اللقمانيات التسع بين يدي اللقمانيات 17 8-قال في الشكر﴿ وَمَنْ يَشْكُرْ ﴾ بصيغة المستقبل، وفي الكفران ﴿ وَمَنْ كَفَرَ ﴾ فيه إشارة إلى معنى وإرشاد إلى أمر، وهو أن الشكر ينبغي أن يتكرر في كل وقت لتكرر النعمة، فمن شكر ينبغي أن يكرر والكفر ينبغي أن ينقطع فمن كفر ينبغي أن يترك الكفران. (مفاتيح الغيب للرازي: :25/118) 9-شكر الله هو رأس الحكمة، إذ لا يكون الشكر إلا عن إيمان وثيق بالله وعن رضا مطلق بكل شيء يصيب الإنسان ومن حرم الشك ر فقد خلا قلبه من الإيمان. (التفسير القرآني للقرآن بتصرف 11 /565.) 10-قال السري السقط ي: الشكر ألا نعصى الله بنعمه، وقال الجنيد: ألا ترى معه شريكاً في نعمه، وقيل: هو الإقرار بالعجز عن الشك ر، والحاصل أن شكر القلب المعرفة، وشكر اللسان الحمد، وشكر الأركان الطاعة، و ر ؤية العجز في الشكر دليل قبول الكل. (مدارك التنزيل وح قائق التأويل للنسفي: 2/714) 11-﴿ نِ َ أ اشْكُرْ للََِِّّ ﴾ وهذا توجيه قرآني ضمني إلى شكر الله اقتداء بذلك الرجل الحكيم المختار الذي يعرض قصته وقوله، وإلى
عدد الصفحات ١٧اللقمانيات التسع بين يدي اللقمانيات 18 جوار هذا التوجيه الضمني توجيه آخر، فشكر الله إنما هو رصيد مذخور للشاكر ينفعه هو والله غني عنه، فالله محمود بذاته و لو لم يحمده أحد من خلقه ﴿ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لنَِفْسِهِ . وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَََّّ غَنٌِِّ حََِيد ﴾ (في ظلال القرآن: 5/2787) 12-قال تعالى هنا : ﴿ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لنَِفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ ﴾بتقدم الشكر على الكفران، وقال في سورة الروم: ﴿ مَنْ نْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ َ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُُُ وَمَنْ عَمِلَ صَالًِْا فَلِِ ﴾ (الروم: 44) ،فنقول هناك كان الذكر للترهيب لقوله تعالى من قبل ﴿ تَِِ يَوْم لاَ مَرَدَّ لََُ مِنَ اللََِّّ ْ نْ يَأ َ قِمْ وَجْهَكَ لِلذِينِ الْقَيذِمِ مِنْ قَبْلِ أ َ فَأ يَوْ مَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ﴾ (الروم: 43) ،و هاهنا الذكر للترغيب، لأن وعظ الأب للابن يكون بطريق اللطف والوعد ، وقوله: ﴿ وَمَنْ عَمِلَ صَالًِْا ﴾ يحقق ما ذكرنا أولاً لأن المذكور في سورة الروم لما كان بعد اليوم الذي لا مرد له تكون الأعمال قد سبقت فقال بلفظ الماضي
عدد الصفحات ١٨اللقمانيات التسع بين يدي اللقمانيات 19 ﴿ وَمَنْ عَمِلَ ﴾ وهاهنا لما كان المذكور في الابتداء قال ﴿ وَمَنْ يَشْكُرْ ﴾ بلفظ المستقبل.(مفاتيح الغيب للرازي: 25/119) 13-الشكر مبني على خمس قواعد: خضوع الشاكر للمشكور وحبه له واعترافه بنعمته والثناء عليه بها وألا يستعملها فيما يكره ، هذه الخمسة هي أساس الشكر وبناؤه عليها، فإن عدم منها واحدة اختلّت قاعدة من قواعد الشكر. (محاسن التأويل للقاسمي: 8/28) 14-قرن القرآن الكرم الشكر بالإيمان وجعلهما على كفتي ميزان سواء بسواء، فقال تعالى ﴿ وَاشْكُرُوا للََِِّّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاُُ تَعْبُدُونَ ﴾ (172: البقرة )، وقال :﴿ وَاشْكُرُوا ِِ وَلا تَكْفُرُونِ ﴾ (152 : البقرة )، (التفسير القرآني للقرآن: 11/565) 15-﴿ غَنٌِِّ حََِيد ﴾ فغناه تعالى من لوازم ذاته، وكونه حميدً ا في صفات كماله حميدً ا في جُيل صنعه من لوازم ذاته، وكل واحد من الوصفين صفة كمال واجتماع أحدهما إلى الآخر زيادة كمال إلى كمال.(تفسير السعدي: 648) رسائل التزكية والأعمال:
عدد الصفحات ١٩اللقمانيات التسع بين يدي اللقمانيات 20 إن آتاك الله الحكمة أو وصفك الناس بالحكيم فاشكر ربك ؛ لأن الحكيم ينسب الفضل لأهله. شكرك المنعم سبحانه سبب في دوام النعم عليك كما أن جحدها سبب في زوالها، فالحكيم من يعرف الخير فيتبعه ويحذر الشر فيجتنبه. احرص على طلب الحكمة من الله سبحانه، فهي محض فضل آتاه الله لعبده الصالح الحكمة تستدعي العمل بموجبها، وفي الشكر إشارة للعمل والتطبيق، يشهد لذلك قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ﴾ (سبأ:13.) في الآية إشارة للاهتمام بصاحب الحكمة وتكريمه، ولذلك ذكر باسمه.
عدد الصفحات ٢٠اللقمانيات التسع اللقمانية الأولى 21 اللقمانيةالأولى: عدم الشرك بالله ﴿ ِكْ بِاللََِّّ إِنَّ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنََِّ لاَ تُشْْ الشْذِْكَ لَظُلْم عَظِيم 13 ﴾ التفسير الميسر للآية: واذكر أيّ ها الرسول نصيحة لقمان لابنه حين قال له واعظًا: يا بنيَّ لا تشرك بالله فتظلم نفسك؛ إنَّ الشرك لأعظم ال كبائر وأبشعها. الفوائد والهدايات التدبرية: 16-ولما كان الإنسان لا يعرف حكمة الحكيم إلا بأقواله وأفعاله، ولا صدق الكلام وحكمته إلا بمطابقته للواقع، فكان التقدير: اذكر ما وصفنا به لقمان لتنزل عليه ما تسمع من أحواله وأفعاله في توفية حق الله وحق الخلق الذي هو مدار الحكمة، عطف عليه قوله: ﴿ وَإِذْ ﴾ أي واذكر بقلبك لتتعظ وبلسانك لتعظ غيرك. (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور: 15/161)
عدد الصفحات ٢١اللقمانيات التسع اللقمانية الأولى 22 17-عطف على معنى ما سبق وتقديره آتينا لقمان الحكمة حين جعلناه شاكرً ا في نفسه وحين جعلناه واعظً ا لغيره وهذا لأن علو مرتبة الإنسان بأن يكون كاملاً في نفسه ومكملاً لغيره فقوله ﴿ نِ َ أاشْكُرْ للََِِّّ ﴾ إشارة إلى الكمال وقوله ﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ ﴾ إشارة إلى التكميل .(مفاتيح الغيب للرازي: 25 /119) 18-وهو إذ كان حكيمً ا إذ آمن بالله وشكر له، فإنه كان حكيمً ا كذلك إذ نفع بهذه الحكمة أقرب الناس إليه، وآثرهم عنده و هو ابنه فدعاه إلى الإيمان بالله، وإلى إخلاء قلبه من الشرك، حتى يلحق بأبيه، ويكون من الشاكرين لله. (التفسير القرآني للقرآن: 11/565) 19-و ظل نصيحة الأب لابنه يعرض للعلاقة بين الوالدين والأولاد في أسلوب رقيق ويصور هذه العلاقة صورة موحية فيها انعطاف ورقة ، ومع هذا فإن رابطة العقيدة مقدمة على تلك العلاقة الوثيقة. (في ظلال القرآن: 5/2788) 20-﴿ يا بنَِّ ﴾ تصغير التحبيب والتقريب والشفقة، ومثله في يوسف لما خاطب أباه بقوله ﴿ بَتِ َ يَا أ ﴾، وفيه إظهار الطواعية
عدد الصفحات ٢٢اللقمانيات التسع اللقمانية الأولى 23 والبر والتنبيه على محل الشفقة بطبع الأبوة، خاطبه أبوهبقوله: ﴿ يا بنَِّ ﴾ للتحبيب والشفقة..(البحر المحيط في التفسير: 6/238) بتصرف 21-﴿ يا بنَِّ ﴾ فخاطبه بأحب ما يخاطب به، مع إظهار الترحم والتحنن والشفقة ليكون ذلك أدعى لقبول النصح.(نظم الدرر في تناسب الآيات والسور: 15/161) 22-ابتدأ لقمان موعظة ابنه بطلب إقلاعه عن الشرك بالله ، لأن النفس المعرضة للتزكية والكمال يجب أن يقدم لها قبل ذلك تخليتها عن مبادئ الفساد والضلال.(التحرير والتنوير: 21/155) 23-ثم إنه في الوعظ بدأ بالأهم وهو المنع من الإشراك (مفاتيح الغيب للرازي 25 /119.) 24-يوصيولده الذي هو أشفق الناس عليه وأحبهم إليه، فهو حقيق أن يمنحه أفضل ما يعرف. (تفسير ابن كثير : 6 /300.) 25-الظلم وضع الشيء في غير موضعه المختص به إما بنقصان أو بزيادة وإما بعدول عن وقته أو مكانه ويقال على التجاوز عن الحق قليلا ً كان التجاوز أو كثيرًا ولهذا يستعمل في الذنب الصغير و الكبير. (التفسير المظهري: 7/255)
عدد الصفحات ٢٣اللقمانيات التسع اللقمانية الأولى 24 26- ﴿ إِنَّ الشْذِْكَ لَظُلْم عَظِيم ﴾ ووجه كونه عظيمً ا، أنه لا أفظع وأبشع ممن سَوَّى المخلوق من تراب بمالك الرقاب، وسوَّى الذي لا يملك من الأمر شيئً ا بمن له الأمر كله، وسوَّى الناقص الفقير من جُيع الوجوه بالرب الكامل الغني من جُيع الوجوه، وسوَّى من لم ينعم بمثقال ذرة من النعم بالذي ما بالخلق من نعمة في دينهم ودنياهم وأخراهم وقلوبهم وأبدانهم إلا منه، ولا يصرف السوء إلا هو، فهل أعظم من هذا الظلم شيء؟!(تفسير السعدي: 648.) 27-﴿ إِنَّ الشْذِْكَ لَظُلْم عَظِيم ﴾في الحديث المأثور أنه لما نزلت ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾ (الانعام: 82) ،أشفق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: أينا لم يظلم؟ فأنزل الله تعالى: ﴿ إِنَّ الشْذِْكَ لَظُلْم عَظِيم ﴾فسكن إشفاقهم. (المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: 4/348) 28-لأنّ التسوية بين من لا نعمة إلا هي منه ومن لا نعمة منه البتة ولا يتصوّر أن تكون منه ظلم لا يكتنه عظمه. (الكشاف للزمخشر ي: 3/494) 29-﴿ إِنَّ الشْذِْكَ لَظُلْم عَظِيم ﴾تعليل للنهي عنه وتهويل لأمره،
عدد الصفحات ٢٤اللقمانيات التسع اللقمانية الأولى 25 فإنه ظلم لحقوق الخالق وظلم المرء لنفسه إذ يضع نفسه في حضيض العبودية لأخس الجمادات، وظلم لأهل الإيمان الحق إذ يبعث على اضطهادهم وأذاهم، وظلم لحقائق الأشياء بقلبها وإفساد تعلقها.(التحرير والتنوير: 21/155) 30-جُع لقمان في هذه الموعظة أصول الشريعة وهي الاعتقادات والأعمال وأدب المعاملة وأدب النفس. (التحرير والتنوير: 21 /154) 31-في هذا تنبيه لقريش وكل سامع على أن هذه وصية لا يعدل عنها، لأنها من أب حكيم لابن محنو عليه محبوب وأن آباءهم لو كانوا حكماء ما فعلوا إلا ذلك، لأنه يترتب عليها ما عليه مدار النعم الظاهرة والباطنة الدينية والدنيوية العاجلة والآجلة وهو الأمن والهداية ﴿الذَِّينَ مْنُ وَهُمْ ولَئِكَ لَهُمُ الأَْ ُ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أ مُهْتَدُونَ ﴾.( الأنعام 82)،(نظم الدرر في تناسب الآيات والسور: 15/162) 32-في هذا لطيفة وهي أن الله ذكر لقمان وشكر سعيه حيث أرشد ابنه ليمعلَم منه فضيلة النبي عليه السلام الذي أرشد الأجانب والأقارب فإن إرشاد الولد أمر معتاد، وأما تحمل المشقة في تعليم الأباعد فلا. (مفاتيح الغيب للرازي: 25/119)
عدد الصفحات ٢٥اللقمانيات التسع اللقمانية الأولى 26 33-إنها لعظة غير متهمة فما يريد الوالد ل ولده إلا الخير، وما يكون الوالد لولده إلا ناصحً ا وهذا لقمان الحكيم ينهى ابنه عن الشرك الذي هو ظلم عظيم، ويؤكد هذه الحقيقة مرتين ، مرة بتقدم النهي و فصل علته، ومرة بإنّ واللام، وهذه هي الحقيقة التي يعرضها محمد صلى الله عليه وسلم على قومه فيجادلونه فيها ويشكو ن في غرضه من وراء عرضها ويخشون أن يكون وراءها انتزاع السلطان منهم والتفضل عليهم! فما القول ولقمان الحكيم يعرضها على ابنه ويأمره بها؟ والنصيحة من الوالد لولده مبرأة من كل شبهة، بعيدة من كل ظنة ، ألا إنها الحقيقة القديمة التي تجري على لسان كل من آتاه الله الح كمة من الناس يراد بها الخير المحض ولا يراد بها سواه، وهذا هو المؤثر النفسي المقصود. (في ظلال القرآن: 5/2788) رسائل التزكية والأعمال: المدرسة وحدها لا تمغني عنك في توجيه ابنك وتربيته. قدم في وعظك الأهم على المهم وفق قاعدة الأولويات التي أقرها الشرع، كم ا جاء في توجيه نبي الهدى لمعاذ بن جبل لما أرسله إلى أهل اليمن فقال له: «إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فادعهم إ
عدد الصفحات ٢٦اللقمانيات التسع اللقمانية الأولى 27 شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب».(صحيح مسلم كتاب الإيمان 1/50). ناقش مع أبنائك خطر الشرك والسحر والشعوذة والدجل فظلم النفس في إضلالها عن سبيل الله. ركز في كلامك مع أبنائك حول عظمة الخالق وقدرته وضرورة صرف العبادة له وحده . علل وبين أسباب ما تأمربه؛ ليكون محل قبول لدى المتلقي، فلقمان نهى ولده: ﴿ِكْ بِاللََِّّ يَا بُنََِّ لاَ تُشْْ ﴾ ثم بين له السبب: ﴿ إِنَّ الشْذِْكَ لَظُلْم عَظِيم ﴾، فلا تلغ عقل ولدك.
عدد الصفحات ٢٧اللقمانيات التسع اللقمانية الثانية 28 اللقمانية الثانية: بر الوالدين ﴿ مُّهُ وَهْنًا عَلََ وَهْنٍ وَفِصَالَُُ فِ ُ ِنْسَانَ بِوَالَِِيْهِ حَََلَتْهُ أ وَوَصَّيْنَا الْْ نِ اشْكُرْ ِِ وَلِوَالَِِيْكَ إََِِّ َ ََمَِْْ أ الْمَصِيرُ 14﴾ التفسير الميسر للآية: وأَمَرْنا الإنسان ببرِّ والديه والإحسان إليهما، حمََلَتْه أمه ضعفًا على ضعف، وحمله وفِطامه عن الرضاعة في مدة عامين، وقلنا له: اشكر لله، ثم اشكر لوالديك، إليَّ المرجع فأمجازي كملا بما يستحق. الفوائد و الهدايات التدبرية: 34-جاءت هاتان الآيتان معترضتين وصية لقمان لابنه، وذلك لتكتمل بها الحكمة التي كان من أولى ثمراتها وأطيبها شكر الخالق المنعم، ثم تكون الثمرة الثانية وهي شكر الوالدين وذلك ببر هما والإحسان إليهما. (التفسير القرآني للقرآن: 11/566)
عدد الصفحات ٢٨اللقمانيات التسع اللقمانية الثانية 29 35- ولما ذكر سبحانه وتعالى ما أوصىبه ولده من شكر المنعم الأول الذي لم يشركه في إيجاده أحد وذكر ما عليه الشرك من الفظاعة والشناعة و البشاعة أتبعه سبحانه وصيته للولد بالوالد لكونه المنعم الثاني المتفرد سبحانه بكونه جعله سبب وجود الولد اعترافاً بالحق وإن صغر لأهله وإيذاناً بأنه لا يشكر الله من لا يشكر الناس وتفخيماً لحق الوالدين لكونه قرن عقوقهما بالشرك وإعلامً ا بأن الوفاء شيء واحد متى نقص شيء منه تداعى سائره ولذلك لفت الكلام إلى ممظهر العظمة ترهيبً ا من العقوق ورفعً ا لما لعله يتوهم من أن الانفصال عن الشرك لا يكون إلا بالإعراض عن جُيع الخلق. (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور: 15/163) 36-مناسبة هذا الكلام أنه لما قص وصاية لقمان لابنه بما هو شكر الله بتنزيهه عن الشرك في الإلهية بينَّ الله أنه تعالى أسبق منة على عباده إذ أوصى الأبناء ببر الآباء فدخل في العموم المنة على لقمان جزاء على رعيه لحق الله في ابتداء موعظة ابنه فالله أسبق بالإحسان إلى الذين أحسنوا برعي حقه ويقوي هذا التفسير اقتران شكر الله و شكر الوالدين في الأمر. (التحرير والتنوير: 21/156) 37- وتوصية الولد بالوالدين تتكرر في القرآن الكر و في وصايا رسول
عدد الصفحات ٢٩اللقمانيات التسع اللقمانية الثانية 30 الله ولم ترد توصية الوالدين بالولد إلا قليلاً ومعظمها في حالة الوأد وهي حالة خاصة في ظروف خاصة ذلك أن الفطرة تتكفل وحدها برعاية الوليد من والديه ، فالفطرة مدفوعة إلى رعاية الجيل الناشئ لضمان امتداد الحياة كما يريدها الله وإن الوالدين ليبذلان لوليدهما من أجسامهما وأعصابهما وأعمارهما ومن كل ما يم لكان من عزيز وغال، في غير تأفف ولا شكوى بل في غير انتباه ولا شعور بما يبذلان ، بل في نشاط وفرح وسرور كأنهما هما اللذان يأخذان . فالفطرة وحده ا كفيلة بتوصية الوالدين دون وصاة، فأما الوليد فهو في حاجة إلى الوصية المكررة ليلتفت إلى الجيل المضحي المدبر المولىّ ا لذاهب في أدبار الحياة بعد ما سكب عصارة عمره وروحه وأعصابه للجيل المتجه إلى مستقبل الحياة، وما يملك الوليد وما يبلغ أن يعوّض الوالدين بعض ما بذلاه، ولو وقف عمره عليهما. (في ظلال القرآن: 5/2788) 38-﴿ ِنْسَانَ وَوَصَّيْنَا الْْ ﴾ وذكر الإنسان بهذا الذكر في سورة الحكمة إشارة إلى أنه أتم الموجودات حكمة، قال الرازي في آخر سورة الأحزاب من لوامعه: الموجودات كلها كالشجرة والإنسان ثمرتها وهي
عدد الصفحات ٣٠اللقمانيات التسع اللقمانية الثانية 31 كالقشور والإنسان لبابها وكالمبادئ والإنسان كمالها . (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور: 15/166) 39-ذكر الله هذا لتأكيد ما في وصية لقمان من النهي عن الشرك بتعميم النهي في الأشخاص والأحوال لئلا يتوهم متوهم أن النهي خاص بابن لقمان أو ببعض الأحوال فأخبر الله أن الله أوصى بذلك كل إنسان وأن لا هوادة فيه ولو في أحرج الأحوال وهي حال مجاهدة الوالدين أولادهم على الإشر اك. (التحرير والتنوير: 21/156) 40-وصية الله للإنسان بوالديه هي أمر وعزيمة وتكليف إذ كثيرا ما ينكر الإنسان هذا الحق الذي لوالديه عليه. (التفسير القرآني للقرآن: 11/566) 41-لما منعه من العبادة لغير الله والخدمة قريبة منها في الصورة بين أنها غير ممتنعة بل هي واجبة لغير الله في بعض الصور مثل خدمة الأبوين ثم بين السبب فإنه لله على العبيد ابتداء خلقهم ور زقهم فيما بعد، فقال ﴿ مُّهُ ُ حَََلَتْهُ أ ﴾ أي صارت بقدرة الله سبب وجوده وفصاله في عامين أي صارت بقدرته أيضً ا سبب بقائه فإذا كان منها ما له صورة الوجود والبقاء وجب عليه ما له شبه العبادة من الخدمة فإن الخدمة لها صورة العبادة. (مفاتيح الغيب للرازي : 25 /120 )بتصرف .
عدد الصفحات ٣١اللقمانيات التسع اللقمانية الثانية 32 42- وفي قوله تعا :﴿مُّهُ وَهْنًا عَلََ وَهْنٍ وَفِصَالَُُ ُ حَََلَتْهُ أ فِ ََمَِْْ ﴾ إشارة إلى أخفى لون في الصورة التي نبت منها الولد ، ونشأ في حجر والديه، وإلفات للولد إلى هذا الخيط الواهي من الحياة التي كانت له والتي أمسكت به الأم نطفة ثم علقة ثم ما زالت تمسك بهذا الخيط في حرص و حذر و تفرز له من عصارة حياتها ما يزيده على الأيام قوة ونماء حتى تفتق عنه رحمها وليداً طفلاً ثم ما ز الت به تحمله بين يديها وتضمه إلى صدرها وترضعه من لبنها حتى يفطم ويرفع فمه عن هذا الينبوع الذي يمتص منه رحيق الحياة؛ ليستقبل بعد هذا ما يمده به والداه من طعام حتى يشب ويكبر ويستطيع أن يسعى سعيه في الحياة، إنها رحلة استمرت نحو عامين قطعها هذا الإنسان دائرا في فلك أمه بين حمل ورضاعة. (التفسير القرآني للقرآن : 11 /567.) 43-وهذه الآية أدخل الله الأم في رتبة الوصية بالوالدين ثم خصص الأم بدرجة ذكر الحمل ودرجة ذكر الرضاع فتحصل للأم ثلاث مراتب وللأب واحدة. (تفسير ابن عطية: 4 /348)
عدد الصفحات ٣٢