- 41 - كمن جهة كونها بينة أك مشكلة، أم كونها ظاىرة المأخذ فهي بدعة متمحضة كبدع المآتم كالموالد، كصلبة الرغائب، أك بدعة فيها احتماؿ لاستشباه مأخذىا، مثالو : القنوت في صلبتي العشاء كالصبح فإنو كاف ثم نسخ كبقي المشركع فيها عند النوازؿ، كشبهة الخلبؼ لا تصيره مشركعان راتبان . كالحقيقة أف ىذا الوجو صورم لا حقيقي إذ البدع مشكلة المأخذ يلحق بها من الإشاعة كالتعصب ما يجعلها بينة ، كالله أعلم. كمن جهة اجتهاده فيها أك كونو مقلدان : فالمجتهد مفترع للبدعة، فالزيغ أمكن في قلبو من المقلد، كإف كاف كل منهما موزكران لكن أثم من سن سنة سيئة أعظم كزران ، كالله أعلم. كمن جهة الإصرار عليها أك عدمو: أما الإصرار عليها فيجعلها من باب الدعوة إليها فيكوف داعية معلنان لها، كأما عدـ الإصرار فهو من باب كونها فلتة، كزلة عالم، إذا كانت منو ثم لم يعاكدىا. كيختلف باختلبؼ حاؿ المبتدع كما فيو من خير كشر ( كإذا اجتمع في الرجل الواحد خير كشر، كفجور كطاعة، كمعصية كسنة كبدعة استحق من الموالاة كالثواب بقدر ما فيو من الخير، كاستحق من المعاداة كالعقاب بحسب ما فيو من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكراـ كالإىانة ، فيجتمع لو من ىذا كىذا، كاللص الفقير تقطع يده لسرقتو، كيعطى من بيت الماؿ ما يكفيو لحاجتو، ىذا ىو الأصل الذم اتفق عليو أىل السنة ك الجماعة. كفرؽ بين عالم تشربت نفسو بالبدع ، لكنو لم يختلط بعلماء أىل السنة كلم يتلق عنهم، كبين عالم تلقى عن المبتدعة فنالت منو منالان، ثم خالط أىل السنة كعلماءىم كجاكرىم مدة بمثلها يحصل برد اليقين بل يكوف عاشرىم عشرات السنين، ثم ىو يبقى على مشاربو البدعية يعملها، كيدعو إليها، كيصر عليها، فهذا قامت عليو الحجة أكثر، كاستبانت لو المحجة فما أبصر فهو من أعظم خلق الله فجوران، كغيظان على أىل السنة. فالأكؿ في تأليف قلبو كتودده للرجوع إلى السنة مجاؿ، أما الثاني فلب كالله، بل يتعين ىجره ، كمنابذتو كإبعاده، كإنزاؿ العقوبات الشرعية للمبتدعة عليو، كأف ييهجر ميتان كما ىيجر حيان فلب يصلي أىل الخير عليو، كلا يشيعوف جنازتو .
عدد الصفحات ٤٩- 40 - قاؿ شيخ الإسلبـ ابن تيمية في مجموع الفتاكل (ِٖ/َِٗ) في حق بعض العصاة المظهرين لفجورىم: كأما إذا أظهر الرجل المنكرات، كجب الإنكار عليو علبنية، كلم يبق لو غيبة، ككجب أف يعاقب علبنية بما يردعو عن ذلك من ىجر كغيره، فلب يسلم عليو، كلا يرد عليو السلبـ، إذا كاف الفاعل لذلك متمكنان من ذلك من غير مفسدة راجحة، كينبغي لأىل الخير كالدين أف يهجركه ميتان، كما ىجركه حيان، إذا كاف في ذلك كف لأمثالو من المجرمين فيتركوف تشييع جنازتو، كما ترؾ النبى صلى الله عليو كسلم على غير كاحد من أىل الجرائم، ككما قيل لسمرة ابن جندب إف ابنك مات البارحة، فقاؿ لو مات لم أصل عليو ، يعني لأنو أعاف على قتل نفسو، فيكوف كقاتل نفسو، كقد ترؾ النبي صلى الله عليو كسلم الصلبة على قاتل نفسو ككذلك ىجر الصحابة الثلبثة الذين ظهر ذنبهم في ترؾ الجهاد الواجب حتى تاب الله عليهم ، فإذا أظهر التوبة أظهر لو الخير ا.ىػ كفرؽ في حاؿ المهجور بين القوم في الدين كبين الضعيف فيو، فإف القوم يؤاخذ بأشد مما يؤاخذ بو الضعيف في الدين كما في قصة كعب بن مالك كصاحبيو رضي الله عنهم. ككذلك بالنسبة للؤماكن: ففرؽ بين الأماكن التي كثرت فيها البدع، كما كثر القدر بالبصرة، كالتنجيم بخراساف، كالتشيع بالكوفة، كبين ما ليس كذلك. كىذا على ما أفتى بو الأئمة أحمد كغيره بناء على ىذا الأصل : رعاية المصالح الشرعية. كيختلف باختلبؼ الهاجرين أنفسهم في قوتهم كضعفهم كقلتهم ككثرتهم : فإذا كانت الغلبة كالظهور لأىل السنة كانت مشركعية ىجر المبتدع قائمة على أصلها، كإف كانت القوة كالكثرة للمبتدعة - كلا حوؿ كلا قوة إلا بالله - فلب المبتدع كلا غيره يرتدع بالهجر كلا يحصل المقصود الشرعي، لم يشرع الهجر ككاف مسلك التأليف ، خشية زيادة الشر، كىذا كحاؿ المشركع مع العدك القتاؿ تارة، كالمهادنة تارة، كأخذ الجزية تارة، كل ذلك بحسب الأحواؿ كالمصالح. كمن أىم المهمات ىنا إذا كانت الواجبات لدل أىل السنة مثل: التعليم، كالجهاد، كالطب، كالهندسة، كنحوىا متعذر إقامتها إلا بواسطتهم، فإنو يعمل على تحصيل مصلحة الجهاد، كمصلحة التعليم كىكذا، مع الحذر من بدعتو، كاتقاء الفتنة بو كبها ما أمكن، كبقدر الضركرة، فإذا زالت عاد أىل السنة إلى الأصل في
عدد الصفحات ٥٠- 41 - الهجر، كأبعد لمبتدع . قاؿ شيخ الإسلبـ ابن تيمية في مجموع الفتاكل (ِٖ/ُِِ) في جوابو المحرر في الهجر المشركع : .. فإذا لعذر إقامة الواجبات من العلم كالجهاد كغير ذلك إلا بمن فيو بدعة مضرتها دكف مضرة ترؾ ذلك الواجب كاف تحصيل مصلحة الواجب مع مفسدة مرجوحة معو خيران من العكس، كلهذا كاف الكلبـ في ىذه المسائل فيو تفصيل ا.ىػ ىذا كإف الناظر في أحواؿ المبتدعة من كجو ما ىم عليو من الشناعات، كإماتة السنن، كالنشاط في غير ىدل كالنصرة لغير حق، كأنهم يفسدكف على أىل السنة صفاء الإسلبـ، رآىم مستحقين لما قالو الإماـ الشافعي -رحمو الله تعالى- في أىل الكلبـ : ( حكمي في أىل الكلبـ أف يضربوا بالجريد كالنعاؿ ، كيطاؼ بهم في القبائل كالعشائر ، كيقاؿ : ىذا جزاء من أعرض عن الكتاب كالسنة كأقبل على الكلبـ )، كإذا نظرت إلى المبتدعة بعين القدر، كالحيرة مستولية عليهم، كالشيطاف مستحوذ عليهم رحمتهم، كترفقت بهم، أكتوا ذكاءن كما أكتوا زكاءن، كأعطوا فهومان كما أعطوا علومان، كأعطوا سمعان كأبصاران كأفئدة ؟ فىمىا أىغٍنىى عىنػٍهيمٍ سىمٍعيهيمٍ كلا أىبٍصىاريىيمٍ كلا أىفٍئًدىتػيهيم مِّن شىيٍءو إذٍ كىانيوا يىجٍحىديكفى بًآيىاتً اللَّوً كحىاؽى بًهًم مَّا كىانيوا بًوً يىسٍتػىهٍزًئيوفى ؟ ) كختامان : احذر المبتدع ، كاحذر بدعتو، كأعمل الولاء كالبراء معو، كتقرب إلى الله بذلك، كبهجره الهجر الشرعي منزلان لو على قواعد الشريعة كأصولها في رعاية المصالح كدفع المفاسد، كإياؾ ثم إياؾ من تأمير الهول ىجران أك تركان ، كالسلبـ ا.ىػ (فرع ): عقوبة من كالى المبتدعة. قاؿ الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد في كتابو ىجر المبتدع (صّّ): المبحث التاسع عقوبة من كالى المبتدعة: قاؿ أبو علي الدقاؽ (ـ سنة َْٔ ق) رحمو الله تعالى: كقد شدد الأئمة النكير على من ناقض أصل الاعتقاد فترؾ ىجر المبتدعة ، كفي معرض رد شيخ الإسلبـ ابن تيمية - رحمو الله تعالى- على (الاتحادية) قاؿ في مجموع الفتاكل (ِ/ُِّ): كيجب عقوبة كل من انتسب إليهم، أك ذب عنهم، أك أثنى عليهم، أك عظم كتبهم، أك عرؼ بمساعدتهم أك معاكنتهم، أك كره الكلبـ فيهم، أك أخذ يعتذر لهم بأف ىذا الكلبـ لا يدرم ما ىو ؟ أك من قاؿ: إنو صنف ىذا الكتاب؟ كأمثاؿ ىذه المعاذير، التي لا يقولها إلا جاىل أك منافق بل تجب عقوبة كل من
عدد الصفحات ٥١- 42 - عرؼ حالهم، كلم يعاكف على القياـ عليهم، فإف القياـ على ىؤلاء من أعظم الواجبات، لأنهم أفسدكا العقوؿ كالأدياف على خلق من المشايخ كالعلماء كالملوؾ كالأمراء، كىم يسعوف في الأرض فسادان كيصدكف عن سبيل الله ا.ىػ فرحم الله شيخ الإسلبـ ابن تيمية كسقاه من سلسبيل الجنة آمين، فإف ىذا الكلبـ في غاية الدقة كالأىمية كىو كإف كاف في خصوص مظاىرة (الاتحادية) لكنو ينتظم جميع المبتدعة ، فكل من ظاىر مبتدعان فعظمو أك عظم كتبو، كنشرىا بين المسلمين، كنفخ بو كبها، كأشاع ما فيها من بدع كضلبؿ، كلم يكشفو فيما لديو من زيغ كاختلبؿ في الاعتقاد، إف من فعل ذلك فهو مفرط في أمره، كاجب قطع شره لئلب يتعدل إلى المسلمين، كقد ابتلينا بهذا الزماف بأقواـ على ىذا المنواؿ يعظموف المبتدعة كينشركف مقالاتهم، كلا يحذركف من سقطاتهم كما ىم عليو من الضلبؿ، فاحذر أبا الجهل المبتدع ىذا، نعوذ بالله من الشقاء كأىلو ا.ىػ من كتاب ىجر المبتدع . ّ - القسم الثالث: مرتكب الكبيرة: فهذا يهجر حتى يدع تلك الكبيرة، كفيو التفصيل المتقدـ في ىجر المبتدع . المبحث السادس: تغيير الإبن على كالده. لقد جعل الله سبحانو كتعالى للوالدين حقوقا كثيرة ككبيرة فمهما عمل الولد تجاه كالديو فإنو لا يعتبر موفيا حقوقهما بل كلا جزءا منها، كالدليل على ذلك أف الله سبحانو كتعالى قرف طاعتو بطاعتهم قاؿ تعالى: (كقضى ربك ألا تعبدكا إلا إياه كبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندؾ الكبر أحدىما أك كلبىما فلب تقل لهمآ أؼ كلا تنهرىما كقل لهما قولا كريما كاخفض لهما جناح الذؿ من الرحمة كقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا[ )الإسراء: ِّ - ِْ] قاؿ القرطبي في تفسيره (َُ/ ِّٖ): أمر الله سبحانو بعبادتو كتوحيده كجعل بر الوالدين مقركنا بذلك، كما قرف شكرىما بشكره فقاؿ: أف اشكر لي كلوالديك [لقماف: ُْ]كقاؿ: كالبر بهما كالإحساف إليهما أف لا يتعرض لسبهما كلا يعقهما فإف ذلك من الكبائر بلب خلبؼ ا.ىػ كقاؿ ابن مفلح في الأداب الشرعية (ُ/ْْٗ): فصل في أمر الوالدين بالمعركؼ كنهيهما عن المنكر: قاؿ أحمد في ركاية يوسف بن موسى يأمر أبويو بالمعركؼ كينهاىما عن المنكر كقاؿ في ركاية حنبل إذا رأل أباه على أمر يكرىو يعلمو بغير عنف كلا إساءة كلا يغلظ لو في الكلبـ كإلا
عدد الصفحات ٥٢- 43 - تركو كليس الأب كالأجنبي كقاؿ في ركاية يعقوب بن يوسف إذا كاف أبواه يبيعاف الخمر لم يأكل من طعامهم كخرج عنهم. كقاؿ في ركاية إبراىيم بن ىانئ إذا كاف لو أبواف لهما كرـ يعصراف عنبو كيجعلبنو خمرا يسقونو يأمرىم كينهاىم فإف لم يقبلوا خرج من عندىم كلا يأكم معهم. ذكره أبو بكر في زاد المسافر. كذكر المركذم أف رجلب من أىل حمص سأؿ أبا عبد الله أف أباه لو كركـ يريد أف يعاكنو على بيعها قاؿ إف علمت أنو يبيعها ممن يعصرىا خمرا فلب تعاكنو ا.ىػ كقد كرد في صحيح البخارم (ِٕٓ)، كمسلم (ٖٓ) أف عبد الله بن مسعود رضي الله عنو سأؿ النبي صلى الله عليو كسلم أم العمل أحب إلى الله عز كجل؟ فقاؿ: (الصلبة على كقتها. قاؿ ثم أم؟ قاؿ: بر الوالدين)، كعن أبي ىريرة رضي الله عنو قاؿ (جاء رجل إلى رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم فقاؿ يا رسوؿ الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قاؿ: أمك قاؿ: ثم من؟ قاؿ: أمك. قاؿ: ثم من قاؿ: أمك. قاؿ: ثم من؟ قاؿ: أبوؾ) ركاه البخارم (ُٕٗٓ)، كمسلم (ِْٖٓ). كعن المغيرة بن شعبة عن النبي صلى الله عليو كسلم قاؿ: (إف الله حرـ عقوؽ الأمهات) ركاه البخارم (َِْٖ)، كمسلم (ّٗٓ). كعن أبي بكرة عن أبيو رضي الله عنهما قاؿ: قاؿ رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسوؿ الله. قاؿ الإشراؾ بالله، كعقوؽ الوالدين .. ) ركاه البخارم (ٕٔٗٓ)، كمسلم (ٕٖ). فهذه الأحاديث الصحيحة كغيرىا تدؿ على عظمة حقوؽ الوالدين، فقبل أف يقدـ على أمرىما بالمعركؼ كنهيهما عن المنكر عليو أف يضع قاعدة طاعتهما كحقوقهما نصب عينيو، ككوف لهما ىذه الحقوؽ العظيمة فإف ذلك لا يعني كلا يمنع من أف يأمرىما بالمعركؼ كينهاىما عن المنكر، فهما من جملة من أمر الله بأمرىم بالمعركؼ كنهيهم عن المنكر، إلا أنو بناء على الحقوؽ التي جعلها الله لهما فإنو يجب أف يكوف ىناؾ أسلوب خاص عند أمرىما بالمعركؼ كنهيهما عن المنكر. فعلى المحتسب أف يراعي عند الاحتساب على الوالدين زيادة الرفق بهما كالتلطف لهما .. كأف لا يتعدل ذلك إلى الشتم أك الضرب مثلب. سئل الإماـ أحمد كما في مسائل أبي داكد (صِٕٗ) عن رجل لو كالدة تسيء الصلبة كالوضوء؟
عدد الصفحات ٥٣- 44 - قاؿ: يأمرىا كيعلمها، قاؿ: تأبى أف يعلمها، تقوؿ: أنا أكبر منك تعلمني! قاؿ فترل لو أف يهجرىا أك يضربها على ذلك؟ قاؿ: لا، كلكن يعلمها كيقوؿ لها، كجعل يأمره أف يأمرىا بالرفق ا.ىػ ك سئل شيخ الإسلبـ ابن تيمية كما في (ّْ / ُٕٕ ، ُٖٕ): عن امرأة مزكجة بزكج كامل ، كلها أكلاد ، فتعلقت بشخص من الأطراؼ أقامت معو على الفجور ، فلما ظهر أمرىا : سعت في مفارقة الزكج ، فهل بقي لها حق على أكلادىا بعد ىذا الفعل ؟ كىل عليهم إثم في قطعها ؟ كىل يجوز لمن تحقق ذلك منها قتلها سرا ؟ كإف فعل ذلك غيره يأثم؟. فأجاب: الواجب على أكلادىا كعصبتها أف يمنعوىا من المحرمات ، فاف لم تمتنع إلا بالحبس : حبسوىا ، كإف احتاجت إلى القيد : قيدكىا ، كما ينبغي للولد أف يضرب أمو ، كأما برىا : فليس لهم أف يمنعوىا برىا ، كلا يجوز لهم مقاطعتها بحيث تتمكن بذلك من السوء ، بل يمنعوىا بحسب قدرتهم ، كإف احتاجت إلى رزؽ ككسوة رزقوىا ككسوىا ، كلا يجوز لهم إقامة الحد عليها بقتل كلا غيره ، كعليهم الإثم في ذلك ا.ىػ كقد سئل العلبمة العثيمين كما في فتاكل نور على الدرب: ما حكم من يتشاجر مع كالده كلما رآه ينتهك حدكد الله أك يستهزئ بأمور الدين كلكنو بارا بو كيكفيو جميع ما يعينو فنرجو منكم الإفادة؟ فأجاب: أقوؿ إف كونو يعتب على أبيو ما يحصل منو من المعاصي التي ربما تؤدم إلى الكفر كسب الدين فإنو من بره بوالده لأنو أمر بمعركؼ كنهي عن منكر كأحق الناس أف تأمره بالمعركؼ كتنهاه عن المنكر ىو أبوؾ كأمك لأنهم أقرب الناس إليك كلأنك بضعة منهم كقد كاف الرسل عليهم الصلبة كالسلبـ يتكلموف مع آبائهم في ترؾ المنكر كفعل المعركؼ لكن ينبغي أف يكوف بالأسلوب الحسن الذم لا ينجرح بو قلب كاحد منهم كاستمع إلى المحاكرة التي جرت بين إبراىيم الخليل عليو الصلبة كالسلبـ كبين كالده في سورة مريم حيث قاؿ (إًذٍ قىاؿى لأًىبًيوً يىا أىبىتً لًمى تػىعٍبيدي مىا لا يىسٍمىعي كىلا يػيبٍصًري كىلا يػيغٍنًي عىنٍكى شىيٍئان ) (يىا أىبىتً إًنِّي قىدٍ جىاءىنًي مًنى الٍعًلٍمً مىا لىمٍ يىأٍتًكى فىاتَّبًعٍنًي أىىٍدًؾى صًرىاطان سىوًيٌان ) (يىا أىبىتً لا تػىعٍبيدً الشَّيٍطىافى إًفَّ الشَّيٍطىافى كىافى لًلرَّحٍمىنً عىصًيٌان ) (يىا أىبىتً إًنِّي أىخىاؼي أىفٍ يىمىسَّكى عىذىابه مًنى الرَّحٍمىنً فػىتىكيوفى لًلشَّيٍطىافً كىلًيٌان ) إلى آخر القصة تجد كلبما لينا من إبراىيم عليو الصلبة كالسلبـ لأبيو فأنت بالنسبة لأبيك إذا أردت أف تنصحو عما كاف عليو من المعاصي فليكن ذلك باحتراـ كرفق كلين لأف الأب يرل أف لو حق عليك كأنو أكبر منك كىو فعلب أكبر منك كلو حق عليك حتى أف الله تعالى قاؿ (كىإًفٍ جىاىىدىاؾى على أف تيشٍرًؾى بًي مىا لىيٍسى
عدد الصفحات ٥٤- 45 - لىكى بًوً عًلٍمه فىلب تيطًعٍهيمىا) يعني إف بذؿ جهد على أف تشرؾ بالله فلب تطعهما كصاحبهما في الدنيا معركفا كقاؿ تعالى (إًمَّا يػىبػٍليغىنَّ عًنٍدىؾى الٍكًبػىرى أىحىديىيمىا أىكٍ كًلبىيمىا فىلب تػىقيلٍ لىهيمىا أيؼ كىلا تػىنػٍهىرٍىيمىا كىقيلٍ لىهيمىا قػىوٍلان كىرًيمان ) فأنت لا تلبـ إذا نصحت كالدؾ لكن ليكن ذلك بالرفق كاللين حتى يحصل المقصود كليس ىذا من العقوؽ بل ىذا من البر فإف أعظم ىدية يهديها الإنساف إلى أبيو كأمو أف يأمرىما بالمعركؼ كينهاىم عن المنكر كلكن بأدب كاحتراـ ا.ىػ ىذا كإف على المحتسب على الوالدين ملبحظة أمرين: الأكؿ: أف يفرؽ بين ما إذا كاف المنكر متعلقا بشخص أحد الوالدين فإنو ليس لو ضربو كلا تقبيحو. الثاني: إف كاف المنكر غير متعلق بشخصهما، كإنما كاف تعلقو بالدار أك الماؿ أك المركب، ففي ىذه الحاؿ عليو أف ينظر إلى نوع ىذا المنكر كحجمو كمدل أثره كإثمو، بالإضافة إلى النظر إلى ما يترتب على إزالتو لو من سخط الوالد أك الوالدة فإف كاف لا يترتب على إزالتو مفسدة أعظم، أزالو كإلا فلب. كمثل ىذا يقاؿ في احتساب الزكجة على زكجها، كالعبد مع سيده، بخلبؼ التلميذ مع شيخو فإنو يعاملو بموجب علمو لأنو لا حرمة لعالم لا يعمل بعلمو. كىذا الإحساف كالرفق مطلوب حتى مع الأبوين الكافرين كما قاؿ تعالى: (كإف جاىداؾ على أف تشرؾ بي ما ليس لك بو علم فلب تطعهما كصاحبهما في الدنيا معركفا[ (لقماف: ُٓ]مع مراعاة أصل الولاء كالبراء. (فرع ): إنكار الأـ على أكلادىا. لا ننسى أف للمرأة دكرا كبيرا في تربية أكلادىا، كحتى مع كجود كالدىم؛ لأف المرأة جالسة في البيت طيلة الوقت بخلبؼ الرجل فهي تعرؼ أمورا لا يعرفها الرجل، فعليها أف تتقي الله كتحسن تربية أكلادىا كتأمرىم بالمعركؼ كتنهاىم عن المنكر، كتنفذ خطاب الرسوؿ صلى الله عليو كسلم الذم خاطبها بو بقولو: (كالمرأة راعية على أىل بيت زكجها ككلده كىي مسؤكلة عنهم) جزء من حديث ركاه البخارم (ُّٖٕ)، كمسلم (ُِٖٗ)، فهذا نص صريح من الرسوؿ صلى الله عليو كسلم بأف المرأة مسؤكلة عن تربية أكلادىا كإصلبحهم.
عدد الصفحات ٥٥- 46 - قاؿ أبو بكر الجصاص في أحكاـ القرآف (ُ/ ُِ) حوؿ قوؿ الله تعالى عن أـ مريم عليها السلبـ: (رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم[ )آؿ عمراف: ّٓ] يقوؿ: يدؿ على أف للؤـ ضربا من الولاية على الولد في تأديبو كتعليمو كإمساكو كتربيتو، لو أنها لا تملك ذلك لما نذرت في كلدىا ا.ىػ (فرع ): تغيير الزكجة على زكجها. تغيير الزكج على الزكجة كاضح الدلالة في الكتاب كالسنة. كىو مقبوؿ شرعا كعقلب للقوامة التي جعلها الله للرجل على المرأة. يقوؿ تعالى: (الرجاؿ قواموف على النساء[ )النساء: ّْ] كلكن الذم يحتاج إلى توضيح ىو (تغيير الزكجة على الزكج ) فنقوؿ: كثيرا من الزكجات تبلى بزكج غير صالح، فإما أف يكوف من التاركين لصلبة الجماعة أك الصلبة كلية كقد يكوف مبتلى بشرب المسكرات كالمخدرات كغير ذلك. فما ىو موقف الزكجة من ذلك؟ لا شك أف الزكجات يختلفن -أيضا- كالرجاؿ صلبحا كفسادا قوة كضعفا، فبعض النساء تكوف مستسلمة لزكجها العاصي كحتى لو كانت صالحة فهي ساكتة عنو تراه يفعل المنكرات صباح مساء كلا تنكر عليو، بل ربما كانت تهيئ لو الجو لفعل ذلك، كبعضهن تنكر تارة كتسكت أخرل كتغضب تارة كترضى بعدىا. كالواجب على كل زكجة أف تتقي الله تعالى كتعرؼ أنها مسؤكلة عن إصلبح زكجها بقدر المستطاع . فتنظر إلى المنكرات التي يفعلها زكجها فإف كانت صغائر أك غير مكفرة تحاكؿ معو كتكثر المحاكلة كتستخدـ الأساليب الجيدة التي تراىا تناسب زكجها كينقاد معها فيها ككل امرأة أعرؼ بظركؼ زكجها، كأما إذا كانت المنكرات مكفرة كترؾ الصلبة كلية فعليها أف تبين أحكاـ الصلبة لو كحكم تاركها كتبين أف العلبقات الزكجية لا تصلح معو دكف الصلبة كتحاكؿ مرة بعد مرة فإف أصر استعانت بأىلها كأىلو، فإف أصر على ذلك فلها الحق أف تطلب الطلبؽ. كالشرع يطلقها منو كلو لم يرض إذا ثبت فعلب أنو لا يصلي البتة. كفي الغالب إذا كانت المرأة حكيمة كقوية في نفس الوقت كقد ملؤت قلب الرجل حبا في إخلبصها ككفائها كخوفها من ربها كطاعتها فإنو لا يعصي لها أمرا. فعليها أف تقوـ بما يجب حيالو حتى تكوف مسموعة الكلمة.
عدد الصفحات ٥٦- 47 - (باب قولو: الأمر بالمعركؼ باليد) ِٓ-أخبرنا سليماف بن الأشعث، قاؿ: سمعت أبا عبد الله، يقوؿ: (نحن نرجو إف أنكر بقلبو فقد سلم، كإف أنكر بيده فهو أفضل)ُ. ِٔ- أنا أبو بكر المركذم، قاؿ: قلت لأبي عبد الله: (كيف الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر؟ قاؿ: باليد كاللساف كبالقلب، كىو أضعف الإيماف، قلت: كيف باليد قاؿ: تفرؽ بينهم)ِ. ِٕ- قاؿ: كحفظت على أبي بكر المركذم أنو قاؿ: (كنت مع أبي عبد الله في طريق، فرأل صبيانا يقتتلوف، فعدؿ إليهم ففرؽ بينهم)ّ. ِٖ- كأخبرني محمد بن علي، قاؿ: حدثنا صالح، أف أباه، قاؿ: (التغيير باليد ليس بالسيف كالسلبح)ْ. كقد سئل علماء اللجنة الدائمة (ُٗ/ِِّ): امرأة كاف زكجها قد ابتلي بالشراب المحرـ، كإنها لا تطيقو في حاؿ سكره، كتجتنب فراشو كلا تطيعو إذا أرادىا، فهل يحل لها ذلك أـ تعد آثمة لهجرىا فراش زكجها كتلحقها لعنة الملبئكة حتى تصبح كما جاء في الحديث؟ فأجابوا: إذا كاف الواقع ما ذكر لا يلحقها بذلك إثم، كيجب عليها نصحو، فإف تاب فالحمد لله، كإف أبى كأصر على الجريمة طلبت الطلبؽ؛ بعدا عن المنكر، فإف أبى رفعت أمرىا إلى الحاكم . ُ إسناده صحيح، كانظر مسائل أبي داكد (صِٖٕ). ِ إسناده صحيح. ّ إسناده صحيح. ْ شيخ الخلبؿ محمد بن علي لم أعرفو كليس ىو محمد بن علي بن عبد الله بن مهراف بن أيوب أبو جعفر الوراؽ الجرجاني الأصل البغدادم المنشأ المعركؼ بحمداف الثقة، لأف محمد بن علي ىذا تلميذ حمداف كليس ىو حمداف، فقد ركل الخلبؿ في كتاب الوقوؼ كالترجل (صِٖ ، رقم ِّْ) أخبرني محمد بن علي أف حمداف بن علي الوراؽ حدثهم، كأيضا محمد بن حمداف ىذا سماه الخلبؿ في المصدر السابق (صُٗ ، ُُٕ): محمد بن علي بن محمود الوراؽ.
عدد الصفحات ٥٧- 48 - ِٗ- كأخبرني محمد بن علي، قاؿ حدثنا المهنا، قاؿ: سألت أحمد عن الأمر بالمعركؼ يستقيم باليد يكوف ضرب باليد إذا أمر بالمعركؼ قاؿ: الرفق)ُ. َّ- كأخبرني محمد بن علي السمسار، حدثنا مهنا، قاؿ: سئل أبو عبد الله عن الرجل، يأمر بالمعركؼ بيده؟ فقاؿ: " إف قوم على ذلك فلب بأس بو، فقلت: أليس قد جاء عن النبي صلى الله عليو كسلم: (ليس للمؤمن أف يذؿ نفسو بأف يعرضها من البلبء ما لا طاقة لو بو؟ قاؿ: ليس ىذا من ذلك )ِ. ُ شيخ المصنف تقدـ في التعليق السابق. ِ شيخ المصنف: محمد بن علي السمسار لم يوثقو معتبر. كحديث (ليس للمؤمن أف يذؿ نفسو بأف يعرضها من البلبء ما لا طاقة لو بو) أخرجو أحمد (ٓ/ َْٓ، رقم ُِّْٗ)، كالترمذل (ْ/ ِِٓ، رقم ِِْٓ)، كابن ماجو (ِ/ ُِّّ، رقم َُْٔ)، كالبزار (ٕ/ ُِٖ، رقم َِٕٗ)، كابن عدم في الكامل (ٔ/ َِّٕ)، كالدينورم في المجالسة (ٖ/ ُٖٖ، رقم ّْْٗ)، كالقضاعي في مسند الشهاب (ٖٔٔ) ك (ٕٖٔ)، كالبيهقي في الشعب (َُِْٖ)، كالبغوم في شرح السنة (َُّٔ) كالحديث قاؿ عنو الإماـ أبو حاتم الرازم: ىذا حديث منكر، كما في العلل لابنو (ِ/ ُّٖ، رقم َُٕٗ)، كضعفو ابن عدم في الكامل (ٓ/ ْٓ)، كأقره ابن القيسراني في الذخيرة (ْ/ َِّٓ)، (ٓ/ ِّٖٕ)، كأقره أيضا الحافظ في اللساف (ْ/ َُّ)، كقاؿ الشيخ مشهور في تعليقو على كتاب المجالسة: إسناده ضعيف، كقاؿ الأرنؤكط كمن معو في تحقيق المسند (ّٖ/ ّْٓ): إسناده ضعيف من أجل علي بن زيد بن جدعاف، كىو مع ضعفو قد خولف، فركاه غيره عن الحسن مرسلب كما سيأتي، كالحسن -كىو البصرم- مدلس كقد عنعنو، كأشار أبو حاتم كما في "العلل" ِ/ َّٔ إلى أف عمرك بن عاصم زاد في الإسناد جندبا، كأسنده عن أبي سلمة التبوذكي عن حماد بن سلمة ليس فيو جندب ا. ىػ كأما الترمذم فحسنو، ككذا حسنو البغوم، كحسنو الحافظ في الأمالي المطلقة (ُٔٔ)، كصححو الشيخ أحمد شاكر في عمدة التفسير (ُ/ ُٕٔ)، كصححو لشواىده العلبمة الألباني في الصحيحة (ُّٔ).
عدد الصفحات ٥٨- 51 - ُّ- أخبرنا العباس بن محمد الدكرم، قاؿ: حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، حدثنا أبو خلدة، عن المسيب بن دارـ، قاؿ: رأيت عمر يضرب جمالا، كيقوؿ: (لم حملت على جملك ما لا يطيق؟)ُ. ُ أخرجو ابن سعد في الطبقات ( ٕ/ُِٕ)، كأبو الحسن الإخميمي في حديثو (كرقو ُِِٔ) كفي إسناده المسيب بن دارـ كىو مجهوؿ كما في الميزاف ( ْ/ُُْ)، كلا ينفعو ذكر ابن حباف لو في كتابو الثقات (ُ/ِِٕ) لما ىو معلوـ عنو من توثيق المجاىيل قاؿ الحافظ في اللساف (ُ/ُْ): كىذا الذم ذىب اليو بن حباف من اف الرجل إذا انتفت جهالة عينو كاف على العدالة الى اف يتبن جرحو مذىب عجيب كالجمهور على خلبفو كىذا ىو مسلك بن حباف في كتاب الثقات الذم الفو فإنو يذكر خلقا من نص عليهم أبو حاتم كغيره على انهم مجهولوف ككاف عند بن حباف اف جهالة العين ترتفع بركاية كاحد مشهور كىو مذىب شيخو بن خزيمة كلكن جهالة حالو باقية عند غيره كقد أفصح بن حباف بقاعدتو فقاؿ العدؿ من لم يعرؼ فيو الجرح إذ التجريح ضد التعديل فمن لم يجرح فهو عدؿ حتى يتبين جرحو إذ لم يكلف الناس ما غاب عنهم. مسائل في الباب: المسألة الأكلى: مراعاة المصالح كتحقيقها. قاؿ شيخ الإسلبـ في مجموع الفتاكل (ِّ/ ّّْ - ّْٓ): فلب يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير كلا دفع أخف الضررين بتحصيل أعظم الضررين فإف الشريعة جاءت بتحصيل المصالح كتكميلها كتعطيل المفاسد كتقليلها بحسب الإمكاف، كمطلوبها ترجيح خير الخيرين إذا لم يمكن أف يجتمعا جميعا كدفع شر الشرين إذا لم يندفعا جميعا ا.ىػ كقاؿ الإماـ ابن القيم في زاد المعاد (ّ/ِْٓ): كمبنى الشريعة على دفع أعلى المفسدتين باحتماؿ أدناىما، كتحصيل أكمل المصلحتين بتفويت أدناىما، بل بناء مصالح الدنيا كالدين على ىذين الأصلين. كبالله التوفيق ا.ىػ كقاؿ الإماـ محمد بن عبد الوىاب كما في الدرر السنية ( ٖ/َٓ): بسم الله الرحمن الر حيم من محمد بن عبد الوىاب: إلى من يصل إليو ىذا الكتاب من الإخواف، سلبـ عليكم كرحمة الله كبركاتو ، كبعد يجرم عندكم أمور تجرم عندنا من سابق، لكن نصحنا إخواننا إذا جرل منها شيء حتى فهموىا، كسببها: أف بعض أىل الدين ينكر منكران، كىو مصيب، لكن يخطئ في تغليظ الأمر إلى شيء يوقع الفرقة بين الإخواف، كقد قاؿ تعالى{ :يىا أىيػُّهىا الَّذًينى آمىنيوا اتػَّقيوا اللَّوى حىقَّ تػيقىاتًوً كىلا
عدد الصفحات ٥٩- 50 - تىميوتين إًلاَّ كىأىنػٍتيمٍ ميسٍلًميوفى كىاعٍتىصًميوا بًحىبٍلً اللَّوً جىمًيعان كىلا تػىفىرَّقيوا[ }سورة آؿ عمراف آية: َُِ- َُّ]، كقاؿ صلى الله عليو كسلم: " إف الله يرضى لكم ثلبثان : أف تعبدكه كلا تشركوا بو شيئان، كأف تعتصموا بحبل الله جميعان كلا تفرقوا، كأف تناصحوا من كلاه الله أمركم "، كأىل العلم يقولوف: الذم يأمر بالمعركؼ كينهى عن المنكر، يحتاج إلى ثلبث: أف يعرؼ ما يأمر بو كينهى عنو، كيكوف رفيقان فيما يأمر بو كينهى عنو، كيكوف صابران على ما جاءه من الأذل في ذلك. كأنتم محتاجوف للحرص على فهم ىذا كالعمل بو، فإف الخلل ما يدخل على صاحب الدين إلا من قلة العمل بهذا، أك قلة فهمو، كأيضا، يذكر العلماء أف إنكار المنكر إذا صار يحصل بسببو افتراؽ لم يجز إنكاره، فالله الله! العمل بما ذكرت لكم كالتفقو فيو، فإنكم إف ما فعلتم صار إنكاركم مضرة على الدين، كالمسلم ما يسعى إلا في صلبح دينو كدنياه. كسبب ىذه القالة التي كقعت بين أىل الحوطة - لو صار أىل الدين كاجب عليهم إنكار المنكر - فلما غلظوا الكلبـ صار فيو اختلبؼ بين أىل الدين، فصار ذلك مضرة على الدين كالدنيا، كىذا الكلبـ، كإف كاف قصيران فمعناه طويل، فلبزـ لازـ تأملوه كتفقهوا فيو، كاعملوا بو، فإف عملتم بو صار نصران للدين، كاستقاـ الأمر إف شاء الله ا.ىػ كقاؿ العلبمة الألباني كما في موسوعة العلبمة الألباني ( ّ/ُُٕٓ): إذان : بارؾ الله فيكم تغيير المنكر مش رأسان ترل منكران تبادر إنكاره بدؾ تعمل ماذا يقولوف اليوـ في العملية الحسابية؟ معادلة تقابل الحسنات بالسيئات كتوازف .. بين الحسنات كالسيئات، فإذا غلب على ظنك أنو في تغييرؾ لهذا المنكر ستكوف الحسنات أكثر من السيئات، كأنت مأجور كأنت منفذ لهذا الحديث، أما إذا بدا لك أف السيئات كالمفاسد ستكوف أكثر من المصالح التي تبتغي من الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر فأمسك كما أمسك رسوؿ الله - صلى الله عليو كآلو كسلم - عن ىدـ الكعبة، بل كما أمسك أيامان عن أف يقوؿ لأصحابو: "لا يقولن أحدكم ما شاء الله كشاء محمد، كلكن ليقل: ما شاء الله كحده" ا.ىػ كقاؿ العلبمة العثيمين في لقاءات الباب المفتوح: الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر فرض كفاية كإذا لم يكن ألا كاحد تعين عليو لكن يشترط ألا يتغير المنكر إلى ما ىو أعظم فإف تغير المنكر إلى ما ىو أعظم كجب الكف لقوؿ الله تبارؾ كتعالى (كىلا تىسيبُّوا الَّذًينى يىدٍعيوفى مًنٍ ديكفً اللَّوً فػىيىسيبُّوا اللَّوى عىدٍكان بًغىيٍرً عًلٍمو كىذىلًكى زىيػَّنَّا لًكيلِّ أيمَّةو عىمىلىهيمٍ ثيمَّ إًلىى رىبِّهًمٍ مىرٍجًعيهيمٍ فػىيػينىبِّئػيهيمٍ بًمىا كىانيوا يػىعٍمىليوفى ) فإذا قدرنا أف شخصا يشرب الدخاف فلو أنكرنا عليو لترؾ الدخاف كلكن يذىب إلى شرب الخمر
عدد الصفحات ٦٠- 51 - فهنا لا ننكر لأف شرب الدخاف أىوف من شرب الخمر ككذلك لو رأينا أحدا مغرما بالنظر إلى النساء كملبحقتهن كلو نهيناه لافتتن في الصبياف فهنا لا ننهاه كلكن مع ذلك نراقب كنحاكؿ كل فرصة أف ننهاه عن المنكر ا.ىػ فهذا أصل عظيم جليل طلبو الشارع كاعتبره قاؿ تعالى: كما أرسلناؾ إلا رحمة للعالمين [الأنبياء: َُٕ]كقاؿ: يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله كللرسوؿ إذا دعاكم لما يحييكم [الأنفاؿ: ِْ] كقاؿ: يريد الله بكم اليسر كلا يريد بكم العسر [البقرة: ُٖٓ]كقاؿ: يريد الله أف يخفف عنكم كخلق الإنساف ضعيفا [النساء: ِٖ] كقاؿ صلى الله عليو كسلم: (الإيماف بضع كسبعوف شعبة، أعلبىا شهادة أف لا إلو إلا الله كأدناىا إماطة الأذل عن الطريق) ركاه مسلم (ّٓ). من حديث أبي ىريرة رضي الله عنو، كقاؿ صلى الله عليو كسلم (لا ضرر كلا ضرار) كىو حديث ركم عن عبادة بن الصامت، كابن عباس، كأبي سعيد الخدرم، كأبي ىريرة، كجابر، كعائشة، كعمرك بن عوؼ، كثعلبة بن أبي مالك القرظي، كأبي لبابة، كالحديث ضعفو بعض أىل الحديث، كقواه بعضهم لشواىده الكثيرة، لذا قاؿ عنو النوكم في أربعينو: طرقو يقوم بعضها بعضا، كحسنو في الأذكار (َِٓ)، كقاؿ ابن الصلبح: مجموعها يقوم الحديث كيحسنو، كقد تقبلو جماىير أىل العلم كاحتجوا بو، كعد أبو داكد السجستاني ىذا الحديث من الأحاديث التي يدكر عليها الفقو، كىذا مشعر بأنو يراه حجة، كالله أعلم، كقاؿ ابن رجب في جامع العلوـ كالحكم (ِ/ َِٕ): بعض طرقو تقول ببعض، كصححو العلبمة الألباني بمجموع طرقو في الصحيحة (َِٓ)، كصححو لشواىده الكثيرة الشيخ مشهور في تحقيقو للموافقات (ّ/ َِْ)، كحسنو الأرنؤكط كمن معو في تحقيق المسند. كمن مقررات الشريعة المتفق عليها: لزكـ الدية في القتل على العامد كالمخطئ، كالعالم كالجاىل، كالصغير كالكبير؛ ككذا غراـ المتلفات على جميع ىؤلاء تحقيقا لمصالح العباد. كيعد تقدير المصالح كتمييزىا كالقدرة على الموازنة بينها كبين المفاسد من أدؽ المسائل المتعلقة بالأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر ككلما كاف المحتسب أقدر على معرفة ذلك كتمييزه كلما كاف احتسابو أقول كأثبت. كيكفي في بياف أىمية ىذا الجانب أف مدار بعثة الرسل كإنزاؿ الكتب كالشرائع قائم عليو، فلم تبعث الرسل كتنزؿ الشرائع إلا لجلب المصالح كتحصيلها من عبادة الله كحده لا شريك لو كظهور شرعو كدينو كدفع المفاسد كتعطيلها.
عدد الصفحات ٦١- 52 - كىذه ىي حقيقة الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر. كاعلم أف أصل المصلحة: المنفعة، كىي في اصطلبح الشرع (جلب المنفعة كدفع المفسدة في نظر الشارع ) فهي إما أف تكوف نفعا يجلب أك ضررا يدفع. كالمراد بالمنافع: اللذات كالأفراح كأسبابها، كضدىا المفاسد التي ىي الآلاـ كالغموـ كأسبابها. كقد يعبر عنهما بالخير كالشر كالنفع كالضر. كطريق تحديد المصلحة إنما ىو الشرع، لا القانوف أك العرؼ أك العقل أك الذكؽ، فكل ما أمر بو الشرع فهو مصلحة، ككل ما نهى عنو فهو مفسدة. ثم اعلم أف المصالح الشرعية دائمة أبدية تشمل الدنيا كالآخرة، كما أنها شاملة، فلب تختص بالبعض دكف غيرىم، أك فئة دكف الأخرل، بل تخدـ الأمة عامة كتعود على الناس بحفظ ضركراتهم كحاجياتهم كما كاف لهم بو نفع. الفرع الأكؿ: أقساـ المصلحة من حيث اعتبار الشارع كعدمو. تنقسم المصلحة من ىذه الحيثية إلى ثلبثة أقساـ كىي: ُ - ما نص الشارع على اعتبارىا فهي الشرعية، كمصلحة حفظ الدين كالتي تقوـ بنشر العلم الشرعي النافع كالدعوة إلى الدين علما كعملب بالقلم كاللساف كالسيف كالسناف؛ ككذلك تحريم كل ما يضعفو أك يضاده من العلوـ الرديئة كالأعماؿ المنحرفة كالمظاىر المخالفة كلذا جاء تحريم التصوير كلعن المصورين، كما حرـ رفع القبور كتجصيصها كالبناء عليها كالكتابة فكل مأمورات الشرع داخلة في ىذا ككذا نواىيو. ِ - ما قاـ الشارع بإلغائو كعدـ اعتباره، كمصلحة المرأة في مساكاتها بالرجل في الميراث كيدخل في ىذا القسم كل ما علم أف الشارع ألغى اعتباره، كإف رأل الإنساف بعقلو القاصر أنو مصلحة؛ فهو ليس كذلك لمصادمتو الشرع أك إخلبلو بمقصد من مقاصده، أك لكونو معارضا لمصلحة أعظم. ّ - ما سكت عنو الشارع فلم يرد طلبو كلا إلغاؤه كىذا النوع ىو ما يسمى بالمصالح المرسلة كلها شركط كضوابط كتفاصيل ليس ىذا موضعها. ثم إف المصلحة الشرعية الدنيوية (كىي الواقعة في الحياة الدنيا) لابد كأف يشوبها شيء من المفسدة للحوؽ المشقة بها سواء كانت على كجو التقدـ عليها أك المقارنة أك التأخر عنها.
عدد الصفحات ٦٢- 53 - فالمصلحة في ىذه الدار راجحة غالبة لا خالصة، بخلبؼ الأخركية -كىي نعيم أىل الجنة- فإنها خالصة لا كدر فيها. كقد تعارض المصلحة الشرعية بمصلحة مرجوحة فتكوف غالبة، كقد لا يعارضها غيرىا فتكوف راجحة كما سيأتي. كمقصود الشارع إنما ىو المصلحة الراجحة - الواقعة في الدنيا - ككذلك الخالصة كىي الواقعة في الآخرة كما تقدـ. ثم إف المصالح الشرعية تتفاكت قوة كضعفا بحسب متعلقها فهي لا تخلو من أف تكوف ضركرية أك حاجية أك تحسينية .. فالضركرية ىي التي لابد من توفرىا لقياـ حياة الناس على الوجو المستقيم دكف اضطراب كالمحافظة على الدين -كىو أعلبىا- بتثبيت دعائمو كرفع ما يضاده ككالمحافظة على العقل كسلبمتو كمقاكمة ما يفسده من مسكر كمخدر حسي أك معنوم؛ ككالمحافظة على الأعراض كالأنساب كدفع كل ما يعترضها من فساد بأم صورة كاف، سواء عن طريق مقارفة الفواحش، أك ما يجر إليها كالسفور كالتبرج كاللحن بالقوؿ كالخضوع فيو ككنشر الصور كالمجلبت الرديئة أك الأفلبـ كالأغاني الماجنة؛ ككذا حفظ النفوس كالمحافظة على سلبمتها، كلذا حرـ كل ما يضر البدف كالدخاف كالميتة كأنواع السموـ كنحوىا من الأمور الضارة. ككذا حفظ الماؿ كبقائو بأف شرع أنواع العقود المباحة، كبين طرؽ أخذ الماؿ كإنفاقو كحرـ الربا كغيره من المحرمات المتعلقة بالمعاملبت المالية كما تقدـ. كالمصالح الحاجية ىي التي يفتقر إليها الناس لرفع الحرج كالضيق عنهم؛ أما التحسينية فكالأخذ بمحاسن الأمور كالجرم على مكارـ الأخلبؽ، كمن فركع ذلك خصاؿ الفطرة كإعفاء اللحية كقص الشارب ككتحريم المستقذرات. فالأكل منو ما لابد منو في قياـ حياة الإنساف فهو ضركرم، كمنو ما لو ترؾ لوقع الإنساف في ضرر كحرج لكنو لا يلحق بو العطب فهو حاجي، كما زاد فهو تحسيني، كعمل المحتسب يتعلق بجميع مراتب المصلحة كصورىا الشرعية. ىذا كقد تكوف المصالح عامة لأغلب الناس أك جميعهم، كقد تكوف خاصة كقاصرة على بعض الأفراد أك الجهات. كىي باعتبار التغير كالثبات على قسمين:
عدد الصفحات ٦٣- 54 - الأكلى: ثابتة، كالواجبات الشرعية كتحريم المحرمات. الثانية: متغيرة حسب الأحواؿ زمانا كمكانا، فتكوف خاضعة للبجتهاد، كمقادير التعزيرات ككاتخاذ الدكاكين كمن ذلك أيضا اختلبؼ بعض أساليب الدعوة كالتي لا يشوبها مخالفة للشرع كاتخاذ الكتب كالمجلبت كالأشرطة كالرحلبت كغير ذلك من الأساليب المباحة بشرط عدـ المخالفة. أما باعتبار الوقوع فهي قسماف: الأكلى: قطعية الوقوع أك ما يقارب ذلك. الثانية: ظنية الوقوع كىي ما يكوف كقوعها جائزا أك كثيرا لكن لا يصل إلى درجة اليقين أك ما يقاربو. الفرع الثاني: ذكر ضوابط المصلحة الشرعية حتى تكوف المصلحة معتبرة شرعا لابد من توفر شرطين: الأكؿ: كركد النص أك القياس بطلبها. الثاني: أف لا تكوف معارضة بمصلحة أرجح منها أك مساكية، كطريق الترجيح بين المصالح لمعرفة مراتبها يكوف كالآتي: ُ - تقدـ الضركرية على الحاجية، كما تقدـ الحاجية على التحسينية. كمن ىنا يعلم أف قاعدة (درء المفاسد أكلى من جلب المصالح) ليست على إطلبقها، بل ىي مقيدة بأف تكوف المصلحة كالمفسدة في رتبة كاحدة، أما إف لم يوجد التساكم فيرجح الأعلى. ِ - تقدـ المصلحة العامة على المصلحة الخاصة إف كانتا في رتبة كاحدة، كمن ىنا يعلم أف قاعدة المصلحة العامة على الخاصة ليست على إطلبقها، بل ىي مقيدة بأف تكوف المصلحتاف في رتبة كاحدة كمستول متماثل. ّ - إف كانتا ضركريتين كعامتين قدمت المصلحة المتعلقة بالدين على المتعلقة بالنفس ثم العقل ثم النسل ثم الماؿ؛ فالمصلحة المتعلقة بالدين تقدـ على غيرىا من الضركريات الأخرل. قاؿ تعالى: (كالفتنة أشد من القتل[ )البقرة: ُُٗ]ككذلك ما كاف ذك مرتبة أعلى فإنو يقدـ على ما دكنو. توضيح ما سبق بالمثاؿ: من مقررات أىل السنة كجوب الجهاد مع كل أمير برا كاف أك فاجرا.
عدد الصفحات ٦٤