الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المحاكم التجارية في... 375 إنشائي بين المقاول ومالك المش روع. فلكل ما سبق فإن نظر هذه الدعوى يخرج عن الاختصاص... لديوان المظالم) (52). وجاء في الحكم رقم فيه (وحيث إن الاختصاص... في مجال القضاء من المسائل الأولية التي يتعين على القاضي بحثه والفصل فيه ابتداء ولو لم يثره أحد من الخصوم، وحيث إ ن المدعى عليه لا يحمل صفة التاجر التي حددتها المادة الأ ولى من النظام التجاري... وحيث إن المادة (443) من النظام التجاري قد اشترطت في المنازعات التجارية التي يختص بنظرها المحاكم التجارية أن تكون المنازعة بين تاجرين ومتولدة عن أمور تجارية محضة، وهذا غير متوافر هنا حيث إن المدعى عليه ليس بتاجر ولا يملك المحل التجاري الذي يعمل فيه، وبالتالي فإن ولاية الدائرة تنحسر عن هذه الدعوى)(53) بل إن هذا الواجب مستمر دائم على أية حالة تكون عليها الدعوى، سواء في بداية نظر النزاع أو بعد المضي في نظرها من قبل المحكمة. هذا المعنى المنثور آنفا حملته المادة (76) من نظام المرافعات الشرعية الجديد، وقد سبق أن جلبناه بألفاظه وحروفه، فلا حاجة للتكرار. وعلى هذا المبدأ تسير أكثر قوانين المرافعات المدنية والتجارية(54). (52 )منشور في مجموعة الأحكام والمباديء التجارية1/31. (53 )الحكم رقم 87/ د/ تج18/ لعام1428 هـ منشور في المرجع السابق 1/54 (54 )انظر: الوسيط للدكتور عبدالرزاق السنهوري 1/333- 334،ونظرية الدفوع في نظام المرافعات للدكتور أحمد أبو الوفاء ص 185،والدفوع والدفاعات لعبد الحكم فوده ص 26.
عدد الصفحات ٣٨٦يوسف بن عبدالله بن محمد الخضير 376 المبحث الثالث: شروط الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المحاكم التجارية يُعد الدفع بعدم الاختصاص النوعي دعوى من قبل المدعى عليه أو من له صفة في ذلك؛ لذا فإ نه يشترط لقبول هذا الدفع ما يشترط لصحة الدعوى ، غير أن هذه الدعوى لها خصائص تختلف عن سائر الدعاوى، فهي دعوى خاصة يرمي الدافع من ورائها دفع الخصومة قبل وقوعها، وصرف القاضي عن نظرها من أساسها، من أجل ذلك لن أخوض في كافة شروط قبول الدعوى، وإنما سأقتصر على الشروط المباشرة لدعوى الدفع فقط، وبعد إمعان النظر والتأمل انتهيتُ إلى أن شروط هذا الدفع يمكن ردها إلى شرطين، هما: الشرط الأول: أن يكون الدافع ممن له صفة في الدفع المراد بالصفة: أن يكون الدافع ذا شأن في القضية وما أثير حولها، وله علاقة بالقضية التي أثيرت حولها الدعوى، وأن يعترف الشارع والنظام بهذا الشأن، ويعتبره كافيًا لتخويل المدعي حق الادعاء بهذا الدفع ، وتكليف المدعى عليه بالجواب والمخاصمة. وتوافر الصفة شرط لقبول الدعوى بإجماع الفقهاء، وهو شرط بدهي يتعلّ ق بطرفي الخصومة ، فيتعيَّن أن تكون للمدعي صفة في المطالبة بما يد عيه، وأن تكون للمدعى عليه صفة في توجيه الدعوى إليه(55). ويتحقق هذا في الدافع إذا كان أصيلا في دعوى الدفع ، أو نائب ا عن الأصيل بإنابة من هذا الأصيل أو إنابة الشرع له؛ فالأصيل هو من يدعي أنه صاحب الشأن في الأمر المتنازع فيه ، والذي ينوب عنه إما الولي أو الوصي أو الوكيل في الخصومة (المحامي)، أو من ينصبه القاضي طرفا في الخصومة؛ محافظة على أموال الصغار ومن (55 )انظر: روضة القضاة، للسمناني 1/166،نظرية الدعوى للدكتور محمد نعيم ياسين ص 278.
عدد الصفحات ٣٨٧الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المحاكم التجارية في... 377 في حكمهم ممن فقد أهليته الشرعية أو النظامية ، والغائبين والمتوفين (56).هذاكله إذا كان شخصا طبيعيا. أما الشخص المعنوي أو الحكمي - وفق تعبير الفقهاء - كالشركات فإنه يجب أ ن يكون الدافع هو الممثل القانوني لهذا الشخص ؛ لأن الشخص المعنوي لا يتصور أن ينتصب خصما في الدعوى، لذلك فلا مناص من تحديد شخص طبعي يمثل هذا الكيان الاعتباري(57)،يجري تسميته وتعيينه من قبل من خوّ ل له عقد الشركة هذا التعيين. وعلاوة على شرط الصفة يلزم أن يكون الدافع له مصلحة قائمة ومشروعة من وراء دفعه، ولذلك نصت المادة الثالثة من نظام المرافعات الشرعية على أنه: (لا يقبل أي طلب أو دفع لا تكون لصاحبه فيه مصلحة قائمة مشروعة). وقد ألزم النظامُ المحكمة التجارية ناظرة القضية أن تدفع المنازعة من تلقاء نفسها إذا بان لها عدم اختصاصها نوعيا، ولو لم يثره أحد الخصوم، وبذلك تكون المحكمة ذات صفة في هذا الدفع بقوة النظام، بوصفها تمثل المجتمع في حماية النظام العام. وقد ذهب البعض إلى القول إنه ينبغي أن تكون دعوى الدفع بعدم الاختصاص النوعي دعوى حسبة ، ولا يلزم توافر شرط الصفة ، ولا المصلحة الشخصية للدافع المحتسب؛ طالما أن هذا الدفع يتعلق بالنظام العام (58). (56 )انظر: الفواكه البدرية ، لابن الغرس ص 95،والأشباه والنظائر لابن نجيم ص 225،معين الحكام للطرابلسي ص 59،كشاف القناع للبهوتي 6/390،والمدخل إلى نظرية الالتزام العامة في الفقه الإسلامي للدكتور مصطفى الزرقاء ص 285. (57 )نظم الدكتور مصطفى الزرقاء رحمه الله كلاما نفيسا عن الشخصية الحكمية في الفقه الإسلامي مع مقارنته في القانون. انظر: المدخل إلى نظرية الالتزام العامة في الفقه الإسلامي ص 269. (58 )انظر: نظرية المصلحة في الدعوى للدكتور عبدالمنعم الشرقاوي ص 54-55.
عدد الصفحات ٣٨٨يوسف بن عبدالله بن محمد الخضير 378 والذي أ راه في هذا الصدد أن المنظم حينما أ لزم المحكمة أ ن تدفع بعدم الاختصاص من تلقاء نفسها حالة عدم اختصاصها هو في الحقيقة دفع يصنّ ف على أنه من ضروب الحسبة، غير أنه أناط هذه المهمة بالمحكمة ناظرة الخصومة. لكن السؤال يثور حالة ما لو أ غفل الخصوم والمحكمة التجارية الدفع بعدم الاختصاص النوعي فهل يحق لأحد من الأشخاص مما لا علاقة له بالخصومة أن يتدخل –حسبة - طرفا في الخصومة ويطعن بعدم اختصاص المحكمة؟ والجواب: الأصل أنه يجوز لكل فرد أن ينتصب خصما مدعيا ، ويطالب المحكمة بصرف النظر عن الدعوى؛ لعدم الاختصاص؛ ذلك أن قواعد الاختصاص النوعي من النظام العام التي وضعت من أجل تحقيق مصالح عليا للمجتمع كما سلف بيانه، وقواعد هذا شأنها فإنه يحق لكل فرد أن يتدخل في هذه الخصومة ويطلب تنحية المحكمة عن نظر النزاع ، غير أن هذا الأصل العام دخله التخصيص بمقتضى المادة الرابعة من نظام المرافعات الشرعية الجديد(59)،وأناط هذه المهمة بالمدعى العام، وهو المعمول به في نظم المرافعات في كثير من الدول، حيث نصت على ذلك صراحة بعض القوانين (60). فله وحده دون سائر الأ فراد التدخل في هذه الخصومة، والتمسك بعدم الاختصاص؛ بوصفه أمينا خوّ ل رعاية المصالح العامة للمجتمع(61)،ومن أهم مصالح المجتمع الجديرة بالحماية دفع المخالفات النظامية. (59 )ونصها: (لا ترفع أي دعوى حسبة إلا عن طريق المدعي العام بعد موافقة الملك) . (60 )حيث جاء في الفصل التاسع من قانون المسطرة ا دنية المغربي: (يجب أن تبلغ إلى النيابة العامة الدعاوى الآتيـة:... 5 - القضايا التي تتعلق بعدم الاختصاص النوعي...) (61 )انظر: نظرية الدفوع للدكتور أحمد ابو الوفاء ص 190.
عدد الصفحات ٣٨٩الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المحاكم التجارية في... 379 ولا جرم في إسناد هذه المهمة إلى المدعي العام؛ فقد أقرَّ الفقهاء منذ زمن بعيد جواز قصر بعض المهام على والي الحسبة دون غيره من أفراد المجتمع(62)،ثم إن مسائل الاختصاص تراتيب من صنائع ولي الأمر، وهي تندرج تحت قاعدة المصالح، فساغ له إسناد مهمة الاختصام في الاختصاص حالة مخالفته إلى جهة معينة. الشرط الثاني : أن يستند الدفع على مخالفة صريحة لقواعد الاختصاص النوعي للمحاكم التجارية لا يقبل الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المحاكم التجارية إلا إذا توكأ هذا الدفع على مخالفة صريحة لقواعد الاختصاص المحددة للمحاكم التجارية سالفة البيان، فعلى سبيل المثال لو رفع التاجر دعوى ضد شخص مدني فإن للأخير أن يدفع دعواه بعدم اختصاص المحكمة التجارية بنظر هذا النزاع؛ ذلك أن الفقرة (أ) من المادة (35) من نظام المرافعاتالشرعية تشترط أن يكون طرفا المنازعة تاجرين، وعلى المحكمة أن تقضي بعدم الاختصاص، والأمثلة كثيرة، ولا مجال للمزيد. فإذا استند الدافع في دفعه على مخالفة واضحة من قواعد الاختصاص كان دفعه صحيحا، وأضحى القاضي معزولا عن نظر هذا النزاع؛ لأنه لا ولاية له عليه. قال الطرابلسي: (ويجوز استثناء سماع بعض الخصومات ، أو سماع خصومة رجل بعينه، ولا يصير قاضياً في المستثنى )(63). وقال القرا في معرض ذكره لرتب الولاية: (الرتبة العاشرة: الولاية الجزئية المستفادة من القضاة وغيرهم ، كمن يتولى العقود والفسوخ في الأنكحة فقط، أو النظر في شفاعات الأيتام ، أو عقودهم فقط ، فيفوض إليه في ذلك (62 )انظر: الأحكام السلطانية للماوردي ص 315. (63 )معين الحكام ص13.
عدد الصفحات ٣٩٠يوسف بن عبدالله بن محمد الخضير 380 النقض والإبرام على ما يراه من الأوضاع الشرعية، فهذه الولاية شعبة من ولاية القضاء، وله إنشاء الأحكام في غير المجمع عليه، وذلك كله فيما وليه فقط، وما عداه لا ينفذ له فيه حكم البتة)(64). وقال الماوردي : (ويجوز أن يكون القاضي مقصور الولاية على النظر بين خصمين معينين، فيختص بالنظر بينهما، ولا ينظر بين غيرهما) (65). وقال ابن قدامة: (ويجوز أن يجعل حكمه في قدر من المال ، نحو أن يقول: أحكم في المائة فما دونها، فلا ينفذ حكمه في أكثر منها)(66). هذه النصوص الفقهيةتدل بجلاء على أنه يشترط لصحة ونفاذ الحكم القضائي أن يكون قد صدر في حدود الولاية التي أعطيت للقاضي، وأنه إذا أصدر حكما مخالفا لقواعد الاختصاص النوعي فإن ذلك من أسباب دفعه وعدم نفاذه، فتبين أن من أهم شروط دفع الخصومة في الفقه الإسلامي أن يستند الدفع على مخالفة واضحة لقواعد الاختصاص. أما إذا تجرد الدفع عن وجود مخالفة صريحة لقواعد الاختصاص النوعي لم يقبل الدفع، وتعين رده والالتفات عنه، والمضي في نظر الدعوى من حيث موضوعها. ولاشك أ ن القاضي التجاري منوط به فحص موضوع المنازعة، والتأكد من نوع المنازعة؛ أتجارية هي؟ أم ليست كذلك ؟، فهو الذي يقع على عاتقه نصب الأدلة وإقامة البراهين على أن هذا النزاع خارج عن ولايته. بقي أن أشير أن الدفع بعدم الاختصاص النوعي للمحاكم التجارية لا يتقيد بزمن محدد من إجراءات نظر الدعوى، كما هو الحال بالنسبة للدفع بعد الاختصاص (64 )الإحكامتمييز الفتاوى عن الأحكام ص 85. (65 )أدب القاضي1/160. (66 )المغ14/89-90.
عدد الصفحات ٣٩١الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المحاكم التجارية في... 381 المكاني، بل يجوز إثارته والتمسك به في كل مراحل ال دعوى إذا لم يسبق إ ثارته والفصل فيه، حيث نصت المادة(76) من نظام ارافعات الشرعية على أن الدفع بعدم الاختصاص النوعي : (يجوز الدفع به في أي مرحلة تكون فيها الدعوى )، فيجوز الدفع به قبل نظر النزاع والاستماع إلى أ دلة وحجاج الطرفين ، كما يجوز إ ثارته بعد ذلك، بل حتى بعد صدور الحكم من محكمة الدرجة الأولى، فسائغ إثارته أمام محكمة الاستئناف، بل يجوز التمسك بهذا الدفع حتى في مرحلة النقض ، حيث يجوز للمحكوم عليه الاعتراض بطلب النقض أمام المحكمة العليا ؛ مستندا على عدم اختصاص المحكمة التجارية نوعيا بنظر هذا النزاع، حيث نصت المادة الحادية عشرة من نظام القضاء السعودي الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/78) في19/9/1428هـ على أن من اختصاصات المحكمة العليا: (مراجعة الأحكام والقرارات التي تصدرها أو تؤيدها محاكم الاستئناف، المتعلقة بقضايا... أو بمسائل إنهائية ونحوها، وذلك دون أن تتناول وقائع القضايا، متى كان محل الاعتراض على الحكم ما يلي: ...صدور الحكم من محكمة أو دائرة غير مختصة )، وبهذا المعنى جاء نص المادة (193) من نظام المرافعات الشرعية. بل يتعين على المحكمة العليا أن تتصدى للنظر في مسألة الاختصاص من تلقاء نفسها، ولو لم يثره أ حد من الخصوم ، فإذا تبين لها أن النزاع ليس من اختصاص المحكمة التجارية نقضت الحكم و أعادت القضية إلى المحكمة التي أصدرت الحكم لتحكم فيها من جديد(67)؛ ذلك أن قواعد الاختصاص النوعي من النظام العام تنص على ذلك كما أ سلفنا القول ، وفي ذلك تقول المادة ( 199 )من نظام المرافعات (67 )انظر المادة198 من نظام المرافعات الشرعية .
عدد الصفحات ٣٩٢يوسف بن عبدالله بن محمد الخضير 382 الشرعية: (لا يجوز التمسك أمام المحكمة العليا بسبب لم يرد في مذكرة الاعتراض، ما لم يكن السبب متعلقًا بالنظام العام ، فتأخذ به المحكمة من تلقاء نفسها) (68). لكن لو أ ضحى الحكم نهائيا ، وتبين فيما بعد أ ن الحكم قد خالف قوا عد الاختصاص النوعي فهل من سبيل إلى إبطاله بالدفع بعدم الاختصاص النوعي؟ اختلف الفقهاء في ذلك على قولين: القول الأ ول: ذهب جمهور الفقهاء إ لى وجوب نقض الحكم الذي يخالف قواعد الاختصاص النوعي، حتى ولو صار الحكم نهائيا، وهذا يفهم من تصريحهم بعدم نفاذ الحكم إذا خالف قواعد الاختصاص التي سنها ولى الأمر(69). وقد ناصر هذا القول جمعٌ من شراح القانون ، وذهب بعضهم إ لى وصم الحكم الذي يصدر من محكمة غير مختصة اختصاصا نوعيا بأنه معدوم، لا يجوز تنفيذه ولا يحتاج إلى دعوى لإبطاله أصلا(70). القول الثا: ذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يصح نقض الحكم بعد أن أصبح نهائيا؛ لأن سكوت المدعى عليه عن إثارة هذا الدفع ورضاه بالسير في الدعوى حتى صدر الحكم ضده دليل على صحة الدعوى في الظاهر، فينبغي التمسك بهذا الظاهر، وعدم الركون إلى دفع المدعى عليه بعد ذلك(71). (68 )انظر: المبسوط في أصول المرافعات الشرعية للدكتور عبدالله الدرعان ص 522-523،دروس في قانون المرافعات للدكتور عبد الحكم شرف والدكتور ا لسعيد الأزمازي ص 263. (69 )انظر: معين الحكام للطرابلسي ص 13،الإحكام في تمييز الفتاوي عن الأحكام ص 85،أدب القاضي للماوردي 1/160،المغني لابن قدامة 14/90. (70 )انظر: نظرية الدفوع للدكتور أحمد أبو الوفاء ص 198. (71 )انظر: حاشية منحة الخالق على البحر الرائق7 لابن عابدين7/230، تحفة المحتاج للهيتمي 10/308، 309،نظرية الدعوى للدكتور محمد نعيم ياسين ص 612.
عدد الصفحات ٣٩٣الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المحاكم التجارية في... 383 ومال إلى ذلك بعض شراح قانون المرافعات المدنية والتجارية، حيث ذهبوا إلى أن الحكم تكون له حجية أمام المحاكم، بما فيها المحكمة التي كانت مختصة أصلا بنظر الدعوى متى أصبح نهائيا(72)؛ مصيرا منهم إلى أن مبدأ حجية الأحكام القضائية مصلة تعلو تلك التي تقوم عليها قواعد الاختصاص النوعي(73). والراجح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء وذلك لما يلي: إن القاضي وكيل لولي الأمر وواجب على الوكيل أن يتقيد بحدود ما وكل به فإن خالف فيُعد عمله باطلا؛ لأنه خارج نطاق ولايته ، الأمر الذي يصيّره مستحقا للنقض(74). إنه لامعنى لتحديد قواعد الاختصاص النوعي إذا أمضينا حكما مخالفا لها، بل إ ن ذلك يعد ضربا من ضروب العبث والتلاعب، إذ كيف يكون توزيع الاختصاص ملزما ومن النظام العام ، ثم يقال بإسباغ وصف الحجية على حكم قد خالف قواعده؟!. إذا نظرنا إلى المفاسد التي تنطوي على نقض الأحكام القضائية المخالفة لقواعد الاختصاص ألفيناها أقل ضررا من إمضاء أحكام مخالفة لقواعد الاختصاص، ذلك أن من القواعد الفقهية المرعية أنه (إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما)(75). (72 )انظر:: نظرية الدفوع للدكتور أحمد أبو الوفاء ص 197-198 ، الدفوع والدفاعات لعبد الحكم فوده ص 30-31،ودروس في قانون المرافعات للدكتور عبد الحكم شرف والدكتور السعيد الأزمازي ص 265، والمبسوط في أصول المرافعات الشرعية للدكتور عبدالله الدرعان ص 523. (73 )انظر: نظرية الدفوع للدكتور أحمد أبو الوفاء ص 198. (74 )انظر: الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص68. (75 )الأشباه والنظائر للسيوطي ص 87،الأشباه والنظائر لابن نجيم ص89.
عدد الصفحات ٣٩٤يوسف بن عبدالله بن محمد الخضير 384 إن ن قض الأ حكام المخالفة للاختصاص النوعي حياة لقواعد الاختصاص النوعي والنظام العام من ورائها. إن نقض الأ حكام المخالفة لقواعد الاختصاص النوعي يعد أحد أ هم وسائل حماية النظام العام، ذلك أن عدم النقض إهدار صارخ له(76). وهذا ما عليه نظام المرافعات الشرعية السعودي حيث أ وجب نقض الحكم المخالف لقواعد الاختصاص، حيث نصت الفقرة الثالثة من المادة (193) على أن من أسباب نقض الحكم صدوره من محكمة أو دائرة غير مختصة. المبحث الرابع: آثار قبول الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المحاكم التجارية إذا أثير الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المحكمة التجارية وجب عليها أن تنظر في هذا الدفع، والغالب أن تفصل في الدفع على استقلال قبل النظر في موضوع الدعوى ، لأن القضاء في الدفع يغنيها عن نظر الموضوع، وما يستلزم ذلك من جهد ووقت ، سواء على المحكمة أ و الخصوم ، لكن لا جناح عليها أن تضم الدفع إ لى موضوع الدعوى إذا توقف الفصل في مسألة الاختصاص على ذلك، لكن يجب عليها أن تبين على وجه التحديد ما حكمت به في كل من الدفع والدعوى؛ كما نصت على ذلك المادة (77 )و المادة178 )من نظام المرافعات الشرعية. (76 )انظر: دروس في قانون المرافعات للدكتور عبد الحكم شرف والدكتور السعيد الأزمازي ص 265
عدد الصفحات ٣٩٥الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المحاكم التجارية في... 385 ومن المستقر فقها وقضاء أ نه لا يجوز للمحكم ة أن تتصدى لنظر القضية من حيث الموضوع واتخاذ إجراءات الإثبات دون الفصل في الدفع أو ضمه إلى الموضوع(77). إذا تصدت المحكمة التجارية ل نظر الدفع بعدم الاختصاص النوعي فلا يخلو الحال إما أن ترفض المحكمة الدفع؛ لعدم تحقق شروطه، فهنا يجب عليها أن تمضي في نظر الدعوى من حيث الموضوع، وتفصل فيه، كالمتبع في أي قضية، أو تقضي بقبول الدفع؛ مصيرا منها إلى أ نه قد استجمع شرائطه المطلوبة له ، فإذا ثبت الدفع ترتبت عليه الآثار التالية: 1- اختلاف مراكز الخصوم الثابتة في الدعوى الأ صلية، فمتى تحققت شروط الدفع صار المدعى عليه في الدعوى الأصلية مدعيًا ، والمدعي مدعى عليه ، وحينئذ يسير القاضي مع الخصوم في هذا الدفع على هذا الأساس؛ كما يمضي في أي دعوى، فيطلب من المدعى عليه الجواب عن الدفع ويطلب من المدعى تقديم الأدلة والحجاج التي تسند دعوى دفع الخصومة (78)،والحكم الصادر في الدفع يجب يكون منطوقه تأسيسا على ذلك. 2- زوالالخصومة عن المدعى عليه أمام المحكمة التي رفعت إليها الدعوى، وبمقدور المدعي بعد ذلك رفع دعوى جديدة أ مام المحكمة التي انعق د لها اختصاص النظر في موضوعها(79). 3- الدفع بعدم الاختصاص النوعي لا ينطوي عليه المساس بأصل الحق المدعى به، ولا ينهي النزاع بين المتخاصمين؛ وإنما يترتب عليه انقضاء الخصومة أمام (77 )انظر: نظرية الدفوع للدكتور أحمد أبو الوفاء ص 190. (78 )انظر: نظرية الدعوى للدكتور محمد نعيم ياسين ص 630-631. (79 )انظر: نظرية الدفوع للدكتور أحمد أبو الوفاء ص 203.
عدد الصفحات ٣٩٦يوسف بن عبدالله بن محمد الخضير 386 المحكمةغير المختصة فقط، وأما الحق المدعى به فلا يتبدّ د بهذا الدفع، حيث يجوز له أن يستوفيه بدعوى أخرى أمام محكمة مختصة(80). 4- يجب على المحكمة التجارية إ ذا حكمت بعدم الاختصاص النوعي ، واكتسب حكمها القطعية أن تحيل الدعوى إ لى المحكمة المختصة ، حسب نوع الدعوى، كما يجب عليها أن تبلغ أطراف الدعوى بذلك، وفي ذلك تقول المادة (78) من نظام المرافعات الشرعية : (... يجب على المحكمة إذا حكمت بعدم اختصاصها واكتسب الحكم القطعية أن تحيل الدعوى إلى المحكمة المختصة وتعلم الخصوم بذلك). واضح من عبارة "يجب " في صدر هذه المادة أن القاضي ملزم إذا حكم بعدم الاختصاص أن يحيل الدعوى إلى محكمة الاختصاص، سواء كان الاختصاص للقضاء العام أو للقضاء الإداري أو للجان الإدارية ذات الاختصاص القضائي... ويرمي المنظم من وراء وجوب الإحالة إلى المحافظة على كل ما تم اتخاذه بشأن هذه الدعوى، من تحقيق أو خبرة أو غير ذلك؛ لتكون محكمة الاختصاص المحال إليها على اطلاع كامل فيما تم اتخاذه ، كما أ ن ذلك يفضي إ لى اختزال زمن التقاضي، ويقلل الجهد الذي سيبذل في هذه القضية، سواء للمحكمة أو الخصوم. لكن مما ينبغي الالتفات إليه أن المحكمة التي أحيل إليها النزاع غير ملزمة بالأخذ بما أتخذ من إجراءات وقرارات من قبل المحكمة المحيلة، بل ولا بأصل الإحالة، إذا بان لها أنها خارجة عن ولايتها(81). (80 )انظر: نظرية الدعوى للدكتور محمد نعيم ياسين ص 636،637. (81 )انظر: نظرية الدفوع للدكتور أحمد أبو الوفاء ص 241
عدد الصفحات ٣٩٧الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المحاكم التجارية في... 387 هذا وقاعدة الإحالة إ لى القاضي المختص من القواعد المعروفة والمستقرة في القضاء الإسلامي، فقد أشار إليها جمع من فقهاء الشريعة الإسلامية، ونصوا على أن الدعوى إذا رفعت إلى قاض غير مختص بنظرها فعليه أن يردها إلى القاضي المختص بنظرها. غير أنهم لم يجعلوا الإحالة أمرا وجوبيا على القاضي، كما فرضت ذلك نظم المرافعات، إذ بمقدور المدع ي أن يرفع دعواه مباشرة إ لى القاضي المختص ، أو يتبع دعواه المحالة (82)،وهذا أ مر حسن ؛ لا سيما وأ ن بعض القضاة قد لا يحيط معرفة بقواعد الاختصاص النوعي التي خارج اختصاصه. خليق بالذكر أ ن القضاء التجاري في ديوان المظالم يكتفي بالحكم بعدم الاختصاص النوعي، دون التصريح بالإحالة، وذلك في أحكام كثيرة جدا (83). لذا أقترح أن تكون الإحالة غير ملزم ة، لكن لو طلبت محكمة مختصة ملف القضية من المحكمة التي حكمت بعدم اختصاصها فيجب على الأخيرة إحالة هذا الملف، ويمكن تعديل هذه المادة وفق هذا المعنى، وبذلك تتحقق المقاصد المرومة من غير إلزام. 5- انقطاع مدة التقادمبرفع الدعوى، ذلك أن بعض الأنظمة التجارية نصت في بعض الأحوال على مدة تقادم لا تسمع الدعوى بعد انقضائها فإذا رفعت الدعوى وحكم بعدم الاختصاص النوعي فإن مدة التقادم تنقطع (84). 6- إن الحكم بقبول الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المحاكم التجارية إذا اكتسب القطعية فإنه يترتب على ذلك أ نه يحوز حجية بين الخصوم أطراف الدعوى (82 )انظر: جامع الفصولين لابن قاضي سماونه 1/،16 تبصرة الحكام لابن فرحون 1/67. (83 )انظر: مجموعة الأحكام والمباد التجارية 1 /7 وما بعدها (84 )انظر: نظرية الدعوى للدكتور محمد نعيم ياسين ص 637،الدفوع للدكتور أحمد أبو الوفاء ص 203.
عدد الصفحات ٣٩٨يوسف بن عبدالله بن محمد الخضير 388 وعند جميعالقضاة، فلا يجوز نقضه، وليس لأحد من الخصوم تجديد الخصام المتعلق بالاختصاص النوعي مرة ثانية (85)؛ لأنه حاز حجية ، فوجب احتر امه من جميع الجهات ذات العلاقة، مع ملاحظة أن الحجية تنحصر في الخصومة التي صدر بشأنها، أي الدفع بعدم الاختصاص النوعي، ولا تمتد إلى حكم الإحالة فهذه لا تنعم بحجية مطلقة، إذ يجوز للمحكمة المحال إليها النزاع أن تحكم بما تراه، حتى ولو حكمت بعدم اختصاصها؛ ذلك لأن حكم الاحالة لا يعد حكما قضائيا (86)؛ لأنه لا ينطوي على حق موضوعي متنازع عليه. الخاتمة بعد دراسة هذا الموضوع وتجلية مسائله انتهيت إلى عدد من النتائج والتوصيات، أذكر النتائج، ثم أقفي بالتوصيات. أولا: النتائج 1- يجوز تخصيص الولاية القضائية بالمكان والزمان ونوع المنازعة، بما يحقق المصالح ويدفع المفاسد. 2- رسم نظامُ المرافعات الشرعية الجديد وديباجة مرسومه ونظام المحكمة التجارية الاختصاص النوعي للمحاكم التجارية. (85 )انظر: نظرية الدعوى للدكتور محمد نعيم ياسين ص 693. (86 )انظر: نظرية الدفوع للدكتور أحمد أبو الوفاء ص 247،والدفوع والدفوعات لعبد الحكم فوده ص 38.
عدد الصفحات ٣٩٩الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المحاكم التجارية في... 389 3- الدفع في اللغة: رد الشيء وصرفه قبل وقوعه، وفي الاصطلاح: جواب المدعى عليه عن دعوى المدعي. 4- يعرف الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام ا اكم التجارية في الاصطلاح بأنه: صرف ذوي الشأن القاضي التجاري عن دعوى المدعي لانحسار ولايته في نظر موضوع النزاع. 5- تناول فقهاء الشريعة الإسلامية الدفوع في مصنفاتهم وقسموها إلى قسمين: دفع الدعوى، ودفع الخصومة. وأدخلوا الدفع بعدم الاختصاص النوعي في زمرة دفع الخصومة، والذي يقابل الدفوع الشكلية في القانون. 6- يصنف الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المحاكم التجارية على أنه من الدفوع الشكلية. 7- الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المحاكم التجارية من النظام العام، الذي يجوز التمسك به في كل مراحل الدعوى ، ولا يتقيد بزمن محدد ، وتحكم به المحكمة التجارية من تلقاء نفسها ولو لم يثره أحد من الخصوم، وإذا لم يثره أحد ساغ للمدعي العام أن ينتصب خصما ويدفع بعدم الاختصاص. 8- كل اتفاق على مخالفة قواعد الاختصاص النوعي أمام المحاكم ا لتجارية يعد باطلا لا ينتج أثرا. 9- دلت الأدلة على مشروعيةالدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المحاكم التجارية في الفقه الإسلامي، وهو المستقر في قضاء الدوائر التجارية في ديوان المظالم، وجعله نظام المرافعات الشرعية حقا للمدعى عليه ، وواجبا على المحكمة التجارية ، وبذلك أخذت أكثر قوانين المرافعات.
عدد الصفحات ٤٠٠يوسف بن عبدالله بن محمد الخضير 390 10- يجوز على الراجح من الأقوال الدفع بعدم ا لاختصاص النوعي أمام المحاكم التجارية، ولو بعد صدور حكم نهائي. 11- يشترط لقبول الدفع بعدم الاختصاص النو عي أمام المحاكم التجارية شرطان: الشرط الأول : أن يكون الدافع ممن له صفة في الدفع . الشرط الثاني : أن يستند الدفع على مخالفة صريحة لقواعد الاختصاص النوعي للمحاكم التجارية. 12- يترتب على قبول الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المحاكم التجارية آثار هامة، تتمثل فيما يلي: - اختلاف مراكز الخصوم ، فيصبح المدعى عليه مدعيا، والمدعي مدعى عليه. - زوال الخصومة عن المدعى عليه أمام المحكمة التي رفعت إليها الدعوى. - الدفع بعدم الاختصاص النوعي لا ينطوي عليه المساس بأصل الحق المدعى به. - يجب على المحكمة التجارية إذا حكمت بعدم الاختصاص النوعي ، واكتسب حكمها القطعية أن تحيل الدعوى إلى المحكمة المختصة. - إن الحكم بقبول الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المحاكم التجارية يحوز حجية، ولا يجوز إهداره. - يترتب على الحكم بقبول الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المحاكم التجارية انقطاع مدة التقادم المنصوص عليها في الأنظمة التجارية.
عدد الصفحات ٤٠١