة عليهم، ولا يرى السمع والطاعة لولاة الجور، فهو ينطلق في تجويزها من هذا الأصل الفاسد، فإن هذا لا شك في تبديعه، وبين آخر يُحقرّ بأصل وجوب السمع والطاعة لأئمة الجور وإن عظم ظلمهم ما لم يبلغ الكفر البواح، ويحُحرّم نزع اليد من طاعتهم، ويمنع من الخروج عليهم والثورة بالظلم والجور، لكنه يجيز المظاهرة السلمية التي تكون بإذن الدولة، ولا يُحقصد بها الخروج والثورة، ويعتبرها وسيلة من وسائل الإنكار السلمية غير الممنوعة، وهذا القول لا شك أنه خطأ مخالف لنصوص الكتاب والسنة وعمل السلف، فإن الأدلة قد دلت على أن هذه الوسيلة داخلةٌ في الوسائل الممنوعة لا المشروعة، لكنّ تجويزها بهذه القيود، مع التزام الأصل العام لأهل السنة والجماعة في هذا الباب، يمنع من الحكم على مجيزها بالبدعة، بل يكون تجويزه من قبيل الخطأ والزلة التي لا يُحبدع بها الشخص، ولا يخُحرج من دائرة السنة بمجردها. وبهذا يتبين لنا خطأ من جعل مجرد الإفتاء بجواز المظاهرات بدعة وضلالة، وحكم على مجيزها بالابتداع والضلال والخروج عن السنة بهدمه أصلاً من أصول السنة، كما يتبين أيضًا خطأ من سوّغها أو جعل تسويغها
عدد الصفحات ١٦�17 خطأ مجردًا لا يستلزم البدعة بحال، ولم يفرّق هذان الجاهلان بين أحوال المجيزين، وسبب هذا التخبط هو عدم ضبط العلم. المثال الثالث: الخطأ في تحديد مدلول ولاة الأمر: لا شك أن النصوص قد جاءت بالسمع والطاعة لولاة الأمور، ومنعت من إظهار نقدهم على الملأ، وأمرت بلزوم جماعتهم، والصبر على جورهم، وفرقت الشريعة في بعض الأحكام بين الحاكم والمحكوم، فخصت الحاكم ببعض الأحكام دون المحكومين، في حين أننا نرى بعض الناس يسوّي بين الحاكم العام، وبين ولاة الأمصار، أو الوزراء، أو المديرين، في جميع الأحكام؛ فيما يجب ويمتنع ويجوز، فتراه ينزّل الأحكام الخاصة بالحاكم العام على الوزير، وعلى المدير، وعلى رئيس القسم، من دون تفصيل. نعم، لا شك أن لهؤلاء نصيبًا من الولاية، وهم ولاة أمر باعتبار تنصيب الإمام لهم، لكن ليس لهم كل الولاية؛ أي ليس كل ما جاء من النصوص فيما يتعلق بالحاكم تُحنزّل على الوزير، أو المدير أو رئيس القسم، بحيث نجعله واليًا عامًّا يجب له ما يجب للحاكم العام، ويمتنع في حقه ما يمتنع في حق الحاكم العام. فلا بد للإنسان أن يهتدي إلى الفروق التي تستلزم الاختلاف في الأحكام، فهؤلاء المذكورون لهم ولاية بلا شك بتنصيب الإمام لهم، لكن لا يعني هذا أنهم يستوون مع الإمام في كل شيء، حتى تُحنزل عليهم جميع النصوص، ولذلك تجوز شكايتهم عند الإمام أو شكاية من فوقهم في الولاية، وتجوز المطالبة بعزلهم بالوسائل الشرعية إن استحقوا ذلك، بينما لا يجوز ذلك في حق الإمام العام، وإنما ينشأ هذا الخلط من عدم ضبط مسائل العلم.
عدد الصفحات ١٧� 18 ولولا أن المقام مقام تمثيل لفصَّلنا في هذه المسائل المثال الرابع: مسائل متعلقة بشبهات الخوارج والتكفيريي، تلتبس على بعض من لم يضبط العلم. منها: معرفةالضابط في استحلال المحرمات، فإن العلماء أجمعوا على أن من استحل الحرام المجمع عليه فهو كافر. لكن: ما الاستحلال الذي يكفر به المسلم؟ الجهل وعدم ضبط العلم حمَرَرلَر بعض الناس على الحكم على المُحصرِّ على المعصية بالاستحلال، ظنًا منهم أن الإصرار استحلال، ولم يعلموا أن الاستحلال أمرٌ اعتقادي لا عملي. وآخرون عرفوا أن الاستحلال أمرٌ اعتقادي، لكنهم عدّوا إذن الدولة والترخيص الإداري لبعض المحرمات، كالترخيص في إنشاء البنوك الربوية، أو صالات القمار، أو محلات الخمر، ونحو ذلك، عدوا ذلك استحلالاً كفّروا به الحاكم والدولة، على اعتبار أن الترخيص استحلال للمحرمات. ولا شك أن هذا جهل وخطأ، فإن هناك فرقًا بين الإباحة العملية، والإباحة الاعتقادية، والاستحلال أمر اعتقادي لا فعلي،وسبب هذه الأخطاء إنما هو: عدم ضبط مسائل العلم. المثال الخامس: بعض المسائل المتعلقة بالجهاد: منها: مسألة إذن الإمام في جهاد الدفع، وهل يسقط بإطلاق؟ فإن بعض الناس اليوم يزعم أن جهاد الدفع يسقط فيه إذن الإمام بإطلاق؛ أي في كل أحواله، فتراه يُحسوِّغ الالتحاق بساحات القتال في غير بلده بدون إذن الإمام، ويحتج بأنه جهاد دفع، وأن إذن الإمام فيه غير معتبر. لكن جَرهِل هذا الذي لم يضبط العلم بأن الإذن مطلوبٌ حتى في جهاد الدفع، وأن كلام العلماء في عدم اشتراطه ليس عامًّا في كل أحوال جهاد
عدد الصفحات ١٨