المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

التعليق الأزهر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مسائل الإمام أحمد بن حنبل

محمد بن نصر أبي جبل

صفحة ٥ من ٢٥

- 55 - فالجهاد بو حفظ الدين كىو ضركرم لارتفاع كلمة التوحيد أما كونو عادلا فهو حاجي، فيقدـ الجهاد مع البر كالفاجر لكونو ضركريا على ما كاف مع العادؿ فقط لكوف ىذا الوصف في الإماـ حاجي. ثم إف الجهاد بو حفظ للدين بإزىاؽ النفس فقدمت مصلحة حفظ الأدياف على حفظ النفوس كالأبداف. كيمكن التمثيل على تقديم المصلحة العامة على الخاصة بالمنع من تلقي الركباف، فمصلحة أىل السوؽ عامة، كقدمت على مصلحة المتلقي الخاصة؛ ككالنهي عن الاغتساؿ بالماء الراكد مع كوف المغتسل منتفعا من ذلك لكنو يضر بالمصلحة العامة فيمنع منو لذلك. الفرع الثالث: بياف نظر الشارع للنتائج كاعتباره لها. تقدـ عند الكلبـ على الحكم كالفوائد من مشركعية الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر ذكر إقامة الدين كظهور الشريعة كزكاؿ الباطل أك التقليل منو كىذا كلا شك مطلب شرعي أصيل لابد للمحتسب من أف يضعو نصب عينيو كىو يؤدم ىذه المهمة. أما إف كاف الناتج عن الأمر كالنهي في بعض الحالات زيادة في المنكر الذم أردنا إزالتو، أك زكاؿ للمعركؼ الذم أردنا تكثيره فإف الآمر أك الناىي في ىذه الحاؿ يكوف سببا في ازدياد الباطل كتقليل المعركؼ علم أك لم يعلم. ذلك أف الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر إنما شرع لتحقيق ما يحبو الله كرسولو، فإذا ترتب على ذلك ما ىو أنكر منو كأبغض إلى الشارع فإنو لا يسوغ إنكاره؛ كإف ترؾ الإنكار لا يعني إقرار المنكر. كمثالو: الإنكار على الولاة المسلمين بالخركج عليهم فإف ما يترتب عليو من المفاسد أكبر مما يجلب من المصالح كقد استأذف الصحابة رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم في قتاؿ الأمراء الذين قاؿ في كصفهم: (تعرفوف كتنكركف فقاؿ: لا ما صلوا، لا ما صلوا) ركاه مسلم (ُْٖٓ). من حديث أـ سلمة رضي الله عنها. قاؿ ابن العربي في القبس (صِٖٓ): قولو: (كألا ننازع الأمر أىلو) فيعني بقولو أىلو: من ملكو لا من يستحقو فإف الأمر فيمن يملكو أكثر منو فيمن يستحقو، كالطاعة كاجبة في الجميع لأمر النبي، - صلى الله عليو كسلم -، بذلك لكل أمير كلو كاف عبدان حبشيان لما في ذلك من مصلحة الخلق فإف الخركج على من لا يستحق الأمر إباحة للدماء كإذىاب الأمن كإفساد ذات البين،

عدد الصفحات ٦٥

- 56 - فالصبر على ضرره أكلى من التعرض لهذا الفساد كلو، لما خرج ابن الأشعث على الحجٌاج حين ظهر ظلمو كشاع تعدَّيو جاءكا إلى الحسن بن أبي الحسن البصرم في جماعة من القٌراء يدعونو إلى الخركج معهم فقاؿ لهم (إف الحجاج عقوبة الله في العباد، كعقوبة الله لا تقابل بالسيف كإنما تقابل بالتوبة) ا.ىػ كمن تأمل ما جرل على الإسلبـ من الفتن الكبار كالصغار رآىا من إضاعة ىذا الأصل كعدـ الصبر على منكر فطلب إزالتو فتولد منو ما ىو أكبر منو. كقد كاف النبي صلى الله عليو كسلم يرل بمكة أكبر المنكرات كالأصناـ كلا يستطيع تغييرىا كلما فتح مكة عزـ على تغيير البيت كرده على قواعد إبراىيم كمنعو من ذلك مع قدرتو عليو خشية كقوع ما ىو أعظم منو من عدـ احتماؿ قريش لذلك، لقرب عهدىم بالإسلبـ. كلهذا لم يأذف بالإنكار على الأمراء باليد لما يترتب عليو من المفاسد. كالحاصل أف ما يترتب على إنكار المنكر لا يخلو من أربع حالات: الأكلى: أف يزكؿ كيخلفو ضده من المعركؼ، كما إذا نصحت رجلب يبيع الأغاني كينشرىا، فقبل النصح، فاستبدؿ ذلك بالأشرطة الإسلبمية. الثانية: أف يقل المنكر كإف لم يزؿ بجملتو كما إذا نبهت بعض أصحاب المناىج المشتملة على بعض المخالفات أك البدع على مخالفتو أك بدعتو، فقبل منك، فترؾ بعض ما ىو فيو من المنكر ككما إذا نصحت من يسب الله عز كجل أك رسولو صلى الله عليو كسلم أك الدين، فانتهى إلى سب آحاد المؤمنين. الثالثة: أف يزكؿ كيخلفو ما ىو مثلو كما إذا نصحت رجلب عن سماع الأغاني الغربية، فانتقل منها إلى الأغاني العربية!! ككما إذا بينت لنصراني فساد عقيدة التثليث، فعرؼ فسادىا، فانتقل إلى اليهودية مثلب .. ! ككما إذا حاكرت بعض المنتسبين إلى الدعوة إلى الإسلبـ، كىو ذك منهج تشوبو بعض البدع أك المخالفات، فانتقل إلى منهج في الدعوة يماثلو في حجم الانحراؼ كقدره. الرابعة: أف يخلفو ما ىو شر منو كما يقع في بعض الأحياف في صفوؼ النشء المقبل على الإسلبـ أكثر من غيرىم إذا كاجو النقد المتبادؿ بين أكساط العاملين للئسلبـ فيتخلى عن الجميع كينحرؼ تماما، ككما إذا نصحت بعض أصحاب المهن بأف يتزين في لباسو إذا أراد المجيء إلى المسجد فيدع الصلبة فيو. فالأكلاف مشركعاف، كالثالث موضع اجتهاد كنظر، كالرابع محرـ.

عدد الصفحات ٦٦

- 57 - قاؿ الإماـ ابن القيم في إعلبـ الموقعين (ّ/ ْ/ٕ): فإذا رأيت أىل الفجور كالفسوؽ يلعبوف بالشطرنج كاف إنكارؾ عليهم من عدـ الفقو كالبصيرة، إلا إذا نقلتهم منو إلى ما ىو أحب إلى الشارع كسباؽ الخيل .. ككما إذا كاف الرجل مشتغلب بكتب المجوف فإذا نقلتو عنها إلى كتب أىل البدع كالضلبؿ كالسحر فدعو. كسمعت شيخ الإسلبـ ابن تيمية يقوؿ: مررت أنا كبعض أصحابي في زمن التتار بقوـ منهم يشربوف الخمر، فأنكر عليهم من كاف معي، فأنكرت عليو كقلت لو: إنما حرـ الخمر لأنها تصد عن ذكر الله كعن الصلبة .. كىؤلاء يصدىم الخمر عن قتل النفوس كسبي الذرية كأخذ الأمواؿ فدعهم. كلذلك نهى النبي صلى الله عليو كسلم عن قطع الأيدم في الغزك .. مع كوف القطع حد من حدكد الله تعالى .. فنهى عنو خشية أف يترتب عليو ما ىو أبغض إلى الله من تعطيلو أك تأخيره من لحوؽ صاحبو بالمشركين . كقد نص أحمد كإسحاؽ كالأكزاعي كغيرىم على أف الحدكد لا تقاـ في أرض العدك ا. ىػ بتصرؼ. الفرع الرابع: العمل عند تعارض المصالح كالمفاسد. يجب أف يكوف الاحتساب بفقو كنظر فيما يصلح من ىذا العمل كما لا يصلح فإذا تعارضت المصالح كالمفاسد فيما يأمر بو أك ينهى عنو نظر فإف كانت المصلحة راجحة كالمفسدة مرجوحة، فإنو لا يعتبر المفسدة حينئذ، كعليو الاحتساب في ىذه الحاؿ. كىذا يكوف مع مراعاة ما سبق من شرطية كوف المتعارضين في مرتبة كاحدة كنوعية كاحدة كما تقدـ بيانو، كإلا فإنو يرجح ما كاف متعلقا بالضركرم على غيره، كما يرجح الحاجي على التحسيني. كىذا كمن يريد شرب الخمر ليزيل بو عطشا يشق عليو تحملو لكنو لا يؤدم بو إلى الهلبؾ، فإنو يحرـ عليو، لتعلق المفسدة بالضركرم كىو حفظ العقل، كتعلق المصلحة بالحاجي كىو إزالة ذلك العطش بخلبؼ ما إذا كاف العطش يؤدم بو إلى الهلبؾ .. فإنو يشرب في ىذه الحالة لتعلق ذلك بالضركرم كىو حفظ النفس، كلتعلق شرب الخمر بالعقل كىو ضركرم لكنو دكنو. قاؿ شيخ الإسلبـ ابن تيمية في مجموع الفتاكل ما ملخصو: (ِٖ/ ُِٔ، ُِٗ - ُّْ): الأمر كالنهي كإف كاف متضمنا لتحصيل مصلحة كدفع مفسدة فينظر في المعارض لو فإف كاف الذم يفوت من المصالح أك يحصل من المفاسد أكثر، لم يكن مأمورا بو، بل يكوف محرما إذاؾ

عدد الصفحات ٦٧

- 58 - كانت مفسدتو أكثر، فإذا كاف الشخص أك الطائفة جامعين بين معركؼ كمنكر بحيث لا يفرقوف بينهما، بل إما أف يفعلوىما جميعا، أك يتركوىما جميعا، لم يجز أف يؤمركا بمعركؼ، كلا أف ينهوا عن منكر، بل ينظر فإف كاف المعركؼ أكثر أمر بو كإف استلزـ ما دكنو من المنكر، كلم ينو عن منكر يستلزـ تفويت معركؼ أعظم منو، كإف كاف المنكر أغلب نهى عنو، كإف استلزـ فوات ما ىو دكنو من المعركؼ) اىػ أما في حاؿ كوف المفسدة أرجح من المصلحة: كتعطيل الدعوة كنحو ذلك فحينئذ تفوت المصلحة كتدفع المفسدة بالشرط المتقدـ. كمن صور ىذه القاعدة: ترؾ النبي صلى الله عليو كسلم لعبد الله بن أبي كعدـ قتلو لئلب تأخذ الحمية قومو كلئلب يقوؿ الناس: محمد يقتل أصحابو. كمن الأمثلة على ذلك إعراض المسلمات عن الدخوؿ في مجالات الطب في جو المستشفيات المختلطة مع كجود مصلحة في ذلك إلا أف المفسدة فيو أكبر ككثيرا ما نسمع إيراد ىذا الاعتراض على من رأل ما سبق (أترضى أف يطبب محارمك الرجاؿ )؟. يورد ىذا الاعتراض ككأنو ىو الخيار الوحيد!! فلماذا لا يقاؿ بالعمل على إيجاد مستشفيات إسلبمية!! كلماذا لا يطالب الناس بذلك!!؟ كلو فرض عدـ الإمكاف لكاف ىناؾ أمر ثالث. كىو أف يطبب نساءنا ىؤلاء اللبتي ضحين بحشمتهن كقرارىن في البيوت!! لا أف نزج بفتياتنا حيث يذىب ماء كجوىهن لكثرة المخالطة مع الرجاؿ كالتحدث معهم .. ! كمن أمثلة ىذا النوع القوؿ بمنع ابتعاث الصغار كسائر من لا ينطبق عليو الشركط المعركفة للسفر إلى بلبد الكفار من اعتزاز بالدين كنحوه على ما في ذلك من المصلحة كىي تحصيل بعض العلم. كمن أمثلة ذلك منع التلقي من أصحاب البدع -المخالفين لعقيدة أىل السنة كالجماعة- في حاؿ كجود غيرىم ممن يؤخذ عنو ىذا العلم كلا يقع فيما كقعوا فيو. كمن الأمثلة أيضا على ذلك منع دخوؿ البرلمانات كنحوىا في البلبد التي تحكم القوانين مع أنو قد يوجد شيء من مصلحة في ذلك كلكن المفسدة أعظم من كجوه كثيرة لا مجاؿ لذكرىا ىنا. كقد حرمت الخمر لرجحاف مفاسدىا على منافعها أما إذا تساكت مقادير المصالح كالمفاسد: في حاؿ التعارض فإنو ينظر في مراتبهما من ضركرم كحاجي -كما تقدـ- فإف اتحدت عمل بقاعدة (درء المفاسد مقدـ على جلب المصالح) كإلا فيقدـ الأقول منهما.

عدد الصفحات ٦٨

- 61 - قاؿ شيخ الإسلبـ ابن تيمية في الاستقامة (ِ/ ُِٖ - ُِٗ): كإف تكافأ المعركؼ كالمنكر المتلبزماف لم يؤمر بهما كلم ينو عنهما، فتارة يصلح الأمر، كتارة يصلح النهي، كتارة لا يصلح لا أمر كلا نهي حيث كاف المنكر كالمعركؼ متلبزمين، كذلك في الأمور المعينة الواقعة. كأما من جهة النوع فيؤمر بالمعركؼ مطلقا، كينهى عن المنكر مطلقا، كفي الفاعل الواحد كالطائفة الواحدة: يؤمر بمعركفها كينهى عن منكرىا، كيحمد محمودىا كيذـ مذمومها، بحيث لا يتضمن الأمر بمعركؼ فوات معركؼ أكبر منو أك حصوؿ منكر فوقو، كلا يتضمن النهي عن المنكر حصوؿ ما ىو أنكر منو أك فوات معركؼ أرجح منو، كإذا اشتبو الأمر استثبت المؤمن حتى يتبين لو الحق، فلب يقدـ على الطاعة إلا بعلم كنية .. ) ا.ىػ. الفرع الخامس: العمل عند تزاحم المصالح. إذا تزاحمت المصالح بحيث لا يمكن القياـ إلا ببعضها كتفويت ما سواىا ففي ىذه الحالة ينظر فيما كانت مصلحتو أرجح فيقدـ سواء كاف التفاضل كالرجحاف في المرتبة، كتقديم الضركرم على الحاجي كالحاجي على التحسيني ككتقديم ما يتعلق بحفظ الدين من الضركرم على غيره، كتقديم ما يتعلق بالنفس من الضركرم على ما تعلق بحفظ ما دكنو؛ أك كاف التفاضل كاقعا في صورة الحكم كالواجب مع المستحب. كىذه المسألة دقيقة جدا ككبيرة الأىمية، ذلك لسعة ىذه الشريعة كشمولها، حتى أف شيخ الإسلبـ ابن تيمية -رحمو الله- شبهها بالشرائع المتنوعة فالواجبات أكبر من الأكقات كأكسع فينبغي تقديم ما ىو أىم كآكد في مثل ىذه الحاؿ كأبلغ في التأثير كالنفع في مجالات الدعوة المختلفة. كمن صور ىذه المسألة ازدحاـ بعض مجالات الدعوة عند بعض المشتغلين بها، كمن لم يتمكن إلا من القياـ بشيء محدكد من ذلك فأيهما يقدـ العناية بتربية النشء على الإسلبـ أك خوض المجالات العامة؟ كيجاب عن ىذا بأف الجمع بين الأمرين ىو الأصل كىو المطلوب، لكن من لم يتمكن إلا من كاحد منهما فإنو ينظر في حالو كحاؿ زمانو من حيث حاؿ الدعوة كسيرىا في ىذين السبيلين كحاجتها إلى الأعواف في كل منهما فيرجح على ىذا الأساس. كمن صور ىذه المسألة تزاحم الأكقات بين الاشتغاؿ بطلب العلم أك بنوافل العبادات كبين القياـ بالدعوة فالمطلوب التوفيق بين ىذه الأمور كمصلحة الدعوة من أىم المصالح فلب ينبغي إىمالها بل يوليها بعض اىتمامو ككقتو حسب قدرتو.

عدد الصفحات ٦٩

- 60 - الفرع السادس: العمل عند تزاحم المفاسد. إذا ازدحمت المفسدتاف ارتكب أيسرىما لدفع أشرىما ىذا في حاؿ التفاكت كالذم يبنى على ما تقدـ. قاؿ في المراقي (ص: ُُٕ): (كارتكب الأخف من ضرين ). كمن صور ىذه القاعدة: كجود ىذه المراكز الإسلبمية الصيفية للنساء فهو لا يخلو من مفاسد كتعود المرأة على الخركج من المنزؿ، كفتح الباب لأىل الشر لفتح مراكز شيطانية كنحو ذا من الأمور المحذكرة!! كلكن في ىذا العصر الذم دخل فيو الشر كل بيت إلا من رحم الله كتفنن فيو دعاة الفساد بشتى الأساليب كبقيت كثير من بنات المسلمين تحت تأثيرىم كما ينشركف من منكر كفساد فانشغاؿ ىؤلاء النساء بأمور خيرة خير من بقائهن فريسة لهؤلاء، فالأمر لم يعد كالسابق، إذ المرأة اليوـ تشاىد التلفاز، كتقرأ الصحف كالمجلبت، كتخرج إلى العمل أك المدرسة فلببد كأف تعرؼ الشر كتشاىده، كحينما نقر أمثاؿ تلك المراكز إنما ذلك بشركط كضوابط تلبئم الحاؿ كالواقع كأف يكوف الوقت معقولا لا طوؿ فيو كأف لا يكوف في جميع الأياـ بل في يومين أك ثلبثة من الأسبوع كأف تعلم فيو النساء القرآف كما يناسب حالهن من معرفة أمور الطهارة كالحيض كالصلبة كالصوـ كالزكاة كالحج. كيعلمن تربية الأكلاد على كفق تعاليم الشرع كنحو ذلك من الأمور الهامة لهن كأف يكوف الإشراؼ على ىذه الأماكن من قبل ذكم الكفاءة كالديانة. ىذا لمن دعت الحاجة لمشاركتها في ذلك إما للحاجة إلى تعليمها كإرشادىا، كإما لحاجتها ىي بحيث لم يتوفر لها من يربيها على الإسلبـ كيعلمها ما تحتاج إليو، فتستغني عن مثل ىذا الخركج، أما عدا ىذين الصنفين من النساء فيبقين في بيوتهن، كىذا كلو مخرج على قاعدة ارتكاب أخف الضررين، كإنما يكوف ذلك إذا كاف لابد من الوقوع في أحدىما لا محالة، أما إذا أمكن تلبفيهما فالأمر يجرم على قاعدتين ىما: الأكلى: (الضرر يزاؿ)، كالثانية: (الضرر لا يزاؿ بالضرر). فاقتحاـ النساء المسلمات مجالات الطب بحجة ارتكاب أخف الضررين غلط ظاىر، لأف ىناؾ كسيلة ثالثة غير ما يظن البعض! كمثل ىذا يقاؿ في تعليم أىل الصلبح لهن كجها لوجو، بحجة ارتكاب أخف الضررين، لئلب يدرسهن رجل فاسق! فهذا غير صحيح، بل يفصل الجميع عنهن كيعلمن بأسلوب آخر دكف رؤيتو لهن.

عدد الصفحات ٧٠

- 61 - كمن صور ذلك إشغاؿ من تعلق بالأغاني كسماعها بالقصائد التي تحمل المعاني الطيبة، حتى تنصرؼ نفسو عن ذلك الغناء، إف كاف لا يتركو إلا بمثل ىذا؛ مع أنو قد يشتغل بهذه القصائد عن قراءة القرآف أك الذكر . كمن صور ذلك دفع أشرطة (الفيديو) التي تحمل مواد طيبة لمن تعلق بالتلفاز تعلقا ميؤكسا من مفارقتو فيعطى أمثاؿ تلك الأشرطة كإف كاف المعطي يرل أف تلك الصور التي تظهر فيو من قبيل المحظور. كلا يحتج على ىذا بقاعدة (الضرر لا يزاؿ بالضرر) لأف القاعدة ليس ىذا محلها فالضرر الأصل فيو قاعدة (الضرر يزاؿ) كأنو (لا يزاؿ بالضرر) ىذا فيما إذا كانت إزالتو بغيره ممكنة أما في مثل تلك الصور كالتي لابد فيها من الوقوع في أحد المفسدتين فإف القاعدة التي يجب إعمالها ىي (ارتكاب أخف الضررين لدفع أعظمهما). كما مر بك في الأمثلة السابقة. كمن صور ىذه القاعدة الترخيص لمن عرض على السيف أف يتكلم بما يشعر السامع بالكفر بأف يتكلم بذلك شريطة أف يكوف قلبو مطمئنا بالإيماف. أما إذا تساكت المفاسد في القدر فإنو يخير بينها .. كما قاؿ في المراقي: كارتكب الأخف من ضرين * كخيرف لدل استول ىذين ذكر كلبـ شيخ الإسلبـ ابن تيمية -رحمو الله- حوؿ ىاتين القاعدتين: قاؿ شيخ الإسلبـ ابن تيمية في مجموع الفتاكل (َِ/ ٕٓ - ُٔ): فإذا ازدحم كاجباف لا يمكن جمعهما فقدـ أككدىما لم يكن الآخر في ىذه الحاؿ كاجبا، كلم يكن تاركو لأجل فعل الأككد تارؾ كاجب في الحقيقة. ككذلك إذا اجتمع محرماف لا يمكن ترؾ أعظمهما إلا بفعل أدناىما، لم يكن فعل الأدنى في ىذه الحاؿ محرما في الحقيقة، كإف سمى ذلك ترؾ كاجب كسمى ىذا فعل محرـ باعتبار الإطلبؽ لم يضر، كيقاؿ في مثل ىذا: ترؾ الواجب لعذر، كفعل المحرـ للمصلحة الراجحة، أك للضركرة، أك لدفع ما ىو أحرـ، كىذا كما يقاؿ لمن ناـ عن صلبة أك نسيها إنو صلبىا في غير الوقت المطلق قضاء ... كىذا -باب التعارض- باب كاسع جدا لا سيما في الأزمنة كالأمكنة التي نقصت فيها آثار النبوة كخلبفة النبوة، فإف ىذه المسائل تكثر فيها، ككلما ازداد النقص ازدادت ىذه المسائل، ككجود ذلك من أسباب الفتنة بين الأمة، فإنو إذا اختلطت الحسنات بالسيئات كقع الاشتباه كالتلبزـ، فأقواـ قد ينظركف إلى الحسنات فيرجحوف ىذا الجانب كإف تضمن سيئات

عدد الصفحات ٧١

- 62 - عظيمة، كأقواـ قد ينظركف إلى السيئات فيرجحوف الجانب الآخر كإف ترؾ حسنات عظيمة، كالمتوسطوف الذين ينظركف الأمرين قد لا يتبين لهم أك لأكثرىم مقدار المنفعة كالمضرة، أك يتبين لهم فلب يجدكف من يغنيهم العمل بالحسنات كترؾ السيئات، لكوف الأىواء قارنت الآراء. فينبغي للعالم أف يتدبر أنواع ىذه المسائل، كقد يكوف الواجب في بعضها .. العفو عند الأمر كالنهي في بعض الأشياء، لا التحليل كالإسقاط؛ مثل أف يكوف في أمره بطاعة فعلب لمعصية أكبر منها، فيترؾ الأمر بها دفعا لوقوع تلك المعصية، مثل أف ترفع مذنبا إلى ذم سلطاف ظالم فيعتدم عليو في العقوبة ما يكوف أعظم ضررا من ذنبو، كمثل أف يكوف في نهيو عن بعض المنكرات تركا لمعركؼ ىو أعظم منفعة من ترؾ المنكرات، فيسكت عن النهي خوفا أف يستلزـ ترؾ ما أمر الله بو كرسولو مما ىو عنده أعظم من مجرد ترؾ ذلك المنكر. فالعالم تارة يأمر كتارة ينهى كتارة يبيح كتارة يسكت عن الأمر كالنهي أك الإباحة .. فأما إذا كاف المأمور كالمنهي لا يتقيد بالممكن: إما لجهلو كإما لظلمو كلا يمكن إزالة جهلو كظلمو فربما كاف الأصلح الكف كالإمساؾ عن أمره كنهيو ا.ىػ. الفرع السابع: العمل في حاؿ اختلبط المعركؼ بالمنكر كالمصلحة بالمفسدة. تفشت المنكرات في ىذا العصر بشكل مخيف جدا .. حتى لم يسلم منها بيت من بيوت المسلمين .. كمن لم يقارؼ شيئا منها فإنو يمر بو صباح مساء .. بل إف كثيرا من المعركؼ قد اختلط بو شيء من المنكر .. حتى المساجد لم تسلم من ذلك!! كقد آثرت في ىذه المسألة أف أكرد بعض كلبـ ابن تيمية -رحمو الله- حوؿ ىذه المشكلة فهو يقوؿ: كاعلم أف من الأعماؿ ما يكوف فيو خير لاشتمالو على أنواع من المشركع، كفيو أيضا شر من بدع كغيرىا، فيكوف ذلك العمل خيرا بالنسبة إلى ما اشتمل عليو من أنواع المشركع، كشرا بالنسبة إلى ما اشتمل عليو من الإعراض عن الدين بالكلية كحاؿ المنافقين كالفاسقين، كىذا قد ابتلي بو أكثر الأمة في الأزماف المتأخرة، فعليك ىنا بأدبين: أحدىما: أف يكوف حرصك على التمسك بالسنة باطنا كظاىرا في خاصتك كخاصة من يطيعك. كأعرؼ المعركؼ كأنكر المنكر. كالثاني: أف تدعو الناس إلى السنة بحسب الإمكاف، فإذا رأيت من يعمل ىذا كلا يتركو إلا إلى شر منو، فلب تدع إلى ترؾ منكر بفعل ما ىو أنكر منو، أك بترؾ كاجب أك مندكب تركو أضر من فعل ذلك المكركه؛ كلكن إذا كاف في البدعة من الخير فعوض عنو من الخير المشركع بحسب الإمكاف، إذ النفوس لا تترؾ شيئا إلا بشيء، كلا ينبغي لأحد أف يترؾ خيرا إلا إلى مثلو أك إلى

عدد الصفحات ٧٢

- 63 - خير منو، فإنو كما أف الفاعلين لهذه البدع معيبوف قد أتوا مكركىا، كالتاركوف أيضا لسنن مذموموف، فإف منها ما يكوف كاجبا على الإطلبؽ، كمنها ما يكوف كاجبا على التقييد كما أف الصلبة النافلة لا تجب كلكن من أراد أف يصليها يجب عليو أف يأتي بأركانها، ككما يجب على من أتى الذنوب من الكفارات كالقضاء كالتوبة كالحسنات الماحية. ككثير من المنكرين لبدع العبادات كالعادات تجدىم مقصرين في فعل السنن من ذلك أك الأمر بو، كلعل حاؿ كثير منهم يكوف أسوأ من حاؿ من يأتي بتلك العبادات المشتملة على نوع من الكراىة، بل الدين ىو الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر كلا قواـ لأحدىما إلا بصاحبو، فلب ينهى عن منكر إلا كيؤمر بمعركؼ يغني عنو، كما يؤمر بعبادة الله سبحانو كينهي عن عبادة ما سواه، إذ رأس الأمر شهادة أف لا إلو إلا الله، كالنفوس خلقت لتعمل لا لتترؾ، كإنما الترؾ مقصود لغيره، فإف لم يشتغل بعمل صالح كإلا لم يترؾ العمل السيء أك الناقص .. -إلى أف قاؿ- إنو يحسن من بعض الناس ما يستقبح من المؤمن المسدد، كلهذا قيل للئماـ أحمد عن بعض الأمراء: إنو أنفق على مصحف ألف دينار. أك نحو ذلك. فقاؿ: دعهم، فهذا أفضل ما أنفقوا فيو الذىب، أك كما قاؿ. مع أف مذىبو أف زخرفة المصاحف مكركىة .. فهؤلاء إف لم يفعلوا ىذا كإلا اعتاضوا بفساد لا صلبح فيو، مثل أف ينفقها في كتاب من كتب الفجور؛ من كتب الأسمار أك الأشعار أك حكم فارس كالركـ. فتفطن لحقيقة الدين، كانظر ما اشتملت عليو الأفعاؿ من المصالح الشرعية كالمفاسد بحيث تعرؼ ما مراتب المعركؼ، كمراتب المنكر، حتى تقدـ أىمها عند الازدحاـ، فإف ىذا حقيقة العلم بما جاءت بو الرسل، فإف التمييز بين جنس المعركؼ كجنس المنكر، أك جنس الدليل كغير الدليل يتيسر كثيرا. فأما مراتب المعركؼ كالمنكر، كمراتب الدليل، بحيث يقدـ عند التزاحم أعرؼ المعركفين، كينكر أنكر المنكرين، كيرجح أقول الدليلين، فإنو ىو خاصة العلماء بهذا الدين. فالمراتب ثلبثة: أحدىما: العمل الصالح المشركع الذم لا كراىة فيو. الثاني: العمل الصالح من بعض كجوىو أك أكثرىا، إما لحسن القصد، أك لاشتمالو مع ذلك على أنواع من المشركع .

عدد الصفحات ٧٣

- 64 - كالثالث: ما ليس فيو صلبح أصلب؛ إما لكونو تركا للعمل الصالح مطلقا، أك لكونو عملب فاسدا محضا. فأما الأكؿ: فهو سنة رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم باطنها كظاىرىا، قولها كعملها، في الأمور العلمية كالعملية مطلقا، فهذا ىو الذم يجب تعلمو كتعليمو كالأمر بو، كفعلو على حسب مقتضى الشريعة من إيجاب كاستحباب، كالغالب على ىذا الضرب ىو أعماؿ السابقين الأكلين من المهاجرين كالأنصار كالذين اتبعوىم بإحساف. كأما المرتبة الثانية: فهي كثيرة جدا في طرؽ المتأخرين من المنتسبين إلى علم أك عبادة كمن العامة أيضا، كىؤلاء خير ممن لا يعمل عملب صالحا مشركعا كلا غير مشركع، أك من يكوف عملو من جنس المحرـ، كالكفر كالكذب كالخيانة كالجهل، كيندرج في ىذا أنواع كثيرة. فمن تعبد ببعض ىذه العبادات المشتملة على نوع من الكراىة كالوصاؿ في الصياـ كترؾ جنس الشهوات كنحو ذلك، أك قصد إحياء ليالي لا خصوص لها كأكؿ ليلة من رجب كنحو ذلك، قد يكوف حالو خيرا من حاؿ البطاؿ الذم ليس فيو حرص على عبادة الله كطاعتو؛ بل كثير من ىؤلاء الذين ينكركف ىذه الأشياء زاىدكف في جنس عبادة الله من العلم النافع كالعمل الصالح، أك في أحدىما - لا يحبونها كلا يرغبوف فيها، لكن لا يمكنهم ذلك في المشركع فيصرفوف قوتهم إلى ىذه الأشياء، فهم بأحوالهم منكركف للمشركع كغير المشركع، كبأقوالهم لا يمكنهم إلا إنكار غير المشركع، كمع ىذا: فالمؤمن يعرؼ المعركؼ كينكر المنكر ا. ىػ. كلبـ الشيخ من اقتضاء الصراط المستقيم (ِ/ ُٔٔ - ُِٔ). كقاؿ في الاستقامة (ِ/ ُٓٔ - ُٖٔ): فأما المؤمنوف فالصحو خير لهم، فإف السكر يصدىم عن ذكر الله كعن الصلبة كيوقع بينهم العداكة كالبغضاء، ككذلك العقل خير لهم لأنو يزيدىم إيمانا. كأما الكفار فزكاؿ عقل الكافر خير لو كللمسلمين؛ أما لو فلؤنو لا يصده عن ذكر الله كعن الصلبة، بل يصده عن الكفر كالفسوؽ؛ كأما للمسلمين فلؤف السكر يوقع بينهم العداكة كالبغضاء فيكوف ذلك خيرا للمؤمنين، كليس ىذا إباحة للخمر كالسكر كلكنو دفع لشر الشرين بأدناىما. كلهذا كنت آمر أصحابنا أف لا يمنعوا الخمر عن أعداء المسلمين من التتار كالكرج كنحوىم، كأقوؿ: إذا شربوا لم يصدىم ذلك عن ذكر الله كعن الصلبة، بل عن الكفر كالفساد في الأرض، ثم إنو يوقع بينهم العداكة كالبغضاء، كذلك مصلحة للمسلمين، فصحوىم شر من سكرىم، فلب

عدد الصفحات ٧٤

- 65 - خير في إعانتهم على الصحو بل يستحب - أك يجب - دفع شر ىؤلاء بما يمكن من سكر كغيره. فهذا في حق الكفار، كفي الفساؽ كالظلمة من إذا صحا كاف في صحوه من ترؾ الواجبات كإعطاء الناس حقوقهم، كمن فعل المحرمات كالاعتداء في النفوس كالأمواؿ ما ىو أعظم من سكره، فإنو إذا كاف يترؾ ذكر الله كالصلبة في حاؿ سكره كيفعل ما ذكرتو في حاؿ صحوه، لم يكن سكره شرا من صحوه، كإذا كاف في حاؿ صحوه يفعل حركبا كفتنا لم يكن في شربو ما ىو أكثر من ذلك، ثم إذا كاف في سكره يمتنع عن ظلم الخلق في النفوس كالأمواؿ كالحريم، كيسمح ببذؿ أمواؿ - تؤخذ على كجو فيو نوع من التحريم - ينتفع بها الناس كاف ذلك أقل عذابا ممن يصحو فيعتدم على الناس في النفوس كالأمواؿ كالحريم، كيمنع الناس الحقوؽ التي يجب أداؤىا .. فعليك بالموازنة في ىذه الأحواؿ كالأعماؿ الباطنة كالظاىرة حتى يظهر لك التماثل كالتفاضل، كتناسب أحواؿ أىل الأحواؿ الباطنة لذكم الأعماؿ الظاىرة، لا سيما في ىذه الأزمنة المتأخرة التي غلب فيها خلط الأعماؿ الصالحة بالسيئة في جميع الأصناؼ لنرجح عند الازدحاـ كالتمانع خير الخيرين كندفع عند الاجتماع شر الشرين، كنقدـ عند تلبزـ - تلبزـ الحسنات كالسيئات - ما ترجح منها، فإف غالب رؤكس المتأخرين كغالب الأمة من الملوؾ كالأمراء كالمتكلمين كالعلماء كالعباد كأىل الأمواؿ يقع غالبا فيهم ذلك . ا.ىػ. انظر كتاب الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر لخالد بن عثماف السبت. المسألة الثانية: التغير باليد أدلتو كشركطو. المطلب الأكؿ: تغيير المنكر باليد كأدلتو. كنقصد بذلك تغيير المنكر باليد ككسر الملبىي كإراقة الخمر كإتلبؼ آنيتو إذا لم يمكن ذلك كخلع الحرير، كتكسير الأصناـ كتمزيق الصور أك طمسها كإتلبؼ الكتب كالمجلبت المضللة كنحو ذلك. الأصل في تغيير المنكر باليد الكتاب كالسنة كإجماع المسلمين على ذلك. يقوؿ تعالى حكاية عن إبراىيم -عليو السلبـ-: (كتالله لأكيدف أصنامكم بعد أف تولوا مدبرين فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليو يرجعوف [ )الأنبياء: ٕٓ - ٖٓ]فإبراىيم -عليو السلبـ- كسر الأصناـ بيده، كقاؿ تعالى حكاية عن موسى -عليو السلبـ- (كانظر إلى إلهك الذم ظلت عليو عاكفا لنحرقنو ثم لننسفنو في اليم نسفا[ )طو: ٕٗ]فأخبر سبحانو كتعالى عن

عدد الصفحات ٧٥

- 66 - كليمو موسى عليو السلبـ أنو أحرؽ العجل الذم عبد من دكف الله كنسفو في اليم، كيقوؿ تعالى آمرا نبيو أف يقوؿ: (كقل جاء الحق كزىق الباطل إف الباطل كاف زىوقا[ )الإسراء: ُٖ]كذلك حينما دخل مكة عاـ الفتح فأخذ يطعن الأصناـ بعود بيده كىو يتلو ىذه الآية. كقد ثبت عند البخارم (ِْٖٕ) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنو قاؿ: (دخل النبي صلى الله عليو كسلم مكة كحوؿ البيت ستوف كثلبثمائة نصب فجعل يطعنها بعود في يده. كيقوؿ كقل جاء الحق كزىق الباطل إف الباطل كاف زىوقا [الإسراء: ُٖ]، كعن أبي ىريرة رضي الله عنو قاؿ: قاؿ رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم: (من رأل منكم منكرا فليغيره بيده) فهذا نص صريح من الرسوؿ صلى الله عليو كسلم بتغيير المنكر باليد، كعن أبي ىريرة رضي الله عنو قاؿ: قاؿ رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم: (كالذم نفسي بيده ليوشكن أف ينزؿ فيكم ابن مريم حكما مقسطا فيكسر الصليب كيقتل الخنزير كيضع الجزية كيفيض الماؿ حتى لا يقبلو أحد) البخارم (ِِِِ)، كعن أنس بن مالك رضي الله عنو قاؿ: (كنت أسقي أبا عبيدة كأبا طلحة كأبي ابن كعب من فضيخ زىو تمر فجاءىم آت فقاؿ: إف الخمر قد حرمت. فقاؿ أبو طلحة: قم يا أنس فاىرقها فأىرقتها) ركاه البخارم (ِٖٓٓ)، كمسلم (َُٖٗ)، كفي ركاية لمسلم: (فقاؿ أبو طلحة: يا أنس قم إلى ىذه الجرة فاكسرىا فقمت إلى مهراس لنا فضربتها بأسفلو حتى تكسرت)، كعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قاؿ: (خرج رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم إلى المربد فخرجت معو فكنت عن يمينو، كأقبل أبو بكر فتأخرت لو فكاف عن يمينو ككنت عن يساره فأتى رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم المربد، فإذا بزقاؽ على المربد فيها خمر. قاؿ ابن عمر: فدعاني رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم بالمدية، كما عرفت المدية إلا يومئذ، فأمر بالزقاؽ فشقت ثم قاؿ لعنت الخمر كشاربها) كقد تقدـ تخريجو. كفي ركاية لابن عمر أيضا قاؿ: (أمرني رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم أف آتيو بمدية كىي الشفرة فأرىفت فأتيتو بها فأرسل بها فأرىفت ثم أعطانيها كقاؿ: اغد علي بها ففعلت، فخرج بأصحابو إلى أسواؽ المدينة كفيها زقاؽ خمر قد جلبت من الشاـ فأخذ المدية مني فشق ما كاف من تلك الزقاؽ بحضرتو ثم أعطانيها، كأمر أصحابو الذين كانوا معو أف يمضوا معي كأف يعاكنوني كأمرني أف آتي الأسواؽ كلها فلب أجد فيها زؽ إلا شققتو ففعلت فلم أترؾ في أسواقها زقا إلا شققتو) كقد تقدـ تخريجو.

عدد الصفحات ٧٦

- 67 - فهذه الأحاديث دليل كاضح بالقوؿ كالفعل من الرسوؿ صلى الله عليو كسلم كصحابتو على تغيير المنكر باليد. الفرع الأكؿ: المنكرات التي يجوز إتلبفها باليد: للناىي عن المنكر أف يتلف الأشياء العينية المحرمة مثل الأصناـ المعبودة من دكف الله بشتى أنواعها كأيا كانت مادتها من خشب أك ذىب أك نحاس، فلو تكسيرىا كإتلبفها ككذلك آلات اللهو بشتى أنواعها من عود كآلات موسيقية كنحو ذلك أك الأشرطة التي سجل فيها أغاني خليعة كموسيقى ماجنة كنحو ذلك، أك الصور الخليعة المحرمة فلو طمسها أك تمزيقها كإتلبفها، كل ذلك يجوز لو تغييره باليد كإتلبفو لكن عليو أف ينظر إلى قواعد الشرع قبل الإقداـ على ذلك كمراعاة المصلحة فلب يخلف ذلك منكرا أكبر منو. قاؿ الأثرـ: سألت أبا عبد الله عن رجل كسر عودا كاف مع أمو لإنساف فهل يغرمو. أك يصلحو؟ قاؿ لا أرل عليو بأسا أف يكسره كلا يغرمو كلا يصلحو، قيل فطاعتها؟ قاؿ: ليس لها طاعة في ىذا. كقاؿ أبو داكد: سمعت أحمد يسأؿ عن قوـ يلعبوف بالشطرنج فنهاىم فلم ينتهوا، فأخذ الشطرنج فرمى بها. قاؿ: قد أحسن. قيل: فليس عليو شيء. قاؿ: لا، قيل لو: ككذلك إف كسر عودا أك طنبورا؟ قاؿ: نعم. كقاؿ عبد الله: سمعت أبي - في رجل يرل مثل الطنبور أك العود أك الطبل أك ما أشبو ىذا ما يصنع بو؟ قاؿ: إذا كاف مكشوفا فاكسره. كقاؿ المركزم: سألت أبا عبد الله عن كسر الطنبور الصغير يكوف مع الصبي؟ قاؿ يكسره أيضا. قلت: أمر في السوؽ فأرل الطنبور تباع أأكسره؟ قاؿ: ما أراؾ تقول، إف قويت -أم فافعل- قلت أدعى لغسل الميت فأسمع صوت الطبل؟ قاؿ إف قدرت على كسره كإلا فاخرج ذكر ذلك كلو ابن القيم رحمو الله الطرؽ الحكمية (ص: ِٖٕ، ِٕٗ)، كىذه الركايات عن الإماـ أحمد - رحمو الله- تفيد إنكار المنكر باليد، ككسر مثل ىذه المنكرات كإزالتها. كىذه مبنية على أصل الشرع . فعن أبي الهياج الأسدم رضي الله عنو قاؿ: قاؿ لي علي بن أبي طالب: (ألا أبعثك على ما بعثني عليو رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم أف لا تدع تمثالا إلا طمستو كلا قبرا مشرفا إلا سويتو) ركاه مسلم (ٗٔٗ).

عدد الصفحات ٧٧

- 68 - كعن ابن عباس رضي الله عنهما قاؿ: (دخل النبي صلى الله عليو كسلم البيت فوجد فيو صورة إبراىيم كصورة مريم فقاؿ صلى الله عليو كسلم أما ىم فقد سمعوا أف الملبئكة لا تدخل بيتا فيو صورة) ركاه البخارم (ُّّٓ).. كفي ركاية لابن عباس أيضا عند البخارم (ِّّٓ) (أف النبي صلى الله عليو كسلم لما رأل الصور في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمحيت) فهذه الأحاديث كغيرىا من النصوص تبين مشركعية إزالة المنكرات باليد، على أية صورة كانت الإزالة مما يناسب ذلك المنكر إما تغييرا كليا أك جزئيا. الفرع الثاني: ىل يضمن المنكر ما أتلفو؟ المسألة خلبفية بين العلماء فبعضهم يقوؿ لا يضمن ما أتلفو؛ لأف ما أتلفو منكر كمحرـ فثمنو حراـ فلب ضماف عليو. كبعضهم يقوؿ ما يزكؿ بو المنكر لا ضماف فيو كأما الباقي فيضمنو. ذكر الخلبؿ ىنا في أصل الكتاب بسنده عن أبي الحصين أف شريحا أتي في طنبور فلم يقض فيو بشيء. كقاؿ الخلبؿ أيضا أخبرني محمد بن أبي ىاركف، أف يحيى بن يزداف أبا السفر حدثهم، أنو سأؿ أبا عبد الله عن رجل رأل في يد رجل عودا، أك طنبورا فكسره أصاب أك أخطأ كما عليو في كسره شيء؟ فقاؿ قد أحسن كليس عليو في كسره شيء ا.ىػ كقاؿ في غذاء الألباب (ُ/ ِّْ - ِٓٓ): قاؿ ابن قدامة: كإف كسر صليبا أك مزمارا أك طنبورا أك صنما لم يضمنو. كقاؿ الشافعي: إف كاف ذلك إذا فصل يصلح لنفع مباح، كإذا كسر لم يصلح لنفع مباح لزمو ما بين قيمتو منفصلب كمكسورا. لأنو أتلف بالكسر ما لو قيمة، كإف كاف لا يصلح لمنفعة مباحة لم يلزمو ضمانو. كقاؿ أبو حنيفة: يضمن. كلنا أنو لا يحل بيعو فلم يضمنو كالميتة. كالدليل على أنو لا يحل بيعو قوؿ النبي صلى الله عليو كسلم: (إف الله حرـ بيع الخمر كالميتة كالخنزير كالأصناـ)) متفق عليو البخارم (ِِّٔ)، كمسلم (ُُٖٓ). كالذم يظهرأف الاختلبؼ يتعلق بالمنكر نفسو فأحيانا يكوف كلو منكرا، كأحيانا يجمع بين المنكر كالمعركؼ. فإذا كاف كلو منكرا كالعود -آلة الغناء- فهذا يكسر كلا ضماف فيو؛ لأنو مخصص لهذا الغرض فقط كلا يمكن الاستفادة منو بشيء آخر، كإف كاف فيو من ىذا كذاؾ فالأكلى إزالة

عدد الصفحات ٧٨

- 71 - المنكر كترؾ ما عداه. فمثلب: إذا كاف فيو كتاب فيو فصوؿ جيدة كلكن فيو فصل خبيث. فتمزؽ أكراؽ ىذا الفصل كيترؾ الباقي. ككذلك الحاؿ لو كاف فيو مجلة فيها مقالات طيبة كلكن فيها صورة خليعة فتمزؽ ىذه الصورة كيترؾ الباقي. كلكن ينبغي أف يعلم إذا كانت المصلحة تقتضي إتلبؼ الذم جمع بين المنكر كالمعركؼ فإنو يتلف كلا ضماف. فعلى الآمر بالمعركؼ كالناىي عن المنكر أف يزف ىذه الأمور بميزاف الشرع ثم يمضي لتنفيذ أمر الله تعالى. المطلب الثالث: شركط تغيير المنكر باليد كضوابطو ُ - أف يكوف تغييره للمنكر خالصا لوجو الله تعالى كليس ىدفو من ذلك ىو ردكد فعل أك الانتقاـ أك التشفي أك نحو ذلك من حظوظ النفس. ِ - أف يتحقق من ىذا المنكر كأنو يستحق التغيير أك الإتلبؼ. ّ - أف لا يتجاكز الحد المشركع إف كاف من المنكرات التي يمكن إتلبؼ بعضها كترؾ البعض الآخر. ْ - أف يباشر ذلك بنفسو إف تيسر ذلك أك يستعين بمن ىو أىل لذلك. الأمر ٓ - القدرة كعدـ ترتب مفسدة أكبر من جرائو، كفي مسألة التغيير للمنكر باليد خاصة إذا جعلنا ذلك لكل أحد كفي كل منكر فإف ذلك يجر من المفاسد الشيء الكثير جدا. قاؿ شيخ الإسلبـ ابن تيمية رحمو الله: (كليس لأحد أف يزيل المنكر بما ىو أنكر منو، مثل أف يقوـ كاحد من الناس يريد أف يقطع يد السارؽ كيجلد الشارب، كيقيم الحدكد، لأنو لو فعل ذلك لأفضى إلى الهرج كالفساد، لأف كل كاحد يضرب غيره كيدعي أنو استحق ذلك، فهذا ينبغي أف يقتصر فيو على كلي الأمر) ىذا كقد نص غير كاحد من أىل العلم على أنو إذا تطلب الأمر شهر سلبح فإف ذلك لا بد فيو من إذف السلطاف لئلب يؤدم إلى فتنة فمسألة التغيير باليد مع كجود القدرة مشركطة بعدـ ترتب مفسدة أكبر من جراء الاحتساب. المبحث الثالث التغيير باللساف كضوابطو. من أىم كسائل تغيير المنكر تغييره باللساف كذلك بتعريف الناس بالحكم الشرعي بأف ىذا محرـ كمنهي عنو. فقد يرتكب المنكر لجهلو بو. فيمكن تغيير المنكر عن طريق الوعظ كالإرشاد كالنصح كالتخويف كتغليظ القوؿ كالتقريع كالتعنيف كنحو ذلك، فلعلو يقلع عن المنكر بسبب ذلك.

عدد الصفحات ٧٩

- 70 - كلتغيير المنكر باللساف مراتب على الآمر بالمعركؼ كالناىي عن المنكر أف يسلكها أكلا بأكؿ؛ لأف الهدؼ الأساسي ىو إصلبح الناس كليس إيذاؤىم. المطلب الأكؿ: التعريف: كذلك بأف يعرؼ مرتكب المنكر -إما بالمباشرة أك التعريض حسب الموقف- بأف ىذا لا ينبغي أك حراـ كأنت لست ممن يفعل ذلك بالقصد، فأنت أرفع من ذلك. كيبين لو ذلك بالحكمة كالرفق كاللين حتى يقبل كلا ينفر، كقد ضرب الغزالي مثلب لذلك فقاؿ في الإحياء (ٕ/ ْٓ): فإف المنكر قد يقدـ عليو المقدـ بجهلو، كإذا عرؼ أنو منكر تركو كالسوادم يصلي كلا يحسن الركوع كالسجود، فيجب تعريفو باللطف من غير عنف؛ كذلك لأف في ضمن التعريف نسبة إلى الجهل كالحمق كالتجهيل إيذاء، كقلما يرضى الإنساف بأف ينسب إلى الجهل بالأمور كلاسيما بالشرع، كلذلك ترل الذم يغلب عليو الغضب كيف أف تنكشف عورة جهلو كالطباع أحرص على ستر عورة الجهل، فنقوؿ لو إف الإنساف لا يولد عالما كلقد كنا أيضا جاىلين بأمور الصلبة فعلمنا العلماء، كلعل قريتك خالية عن أىل العلم، أك عالمها مقصر في شرح الصلبة، كىكذا يتلطف بو ليحصل التعريف من غير إيذاء، فإيذاء المسلم محذكر كما أف تقريره على المنكر محذكر. كليس من العقلبء من يغسل الدـ بالدـ أك بالبوؿ، كمن اجتنب محذكر السكوت على المنكر كاستبدؿ عنو محذكر الإيذاء للمسلم مع الاستغناء عنو، فقد غسل الدـ بالبوؿ على التحقيق ا.ىػ بتصرؼ. كيختلف الأسلوب من شخص لآخر كمن كقت إلى كقت، فعلى الناىي عن المنكر أف يلبس لكل حالة لبوسها، كلابد في كل الحالات من عامل مشترؾ ألا كىو التعريف بالرفق كاللين كاللطف كلا سيما إذا كانت حاؿ الواقع في المنكر مجهولة. كلقد كاف الرسوؿ صلى الله عليو كسلم إذا علم شخصا ما قد كقع في محظور فإنو يخطب كيعمم كلا يخصص، كل ذلك من أجل أف لا يجرح شعور ذلك الشخص. فقد كرد عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كاف رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم إذا كره من إنساف شيئا قاؿ: ما باؿ أقواـ يفعلوف كذا ككذا )، كفي ركاية (إذا بلغو عن الرجل شيء) أخرجو أبو داكد (ْٖٖٕ) كعنو البيهقي في الدلائل (ُ/ُّٕ-ُّٖ) كابن أبي الدنيا في مكارـ الأخلبؽ (َٖ) كالحديث صححو ابن مفلح في الآداب الشرعية كصححو العلبمة الألباني في الصحيحة (َِْٔ)، كقاؿ العلبمة الوادعي في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين (ُُِٔ): صحيح على شرط الشيخين.

عدد الصفحات ٨٠