الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المحاكم التجارية في... 359 هذه ا عمال التبعية كانت في الأ صل من صنائع الفقه والقضاء فجاء نظام المرافعات الشرعية حاسما ومؤكدا على تجارية هذه الاعمال. لكن هذه التصرفات التي يكون محلها هذه الأعمال يجب أن تكون بين تاجرين، فلو كان أحد الطرفين غير تاجر خرجت هذه المنازعة عن ولاية المحاكم التجارية، كما يلوح لك ذلك من نص الفقرة (أ) من المادة (35) سالفة الذكر. 2- الدعاوى التي تقام على التاجر بسبب أعماله التجارية الأصلية والتبعية وهذا نص عام ينضوي تحته كل الأ عمال والتصرفات والعقود التي يجريها التاجر من أجل أعماله التجارية ، سواء كانت أصلية أ و تبعية . ويعود للمحكمة التجارية أمر التأكد من تحقق الصفة التجارية لطرفي الدعوى وأن النزاع يتعلق بأعمالهم التجارية، سواء تعلق الأمر بشخص طبعي أو معنوي، كالشركات. غني عن البيان أن تصرفات التاجر ليست كلها تجارية، إذ من الممكن أن تنشأ بين تاجرين منازعة ولا تمت للأعمال التجارية بصلة، كما لو أستأجر أحد التاجرين من الآخر منزلا للسكنى، وحدث نزاع بينهما بسبب هذا العقد، فلا يدخل هذا النزاع في ولاية المحكمة التجارية، لذلك جاء القيد في هذه الفقرة واضحا وصريحا عندما نص على أن النزاع يجب أن يكون بسبب الأعمال التجارية. مع أن المنظم لو صرح بذكر العقود التجارية، كما هو حال كثير من القوانين لكان أ ولى؛ حسما لما قد يفهمه البعض - خطأ - من خروجها عن اختصاص المحاكم التجارية.
عدد الصفحات ٣٧٠يوسف بن عبدالله بن محمد الخضير 360 3- المنازعات التي تحدث بين الشركاء في الشركات يقصد بهذا الاختصاص أن جميع المنازعات التي تحدث بين الشركاء في أي نوع من أ نواع الشركات المنصوص عليها في نظام الشركات الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/6 وتاريخ22/3/1385هـماعدا شركة المحاصة من اختصاص المحاكم التجارية. 4- جميع الدعاوى والمخالفات المتعلقة بالأنظمة التجارية ، وذلك دون إخلال باختصاص ديوان المظالم. كثيرة هي الأنظمة التجارية التي أ صدرتها الدولة ، مثل نظام مكافحة الغش التجاري، ونظام الأسماء التجارية، ونظام العلامة التجارية، وغيرها، وبصريح هذه الفقرة فإ ن كل نزاع تعلق بالأنظمة التجارية فإ ن الاختصاص منعقد للمحاكم التجارية، ماعدا بعض الأنظمة التجارية التي أنشأت لجانا متخصصة للنظر في المخالفات التي تقع مخالفة له، وجعل التظلم من قراراتها أمام ديوان المظالم. 5- دعاوى الإفلاس والحجر على المفلسين ورفعه عنهم وهذا الاختصاص واضح المعالم لا يحتاج إ لى مزيد بيان ؛ ذلك أن الإ فلاس نظام خاص بالتجار. 6- المنازعات التجارية الأخرى هذا نص عام يمكن أن يدخل في سلطانه عدد كثير من المنازعات التجارية، وهو لا يتناسب مع الصياغة القانونية، التي تعتمد على الدقة وحصر المراد بشكل ظاهر؛ لذلك أرى حذفه أو تقييده بقيود واضحة. هذا وبعد صدور نظام المرافعات الشرعية الجديد أحدث تغييرا في الاختصاص النوعي للقضاء التجاري، حيث جعل شراء العقار بقصد بيعه أو إجارته من اختصاص المحاكم التجارية ، حينما أ لغى العبارة الواردة في عجز الماد ة ( 3) من نظام المحكمة
عدد الصفحات ٣٧١الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المحاكم التجارية في... 361 التجاريةالتي جاء فيها (... كما وأن دعاوى العقارات وإيجاراتها لا تعد من الأعمال التجارية). كما جعل مقاولات إنشاء المباني ونحوها داخلة في اختصاص المحاكم التجارية، من غير اشتراط أن يكون المقاول متعهدا بتوريد المؤن والأدوات اللازمة، حيث ألغى العبارة الواردة في الفقرة (د) من المادة (2) من نظام المحكمة التجارية، التي جاء فيها (... متى كان المقاول متعهدا بتوريد المؤن والأدوات اللازمة لها). ومن خلال ما سبق بيانه يتبين أن قضايا ومنازعات التأمين والأعمال المصرفية والأوراق المالية، والأوراق التجارية لا تزال قصيَّة عن ولاية المحاكم التجارية نوعيا، حيث ستظل هذه المنازعات من اختصاص اللجان القائمة إلى أن يتخذ المجلس الأعلى للقضاء قرارا بشأنها.(12) المطلب الثالث: التعريف بالدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المحاكم التجارية هذا مركب من أجزاء، ومعرفة المركب يتوقف على تعريف مفرداته، ضرورة توقف معرفة الكل على معرفة أجزائه، فنعرف بالمفردات أولا. الدفع في اللغة : مصدر دفع ، ويحمل معانٍ عدة، منها تنحية الشيء ، والصرف، والمنع، والإزالة بقوة، والدرء، والرد. (13) قال ابن فارس : (الدال والفاء والعين أصلٌ واحد مشهور ، يدلُّ على تنحيَة الشيء. يقال دَفَعْتُ الشّيءَ أدفعُه دفْعا ). وقال ابن منظور: (الدَّفْع: الإِزالة بقوّة ). (12 )انظر: آلية العمل التنفيذية لنظام القضاء ونظام ديوان المظالم، القسم الثالث الفقرة (2). (13 )انظر: الصحاح للجوهري 3/1208،القاموس المحيط للفيروز آبادي ص 715.
عدد الصفحات ٣٧٢يوسف بن عبدالله بن محمد الخضير 362 وفي الكليات: (الدفع صرف الشيء قبل الورود)، كما أن الرفع صرف الشيء بعد الورود. وكل هذا الإطلاقات المزبورة متقاربة المعاني، تدور حول: رد الشيء وصرفه قبل وقوعه. تعريف الدفع في اصطلاح الفقهاء: لم أجد للدفع تعريفا في اصطلاح الفقهاء؛ لأنهم لم يستعملوه في لسانهم، وإن كان المعنى حاضرا في مصطلحات أخرى، مثل دفع الخصومة، وإبطال دعوى المدعي. وأيا كان المصطلح فقد بات معلوما أنه لا مشاحة في الاصطلاح. لكن لما شاع الدفع في لسان المتأخرين، صنعوا له تعريفا بمعناه العام. من ذلك تعريف مجلة الأ حكام العدلية: (الدفع هو: الإتيان بدعوى من ق بل المدعي عليه تدفع دعوى المدعي).(14) وفي درر الحكام: هو الإتيان بدعوى قبل الحكم أو بعده من قبل المدعى عليه؛ تزيل دعوى المدعي. (15) وصفوة القول إن الدفع هو: جواب المدعى عليه عن دعوى المدعي. وتلاحظ أ ن هذا التعريف عام يشمل كل دفع يثيره الخصم لإ سقاط دعوى خصمه، سواء كان موجها لأ صل الحق وهو ما يعرف بالدفوع الموضوعية ، أو لإجراءات نظر الدعوى وهو ما يعرف بالدفوع الشكلية. أما تعريف المركب فهو : صرف ذوي الشأن القاضي التجاري عن دعوى المدعي لانحسار ولايته في نظر موضوع النزاع. (14 )مجلة الأحكام العدلية، المادة (1631) (15 )انظر: درر الحكام، لعلي حيدر 4/212
عدد الصفحات ٣٧٣الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المحاكم التجارية في... 363 ومرادي بذوي الشأنكل من له صفة في الدعوى، كالمدعى عليه، و المحكمة. فكل من له صفة يبدى أقو الا وحجاجا تبين أن النزاع الماثل أ مامها لا يدخل تحت و لايتها المحددة في نظر المنازعات ، فهو منع المحكمة عن نظر الدعوى لانعقاد الاختصاص لمحكمة أخرى. القاضي التجاري : قيد أ خرج غير التجاري ، كالقاضي الإ داري والجنائي والمدني وغيرهم. ومقصودي بعبارة موضوع النزاع : الاختصاص النوعي للمحاكم التجارية الذي رسم المنظم حدوده. تعريف الدفع في النظام: ورد لفظ الدفع في مواطن متعددة من نظام المرافعات الشرعية (16)غ أن المنظم لم يؤطره بتعر يف يحدد معناه؛ وذلك لأ ن وضع التعريفات عادة من مهام شراح النظام. وقد وردت تعريفات متعددة للدفع عند الشراح، منها: الوسيلة التي يجيب بها الخصم على طلب خصمه بقصد تفادي الحكم لخصمه بما يدعيه.(17) أما تعريف المركب فهو: إخراج النزاع من ولاية المحكمة التجارية المعروض عليها الدعوى، أو فقدان سلطة الحكم فيها. (18) وهذان تعريفانرجان عن معنى التعريف الذي رسمناه آنفا. (16 )انظر: المواد (75،76،77) من نظام المرافعات الشرعية . (17 )انظر: الدفوع المدنية لمحمد عليوه ص 5، نظرية الدفوع في قانون المرافعات للدكتور أحمد أبو الوفاء ص 11 (18 )انظر: الدفوع والدفاعات للدكتور عبدالحميد فودة ص 22،نظرية الدفوع في قانون المرافعات للدكتور أحمد أبو الوفاء ص 177
عدد الصفحات ٣٧٤يوسف بن عبدالله بن محمد الخضير 364 المبحث اول: توصيف الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المحاكم التجارية و طبيعته وفيه مطلبان: المطلب الأول: توصيف الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المحاكم التجارية تتنوع الدفوع إلى نوعين: 1- الدفوع الموضوعية وهي تلك التي توجه إلى أصل الحق المدعى به ؛ بغرض الحكم برفض الدعوى كليا أو جزئيا، فهو دفع ينازع في نشؤ الحق أو بقائه أو مقداره، ويتغيا بهذا رفض طلبات المدعي كلها أو بعضها، وصورها كثيرة، كأن ينكر وجود الحق الم دعى به أ صلا، أو يزعم سقوطه أو انقضائه بانقضاء الدين بالوفاء أو المقاصة، (19) وهذا النوع من الدفوع معروف في الفقه الإ سلامي باسم دفع الدعوى.(20) 2- الدفوع الشكلية وهي التي تتعلق بصحة الخصومة أمام المحكمة، حيث توجّ ه إلى الخصومة أو إلى بعض إجراءاتها دون التعرض لذات الحق المدعى به أو المنازعة فيه؛ وذلك بقصد تفادي الحكم في الموضوع بصفة مؤقتة أمام المحكمة ناظرة الدفع، وصور هذا النوع من الدفوع كثيرة، منها: الدفع بإحالة الدعوى إلى محكمة أخرى، والدفع ببطلان التكليف بالحضور ، و الدفع ببطلان أي ورقة من أوراق (19 )انظر: نظرية الدفوع للدكتور أحمد ابو الوفاء ص 15،والدفوع والدفاعات لعبد الحكم فودة ص 9 (20 )انظر: معين الحكام للطرابلسي ص 65 تبصرة الحكام لابن فرحون 1/102،كشاف القناع للبهوتي 6/233،نظرية الدعوى للدكتور محمد نعيم ياسين ص 588
عدد الصفحات ٣٧٥الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المحاكم التجارية في... 365 المرافعات، والدفع بإسقاط الخصومة أو باعتبارها كأن لم تكن .(21)وهذا النوع م ن الدفوع معروف في لسان الفقه الإسلامي باسم دفع الخصومة. (22) إذا نظرنا إ لى الدفع بعدم الاختصاص النوعي أ مام المحاكم التجارية نجد أنه ينتمي إلى الدفوع الشكلية؛ ذلك لأن الطاعن في الاختصاص يروم تنحية المحكمة عن نظر الدعوى ، دون المساس بأصل الحق المدعى به أ و التعرض له بأي شكل من الأشكال، وقد انعقد إجماع الشراح على أن الدفع بعدم الاختصاص النوعي أيا كان سواء كان تجاريا أو غيره يصنف على أنه من الدفوع الشكلية. (23) الفقه الإسلامي يصنف هذا الدفع على أ نه صورة من صور دفع الخصومة ، حيث إنه يمثل جواب ذي الشأن وهو المدعى عليه غالبا عن دعوى المدعي فيما يتعلق بإجراءاتها؛ لإقصائها عن نظر القاضي الذي رفعت إليه، دون الدخول في أصل الحق محل الدعوى ، ودفع الخصومة في الفقه الإ سلامي هو من الدفوع الشكلية في الغالب.(24) (21 )انظر: نظرية الدفوع للدكتور أحمد ابو الوفاء ص 12،و الدفوع المدنية لمحمد عليوه ص 20 (22 )انظر: درر الحكام لعلي حيدر 4/212 ،نظرية الدعوى للدكتور محمد نعيم ياسين ص 588. (23 )انظر: نظرية الدفوع في قانون المرافعات للدكتور أحمد أبو الوفاء ص 177، ،والدفوع والدفوعات ل عبد الحكم فوده ص 22،117،أحكام الدفوع في نظام المرافعات الشرعية السعودي للدكتور فؤاد عبدالمنعم والحسين غنيم ص 27 هامش(1) و ص81. (24 )انظر: بدائع الصنائع 6/231 تحفة المحتاج للهيتمي10/309 وما بعدها، شرح منتهى الإرادات 3/518 وما بعدها، نظرية الدعوى للدكت ور محمد نعيم ياسين ص 588.
عدد الصفحات ٣٧٦يوسف بن عبدالله بن محمد الخضير 366 وهذا وأنبه إلى أن نظام المرافعات الشرعية السعودي القديم والجديد لم يصنف الدفوع تحت ذينك النوعين ، بالرغم من استعمال المنظم مصطلح الشكلية في خطابه(25)،وكذلك إ قراره حق الدفع بعدم الاختصاص النوعي ، لكن بات معلوما للباحثين في هذا الشأن أ ن هذا التصنيف من بدائع الفقهاء وصنائع الشراح من أجل ترتيب المعارف وتبويب العلوم، ليسهل على المتلقي ضبط ما تشعب منها. المطلب الثاني: طبيعة الدفع بعدم الاختصاص النوعي للمحاكم التجارية تحديد ولاية جهات القضاء المختلفة يقوم على اعتبارات عامة تتعلق بالصالح العام في المجتمع، ولا يخضع لمصالح تخص المتقاضيين. لذلك كان من المتعين التفريق في هذا الشأن بين ما يتعلق بالشأن العام وهو ما يعرف بالنظام العام وما ليس كذلك. تعد القاعدة النظامية من النظام العام إذا قصد بها تحقيق مصلحة عامة، سواء كانت دينية أو سياسة أو اجتماعية أو اقتصادية تتعلق بمنظومة المجتمع الأعلى وتسمو على مصالح الأفراد، ولا يسوغ لهم مناوأته باتفاقات خاصة بينهم حتى ولو حققت لهم مصالح فردية؛ إذ المصالح العامة مقدمة على المصالح الخاصة.(26). و يمكن حصر النظام العام في إطار محدد يجمع فروعه على وجه الدقة ؛ ذلك لأنه مبدأ متغير حسب الأزمنة والأمكنة والأعراف والأحوال، وكل ما يمكن صنيعه في (25 )حيث نصت المادة 197) من نظام المرافعات بقولها : (تنظر المحكمة العليا الشروط الشكلية في الاعتراض..). (26 )انظر: الموافقات في أصول الشريعة للشاطبي 2/350.
عدد الصفحات ٣٧٧الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المحاكم التجارية في... 367 هذا الشأنهو رسم كلي تنضوي تحته عدد من الجزئيات، هذا الكلي ننعته بـ " المصلحة العامة التي تتعلق بنظام المجتمع الأعلى."(27) وهو يشمل روابط القانون العام وبعض روابط القانون الخاص على الصحيح من الأقوال.(28) أما ما كان يتغيا تنظيم روابط خاصة بين الأفراد ولا يتعلق بكيان المجتمع الأعلى ولا يروم تحقيق مصالح عامة فلا يندرج تحت ذلك الكلي، ولا يوصف بأنه من النظام العام. إذا عرفنا ذلك فإن طبيعة الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المحاكم التجارية هي من النظام العام، ويستند هذا المعنى على نص المادة (76) الفقرة1 )من نظام المرافعات الشرعية، إذ تنص على أن: (الدفع بعدم اختصاص المحكمة لانتفاء ولايتها أو بسبب نوع الدعوى أو قيمتها ، أو الدفع بعدم قبول الدعوى لانعدام الصفة أو الأهلية أو المصلحة أو لأي سبب آخر ، وكذا الدفع بعدم جواز نظر الدعوى ل سبق الفصل فيها، يجوز الدفع به في أي مرحلة تكون فيها الدعوى وتحكم به المحكمة من تلقاء نفسها). يلوح لك من نص هذه المادة أن المنظم السعودي حسم طبيعة هذا الدفع، وقرر أنه من النظام العام الذي لا يجوز الاتفاق على مخالفته، ويجب إعماله في كل حال وإن لم يطلبه المدعى عليه أو أحد من ذوي الشأن فيجب على المحكمة أن تتصدى له من تلقاء نفسها، ولا يلزم أن يكون إثارة هذا الدفع في بداية نظر المنازعة بل إن واجب هذا الدفع منعقد في جميع مراحل الدعوى، سواء قام بذلك الخصم أو المحكمة، بل إنه من (27 )انظر: مصادر الحق في الفقه الإسلامي للدكتور عبد الرزاق السنهوري 3/81،والوسيط في شرح القانون المدني للدكتور عبد الرزاق السنهوري 1/326 وما بعدها. (28 )انظر: الوسيط للسنهوري 1 /329.
عدد الصفحات ٣٧٨يوسف بن عبدالله بن محمد الخضير 368 واجبات المحكمة الوظيفية، حيث إن عبارة " وتحكم " نص آمر وفق المعيار الشكلي (اللفظي) للقواعد القانونية الآمرة.(29) وبهذا أخذت أكثر قوانين المرافعات، ونصت عليه بنصوص صريحة. (30) وهو المستقر في القضاء التجاري السعودي، حيث أصدرت الدوائر التجارية في ديوان المظالم عددا كثيرا من الأحكام القضائية التي تدل بوضوح على أن الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام القضاء التجاري يعد من النظام العام، وتحكم به الدائرة من تلقاء نفسها ولو لم يثره أحد من الخصوم. جاء في أحد الأحكام: (حيث إن ديوان المظالم بوصفه جهة قضاء تجاري يختص بالفصل في المنازعات التي تنشأ بين التجار في معاملاتهم التجارية الأصلية أو التبعية، إضافة إلى عدد من الاختصاصات التي أسُ ند إلى الدوائر التجارية ولاية الفصل فيها ،كما أن الفصل في أحكام الاختصاص من المسائل الأولية عند نظر الدعوى، ويكون التصدي له سابق ا على النظر في موضوع النزاع ؛ لتعلقه بالولاية القضائية على الدعوى؛ ولكونه من أ مور النظام العام التي لا يجوز الاتفاق على خلافها ويجب الفصل فيه ولو لم يثره أطراف الدعوى). (31) (29 )انظر: المدخل للعلوم القانونية للدكتور توفيق فرج ص 74. (30 )نصت المادة109 من قانون المرافعات المصري رقم 13 لسنة1968 م: (الدفع بعدم اختصاص المحكمة لانتفاء ولايتها أو بسبب نوع الدعوى أو قيمتها تحكم به المحكمة من تلقاء نفسها ، و يجوز الدفع به في أية حالة كانت عليها الدعوى ). وانظر:المادة (78) من قانون المرافعات المدنية والتجارية الكويتي رقم 38 / 1980) وغيرها. (31 )الحكم رقم 136/د/تج30لعام1428 هـ رقم حكم التدقيق 1632/ت7 لعام1428 هـ.منشور في مجموعة الأحكام والمباد التجارية - ديوان المظالم، لعام 1430 هـ1 /59.
عدد الصفحات ٣٧٩الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المحاكم التجارية في... 369 وهناك أحكام أخرى كثيرة نطقت صراحة بأن هذا الدفع من النظام العام، تركتُ استدعائها؛ خشية الإطالة. (32) كما أن شراح النظام السعودي سائرون في طريق هذا النص، ولم أر أحدا خرج عن ذلك،(33)وهو ما عليه أكثر شراح قانون المرافعات، (34)حاشاشراح قانون المسطرة المدنية المغربية ، حيث ذهب جمع منهم إلى أ ن الاختصاص النوعي ليس من النظام العام. (35) أما في الفقه الإ سلامي فإن طبيعة هذا الدفع تعد من الأ حكام السلطانية التي يجب الالتزام بها ولا يجوز مخالفتها، حتى ولو اتفق الخصوم على ذلك، ذلك أنه لا يجوز للقاضي مخالفة ح دود ولايته التي رسمها له ولي الأمر وإ لا فلا ينفذ حكمه ؛ لتقاعد ولايته عن نظر هذا النزاع ، قال الماوردي : (وإذا قلد قاضيان لم يخ ل حال تقليدهما من ثلاثة أقسام ... والقسم الثاني أن يرد إلى أحدهما نوع من الأحكام وإلى الآخر غيره، كرد المداينات إلى أحدهما والمناكح إلى الآخر فيجوز ذلك، ويقتصر كل واحد منهما على النظر في ذلك الخاص في البلد كله)،(36) (32 )انظرها في المرجع السابق الجزء الأول ، وانظرها منشورة على موقع ديوان المظالم على الشبكة على الرابط : https://jobs.bog.gov.sa/BogRules/tegare/e5tesas/e5tesas.html وكذلك انظر الحكم رقم 74/ت4 لعام1409هـ غير منشور (33 )انظر: المبسوط في أصول المرافعات الشرعية للدكتور عبدالله الدرعان ص 522، (34 )انظر: الوسيط للدكتور عبدالرزاق السنهوري 1 /333- 334،ونظرية الدفوع في قانون المرافعات للدكتور أحمد أبو الوفاء ص 185. (35 )هذا المذهب يتوكأ على عبارة " يمكن " الواردة في سياق الفصل 16) من قانون المسطرة المدنية المغربية لسنة 1974م، فعبارة يمكن – كما يقولون – في هذا السياق لا تفيد الوجوب . انظر: الأمر بالأداء في القانون المغربي لعبداللطيف تجاني ص 114. (36 )الأحكام السلطانية ص97-98.
عدد الصفحات ٣٨٠يوسف بن عبدالله بن محمد الخضير 370 وجاء في لسان الحكام : (وكذا لو كان أحدهما من أهل العسكر والآخر من أهل البلد فإن أراد العسكري أن يخاصمه إلى قاضي العسكر فهو على هذا، ولا ولاية لقاضي العسكر على غير الجندي).(37) وقال ابن نجيم : ( ولو استثنى حوادث فلان: لا يقضي فيها ، ولو قضى لا ينفذ).(38) صحيحأنهم لم ينعتوا ذلك بـ مصطلح النظام العام، لكن منع الفقهاء القاضي من النظر في نزاع خارج ولايته النوعية مطلقا والتصريح بعدم نفاذ حكمه برهان على أن هذا الدفع من حقوق السلط ة الذي لا يجوز مخالفته ، والعبرة بالمعاني لا بالألفاظ والمباني.(39) المبحث الثا: حكم الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المحاكم التجارية أولا: الفقه الإسلامي انعقد اتفاق الفقهاء على مشروعية دفع خصومة المدعي المتعلقة بالاختصاص النوعي، فمن حق المدعى عليه أن يدفع خصومة المدعى، ويطلب تنحية القاضي عن نظر هذه الخصومة، طالما تبين أن ولايته المرسومة له من ولي الأ مر م نحسرة عن نظرها، ذلك أ ن تحديد الولاية النوعية للخصومات مبني في الأصل على مقتضيات العدل والإنصاف، وخرق هذه التراتيب من قبل القاضي أو الأفراد يعد مساسا بهذا العدل المفترض ، لذلك كان سماع جواب المد عى عليه مندرج في معنى العدل (37 )لسان الحكام ص222. (38 )البحر الرائق 6/282. (39 )انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ص 166.
عدد الصفحات ٣٨١الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المحاكم التجارية في... 371 وانصاف، وقد تكفل الشارع الحكيم للخصوم بحق الدفاع عن أ نفسهم وصر ف الخصومة عنهم بكل وسيلة مشروعة. والأدلة الدالة على مشروعية هذا الد فع ليست أدلة جزئية مباشرة ، وإنما هي أدلة عامة وقواعد كلية يمكن استنطاقها بما يدل على انعقاد الحق للمدعى عليه في الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المحاكم التجارية،(40)ومن هذه الأدلة ما يلي: 1- قول الله تعا: ﭽ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﭼ (41)،وقوله تعالى: ﭽ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﭼ (42) وجه الدلالة: أن الله عز وجل أ مر عباده عند الحكم بين ال ناس أ ن يحكمو ا بالعدل والحق والإنصاف،(43)ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا إ ذا كان بمقدور كل طرف من أطراف الدعوى أن يبد ي ما يملك من أدلة وحِجاج ودفوع في مجلس القضاء(44)،ومن هذه الدفوع الداخلة في هذا المعنى الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المحاكم التجارية، فدل ذلك على أن تمكين المدعى عليه من إثارة هذا الدفع من مقتضيات العدالة. (40 )للإمام الشاطبي كلام غاية في الحسن والبهاء فيما يتعلق بالقواعد الكلية ال يجري عليها مالا هااية له من النوازل والجزئيات . انظره في الاعتصام 2/816 – 818 (41 )سورة النساء الآية 58 ) (42 )سورة ص الآية 26) (43 )انظر: تفسير الطبري 7/172 – 20 /77. (44 )انظر: دفع الخصومة في الفقه الإسلامي للدكتور ناصر الغامدي ص 66
عدد الصفحات ٣٨٢يوسف بن عبدالله بن محمد الخضير 372 2- قولـــــــــه تعـــــــــا ﭽ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱﭼ(45) وجه الدلالة: دلت هذه الآية على أن من هدي المرسلين ومنهاج النبيين إعطاء كل متهم في أمر من الأمور الحق في القول والدفاع عن نفسه بالحجج البينة والبراهين الظاهرة (46)، ومما يندرج تحت هذا المعنى إعطاء المدعى عليه الحق في الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المحكمة التجارية، فدل ذلك على مشروعيته. 3- ما جاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: بعثني رسول ا صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قاضيًا فقلت: يا رسول الله ترسلني وأنا حديث السِّن ، ولا علم لي بالقضاء؟ فقال صلى الله عليه وسلم : (إن الله سيهدي قلبك ويثبِّت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول؛ فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء). قال: (فما زلت قاضيًا ، أو ما شككت في قضاء بعد)(47). وجه الدلالة: هذا أمر منه صلى الله عليه وسلم لكل من يلي القضاء أن يمكّ ن المدعى عليه من البوح بأقواله وحججه ودفعه كما أ باح للمدعي ذلك؛ لأن ذلك وسيلة من وسائل كشف الحقائق وضرب من ضروب العدل الذي أمرت به الشريعة الإسلامية. (45 )سورة النمل الآية (21) (46 )انظر: تفسير البغوي 3 /497. (47 )أخرجه أبو داود في كتاب الأقضية ، باب كيف القضاء ، 3/301، والترمذي في كتاب الأحكام ، باب ما جاء في القاضي لا يقضي بين الخصمين حتى يسمع كلامهما. وقال عنه : (هذا حديث حسن). 3/610، وحسنه الألباني. انظر: إرواء الغليل 8/226.
عدد الصفحات ٣٨٣الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المحاكم التجارية في... 373 قالالصنعاني رحمه الله: (والحديث دليلٌ على أنه يجب على القاضي أن يسمع دعوى المدعي أولا ثم يسمع جواب المجيب، ولا يجوز له أن يبني الحكم على سماع دعوى المدعي قبل جواب المجيب، فإن حكم قبل سماع الإجابة عمدا بطل قضاؤه، وكان قدحا في عدالته).(48) 4- ما جاء في كتاب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى الأ شعري: (ومن ادعى حقًا غائبًا أو بينة فاضرب له أمدًا ينتهي إليه ، فإن بيَّنه أعطيته بحقِّه ، وإن أعجزه ذلك استحللتَ عليه القضية؛ فإن ذلك هو أبلغ في العذر وأجلى للعمى).(49) وجه الدلالة: يدل هذا الأثر على أنه يجب على القاضي أن يعطي المتخاصمين مجالا لتقديم البينة التي يدفع بها خصومة خصمه، ولو ساقه ذلك إلى ضرب أجل وتأخير الفصل في النزاع؛ حتى يحضر دفاعه، ومن هذه الدفاعات التي تنضوي تحت هذا المعنى الدفع بعدم ولاية القاضي في نظر نوع المنازعة. (50) 5- إن من مقتضيات جواز تخصيص القضاء من حيث نوع المنازعة جواز الدفع به عند عدم تحققه، إذ لا معنى للتخصيص مع القول بعدم جواز الدفع، لذلك كان من لوازم حماية الاختصاص القضائي بين المحاكم إ قرار حق الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المحاكم التجارية. (48 )سبل السلام شرح بلوغ المرام 2/572. (49 )أخرجه الدار قطني في سننه في كتاب الأقضية والأحكام 5/367 والبيهقي في السنن الكبرى كتاب آدب القاضي، باب إنصاف الخصمين 10/229،وللعلماء كلام طويل حيال تصحيحه وتضعيفه ليس هذا البحث موطن استقصائه، وصفوة القول: إنه صحيح بمجموع طرقه ، وقد تلقاه العلماء بالقبول. قال ابن القيم: (هذا كتاب جليل القدر ، تلقاه العلماء بالقبول). إعلام الموقعين 1 /86 (50 )انظر: إعلام الموقعين لابن القيم 1/110،الأشباه والنظائر لابن نجيم 225.
عدد الصفحات ٣٨٤يوسف بن عبدالله بن محمد الخضير 374 6- إن الدفع بعدم الاختصاص يعد ضربا من ضروب تطبيق العدالة ؛ ذلك أن الحكم بعدم الاختصاص يق تضي إعادة المنازعة إلى المحكمة المختصة ، وهذه في الأصل أعلم باختصاصها ومحيطة بكل تفاصيله، ولا شك أن من ضمانات العدالة في القضاء أن يحكم في المنازعة من هو مختص وعالم بمجال اختصاصه فيها. 7- إن الدفع بعدم الاختصاص يعد أ حد تطبيقات قاعدة سد الذرائع (51)، ذلك أن القول بعدم جواز الدفع يفضي حتما إلى أن يتولى الفصل في المنازعة قاض غير مختص ولا عالم بأحكام المنازعة، ولا يخفى ما ينطوي على ذلك من الظلم والجنف الذي يحيق بالخصوم والمرفق القضائي برمته ، لذلك كان واجبا سد هذه الذريعة ، وقطع هذه الوسيلة والقول بم شروعية الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المحاكم التجارية إذا استجمع شرائطه. ثانيا: في النظام السعودي قرر المنظم السعودي أ ن الدفع بعدم الاختصاص النوعي واجب ، ولا يملك أحد من الخصوم مخالفته بحال من الأحوال، وإيما اتفاق بين الخصوم على مخالفته يعد باطلا، وقد سبق أن أشرنا إلى أن هذا الدفع يعد من النظام العام الذي تتعلق به مصالح الجماعة، ولا يخضع لرغائب الأفراد ومصالحهم. هذا الحكم النظامي الوجوبي يمتد أثره إلى القاضي، فلا يملك أن ينظر نزاعا ليس منطويا تحت ولايته، بل يجب عليه أ ن يحكم بعدم الاختصاص من تلقاء نفسه حالة عدم إثارته من أحد الخصوم. وعلى هذا النسق صدرت أحكام كثيرة عن القضاء التجاري السعودي من ذلك ما جاء في الحكم رقم 65/د/تج6/لعام1428 هـ: (حيث ما تم التوسط مرتبط بعقد (51 )قال الشاطبي رحمه : (إن قاعدة سد الذرائع متفق على اعتبارها في الجملة ). الموافقات 3/61.
عدد الصفحات ٣٨٥