- 71 - كركل الخلبؿ ىنا في أصل الكتاب: بسنده قاؿ أخبرني عصمة بن عصاـ قاؿ: حدثنا حنبل أنو سمع أبا عبد الله يقوؿ: كالناس يحتاجوف إلى مداراة كرفق في الأمر بالمعركؼ بلب غلظة إلا رجلب مباينا معلنا بالفسق كالردل فيجب عليك نهيو كإعلبنو؛ لأنو يقاؿ: ليس لفاسق حرمة، فهذا لا حرمة لو. كقاؿ أيضا: أخبرني محمد بن علي الوراؽ قاؿ: حدثني مهنا قاؿ: قاؿ أحمد بن حنبل، كاف أصحاب ابن مسعود إذا مركا بقوـ يركف منهم ما يكرىوف. يقولوف مهلب رحمكم الله ا.ىػ فهذه الآثار تبين طريقة السلف رضي الله عنهم في النهي عن المنكر. المطلب الثاني: النهي بالوعظ كالنصح كالتخويف من الله تعالى. كىذه الدرجة تتعلق غالبا في مرتكب المنكر العارؼ بحكمو في الشرع بخلبؼ الدرجة الأكلى فهي في الغالب تستعمل للجاىل في الحكم، فهذا يستعمل معو أسلوب الوعظ كالنصح كالتخويف من الله تعالى كيذكر لو آيات الترىيب كالوعيد، كلكن بأسلوب الحكمة كالموعظة الحسنة يقوؿ تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة كالموعظة الحسنة[ )النحل: ُِٓ]، كيقوؿ تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم كلو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك[ )عمراف: ُٗٓ]كحتى لو كاف عارفا لهذه النصوص فلها تأثيرىا كىذا يعتبر ذكرل. كالله يقوؿ (كذكر فإف الذكرل تنفع المؤمنين[ )الذاريات: ٓٓ]، كيبين لو ما أعد الله للطائعين، كيذكره بالموت كأنو ليس لو كقت معين، بل يأتي بغتة، كربما جاء الإنساف كىو كاقع في المعصية، فتكوف خاتمتو سيئة، كيبين لو أف ىدفو من نصحو كإرشاده حبو لو كخوفو عليو من عذاب يوـ القيامة كأنو ما فعل ذلك إلا إشفاقا عليو، حتى يطمئن لو كتنفتح نفسو لسماع الموعظة كربما أعقب ذلك الإقلبع عما ىو كاقع بو. كينبغي أف يتدرج مع المنهي في الأحواؿ التالية: ُ - أف يذكر بعض النصوص من القرآف كالسنة المخوفة للعاصين كالمذنبين، كأقواؿ السلف في ذلك. كيختار من ذلك القصير شديد الوقع في النفس. ِ - تذكيره بالأمم كالطوائف كالأشخاص الذين كقعوا في المعصية كحل عليهم غضب الله كعذابو، كالشواىد في الكتاب كالسنة كثيرة جدا. ّ - أف يذكره أف للذنوب سلبيات كثيرة، كأف ما يصيب الإنساف في نفسو كأىلو كمالو بسبب الذنوب.
عدد الصفحات ٨١- 72 - كرد عن ثوباف قاؿ: قاؿ رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم (لا يزيد العمر إلا البر، كلا يرد القدر إلا الدعاء، كإف الرجل ليحرـ الرزؽ بالذنب يصيبو) أخرجو ابن المبارؾ في الزىد (ٖٔ)، كأحمد (ٓ/ ِٕٕ، رقم َِِْْ)، كابن أبي شيبة (َُ/ ُْْ - ِْْ)، كىناد في الزىد (ََُٗ)، كابن ماجو (َٗ، َِِْ)، كالطحاكم في مشكل الآثار (ْ/ ُٗٔ)، كالركيانى (ُ/ َِْ، رقم ّْٔ)، كابن حباف (ّ/ ُّٓ، رقم ِٕٖ)، كالطبرانى (ِ/ ََُ، رقم ُِْْ)، كالحاكم (ُ/ َٕٔ، رقم ُُْٖ)، كالقضاعى (ِ/ ُُٓ، رقم ََُُ)، كأبو نعيم في تاريخ أصبهاف (ِ/ َُ)، كالأصبهاني في الترغيب كالترىيب (ُ/ َِِ)، كعبد الغني المقدسي في الدعاء (حُِ)، كالبغوم في شرح السنة (ُّ/ ٔ) من حديث ثوباف رضي الله عنو، كالحديث ضعفو ابن عدم، كأقره ابن القيسراني في الذخيرة (ٓ/ ُِٕٕ)، كضعفو العلبمة الألباني في ضعيف الجامع (ُِْٓ، ََّٔ، ّْٗٔ). كصححو ابن حباف، كصححو الحاكم كأقره الذىبي، كقاؿ المنذرم في الترغيب (ّ/ ِٖٗ): إسناده صحيح، كقاؿ البوصيرم في الزكائد: سألت شيخنا أبا الفضل العراقي رحمو الله عن ىذا الحديث فقاؿ ىذا حديث حسن، كصححو العلبمة ابن باز في مجموع فتاكاه (ٓ/ ّّٔ)، كقاؿ الشيخ مشهور في تعليقو على المجالسة (ُِٖٗ) إسناده لين كالحديث حسن. كقولو تعالى: (كما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم كيعفو عن كثير[ )الشورل: َّ]، كغير ذلك من النصوص كالآثار التي تبين عقوبة المعاصي في الدنيا كالآخرة. ْ - محاكلة ذكر الأدلة كالشواىد الخاصة إف كاف يعرؼ ذنبو بشكل خاص. فإذا كاف معركفا بشرب الخمر ركز على عقوبة شارب الخمر كالآثار الواردة في ذلك كالعقوبات المترتبة عليو في الدنيا كالآخرة، ثم ينتقل إلى الوعظ بشكل عاـ. كليحرص كل الحرص أف تكوف الموعظة سرا بينو كبينو حتى لا تأخذه العزة بالإثم فيرفض قبولها، كحتى يعلم بحق أنو ليس للناىي ىدؼ سول النصيحة كالإشفاؽ عليو فقط. ذكر ابن عبد البر في كتابو بهجة المجالس (ُ/ ْٕ): عن مسعر بن كداـ قاؿ: (رحم الله من أىدل إلي عيوبي في ستر بيني كبينو فإف النصيحة في الملؤ تقريع). كركل الحافظ أبو نعيم في الحلية (ْ/ ُِْ، ُّْ) بسنده عن مرة بن شرحبيل قاؿ: سئل سلماف بن ربيعة عن فريضة فخالفو عمرك بن شرحبيل . فغضب سلماف بن ربيعة كرفع صوتو فقاؿ عمرك بن شرحبيل : كالله لكذلك أنزلها الله تعالى فأتيا أبا موسى الأشعرم فقاؿ: القوؿ ما قالو أبو
عدد الصفحات ٨٢- 73 - ميسرة. كقاؿ لسلماف ينبغي لك أف لا تغضب إف أرشدؾ رجل، كقاؿ لعمرك: قد كاف ينبغي لك أف تساكره يعني تساكره كلا ترد عليو كالناس يسمعوف ا.ىػ فينبغي للناىي عن المنكر أف يستخدـ السبل التي تعين صاحب المنكر على أف يقلع عن معصيتو. كالله أعلم. المطلب الثالث: الغلظة بالقوؿ: كىذه المرتبة يلجأ إليها بعد استخدامو الأسلوب السهل اللين القريب، كبعد معرفتو أف أسلوب اللين لم يجد عند ذلك يغلظ لو القوؿ كيشدد عليو كيزجره مع مراعاة قواعد الشرع في ذلك، فإذا أمن شره فإنو يقوـ بذلك كلكن لا يقوؿ إلا حقا، كىذا الأسلوب قد استعملو أبو الأنبياء عليو كعليهم السلبـ، يقوؿ الله تعالى حكاية عنو (أؼ لكم كلما تعبدكف من دكف الله أفلب تعقلوف[ )الأنبياء: ٕٔ]فيقوؿ اتق الله أما تخاؼ الله أما تستحيي ألا تعرؼ أف فعلك ىذا فعل الفساؽ كالفجار، كىكذا، فلعلو ينزجر، كينبغي للناىي أف لا يطلق لسانو في كل ما يرد عليو، بل يحاسب نفسو على كلمة ستخرج منو، كفي الوقت نفسو عليو أف لا يتعدل، فإذا علم أف صاحبو استجاب أك أقلع كقف، كشكره على استجابتو كأف يقوؿ: جزاؾ الله خيرا كبارؾ فيك. يقوؿ الغزالي في الإحياء (ٕ/ ْٕ) كلهذه الدرجة أدباف: أحدىما: أف لا يقدـ عليها إلا عند الضركرة كالعجز عن اللطف. الثاني: أف لا ينطق إلا بالصدؽ كلا يسترسل فيو، فيطلق لسانو الطويل بما لا يحتاج إليو بل على قدر الحاجة. المطلب الرابع: التهديد كالتخويف: كىذه المرتبة ىي آخر المحاكلات لنهيو باللساف كيعقبها بعد ذلك إيقاع الفعل. فيقاؿ لو: لأخبرف بك السلطات لتسجنك كتعاقبك على فعلك، كىكذا يورد عليو بعض أساليب التخويف كالتهديد كلكن ينبغي أف يكوف ىذا التهديد كالتخويف في حدكد المعقوؿ عقلب كشرعا حتى يعرؼ أنك صادؽ في تهديدؾ؛ لأنك لو ىددتو بأمور غير جائزة شرعا عرؼ أنك غير جاد؛ لأف الآمر يجب أف يكوف أقرب الناس استجابة لشرع الله تعالى. فلب يقوؿ لو: إف لم تنتو سوؼ أحرؽ بيتك بمن فيو كأسلب مالك كأفعل كأفعل، من أمور لا تجوز شرعا.
عدد الصفحات ٨٣- 74 - يقوؿ الغزالي في الإحياء (ٕ/َٓ): كلا يهدد بوعيد لا يجوز لو تحقيقو كقولو لأنهبن دارؾ أك لأضربن كلدؾ أك لأسبين زكجتك كما يجرم مجراه بل إف ذلك إف قالو عن عزـ فهو حراـ كإف قالو من غير عزـ فهو كذب ا.ىػ ىذه ىي مراتب الإنكار باللساف فعلى الناىي أف يسلك ىذه المراتب عند نهيو مرتبة مرتبة، كلا ينتقل من مرتبة قبل أختها؛ لأف المقصود إصلبح ىذا المسلم الذم كقع في منكر، كليس المقصود الانتقاـ منو أك الانتصار عليو. فإف انتهى عند المرتبة الأكلى فهو المطلوب كإلا انتقل للتي تليها كىكذا. المسألة الثالثة: حكم الإنكار على السلطاف. إف ما يتحملو الإماـ كالراعي من مسئوليات كأعباء في رعاية شئوف الأمة تجعلو دائمنا بحاجة إلى النصح، كالتذكرة، كالأمر، كالنهي؛ فإف النبي صلى الله عليو كسلم قاؿ كما عند البخارم برقم (ُّ) ، كمسلم (ْٓ) (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيو ما يحب لنفسو) كقاؿ صلى الله عليو كسلم كما عند البخارم (ِِْْ)، كمسلم (َِٖٓ) (المسلم أخو المسلم لا يظلمو، كلا يسلمو)، كالحاكم بغض النظر عن رتبتو ككظيفتو أخ للمسلم في الإسلبـ، كلا شك أف تلك الأخوة قائمة بين الحاكم كالمحكوـ، كالقياـ بحقوقها من أحدىما للآخر كاجب في كل زماف كمكاف، كمن حقوقها بذؿ النصيحة من كل منهما للآخر لا سيما من المحكوـ للحاكم لشدة حاجتو إليها كمردكدىا الطيب على الجميع. كمن الأدلة على كجوب تقديم النصيحة للحاكم حديث أبي ىريرة الصحيح رضي الله عنو قاؿ: قاؿ رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم: (إف الله رضي لكم ثلبثنا، ككره لكم ثلبثنا؛ رضي لكم أف تعبدكه كلا تشركوا بو شيئنا، كأف تنصحوا لمن كلاه الله أمركم، كأف تعتصموا بحبل الله جميعنا، كلا تفرقوا). ك صح عن النبي صلى الله عليو كسلم أنو قاؿ (ثلبثة لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلبص العمل لله، كمناصحة كلاة الأمر، كلزكـ جماعة المسلمين؛ فإف دعوتهم تحيط من كرائهم). قاؿ أبو عثماف سعد بن إسماعيل الخيرم: "فانصح للسلطاف، كأكثر لو من الدعاء بالصلبح كالرشاد في القوؿ كالعمل، فإنو إف صلحوا صلح العباد لصلبحهم، كإياؾ أف تدعو عليهم فيزدادكا شرِّا، كيزداد البلبء بالمسلمين".
عدد الصفحات ٨٤- 75 - كقاؿ الحافظ ابن رجب في جامع العلوـ كالحكم (ِ/ِْٖ) في تفسير حديث أبي سعيد الخدرم: (من رأل منكم منكرنا فليغيره ... ) إلى آخره: "قاؿ سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: آمر السلطاف بالمعركؼ كأنهاه عن المنكر؟ قاؿ: إف خفت أف يقتلك فلب، ثم عدت فقاؿ لي مثل ذلك، كقاؿ: إف كنت لا بد فاعلبن ففيما بينك كبينو. كقاؿ طاكس: أتى رجل ابن عباس؛ فقاؿ: ألا أقوـ إلى ىذا السلطاف فآمره كأنهاه؟ قاؿ: لا تكن لو فتنة، قاؿ: أفرأيت إف أمرني بمعصية الله؟ قاؿ: ذلك الذم تريد فكن حينئذو رجلبن . كقد ذكرنا حديث ابن مسعود الذم فيو: (يخلف من بعدىم خلوؼ فمن جاىدىم بيده فهو مؤمن) قاؿ: كىذا يدؿ على جهاد الأمراء باليد، كقد استنكر الإماـ أحمد ىذا الحديث في ركاية أبي داكد، كقاؿ: ىو خلبؼ الأحاديث التي أمر رسوؿ الله -صلى الله عليو كآلو كسلم فيها بالصبر على جور الأئمة، كقد يجاب عن ذلك بأف التغيير باليد لا يستلزـ القتاؿ، كقد نص على ذلك أحمد أيضنا في ركاية صالح؛ فقاؿ: التغيير باليد ليس بالسيف كالسلبح، فحينئذو جهاد الأمراء باليد أف يزيل بيده ما فعلوه من المنكرات مثل أف يريق خمورىم، أك يكسر آلات اللهو التي لهم، أك نحو ذلك، أك يبطل بيده ما أمركا بو من الظلم إف كاف لو قدرة على ذلك، ككل ذلك جائز، كليس ىو من باب قتالهم، كلا من الخركج عليهم الذم كرد النهي عنو؛ فإف ىذا أكثر ما يخشى منو أف يقتلو الأمراء كحده. كأما الخركج عليهم بالسيف فيخشى منو الفتن التي تؤدم إلى سفك دماء المسلمين، نعم إف خشي في الإقداـ على الإنكار على الملوؾ أف يؤذل أىلو أك جيرانو لم ينبغ لو التعرض لهم حينئذ لما فيو من تعدم الأذل إلى غيره، كذلك قاؿ الفضيل بن عياض كغيره، كمع ىذا متى خاؼ منهم على نفسو السيف، أك السوط، أك الحبس، أك القيد، أك النفي، أك أخذ الماؿ، أك نحو ذلك من الأذل سقط أمرىم كنهيهم، كقد نص الأئمة على ذلك منهم: مالك، كأحمد، كإسحاؽ، كغيرىم، قاؿ أحمد: لا يتعرض إلى السلطاف؛ فإف سيفو مسلوؿ ا.ىػ كقاؿ ابن مفلح في الآداب الشرعية (ُ/ُٔٗ): كلا ينكر أحد على سلطاف إلا كعظنا لو كتخويفنا، أك تحذيرنا من العاقبة في الدنيا كالآخرة، فإنو يجب كيحرـ بغير ذلك، ذكره القاضي كغيره، كالمراد: كلم يخف منو بالتخويف كالتحذير، كإلا سقط، ككاف حكم ذلك لغيره، قاؿ حنبل: اجتمع فقهاء بغداد في كلاية الواثق إلى أبي عبد الله، كقالوا لو: إف الأمر قد تفاقم كفشا يعنوف إظهار القوؿ بخلق القرآف كغير ذلك، كلا نرضى بإمرتو كلا سلطانو، فناظرىم في ذلك، كقاؿ:
عدد الصفحات ٨٥- 76 - عليكم بالإنكار بقلوبكم، كلا تخلعوا يدنا من طاعة، كلا تشقوا عصا المسلمين، كلا تسفكوا دماءكم كدماء المسلمين معكم، كانظركا في عاقبة أمركم، كاصبركا حتى يستريح بر أك يستراح من فاجر، كقاؿ: ىذا ليس بصواب، ىذا خلبؼ الآثار. كقاؿ المركذم: سمعت أبا عبد الله يأمر بكف الدماء، كينكر الخركج إنكارنا شديدنا، كقاؿ في ركاية إسماعيل بن سعيد: الكف؛ لأنا نجد عن النبي صلى الله عليو كسلم: (ما صلوا فلب)) خلبفنا للمتكلمين في جواز قتالهم كالبغاة. قاؿ القاضي: كالفرؽ بينهما من جهة الظاىر كالمعنى؛ أما الظاىر فإف الله تعالى أمر بقتاؿ البغاة بقولو تعالى{ :كىإًفٍ طىائًفىتىافً مًنى الٍميؤٍمًنًينى اقػٍتىتػىليوا فىأىصٍلًحيوا بػىيػٍنػىهيمىا فىإًفٍ بػىغىتٍ إًحٍدىاىيمىا عىلىى الأٍيخٍرىل فػىقىاتًليوا الَّتًي تػىبٍغًي حىتَّى تىفًيءى إًلىى أىمٍرً اللَّوً فىإًفٍ فىاءىتٍ فىأىصٍلًحيوا بػىيػٍنػىهيمىا بًالٍعىدٍؿً كىأىقٍسًطيوا إًفَّ اللَّوى ييحًبُّ الٍميقٍسًطًينى }الحجرات: ٗ). كفي مسألتنا أمر بالكف عن الأئمة بالأخبار المذكورة . كأما المعنى فإف الخوارج يقاتلوف بالإماـ، كفي مسألتنا يحصل قتالهم بغير إماـ، فلم يجز كما لم يجز الجهاد بغير إماـ، كقاؿ عبد الله بن المبارؾ: إف الجماعة حبل الله فاعتصموا * منو بعركة كثقى لمن دانا كم يدفع الله بالسلطاف معضلة * في ديننا رحمة منو كدنيانا لولا الخلبفة لم تأمن لنا سبل * ككاف أضعفنا نهبنا لأقوانا كقاؿ عمرك بن العاص لابنو: "يا بني احفظ عني ما أكصيك بو: إماـ عدؿ خير من مطر كابل، كأسد حطوـ خير من إماـ ظلوـ، كإماـ ظلوـ غشوـ خير من فتنة تدكـ". قاؿ ابن الجوزم: الجائز من الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر مع السلبطين التعريف كالوعظ، فأما تخشين القوؿ نحو: يا ظالم، يا من لا يخاؼ الله؛ فإف كاف ذلك يحرؾ فتنة يتعدل شرىا إلى الغير لم يجز، كإف لم يخف إلا على نفسو؛ فهو جائز عند جمهور العلماء، قاؿ: كالذم أراه المنع من ذلك؛ لأف المقصود إزالة المنكر، كحمل السلطاف بالانبساط عليو على فعل المنكر أكثر من فعل المنكر الذم قصد إزالتو. قاؿ الإماـ أحمد رحمو الله: لا يتعرض للسلطاف؛ فإف سيفو مسلوؿ كعصاه، فأما ما جرل للسلف من التعرض لأمرائهم فإنهم كانوا يهابوف العلماء، فإذا انبسطوا عليهم احتملوىم في الأغلب. كلأحمد من حديث عطية السعدم قاؿ: إذا استشرت السلطاف تسلط عليو الشيطاف، ككعظو الجوزم في سنة أربع كسبعين كخمسمائة بحضور الخليفة المستضيء بأمر الله، كقاؿ: لو أني
عدد الصفحات ٨٦- 77 - مثلت بين يدم السنة الشريفة لقلت: يا أمير المؤمنين قل لله سبحانو ما حاجتك إلي كما كاف لك مع غناه عنك، إنو لم يجعل أحدنا فوقك فلب ترض أف يكوف أحد أشكر لو منك، فتصدؽ أمير المؤمنين بصدقات كأطلق محبوسيو. ككعظ أيضنا في ىذه السنة كالخليفة حاضر قاؿ: كبالغت في كعظ أمير المؤمنين، فمما حكيتو لو: أف الرشيد قاؿ لشيباف: عظني؛ فقاؿ: يا أمير المؤمنين لأف تصحب من يخوفك حتى تدرؾ الأمن خير لك من أف تصحب من يؤمنك حتى تدرؾ الخوؼ. قاؿ: فسر لي ىذا، قاؿ: من يقوؿ لك: أنت مسئوؿ عن الرعية فاتق الله أنصح لك ممن يقوؿ لك: أنتم أىل بيت مغفور لكم، كأنتم قرابة نبيكم، فبكى الرشيد حتى رحمو من رآه. فقلت لو في كلبمي: يا أمير المؤمنين إف تكلمت خفت منك، كإف سكت خفت عليك، كأنا أقدـ خوفي عليك على خوفي منك. ككعظ شبيب بن شيبة المنصور؛ فقاؿ: إف الله -عز كجل- لم يجعل فوقك أحدنا، فلب تجعل فوؽ شكرؾ شكرا. ككذلك نص الإماـ أبو حامد الغزالي على طرؽ كعظ الأمراء كالسلبطين، كتذكيرىم بالله، كالاحتساب عليهم؛ فقاؿ رحمو الله: قد ذكرنا درجات الأمر بالمعركؼ، كأف أكلو التعريف، كثانيو الوعظ، كثالثو التخشين في القوؿ، كرابعو المنع بالقهر في الحمل على الحق بالضرب كالعقوبة، كالجائز من جملة ذلك مع السلبطين الرتبتاف الأكلياف، كىما: التعريف، كالوعظ، كأما المنع بالقهر فليس ذلك لآحاد الرعية مع السلطاف؛ فإف ذلك يحرؾ الفتنة، كيهيج الشر، كيكوف ما يتولد منو من المحذكر أكثر ا.ىػ من الآداب الشرعية. كفي ىذا بياف لطريقة السلف في الإنكار على الولاة، كيكوف بالوعظ كالتخويف، كالتحذير من العاقبة في الدنيا كالآخرة، كيكوف ذلك في الخلوة كالسرَّ، لا على رؤكس الأشهاد، كمن قاـ بالنصح على ىذا الوجو ممن تعيَّن عليو، كأىل العلم مثلبن، فقد برئ كخلت ذمتو من التبعة. أخرج الإماـ أحمد في المسند، كصححو العلبمة الألباني في ظلبؿ الجنة (ِ/ ُِٓ - ِِٓ) أفَّ عياضى بن غينمو جىلىدى صاحبى دارا حين فتحت، فأغلظ لو ىشاـ بن حكيم القوؿ، حتى غضب عياضٍ ثم مكث لياليى، فأتاه ىشاـ بن حكيمو فاعتذر إليو، ثم قاؿ ىشاـ لعياض: ألم تسمع النبي صلى الله عليو كسلم يقوؿ:" إف من أشد الناس عذابان أشدىم عذابان في الدنيا للناس"؟، فقاؿ عياض بن غنمو : يا ىشاـ بن حكيم! قد سمعنا ما سمعت، كرأينا ما رأيتى، أكى لم تسمع رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم يقوؿ: (من أراد أف ينصح لسلطافو بأمرو، فلب يبد لو علبنية، كلكن ليأخذ بيده فيخلوى بو، فإف قبل منو فذاؾ، ك إلا كاف قد أدل الذم عليو لو"، كإنك يا ىشاـي لأنت الجرمءي،
عدد الصفحات ٨٧- 78 - إذ تجترئ على سلطاف الله، فهلبٌ خشيتى أف يقتلك السلطافي فتكوف قتيل سلطاف الله تبارؾ كتعالى) كفي سنن الترمذم (ِِِٓ)، عن زياد بن كسيب العدكم قاؿ: كنت مع أبي بكرة تحت منبر ابن عامر، كىو يخطب، كعليو ثياب رقاؽه، فقاؿ أبو بلبؿ -كىو مرداس بن أيدية أحد الخوارج -: انظركا إلى أميرنا يلبس ثياب الفساؽ، فقاؿ أبو بكرة: اسكت، سمعت رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم يقوؿ: (من أىاف سلطافى الله في الأرض، أىانو اللهي ) كأخرج الإماـ أحمد (ٓ/ ِْ) الحديث بلفظ: " من أكرـ سلطاف الله تبارؾ كتعالى في الدنيا، أكرمو الله يوـ القيامة، كمن أىاف سلطاف الله تبارؾ كتعالى في الدنيا، أىانو الله يوـ القيامة) كحسنو الإماـ الألباني في الصحيحة (ٓ/ ّٕٔ). قاؿ العلبَّمة ابن عثيمين في "مقاصد الإسلبـ" (ص:ّّٗ): "فإف مخالفة السلطاف فيما ليس من ضركريات الدين علنان، كإنكار ذلك عليو في المحافل كالمساجد كالصحف كمواضع الوعظ، كغير ذلك، ليس من باب النصيحة في شيء، فلب تغترَّ بمن يفعل ذلك، كإف كاف عن حسن نية، فإنو خلبؼ ما عليو السلف الصالح المقتدل بهم، كالله يتولى ىداؾ". ك في الصحيحين كاللفظ لمسلم عن أسامة بن زيد أنو قيل لو: ألا تدخل على عثماف لتكلمو، فقاؿ: " أتػىرىكٍفى أني لا أكلٌميوي إلا أسمعيكيُيـ؟ ك الله لقد كلمتو فيما بيني كبينىوي، ما دكف أف أفتح أمران لا أحب أف أكوف أكؿَّ من فتحو". قاؿ الإماـ الألباني في تعليقو على مختصر مسلم (ّّٓ): يعني المجاىرة بالإنكار على الأمراء في الملؤ، لأف في الإنكار جهاران ما ييخشى عاقبتيو، كما اتفق في الإنكار على عثماف جهاران، إذ نشأ عنو قتليو". كقاؿ ابن عباس عندما سيئًل عن أمر السلطاف بالمعركؼ، كنهيو عن المنكر: " إف كنتى فاعلبن كلا بدَّ ففيما بينك كبينىوي ". (تنبيو): ىناؾ فرؽ بين كعظ كنصيحة الالسلطاف، كانكار المنكر على كلاة الأمور كبين الخركج عليهم، فالأكؿ مشركع بل كاجب على المستطيع بشركطو المعلومة عند أىل العلم، كالثاني محرـ ممنوع عند أىل السنة فتنبو، كإنكار المنكر على كلاة الأمر من النصيحة لهم، كالنصيحة بمفهومها الشامل ىي الدين، كتتسع مجالاتها فتشمل النصيحة لله، كلكتابو كرسولو، كلأئمة المسلمين، كعامتهم، كما أخبر الرسوؿ صلى الله عليو كسلم، ككردت أحاديث بالأمر بالنصح لولاة الأمر خاصة، ففي مسند الإماـ أحمد (ٕٖٗٗ)، من حديث أبي ىريرة، رضي الله عنو، قاؿ: قاؿ رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم: "إف الله يرضى لكم ثلبثا: أف تعبدكه كلا تشركوا بو شيئا، كأف
عدد الصفحات ٨٨- 81 - تعتصموا بحبل الله جميعا كلا تفرقوا، كأف تناصحوا من كلاه الله أمركم ... ". كفي المسند (َُّّٓ)، من حديث أنس بن مالك، رضي الله عنو، كغيره، عن رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم قاؿ: "ثلبث لا يغل عليهن صدر مسلم: إخلبص العمل لله عز كجل، كمناصحة أكلي الأمر، كلزكـ جماعة المسلمين، فإف دعوتهم تحيط من كرائهم". قاؿ الحافظ ابن رجب : كأما النصيحة لأئمة المسلمين: فحب صلبحهم كرشدىم كعدلهم، كحب اجتماع الأمة عليهم، ككراىة افتراؽ الأمة عليهم، كالتدين بطاعتهم في طاعة الله عز كجل، كالبغض لمن رأل الخركج عليهم، كحب إعزازىم في طاعة الله عز كجل. كقاؿ: كالنصيحة لأئمة المسلمين معاكنتهم على الحق، كطاعتهم فيو، كتذكيرىم بو، كتنبيههم في رفق كلطف، كمجانبة الوثوب عليهم، كالدعاء لهم بالتوفيق. كقاؿ القرطبي: كالنصح لأئمة المسلمين: ترؾ الخركج عليهم، كإرشادىم إلى الحق، كتنبيههم فيما أغفلوه من أمور المسلمين، كلزكـ طاعتهم كالقياـ بواجب حقهم. كمن أدب نصيحة كلاة الأمور أف تكوف سرا مع الرفق كاللين؛ لأف ىذا أدعى لقبوؿ الحق كالانقياد لو، كأجدر في درء المفاسد كالفتن، كتحقيق المصالح، ففي الصحيحين- البخارم (ِّٕٔ) كمسلم (ِٖٗٗ) - من حديث أبي كائل قاؿ: قيل لأسامة: لو أتيت فلبنا فكلمتو. قاؿ: إنكم لتركف أني لا أكلمو إلا أسمعكم، إني أكلمو في السر دكف أف أفتح بابا لا أكوف أكؿ من فتحو. كالرجل المذكور ىو عثماف رضي الله عنو، قاؿ القاضي عياض: مراد أسامة أنو لا يفتح باب المجاىرة بالنكير على الإماـ؛ لما يخشى من عاقبة ذلك، بل يتلطف بو كينصحو سرا فذلك أجدر بالقبوؿ كفي المسند (ُّّّٓ)، من حديث عياض بن غنم، أنو سمع الرسوؿ صلى الله عليو كسلم يقوؿ: "من أراد أف ينصح لسلطاف بأمر فلب يبد لو علبنية، كلكن ليأخذ بيده فيخلو بو، فإف قبل منو فذاؾ كإلا كاف قد أدل الذم عليو لو". قاؿ الحافظ ابن رجب : كاف السلف إذا أرادكا نصيحة أحد كعظوه سرا. حتى قاؿ بعضهم: من كعظ أخاه فيما بينو كبينو، فهي نصيحة، كمن كعظو على رؤكس الناس فإنما كبخو. كقاؿ الفضيل: المؤمن يستر كينصح، كالفاجر يهتك كيعير. كسئل ابن عباس، رضي الله عنهما، عن أمر السلطاف بالمعركؼ كنهيو عن المنكر؟ فقاؿ: إف كنت فاعلب كلا بد ففيما بينك كبينو. كقد يجتهد العالم المتأىل للؤمر كالنهي في بعض الأحواؿ فيرل الإنكار على كلاة الأمر علبنية، كذلك لظهور المصلحة مع أمن الفتنة، أك حدكث مفسدة أكبر، كربما كاف ذلك بسبب خشية فوات الأمر، أك من أجل إظهار الحق، فقد يكوف خافيا على الناس، كقد أنكر عدد من الصحابة،
عدد الصفحات ٨٩- 80 - رضي الله عنهم- على بعض الأمراء علبنية، كمن ذلك: إنكار عبادة بن الصامت على معاكية، رضي الله عنهما، ففي صحيح مسلم (ُٕٖٓ)، من حديث أبي قلببة قاؿ: كنت بالشاـ في حلقة فيها مسلم بن يسار، فجاء أبو الأشعث. قاؿ: قالوا: أبو الأشعث أبو الأشعث. فجلس، فقلت لو: حدث أخانا حديث عبادة بن الصامت. قاؿ: نعم، غزكنا غزاة، كعلى الناس معاكية، فغنمنا غنائم كثيرة، فكاف فيما غنمنا آنية من فضة، فأمر معاكية رجلب أف يبيعها في أعطيات الناس، فتسارع الناس في ذلك فبلغ عبادة بن الصامت، رضي الله عنو، فقاـ فقاؿ: إني سمعت رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم- ينهى عن بيع الذىب بالذىب، كالفضة بالفضة، كالبر بالبر، كالشعير بالشعير، كالتمر بالتمر، كالملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين، فمن زاد أك ازداد فقد أربى. فرد الناس ما أخذكا، فبلغ ذلك معاكية فقاـ خطيبا فقاؿ: ألا ما باؿ رجاؿ يتحدثوف عن رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم-أحاديث قد كنا نشهده كنصحبو فلم نسمعها منو! فقاـ عبادة بن الصامت فأعاد القصة، ثم قاؿ: لنحدثن بما سمعنا من رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم، كإف كره معاكية- أك قاؿ: كإف رغم- ما أبالي ألا أصحبو في جنده ليلة سوداء. كمثل موقف عبادة في الإنكار، ما حصل لأبي سعيد الخدرم مع مركاف بن الحكم حينما قدـ الخطبة على الصلبة يوـ العيد، ففي صحيح البخارم (ٔٓٗ)، من حديث أبي سعيد الخدرم قاؿ: كاف رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم يخرج يوـ الفطر كالأضحى إلى المصلى، فأكؿ شيء يبدأ بو الصلبة، ثم ينصرؼ فيقوـ مقابل الناس كالناس جلوس على صفوفهم، فيعظهم كيوصيهم كيأمرىم، فإف كاف يريد أف يقطع بعثا قطعو، أك يأمر بشيء أمر بو، ثم ينصرؼ. قاؿ أبو سعيد: فلم يزؿ الناس على ذلك حتى خرجت مع مركاف، كىو أمير المدينة، في أضحى أك فطر، فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت، فإذا مركاف يريد أف يرتقيو قبل أف يصلي، فجبذت بثوبو فجبذني، فارتفع فخطب قبل الصلبة، فقلت لو: غيرتم كالله. فقاؿ: أبا سعيد، قد ذىب ما تعلم. فقلت: ما أعلم كالله خير مما لا أعلم. فقاؿ: إف الناس لم يكونوا يجلسوف لنا بعد الصلبة فجعلتها قبل الصلبة. قاؿ الحافظ ابن حجر: كفي الحديث إنكار العلماء على الأمراء إذا صنعوا ما يخالف السنة. كقاؿ: كفي الحديث إنكار العالم على الحاكم ما يغيره من أمر الدين كالموعظة بلطف كتدرج . كمن الأمثلة أيضا إنكار أبي شريح خويلد بن عمرك الخزاعي على عمرك بن سعيد كالي يزيد على المدينة، ففي الصحيحين- البخارم (َُْ)، كمسلم (ُّْٓ)، من حديث أبي شريح أنو قاؿ
عدد الصفحات ٩٠- 81 - لعمرك بن سعيد، كىو يبعث البعوث إلى مكة: ائذف لي أيها الأمير أحدثك قولا قاـ بو النبي صلى الله عليو كسلم- الغد من يوـ الفتح سمعتو أذنام ككعاه قلبي كأبصرتو عينام حين تكلم بو، حمد الله كأثنى عليو ثم قاؿ: "إف مكة حرمها الله كلم يحرمها الناس، فلب يحل لامرئ يؤمن بالله كاليوـ الآخر أف يسفك بها دما كلا يعضد بها شجرة ... " الحديث. قاؿ الحافظ ابن حجر: قولو: ائذف لي. فيو حسن التطلف في الإنكار على أمراء الجور ليكوف أدعى لقبولهم. كمن الأمثلة أيضا ما أخرجو البخارم (ِِٓ) كمسلم (ُُٔ)، من حديث ابن شهاب أف عمر بن عبد العزيز أخر الصلبة يوما، فدخل عليو عركة بن الزبير فأخبره أف المغيرة بن شعبة أخر الصلبة يوما كىو بالعراؽ فدخل عليو أبو مسعود الأنصارم فقاؿ: ما ىذا يا مغيرة ..... الحديث. قاؿ الحافظ ابن حجر: كفي الحديث من الفوائد: دخوؿ العلماء على الأمراء كإنكارىم عليهم ما يخالف السنة كفي صحيح مسلم (َُّٖ) أف عائذ بن عمرك- ككاف من أصحاب رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم- دخل على عبيد الله بن زياد فقاؿ: أم بني، إني سمعت رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم يقوؿ: "إف شر الرعاء الحطمة". فإياؾ أف تكوف منهم. فقاؿ لو: اجلس، فإنما أنت من نخالة أصحاب محمد صلى الله عليو كسلم. فقاؿ: كىل كانت لهم نخالة! إنما كانت النخالة بعدىم كفي غيرىم، ىذا كالله أعلم. قاؿ العلبمة عبدالرحمن بن سعدم في كتابو - الرياض الناضرة كالحدائق النيرة الزاىرة (صِٗ): "كأما النصيحة لأئمة المسلمين، كىم كلاتهم من السلطاف الأعظم إلى الأمير إلى القاضي إلى جميع من لهم كلاية صغيرة أك كبيرة، فهؤلاء لما كانت مهماتهم ككاجباتهم أعظم من غيرىم كجب لهم من النصيحة بحسب مراتبهم كمقاماتهم، كذلك باعتقاد إمامتهم كالاعتراؼ بولايتهم ككجوب طاعتهم بالمعركؼ، كعدـ الخركج عليهم، كحث الرعية على طاعتهم كلزكـ أمرىم الذم يخالف أمر الله كرسولو، كبذؿ مايستطيع الإنساف من نصيحتهم كتوضيح ماخفي عليهم مما يحتاجوف إليو في رعايتهم، كل أحد بحسب حالو، كالدعاء لهم بالصلبح كالتوفيق، فإف صلبحهم صلبح لرعيتهم. ثم قاؿ: كاجتناب سبهم كالقدح فيهم كإشاعة مثالبهم، فإف في ذلك شران كضرران كفسادا كبيرا فمن نصيحتهم الحذر كالتحذير من ذلك.
عدد الصفحات ٩١- 82 - ثم قاؿ: كعلى من رأل منهم مالايحل أف ينبههم سرا لاعلنا بلطف كعبارة تليق بالمقاـ كيحصل بها المقصود، فإف ىذا مطلوب في حق كل أحد، كبالأخص كلاة الأمور، فإف في تنبيههم على ىذا الوجو فيو خير كثير، كذلك علبمة الصدؽ كالإخلبص. ثم قاؿ: كاحذر أيها الناصح لهم على ىذا الوجو المحمود أف تفسد نصيحتك بالتمدح عند الناس، فتقوؿ لهم إني نصحتهم كقلت كقلت، فإف ىذا عنواف الرياء كعلبمة ضعف الإخلبص كفيو أضرار أخر معركفة ا. ىػ كقاؿ العلبمة ابن باز رحمو الله كما في مجموع فتاكاه (ٖ/ َُِ): ىل من منهج السلف نقد الولاة من فوؽ المنابر؟ كما منهج السلف في نصح الولاة؟ فأجاب: ليس من منهج السلف التشهير بعيوب الولاة، كذكر ذلك على المنابر؛ لأف ذلك يفضي إلى الفوضى كعدـ السمع كالطاعة في المعركؼ، كيفضي إلى الخوض الذم يضر كلا ينفع، كلكن الطريقة المتبعة عند السلف: النصيحة فيما بينهم كبين السلطاف، كالكتابة إليو، أك الاتصاؿ بالعلماء الذين يتصلوف بو حتى يوجو إلى الخير. أما إنكار المنكر بدكف ذكر الفاعل: فينكر الزنا، كينكر الخمر، كينكر الربا من دكف ذكر من فعلو، فذلك كاجب؛ لعموـ الأدلة. كيكفي إنكار المعاصي كالتحذير منها من غير أف يذكر من فعلها لا حاكما كلا غير حاكم. كلما كقعت الفتنة في عهد عثماف رضي الله عنو: قاؿ بعض الناس لأسامة بن زيد رضي الله عنو: (ألا تكلم عثماف؟ فقاؿ: إنكم تركف أني لا أكلمو، إلا أسمعكم؟ إني أكلمو فيما بيني كبينو دكف أف أفتتح أمرا لا أحب أف أكوف أكؿ من افتتحو). كلما فتح الخوارج الجهاؿ باب الشر في زماف عثماف رضي الله عنو كأنكركا على عثماف علنا عظمت الفتنة كالقتاؿ كالفساد الذم لا يزاؿ الناس في آثاره إلى اليوـ، حتى حصلت الفتنة بين علي كمعاكية، كقتل عثماف كعلي رضي الله عنهما بأسباب ذلك، كقتل جمع كثير من الصحابة كغيرىم بأسباب الإنكار العلني، كذكر العيوب علنا، حتى أبغض الكثيركف من الناس كلي أمرىم كقتلوه، كقد ركل عياض ابن غنم الأشعرم، أف رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم قاؿ: (من أراد أف ينصح لذم سلطاف فلب يبده علبنية كلكن يأخذ بيده فيخلو بو فإف قبل منو فذاؾ كإلا كاف قد أدل الذم عليو) نسأؿ الله العافية كالسلبمة لنا كلإخواننا المسلمين من كل شر، إنو سميع مجيب. كصلى الله كسلم على سيدنا محمد، كآلو كصحبو ا. ىػ
عدد الصفحات ٩٢- 83 - كقاؿ الشيخ صالح آؿ الشيخ في شرح الواسطية (صِّٔ): المسألة الخامسة كىي مسألة مهمة تتعلق بالفرؽ بين نصيحة الولاة كالأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر للولاة، النصيحة كما ذكرنا الأصل فيها أف تكوف سران كالمنكر الأصل فيو أف يكوف علنان . كقد جاء في بياف ىذا الأصل قولو عليو الصلبة كالسلبـ في الحديث الصحيح (من أراد أف ينصح لذم سلطاف فلب يػيبٍدًهً علبنية، كليأخذ بيده، كليخلو بو، فإف قبل منو فذاؾ كإلا يكوف قد أدَّل الذم عليو) كىذا الحديث إسناده قوم، كلم ييصًبٍ من ضعَّف إسناده كلو شواىد كثيرة ذكرىا الهيثمي في مجمع الزكائد، كيؤيده ما جاء في صحيح البخارم (من أنهم أرادكا أف يػينٍكًرى أسامة بن زيد على عثماف، فأسامة بن زيد لم يفعل كقاؿ أما إني قد بذلتو لو سران لا أكوف فاتح باب شر) كىذا موافق لهذا الأصل كىو أنو ما يقع في كلاية السلطاف في كلاية الوالي من مخالفات للشرع فهذا بابو النصيحة، لأنها ما تعلقت بو من جهة رؤيةو لفعلو أك سماعو محقق لو. أما من رأل السلطاف بنفسو يفعل منكران فإنو مثل غيره يأمره كينهاه. كأمر كنهي السلطاف يكوف عنده لا يكوف بعيدان عنو لما جاء في الحديث (أفضل الشهداء حمزة كرجل قاـ إلى سلطافو جائر فأمره كنهاه فقتلو) فأمر كنهي السلطاف يكوف فيما رأيتو منو بنفسك أك سمعتو منو سماعان محققان، سمعتو منو بأذنك فتػينٍكًر بحسب الإستطاعة، بحسب القدرة بحسب ما يتيسر علنان أك غيرىا. أما النصيحة فهي ما يجرم في كلايتو. كأىل العلم فرقوا في ىذا المقاـ بما ذكرت لك، بين النصيحة بما يقع في الولاية كبين ما يكوف منكران يفعلو السلطاف بحضرة الناس. ككثير من الحوادث كالأدلة كالأحاديث أنكر فيها الصحابة كأنكر فيها التابعوف على ذكم السلطاف علنان، ككلها إذا تأملتها بدكف استثناء يكوف فيها الأمر أف المنكر فعلو بحضرتهم، رأكه منو أك سمعوه سماعان محققان منو. مثل ما أنكر الرجل على مركاف في تقديمو خطبة العيد على الصلبة، فهذا شيء سيمًعى منو، كلو كاف السلطاف إذا فعل مينٍكىران فإنو يػينٍكىرٍ عليو، كلا يقاؿ ىنا سران بل يػينٍكىرٍ عليو كلو كاف بحضرة الناس بشرط أف ييؤمىنى أف يكوف ثمَّ فساد أعظم منو من مقتلة أك فتنة عظيمة أك نحو ذلك. ككذلك ما حصل من الإنكار على عمر في لبسو الثوبين. ككذلك ما حصل من الإنكار على معاكية، كأشباه ذلك كثير.
عدد الصفحات ٩٣- 84 - (باب ما يؤمر بو من الرفق في الإنكار) ِّ-أخبرنا أبو بكر المركذم، قاؿ: قرأت على أبي عبد الله بن الربيع الصوفي قاؿ: دخلت على سفياف بالبصرة، فقلت: (يا أبا عبد الله، إني أكوف مع ىؤلاء المحتسبة فندخل على ىؤلاء الخبيثين، كنتسلق على الحيطاف؟ قاؿ: أليس لهم أبواب؟ قلت: بلى، كلكن ندخل عليهم لكيلب يفركا، فأنكر ذلك إنكارا شديدا، كعاب فعالنا، فقاؿ رجل : من أدخل ذا؟ قلت: إنما دخلت إلى الطبيب لأخبره بدائي، فانتفض سفياف كقاؿ: " إنما أىلكنا أنا نحن سقمى، كنسمى أطباء. . ثم قاؿ: لا يأمر بالمعركؼ، كلا ينهى عن المنكر إلا من كاف فيو خصاؿ ثلبث: رفيق بما يأمر، رفيق بما ينهى، عدؿ بما يأمر، عدؿ بما ينهى، عالم بما يأمر، عالم بما ينهى)ُ. ّّ- أخبرنا عصمة بن عصاـ، قاؿ: حدثنا حنبل، أنو سمع أبا عبد الله، يقوؿ: (كالناس يحتاجوف إلى مداراة كرفق في الأمر بالمعركؼ بلب غلظة، إلا رجلب مباينا، فإف باب النصيحة غير باب الإنكار، باب الإنكار يكوف برؤيةو، سواء كانت رؤية المنكر من السلطاف أـ من عامة الناس. إذا رأيتو بنفسك. أما باب النصيحة فما يقع في الولاية، كتأمل في ذلك النصوص جميعان، كقد تأملتها رعايةن لتحقيق المقاـ في ىذه المسألة المهمة كبراءةن للذمة، ككجدت أف ىذا الذم ذكرت لك مينٍضىبًطٍ كما قاؿ أىل العلم، كما ذكر ذلك ميحىقىقىان ابن رجب في شرحو لحديث (من رأل منكم منكران ) ككما ذكره ابن النَّحاس في كتابو تنبيو الغافلين بل قد قاؿ ابن عباس رضي الله عنهما (لا تأمر السلطاف كلا تنهاه عن منكر إلا فيما بينك كبينو) ركاه عنو عبدالرزاؽ بإسناد صحيح. ككلبـ السلف إذا تأملتو يدكر على ىذا الفرؽ ما بين النصيحة كما بين الإنكار. فباب الإنكار شيء كباب النصيحة شيء، الإنكار بقيده برؤيةو ممن فعل أك سماع محقق، كتلحظ أف الإنكار يكوف بحسب التفصيل الذم ذكرنا من انفكاؾ المعصية أك ملبزمتها. ُ شيخ المركذم أبو عبد الله بن الربيع الصوفي لم أجده.
عدد الصفحات ٩٤- 85 - معلنا بالفسق كالردل، فقد كجب عليك نهيو كإعلبمو؛ لأنو يقاؿ: ليس لفاسق حرمة، فهذا لا حرمة لو)ُ. ّْ- كأخبرني محمد بن علي الوراؽ، قاؿ: حدثني مهنا، قاؿ: قاؿ أحمد بن حنبل، (كاف أصحاب ابن مسعود إذا مركا بقوـ يركف منهم ما يكرىوف، يقولوف: مهلب رحمكم الله )ِ. ّٓ- أخبرني جعفر بن محمد، أف يعقوب بن بختاف، حدثهم (أف أبا عبد الله سئل عن الأمر،؟ فقاؿ: كاف أصحاب عبد الله يقولوف مهلب رحمكم الله مهلب)ّ. ّٔ- كأخبرنا محمد بن أبي ىاركف، قاؿ: سمعت أبا العباس، قاؿ: (صلى بأبي عبد الله يوما جوين، فكاف إذا سجد جمع ثوبو بيده اليسرل، ككنت بجنبو، فلما صلينا قاؿ لي كخفض من صوتو: قاؿ النبي صلى الله عليو كسلم: "إذا قاـ أحدكم في الصلبة فلب يكف شعرا كلا ثوبا" فلما قمنا قاؿ لي جوين: أم شيء كاف يقوؿ لك؟ قلت: قاؿ لي: كذا ككذا، كما أحسب المعنى إلا لك)ْ. ّٕ- أخبرنا محمد بن شعبة بن جواف البصرم، حدثنا أبو داكد، حدثنا عمارة، قاؿ: " حضرت الحسن كدعي إلى عرس، فجيء بجاـ من فضة، عليو خبيص أك طعاـ، فتناكلو، فقلبو على رغيف فأصاب منو، فقاؿ رجل إلى جانبي: ىذا نهي في سكوف)ٓ. ُ شيخ المصنف: عصمة بن عصاـ لم يوثقو معتبر، انظر تاريخ بغداد (ُِ/ِٖٖ). ِ شيخ المصنف: محمد بن علي تقدـ حالو في الخبر رقم (ِٖ). ّ إسناده صحيح، جعفر بٍن محمد ىو الصندلي. ْ شيخ المصنف: محمد بن إبي ىاركف تقدـ في الخبر رقم (ْ)، كشيخو لم أعرفو، كحديث (إذا قاـ أحدكم في الصلبة فلب يكف شعرا كلا ثوبا) أخرجو مسلم ( َْٗ). ٓ إسناده صحيح.
عدد الصفحات ٩٥- 86 - ّٖ- كأخبرنا أبو داكد، قاؿ: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا معتمر، قاؿ: سمعت أبي يقوؿ،: (ما أغضبت رجلب فقبل منك)ُ. ّٗ- أخبرني يزيد بن عبد الله الأصبهاني، قاؿ: حدثنا إسماعيل بن يزيد الأصبهاني، حدثنا إبراىيم بن الأشعث، قاؿ: سمعت الفضيل، يقوؿ: (ما أحب الرجل إذا كاف يأمر كينهى أف يقوـ في مسجد من المساجد أك في سوؽ من الأسواؽ، يبكت الناس كيؤنبهم من غير أف يرل منكرا، كما أحب لو إذا رأل منكرا أف يسكت إلا أف يخاؼ)ِ. َْ- أخبرني عبد الملك الميموني، حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا معتمر بن سليماف، عن فرات بن سليماف، عن ميموف بن مهراف، عن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز، قاؿ لأبيو: يا أبت، ما يمنعك أف تمضي لما تريده من العدؿ؟ فوالله ما كنت أبالي لو غلت بي كبك القدكر في ذلك، قاؿ: «يا بني، إني إنما أركض الناس رياضة الصعب، إني أريد أف أحيي الأمر من العدؿ، فأؤخر ذلك حتى أخرج معو طمعا من طمع الدنيا، فينفركا من ىذه، كيسكنوا لهذه)ّ. ُ إسناده صحيح. ِ في إسناده إبراىيم بن الأشعث، كىو خادـ الفضيل، قاؿ عنو ابن أبي حاتم في الجرح كالتعديل (ِ/ ٖٖ): سألت أبي عنو كذكرت لو حديثان ركاه عن معن عن ابن أخي الزىرم عن الزىرم فقاؿ: ىذا حديث باطل موضوع كنا نظن بإبراىيم بن الأشعث الخير أفقد جاء بمثل ىذا؟!. كذىكىره ابن حًبَّاف في الثقات كما في اللساف (ُ/ ِْٔ) فقاؿ: يركل عن ابن عييىينة ككاف صاحبا للفضيل بن عياض يركل عنو الرقاؽ يغرب كينفرد كيخطئ كيخالف. كقاؿ الحاكم في التاريخ كما في اللساف (ُ/ ِْٔ): قرأت بخط المستملي حدثنا على بن الحسن الهلبلي: ثنا إبراىيم بن الأشعث خادـ الفضيل، ككاف ثقة، كتبنا عنو بنيسابور. كقاؿ المعلمي في تعليقو على الفوائد (ص ْٖٔ): زاىد يتكلف الركاية فيأتي بالأباطيل. ّ إسناده حسن، من أجل فرات بن سلماف كىو مولى بني عقيل، من أىل الرقة، قاؿ عنو الميموني في سؤالاتو (ّْٓ): قاؿ أبو عبد الله: الفرات بن سلماف، ثقة صدكؽ.
عدد الصفحات ٩٦