- 23 - كالأصل في ىذا الحكم ما ركاه الإماـ مسلم (ْٗ) بسنده عن النبي صلى الله عليو كسلم قاؿ: (من رأل منكم منكرا فليغيره بيده، فإف لم يستطع فبلسانو، فإف لم يستطع فبقلبو، كذلك أضعف الإيماف)، كعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنو- أف رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم قاؿ: (ما من نبي بعثو الله في أمة قبلي إلا كاف لو من أمتو حواريوف كأصحاب يأخذكف بسنتو كيقتدكف بأمره. ثم إنها تخلف من بعدىم خلوؼ يقولوف ما لا يفعلوف كيفعلوف ما لا يؤمركف. فمن جاىدىم بيده فهو مؤمن، كمن جاىدىم بلسانو فهو مؤمن، كمن جاىدىم بقلبو فهو مؤمن، كليس كراء ذلك من الإيماف حبة خردؿ) ركاه مسلم (َٓ). كعندما تكلم يحيى بن معاذ الرازم يوما في الجهاد كفي الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر قالت لو امرأة: ىذا كاجب كضع عنا فقاؿ: ىبي أنو كضع عنكن سلبح اليد كاللساف فلم يوضع عنكن سلبح القلب فقالت لو صدقت جزاؾ الله خيرا ا.ىػ (فائدة) سلبح اللساف لا يسقط عن المرأة فعليها أف تنكر على من تستطيع الإنكار عليو من أقاربها الرجاؿ كأما النساء فعليها الإنكار عليهن بصفة عامة، كلهذا شواىد: كرد عن عائشة أـ المؤمنين -رضي الله عنها- أنها رأت امرأة بين الصفا كالمركة عليها خميصة من صلب -أم ثوب عليو خطوط متصالبة- فقالت عائشة: (انزعي ىذا من ثوبك فإف رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم إذا رآه في ثوب قضبو) أخرجو أحمد (ٔ/َُْ) كغيره كحسن إسناده الأرنؤكط كمن معو في تحقيق المسند (ّْ/ُّ). كأما بالنسبة للئنكار على الرجاؿ : فقد كرد أف عائشة رضي الله عنها رأت أخاىا عبد الرحمن يسرع في الوضوء ليدرؾ الصلبة على سعد بن أبي كقاص. فقالت: يا عبد الرحمن أسبغ الوضوء فإني سمعت رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم يقوؿ: (كيل للؤعقاب من النار) أخرجو أحمد (ٔ/َْ) كغيره كصححو الأرنؤكط كمن معو في تحقيق المسند (َْ/ُْٗ). كلا شك أف إنكار المرأة بقلبها على الرجاؿ ىو الغالب كعلى النساء في بعض الحالات بخلبؼ الرجل فإف إنكاره في قلبو مقيد بظركؼ معينة، كىي عدـ مقدرتو على الإنكار باليد كاللساف فيجب على المسلم أف يعلم أنو لا يعذر بحاؿ بترؾ الإنكار بقلبو عند عجزه عن الإنكار باليد كاللساف، كإذا كاف قلبو لا يتحرؾ عند رؤيتو للمنكر فعليو أف يعلم أف قلبو مريض كيحتاج إلى علبج، كأما إذا علم صدؽ نيتو بقلبو في بغضو للمنكر كتمني زكالو فإف الله سبحانو كتعالى يعطيو مثل أجر القادر عليو كعلى أسوأ الأحواؿ فإنو لا يأثم بتركو ذلك.
عدد الصفحات ٣٣- 24 - المطلب الثاني: حقيقة الإنكار بالقلب: يغلط البعض فيظن أنو ما داـ كارىا للمنكر فلب بأس عليو بمخالطة فاعلو كالجلوس معو حاؿ مواقعتو المنكر أك البقاء في مكاف فيو منكر في الشرع كىذا مخالف لما دؿ عليو القرآف كالسنة. قاؿ تعالى: (كقد نزؿ عليكم في الكتاب أف إذا سمعتم آيات الله يكفر بها كيستهزأ بها فلب تقعدكا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم) [النساء: َُْ]كىذا نهي صريح عن مجالستهم حاؿ مواقعتهم لهذا المنكر فما داـ لا يقدر على الإنكار باليد أك اللساف فلب بد إذا من مفارقتو للمنكر ىذا ىو الصحيح. قاؿ الجصاص في أحكاـ القرآف (ِ/َْٕ) : كفي ىذه الآية دلالة على كجوب إنكار المنكر على فاعلو، كأف من إنكاره إظهار الكراىة إذا لم يمكنو إزالتو ، كترؾ مجالسة فاعلو كالقياـ عنو حتى ينتهي كيصير إلى حاؿ غيرىا ا.ىػ كقاؿ القرطبي في تفسيره (ٓ/ ُْٖ) عند ىذه الآية: فدؿ بهذا على كجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر، لأف من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم كالرضا بالكفر كفر، قاؿ الله عز كجل: إنكم إذا مثلهم فكل من جلس في مجلس معصية كلم ينكر عليهم يكوف معهم في الوزر سواء، كينبغي أف ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية كعملوا بها، فإف لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أف يقوـ عنهم حتى لا يكوف من أىل ىذه الآية .. كإذا ثبت تجنب أىل المعاصي فتجنب أىل البدع كالأىواء أكلى ا.ىػ. كقاؿ العلبمة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدم في تفسيره (ِ/ ّٗ - ْٗ) عند ىذه الآية: ككذلك يدخل فيو حضور مجالس المعاصي كالفسوؽ التي يستهاف فيها بأكامر الله كنواىيو، كتقتحم حدكده التي حدىا لعباده كمنتهى ىذا النهي عن القعود معهم حتى يخوضوا في حديث غيره أم: غير الكفر بآيات الله كلا الاستهزاء بها. إنكم إذا أم إف قعدتم معهم في الحاؿ المذكور مثلهم لأنكم رضيتم بكفرىم كاستهزائهم، كالراضي بالمعصية كالفاعل لها، كالحاصل أف من حضر مجلسا يعصى الله بو فإنو يتعين عليو الإنكار عليهم مع القدرة، أك القياـ مع عدمها ا.ىػ. كقاؿ البخارم قبل حديث رقم (ُُٖٓ) (باب: ىل يرجع إذا رأل منكرا في الدعوة)، ثم قاؿ: كرأل ابن مسعود صورة في البيت فرجع . كدعا ابن عمر أبا أيوب فرأل في البيت سترا على الجدار. فقاؿ ابن عمر: غلبنا عليو النساء. فقاؿ: من كنت أخشى عليو فلم أكن أخشى عليك، كالله لا أطعم لكم طعاما. فرجع، ثم ساؽ
عدد الصفحات ٣٤- 25 - بسنده من حديث عائشة أنها اشترت نمرقة فيها تصاكير، فلما رآىا رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم قاـ على الباب فلم يدخل، فعرفت في كجهو الكراىة فقلت: يا رسوؿ الله: أتوب إلى الله كإلى رسولو، ماذا أذنبت. فقاؿ رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم ما باؿ ىذه النمرقة؟ قالت: فقلت: اشتريتها لك لتقعد عليها كتوسدىا. فقاؿ رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم إف أصحاب ىذه الصور يعذبوف يوـ القيامة .. كيقاؿ لهم: أحيوا ما خلقتم كقاؿ: إف البيت الذم فيو الصور لا تدخلو الملبئكة) ا.ىػ كقاؿ ابن ماجو: (باب إذا رأل الضيف منكرا رجع ). كذكر حديث علي رضي الله عنو قاؿ: (صنعت طعاما فدعوت رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم فجاء فرأل في البيت تصاكير فرجع ) أخرجو ابن ماجو (ِِْٕ) كغيره كالحديث قاؿ عنو البزار في البحر الزخار (ِ/ ُٕٓ): من أحسن إسناد يركل عن علي، كإسناده صحيح، كقاؿ الشوكاني في النيل (ٔ/ ُّّ): إسناد رجالو رجاؿ الصحيح كلو شواىد، كصححو العلبمة الألباني في صحيح ابن ماجو، كقاؿ الأرنؤكط كمن معو في تحقيق المسند (ْ/ْْٓ): إسناده صحيح. كأكرده أيضا من حديث سفينة، أبي عبد الرحمن، قاؿ: (إف رجلب أضاؼ علي بن أبي طالب فصنع لو طعاما، فقالت فاطمة: لو دعونا النبي صلى الله عليو كسلم فأكل معنا، فدعوه فجاء، فوضع يده على عضادتي الباب، فرأل قراما في ناحية البيت فرجع، فقالت فاطمة لعلي: الحق، فقل لو ما رجعك يا رسوؿ الله؟ قاؿ: إنو ليس لي أف أدخل بيتا مزكقا) أخرجو أحمد (ٓ/َِِ)، كأبو داكد (ّٕٓٓ)، كابن ماجة (َّّٔ)، كالبيهقي في الكبرل (ُّّْٕ) كالحديث قاؿ عنو العراقي في المغني (ْ/ ِّٗ): إسناده جيد، كحسنو العلبمة الألباني في صحيح الجامع (ُُِْ)، كقاؿ الأرنؤكط في تحقيق المسند: إسناده حسن رجالو ثقات رجاؿ الصحيح غير سعيد بن جمهاف فهو صدكؽ من رجاؿ السنن. كقد ذىب الإماـ أحمد كما في الورع (ص: ُّٕ)، كفي كشاؼ القناع (ٓ/َُٕ- ُُٕ) إلى أنو يخرج من الوليمة إذا كجد جدراف البيت قد سترت، ككذا إذا استعمل صاحب الوليمة آنية الفضة أك الذىب، أك رأل في البيت شيئا من ذلك المستعمل ا.ىػ قاؿ المركذم كما في الورع (صُّٕ): قلت لأبي عبد الله: فالرجل يدعى فيرل مكحلة رأسها مفضض؟ قاؿ: ىذا يستعمل، ككل ما استعمل فاخرج منو ا.ىػ
عدد الصفحات ٣٥- 26 - كقاؿ المركذم كما في الورع (صُّٖ): سألت أبا عبد الله عن الرجل يدعى فيرل فرش ديباج، ترل أف يقعد عليو أك يقعد في بيت آخر؟! قاؿ: يخرج، قد خرج أبو أيوب كحذيفة ا.ىػ كجاء عن أبي مسلم الخولاني كما في الورع (صُّٗ): أنو انصرؼ إلى منزلو فإذا ىو بالبيت قد ستر، فقاؿ: إف بيتكم ىذا ليجد القر فأدفئوه، كإلا فلب أبرح حتى تنزعوه، فنزعوا الستور ثم دخل ا.ىػ قاؿ شيخ الإسلبـ ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم (ُ/ ُّٖ - ُّٗ): كركل أبو بكر الخلبؿ بإسناده عن محمد بن سيرين أف حذيفة بن اليماف أتى بيتا فرأل فيو حارستاف، فيو أباريق الصفر كالرصاص فلم يدخلو كقاؿ: من تشبو بقوـ فهو منهم، كفي لفظ آخر: فرأل شيئا من زم العجم فخرج كقاؿ: من تشبو بقوـ فهو منهم. كقاؿ علي بن أبي صالح السواؽ: كنا في كليمة، فجاء أحمد بن حنبل، فلما دخل نظر إلى كرسي في الدار عليو فضة، فخرج، فلحقو صاحب الدار، فنفض يده في كجهو كقاؿ: زم المجوس، زم المجوس، كقاؿ في ركاية صالح: (ذا كاف في الدعوة مسكر أك شيء من آنية المجوس: الذىب كالفضة، أك ستر الجدراف بالثياب، خرج كلم يطعم) ا.ىػ كقاؿ إبراىيم الحربي كما في سير أعلبـ النبلبء (ُُ/ ِِٔ): ككاف -أم الإماـ أحمد- إف رأل إناء فضة أك منكر خرج ا.ىػ كقاؿ أبو محمد بن تميم الحنبلي كما في طبقات الحنابلة (ِ/ ِٖٕ) عند ذكره لعقيدة الإماـ أحمد: ككاف يتحرج أف يدخل إلى دار فيها صور، أك دعوة فيها لهو أك غناء أك جنازة يتبعها نوح أك مزمار، فإذا حضرىا لم يرجع عنها. (أم الجنازة) ا.ىػ كأخرج ابن جرير في تفسيره (ٗ/ ُِّ) بإسناد صحيح عن ىشاـ بن عركة قاؿ: أخذ عمر بن عبد العزيز قوما على شراب، فضربهم كفيهم صائم. فقالوا: إف ىذا صائم فتلب: فلب تقعدكا معهم [النساء: َُْ]ا.ىػ كقاؿ الحافظ في الفتح (ْ/ ُِْ) عند شرحو لحديث عائشة رضي الله عنها في الجيش الذم يغزك الكعبة فيخسف بهم: قاؿ المهلب: في ىذا الحديث أف من كثر سواد قوـ في المعصية مختارا أف العقوبة تلزمو معهم. قاؿ: كاستنبط منو مالك عقوبة من يجالس شربة الخمر كإف لم يشرب ا.ىػ.
عدد الصفحات ٣٦- 27 - كقاؿ الإماـ مالك كما في الجامع لابن أبي زيد (صُٔٓ): لا ينبغي المقاـ بأرض يعمل فيها بغير الحق كالسب للسلف الصالح، كأرض الله كاسعة، لقد أنعم الله على عبد أدرؾ حقا فعمل بو ا.ىػ كقاؿ العلبمة ابن باز كما في الدرر السنية في الأجوبة النجدية (ُٔ/ُِْ): كالإنكار بالقلب فرض على كل كاحد، كىو بغض المنكر ككراىيتو، كمفارقة أىلو عند العجز عن إنكاره باليد كاللساف ؛ لقوؿ الله سبحانو: (كإذا رأيت الذين يخوضوف في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره كإما ينسينك الشيطاف فلب تقعد بعد الذكرل مع القوـ الظالمين) الأنعاـ/ٖٔ . ا.ىػ كسئل علماء اللجنة الدائمة (ُِ/ّّٓ): حديث "تغيير المنكر" ىل المقصود لكي يتغير المنكر أف نترؾ المكاف الذم بو منكر، أـ نظل، كنكرىو، كننكره بقلوبنا. فأجابوا: المسلموف في إنكار المنكر درجات، منهم من يجب عليو إنكار المنكر بيده، كولي الأمر، كمن ينوب عنو، ممن أعطي صلبحية لذلك، كالوالد مع كلده، كالسيد مع عبده، كالزكج مع زكجتو ؛ إف لم يكف مرتكب المنكر إلا بذلك، كمنهم من يجب عليو إنكاره بالنصح، كالإرشاد، كالنهي، كالزجر، كالدعوة بالتي ىي أحسن، دكف اليد، كالتسلط بالقوة؛ خشية إثارة الفتن ، كانتشار الفوضى ، كمنهم من يجب عليو الإنكار بالقلب فقط ؛ لضعفو نفوذا، كلسانا، كىذا أضعف الإيماف، كقد بين النبي صلى الله عليو كسلم ذلك في قولو (من رأل منكم منكرا فليغيره بيده، فإف لم يستطع فبلسانو، فإف لم يستطع فبقلبو، كذلك أضعف الإيماف) أخرجو مسلم في صحيحو من حديث أبي سعيد الخدرم رضي الله عنو، كإذا كانت المصلحة الشرعية في بقائو في الوسط الذم فشا فيو المنكر أرجح من المفسدة، كلم يخش على نفسو الفتنة : بقي بين من يرتكبوف المنكر، مع إنكاره حسب درجتو، كإلا ىجرىم محافظة على دينو ا.ىػ كقاؿ العلبمة العثيمين في لقاءات الباب المفتوح : الذم يرل المنكر كيكرىو بقلبو، كلا يستطيع أف ينكره بلسانو فإنو معذكر كيكفي ىذا، كلكن إذا أنكره بقلبو فإنو لا يجوز لو أف يبقى مع ىؤلاء الفاعلين؛ لأف الله تعالى قاؿ: كىقىدٍ نػىزَّؿى عىلىيٍكيمٍ فًي الٍكًتىابً أىفٍ إًذىا سىمًعٍتيمٍ آيىاتً اللَّوً ييكٍفىري بًهىا كىييسٍتػىهٍزىأي بًهىا فىلب تػىقٍعيديكا مىعىهيمٍ حىتَّى يىخيوضيوا فًي حىدًيثو غىيٍرًهً إًنَّكيمٍ إًذان مًثػٍليهيمٍ [النساء:َُْ]كما يفعلو بعض الجهاؿ من بقائو مع أىل المنكر الذين يفعلوف المنكر بين يديو؛ كشرب الدخاف، أك يلعبوف أشياء محرمة، كيقوؿ: أنا أكره ىذا بقلبي، نقوؿ: ىذا لا يكفي، إذا كنت تكرىو بقلبك حقان فإف قلبك سوؼ ينفر منو، كإذا نفر القلب فإف الجوارح سوؼ تنفر منو أيضان؛ لأف النبي صلى
عدد الصفحات ٣٧- 28 - ا عليو كسلم يقوؿ: (ألا كإف في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلو، كإذا فسدت فسد الجسد كلو؛ ألا كىي القلب) فعلى ىذا نقوؿ: إذا كرىتو بقلبك كلم تستطع أف تنكره بلسانك؛ كجب عليك أف تغادر المحل، كإذا كنت تستطيع الإنكار بلسانك كجب عليك ذلك كإلا كنت آثمان ا.ىػ كسئل العلبمة الألباني كما في جامع تراث العلبمة الألباني ( ٗ/ِّٓ): السائل : بالنسبة لتغيير المنكر بالقلب كيف يساىم تغيير المنكر في القلب؟ الشيخ: كيف ايش؟ السائل: كيف يساىم إنكار المنكر بالقلب في تغيير المنكر؟ الشيخ: كيف يساىم؟ السائل: نعم يساىم ىو يعني يعتبر من مراتب تغيير المنكر الشيخ: نعم ىو المرتبة الأخيرة كما قلنا السائل: نعم، فكيف ىذا يعني يكوف لو أثر في تغيير المنكر كىو في القلب؟ الشيخ: أنا ذكت آنفا أف الإنساف في بعض الأحياف يصل إلى الموت بموت شعوره بأف ىذا منكر، فإذا مات ىذا الشعور ما أنكر المنكر بقلبو كإذا أنكره بقلبو حيي قلبو ظل حيا، يعني الآف أنا أذكرؾ بأمر كاقع مع الأسف الشديد، ىؤلاء الناس الذين يمركف ببعض الشوارع فيركف صورا خليعة جدا كقد تكوف ىذه الصور أماـ بيت من بيوت الله عز كجل، سينمايات مثلب، ىل أنت تشعر معي أف كثيرا من الناس الذين يمركف كيركف ىذه الأشياء لا يشعركف بإنكار لها إطلبقا في قلوبهم أـ لا ؟ طيب كبالعكس ألا تظن أيضا فيو ناس آخرين حينما يركف ىذه الصور الخليعة مثلب كبخاصة أما بيت من بيوت الله عز كجل يقولوف على الأقل في بلساف الحاؿ اللهم إف ىذا منكر لا نرضى بو، ألا تجد ىذا يختلف عن ذاؾ السائل: نعم أبو مالك: بس يا شيخا ىو نفسو الشيخ: ىو ظاىر بدك أبو مالك: كالله أخونا يسأؿ يعني ماذا يرل ...ما ير اه. الشيخ: ىو ىذا، فإذف ىذا الثاني غير المنكر بقلبو أما الأكؿ فما غير فهذا ىو الذم في خطر الخركج من الملة ىذا الذم لا ينكر المنكر كلو بقلبو، كربما يخطر في بالي الآف شيء ىو جواب ما ىو أدؽ عما سألت عنو، تغيير المنكر بالنسبة إليك فقط، تغيير المنكر بالنسبة إليك حينما رأيت ىذا المنكر كأنكرتو بقلبك فهذا إنكار صالح بالنسبة إليك، أما بالنسبة للذم لم يشعر شعورؾ كلا أحس بإحساسك، فبلب شك ىنا لا يوجد إنكار المنكر لعلو ىذا أكضح لك مما ذكرت آنفا كإف كاف المثاؿ أك المثالين السابقين الحقيقة ىو المقصود بإنكار المنكر أف لا يموت قلب المسلم فيمر على المنكر يمر على المعركؼ لا يميز بين منكر كبين معركؼ ىذا ىو الإنكار المقصود بالقلب، إلا إذا كاف عندؾ شيء آخر فنسمعو إف شاء الله السائل : نعم تفضل
عدد الصفحات ٣٨- 31 - سائل آخر : شيخ ألا يلزـ البغض أيضا؟ الشيخ : كيف؟ سائل آخر : من لوازـ إنكار المنكر بالقلب الهجر كالبغض الشيخ :كىذا ىو طبعا، اللهم ىذا منكر لا نرضى بو، يعني الأمر كما يقرر شيخ الإسلبـ ابن تيمية رحمو الله أف ىناؾ للقلب عمل يعني المستقر ف ي أذىاف كثير من الناس أف العمل ىو عمل الجوارح فقط أم الجوارح الظاىرة، لكن الحقيقة أف القلب أيضا لو عملو كلذلك فالإيماف مقره القلب، ىذا الإيماف في القلب يزيد كينقص إذف فيو ىناؾ حركة تشبو تماما الحركة المادية في القلب، لو سكت القلب مات صاحبو كذلك تماما من ال ناحية المعنوية الإيمانية، ىذا القلب فيو عمل كفيو حركة مستمرة إما خيرا كإما شرا، فكلما فعل المسلم عملب صالحا كلما نمى ىذا الإيماف في قلبو، فالقلب أيضا لو عمل فمن جملة أعمالو ىو الإنكار بهذا القلب ىذا يقوم الإيماف أيضا كلكنو قاؿ عليو السلبـ (أضعف الإيماف )لكن حنانيك بعض الشر أىوف من بعض أبو مالك : كلعل شيخنا ما يكوف من علبمات الساعة في آخر الزمن، ربما يلقي بوضوح أك توضيحا على ىذه المسألة الشيخ :أم نعم أبو مالك : أف الرجل يمر بالرجل كىو يزني على قارعة الطريق الشيخ : الله أكبر أبو مالك : فيقوؿ لو لو تواريت أم كاريت نفسك الشيخ: أم كالله أبو مالك: أم نعم الشيخ : يعني ىذا في الحديث خيرىم أبو مالك: أم نعم الشيخ: من يقوؿ لو تواريت الشيخ : خيرىم الله أكبر، نعم. المطلب الثالث: فوائد الإنكار بالقلب كثمراتو. ُ - أنو أقل درجات الإنكار المطلوبة كبو يسلم المرء من العقوبة. ِ - ىذا الإنكار القلبي يدؿ على عدـ الرضا بالمنكر ككراىيتو كالنفور منو، كقد جاء عن عرس بن عميرة الكندم -رضي الله عنو أف النبي صلى الله عليو كسلم قاؿ (إذا عملت الخطيئة في الأرض كاف من شهدىا ككرىها - كفي ركاية - فأنكرىا - كمن غاب عنها، كمن غاب عنها فرضيها كاف كمن شهدىا) أخرجو أبو داكد (ْ/ ُِْ، رقم ّْْٓ)، كالنسائي (ٔٗٗٓ)، كالطبرانى (ُٕ/ ُّٗ، رقم ّْٓ)، كابن قانع (ِ/ َّٗ، رقم َٖٓ)، كأبو نعيم في أخبار أصبهاف (ُ/ّّّ) كالحديث صححو السيوطي في الجامع الصغير (ٕٔٔ)، كحسنو العلبمة الألباني في صحيح الجامع (ٖٗٔ)، كقاؿ الشيخ أحمد شاكر في عمدة التفسير (ُ/ ُٕٔ): إسناده صحيح، كحسنو الأرنؤكط كمن معو في تحقيق سنن أبي داكد (ٔ/َُْ). كجاء في حديث أـ سلمة رضي الله عنها عند مسلم (ُْٖٓ) مرفوعا: (ستكوف أمراء فتعرفوف كتنكركف فمن عرؼ برئ، كمن أنكر سلم كلكن من رضي كتابع).
عدد الصفحات ٣٩- 30 - ّ - حفظ حيوية القلب كصفائو، فإف القلب يتأثر بكثرة رؤية المنكرات، كقد يألفها إذا لم ينكرىا، كتذىب حساسية القلب تجاىها فلب يصير يتألم لرؤيتها. ْ - أف ىذا الإنكار القلبي يعني الرفض للمنكر كالتربص بو، فصاحبو -أم الإنكار بالقلب- عازـ على تغييره بمجرد استطاعتو. المبحث الخامس الإنكار بالهجر. المطلب الأكؿ: تعريف الهجر لغة كشرعا. قاؿ الجوىرم في الصحاح مسلم (ُْٖٓ): الهجر: ضد الوصل. كالمهاجرة من أرض إلى أرض ترؾ الأكلى للثانية. كالتهاجر: التقاطع. كالهجرتاف: ىجرة إلى الحبشة كىجرة إلى المدينة ا.ىػ كالهجر الشرعي نوعاف: الأكؿ: بمعنى الترؾ للمنكرات. كمنو قولو تعالى (كقد نزؿ عليكم في الكتاب أف إذا سمعتم آيات الله يكفر بها كيستهزأ بها فلب تقعدكا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم) [النساء: َُْ] قاؿ ابن كثير في تفسيره (ُ/ ٔٔٓ، ٕٔٓ): أم إنكم إذا ارتكبتم النهي بعد كصولو إليكم كرضيتم بالجلوس معهم في المكاف الذم يكفر فيو بآيات الله كيستهزأ بها كأقررتموىم على ذلك فقد شاركتموىم في الذم ىم فيو ا.ىػ كمنو قولو تعالى: (كإذا رأيت الذين يخوضوف في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره كإما ينسينك الشيطاف فلب تقعد بعد الذكرل مع القوـ الظالمين[ )الأنعاـ: ٖٔ] قاؿ القرطبي في تفسيره (ٕ/ ُِ): كالخطاب مجرد للنبي صلى الله عليو كسلم كقيل إف المؤمنين داخلوف في الخطاب معو كىو الصحيح. فإف العلة سماع الخوض في آيات الله كذلك يشملهم كإياه .. كدؿ بهذا على أف الرجل إذا علم من الآخر منكرا علم أنو لا يقبل منو فعليو أف يعرض عنو إعراض منكر كلا يقبل عليو ا.ىػ ككرد في حديث جابر بن عبد الله -الطويل- كفيو ( .. كمن كاف يؤمن بالله كاليوـ الآخر فلب يقعد على مائدة يشرب عليها الخمر) أخرجو أحمد (ّ/ ّّٗ، رقم ُِْٗٔ)، كالدارمى (ِ/ ُّٓ رقم َِِٗ)، كالترمذل (ٓ/ ُُّ، رقم َُِٖ)، كأبو يعلى (ّ/ ّْٓ، رقم ُِٓٗ) كالطبرانى فى الأكسط (ُ/ ُِّ رقم ٖٖٔ)، كالحاكم (ْ/ َِّ رقم ٕٕٕٗ)، كالبيهقى فى
عدد الصفحات ٤٠- 31 - الشعب (ٓ/ ُِ رقم ٔٗٓٓ)، كالخطيب في تاريخو (ُ/ ِْْ) كالحديث ضعفو بعض أىل العلم، كحسنو الترمذم، كصححو الحاكم كأقره الذىبي، كقاؿ العلبمة الألباني في صحيح الترغيب (ُٕٔ): صحيح لغيره، كقاؿ الأرنؤكط كمن معو في تحقيق المسند (ِّ/ ُٗ): حسن لغيره. كمن ىذا الباب الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلبـ. كمنو قولو تعالى حكاية عن إبراىيم عليو السلبـ (فآمن لو لوط كقاؿ إني مهاجر إلى ربي إنو ىو العزيز الحكيم[ )العنكبوت: ِٔ] قاؿ القرطبي (ُّ/ ّّٗ): كىو أكؿ من ىاجر من أرض الكفر. كقاؿ القرطبي أيضا (ٕ/ ِّٗ) حوؿ قولو تعالى: (كاتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خآصة[ )الأنفاؿ: ِٓ]قاؿ علماؤنا: فالفتنة إذا عمت ىلك الكل، كذلك عند ظهور المعاصي كانتشار المنكر كعدـ التغيير، كإذا لم تغير كجب على المؤمنين المنكرين لها بقلوبهم ىجراف تلك البلدة كالهرب منها. كىكذا كاف الحكم فيمن كاف قبلنا من الأمم .. كبهذا قاؿ السلف رضي الله عنهم ا.ىػ بتصرؼ الثاني: الهجر على كجو التأديب كالعقوبة، كىو ىجر أىل المعاصي كالمنكرات كالمخالفات كىو بمنزلة التعزير، كيفعلو إذا رآه أقول في نفسية الفاعل من التغيير باليد كاللساف أك إذا عجز عن التغيير باليد كاللساف. فإذا أظهر الإنساف المكلف معصيتو أك عرؼ بها كأصر عليها سواء أكانت ىذه المعصية فعلية أـ قولية أـ اعتقادية فمن السنة ىجره، فالهاجر يثاب عليو؛ لأنو من أجل الله تعالى، كقد ىجر النبي صلى الله عليو كسلم كعبا كصاحبيو كأمر الصحابة بهجرىم خمسين يوما، كىجر نساءه شهرا، كىجرت عائشة رضي الله عنها ابن أختها عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما مدة. ركم عن الإماـ أحمد كما في الآداب الشرعية (ُ/ ِٖٓ)أنو قاؿ: إذا علم أنو مقيم على معصيتو كىو يعلم بذلك لم يأثم إف ىو جفاه حتى يرجع كإلا كيف يتبين للرجل ما ىو عليو إذا لم ير منكرا كلا جفوة من صديق ا.ىػ فمن خلبؿ النصوص القرآنية كالأحاديث النبوية كالآثار يتبين لنا مشركعية الهجر، كأنو سنة يثاب عليها الإنساف إذا كاف ذلك لله تعالى. المطلب الثاني: أنواع الهجر.
عدد الصفحات ٤١- 32 - النوع الأكؿ: الهجر كلية. كيكوف ذلك للكفار، يقوؿ تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذكا اليهود كالنصارل أكلياء بعضهم أكلياء بعض كمن يتولهم منكم فإنو منهم إف الله لا يهدم القوـ الظالمين) [المائدة: ُٓ] كيقوؿ تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذكا عدكم كعدككم أكلياء[ )الممتحنة: ُ] كيقوؿ تعالى: (لا تجد قوما يؤمنوف بالله كاليوـ الآخر يوادكف من حاد الله كرسولو كلو كانوا آباءىم أك أبناءىم أك إخوانهم أك عشيرتهم[ )المجادلة: ِِ]الآية. كغير ذلك من النصوص التي تفيد كجوب ىجر الكفار كتركهم كعدـ محبتهم مهما كانوا، حتى كلو كانوا من الأقربين. النوع الثاني: ىجر كلي لمدة مؤقتة كشهر أك شهرين أك أقل أك أكثر حسب ما تقتضيو مصلحة صلبحو، كما فعل النبي صلى الله عليو كسلم كصحابتو مع الثلبثة الذين خلفوا. كيذكر في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنو قاؿ: قاؿ رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم (إف أكؿ ما دخل النقص على بني إسرائيل أنو كاف الرجل يلقى الرجل فيقوؿ: يا ىذا اتق الله كدع ما تصنع، فإنو لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد كىو على حالو فلب يمنعو ذلك أف يكوف أكيلو كشريبو كقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم على بعض ثم قاؿ: لعن الذين كفركا من بني إسرائيل على لساف داككد كعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا ككانوا يعتدكف كانوا لا يتناىوف عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلوف ترل كثيرا منهم يتولوف الذين كفركا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أف سخط الله عليهم كفي العذاب ىم خالدكف [المائدة: ٖٕ - ُٖ]إلى قولو فاسقوف) أخرجو أحمد (ُ/ ُّٗ)، كأبو داكد (ْ/ ُُِ، رقم ّّْٔ)، كابن ماجة (ََْٔ)، كالطبراني في الكبير (َُ/ رقم َُِٓٔ)، كالشجرم في الأمالى (ِ/ ُِّ)، كالطحاكم في المشكل (ِ/ ُٔ - ِٔ)، كالبيهقى (َُ/ ّٗ، رقم ُّٖٗٗ) كالحديث ضعفو العلبمة الألباني في الضعيفة (َُُٓ)، كضعفو الشيخ مقبل في أحاديث معلة ظاىرىا الصحة (ِْٗ)، كضعفو الحويني في النافلة (رقم ٔ)، كضعفو الأرنؤكط كمن معو في تحقيق المسند (ٔ/ ُِٓ). النوع الثالث: ىجر جزئي كأف يهجره في بعض جوانب التعامل فقط. مثل ىجر الزكجة في المناـ فقط لتأديبها. يقوؿ تعالى: (كاللبتي تخافوف نشوزىن فعظوىن كاىجركىن في المضاجع كاضربوىن فإف أطعنكم فلب تبغوا عليهن سبيلب[ )النساء: ّْ]
عدد الصفحات ٤٢- 33 - كالهجر: أف يوليها ظهره فلب يناـ معها في فراش أك تحت لحاؼ كاحد. كفي المسند عن حكيم بن معاكية عن أبيو في حديثو الطويل قلت: (ما حق زكجة أحدنا عليو قاؿ: تطعمها إذا طعمت، كتكسوىا إذا اكتسيت، كلا تضرب الوجو كلا تقبح كلا تهجر إلا في البيت) أخرجو أحمد (ٓ/ ّ، ٓ)، كأبو داكد (ُِِْ - ُِْْ)، كابن ماجو (َُٖٓ)، كابن حباف (ُْٕٓ)، كالحاكم (/ُٕٖ - ُٖٖ)، كابن أبي الدنيا في العياؿ (ْٖٖ)، كالبيهقي (ٕ/ ِٓٗ كَّٓ) كغيرىم من حديث معاكية بن حيدة رضي الله عنو، كالحديث صححو الحاكم كأقره الذىبي، كحسنو النوكم في الرياض (ُُّ)، كصححو ابن الملقن في البدر المنير (ٖ/ َِٗ)، كقاؿ الحافظ في التلخيص (ْ/ ٕ): صححو الدارقطني في العلل، كصححو العلبمة الألباني في الإركاء (ٕ/ ٖٗ)، كصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر في عمدة التفسير (ُ/ ِٕٕ)، كقاؿ الحويني في تسلية الكظيم (حُٕ): سنده حسن، كحسنو الأرنؤكط كمن معو في تحقيق المسند (ّّ/ ُِْ)، كقاؿ الشيخ مشهور في تحقيق إعلبـ الموقعين (ٔ/ ْٕٗ): إسناده حسن. المطلب الثالث: أقساـ الناس بالنسبة للهجر. تختلف منزلة الناس من حيث المعصية فبعضهم كافر أك يصل إلى درجة الكفر، كبعضهم مبتدع كبعضهم عاص أك مخالف، إلى غير ذلك من ىذه الأنواع، فالمسلم يجب أف يكوف موقفو منهم بحسب معصيتهم، كسوؼ نورد أقساـ الناس من حيث المعصية على النحو التالي: القسم الأكؿ: الكافر: فهذا يقاطع بالكلية كما تقدـ. القسم الثاني: مبتدع : كالمبتدع ينقسم إلى قسمين: أ- مبتدع يدعو إلى بدعتو، فهذا يجب ىجره كمقاطعتو. قاؿ الإماـ أحمد كما في الآداب الشرعية (ُ/ ِٖٔ) كيجب ىجر من كفر أك فسق ببدعة أك دعا إلى بدعة مضلة أك مفسقة على من عجز عن الرد عليو أك خاؼ الاغترار بو دكف غيره، كقيل: يجب ىجره مطلقا كىو ظاىر كلبـ الإماـ أحمد -رضي الله عنو- السابق. كقطع ابن عقيل بو في معتقده قاؿ: ليكوف ذلك كسرا لو كاستصلبحا ا.ىػ كقاؿ الخلبؿ كما في الآداب الشرعية (ُ/ ِٖٔ): حدثنا إسماعيل بن إسحاؽ الثقفي النيسابورم أف أبا عبد الله سئل عن رجل لو جار رافضي يسلم عليو؟ قاؿ: لا كإف سلم لا يرد عليو ا.ىػ
عدد الصفحات ٤٣- 34 - كقد كرد عن النبي صلى الله عليو كسلم أخبار كإف كاف في بعض أسانيدىا مقاؿ، كلكن يشد بعضها بعضا، تفيد ذلك منهما: ما ركاه جابر بن عبد الله قاؿ: قاؿ رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم (إف مجوس ىذه الأمة المكذبوف بأقدار الله. إف مرضوا فلب تعودكىم كإف ماتوا فلب تشهدكىم، كإف لقيتموىم فلب تسلموا عليهم). كركل الإماـ أحمد بسنده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنو عن النبي صلى الله عليو كسلم قاؿ: ((لا تجالسوا أىل القدر كلا تفاتحوىم)، كعن ابن عباس رضي الله عنو قاؿ: قاؿ رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم (صنفاف من أمتي ليس لهما في الإسلبـ نصيب: المرجئة كالقدرية)، كعن حذيفة رضي الله عنو قاؿ: قاؿ رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم (لكل أمة مجوس، كمجوس ىذه الأمة الذين يقولوف لا قدر، من مات منهم فلب تشهدكا جنازتو، كمن مرض منهم فلب تعودكىم كىم شيعة الدجاؿ .. ) الحديث، كفي ركاية لأبي داكد أيضا (كإف ماتوا فلب تشهدكىم). فهذه الأحاديث تفيد مقاطعة أىل البدع كالضلبلات كالأىواء الذين يدعوف إليها كيصركف عليها، كما كردت آثار كثيرة عن السلف في ىجر المبتدعة، ككتب العقيدة مليئة بذلك. كسئل العلبمة ابن باز كما في فتاكل نور على الدرب (ّ/ّٕ): متى تجوز مقاطعة المبتدع؟ كمتى يجوز البغض في الله؟ كىل تؤثر المقاطعة في ىذا العصر؟ فأجاب: المؤمن ينظر في ىذه المقامات بنظر الإيماف كنظر الشرع، كنظر التجرد من الهول، فإذا كاف ىجره للمبتدع كبعده عنو لا يترتب عليو شر أعظم، فإف ىجره حق كأقل أحوالو أف يكوف سنة، كىكذا من أعلن المعاصي كأظهرىا، أقل أحوالو أف ىجره سنة، فإف كاف عدـ الهجر أصلح، لأنو يرل أف دعوة ىؤلاء المبتدعين كإرشادىم إلى السنة، كتعليمهم ما أكجب الله عليهم، أف ذلك يؤثر فيهم كأنو يفيدىم، فلب يعجل في الهجر، كمع ذلك يبغضهم في الله، كما يبغض الكافر في الله، كيبغض العصاة في الله، على قدر معاصيهم كعلى قدر البدعة، كبغض الكافر أشد، كبغض المبتدع على قدر بدعتو، إذا كانت بدعتو غير مكفرة، على قدرىا، كبغض العاصي على قدر معصيتو، كيحبو في الله على قدر إسلبمو، أما الهجر ففيو تفصيل يقوؿ ابن عبد القوم رحمو الله، في قصيدتو المشهورة: كىجراف من أبدل المعاصي سنة * كقد قيل إف يردعو أكجب كآكد كقيل على الإطلبؽ ما داـ معلنا * كلاقو بوجو مكفر ملبد
عدد الصفحات ٤٤- 35 - كقيل على الإطلبؽ يعني يجب الهجر مطلقا، فالحاصل أف الأرجح كالأكلى النظر في المصلحة، فالنبي صلى الله عليو كسلم ىجر قوما كترؾ آخرين لم يهجرىم، مراعاة للمصلحة الشرعية الإسلبمية، فهجر كعب بن مالك كصاحبيو رضي الله عنهم، لما تخلفوا عن غزكة تبوؾ بغير عذر ىجرىم خمسين ليلة فتابوا فتاب الله عليهم، كلم يهجر عبد الله بن أبي بن سلوؿ، كجماعة من المتهمين بالنفاؽ لأسباب شرعية اقتضت ذلك، فالمؤمن ينظر في الأصلح كىذا لا ينافي بغض الكافر في الله، كبغض المبتدع في الله، كبغض العاصي في الله، كمحبة المسلم في الله، كمحبة العاصي على قدر إسلبمو، كمحبة المبتدع الذم لم يعلن بدعتو على قدر ما معو من الإسلبـ لا ينافي ذلك، أما ىجرىم فينظر للمصلحة، فإذا كاف ىجرىم يرجى فيو خير لهم، كيرجى أف يتوبوا من البدعة كمن المعصية، فإف السنة الهجر، كقد أكجب ذلك جمع من أىل العلم، قالوا: يجب، كإف كاف ىجرىم كتركو سواء، لا يترتب عليو لا شر كلا خير، فهجرىم أكلى أيضا، إظهارا لأمر مشركع، كإبانة لما يجب من إظهار إنكار المنكر، ىجره بأم حاؿ أكلى كأسلم، كحتى يعلم الناس خطأىم كغلطهم. الحالة الثالثة: أف يكوف ىجرىم يترتب عليو مفسدة، كشر أكبر، فإنو لا يهجرىم في ىذه الحالة، إذا كاف ىذا المبتدع إذا ىجر زاد شره على الناس كانطلق في الدعوة إلى البدعة، كزادت بدعو كشركره، كاستغل الهجر في دعوة الناس إلى الباطل، فإنو لا يهجر بل يناقش كيحذر الناس منو، كلا يكوف الناس عنو بعيدين، حتى يراقبوا عملو كحتى يمنعوه من التوسع في بدعتو، كحتى يحذركا الناس منو، كحتى يكرركا عليو الدعوة، لعل الله يهديو حتى يسلم الناس من شره، كىكذا العاصي المعلن، إذا كاف تركو كىجره قد يفضي إلى انتشار شره، كتوسع شره كتسلطو على الناس، فإنو لا يهجر بل يناقش دائما كينكر عليو دائما كيحذر الناس من شره دائما، حتى يسلم الناس من شره، كحتى لا تقع الفتن بمعصيتو ا.ىػ كقاؿ العلبمة العثيمين في شرح لمعو الإعتقاد (صُٗٓ): المراد بهجراف أىل البدع : الابتعاد عنهم، كترؾ محبتهم، كموالاتهم، كالسلبـ عليهم، كزيارتهم، كعيادتهم، كنحو ذلك، كىجراف أىل البدع كاجب لقولو تعالى: (لا تجد قومان يؤمنوف بالله كاليوـ الآخر يوادكف من حاد الله كرسولو)، كلأف النبي، صلى الله عليو كسلم ، ىجر كعب بن مالك كصاحبيو حين تخلفوا عن غزكة تبوؾ. لكن إف كاف في مجالستهم مصلحة لتبيين الحق لهم كتحذيرىم من البدعة فلب بأس بذلك، كربما يكوف ذلك مطلوبان لقولو تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة كالموعظة الحسنة كجادلهم بالتي ىي أحسن). كىذا قد يكوف بالمجالسة، كالمشافهة، كقد يكوف بالمراسلة، كالمكاتبة، كمن ىجر
عدد الصفحات ٤٥- 36 - أىل البدع : ترؾ النظر في كتبهم خوفان من الفتنة بها، أك تركيجها بين الناس فالابتعاد عن مواطن الضلبؿ كاجب، لقولو صلى الله عليو كسلم ، في الدجاؿ: "من سمع بو فلينأ عنو فوالله إف الرجل ليأتيو كىو يحسب أنو مؤمن فيتبعو مما يبعث بو من الشبهات". ركاه أبو داكد كقاؿ الألباني: كإسناده صحيح. لكن إف كاف الغرض من النظر في كتبهم معرفة بدعتهم للرد عليها فلب بأس بذلك لمن كاف عنده من العقيدة الصحيحة ما يتحصن بو ككاف قادران على الرد عليهم، بل ربما كاف كاجبان، لأف رد البدعة كاجب كما لا يتم الواجب إلا بو فهو كاجب ا.ىػ كسئل العلبمة العثيمين كما في لقاءات الباب المفتوح (سؤاؿ رقم ُّْٕ): إذا كاف ىناؾ رجل عليو بعض الملبحظات، سواء كانت في العقيدة أك في غيرىا، كفيو خير كثير، ما ىو ضابط التعامل معو كالاستفادة منو إذا كاف صاحب قلم سياؿ، أك منصب مرموؽ، أك لديو من الطاقات ما ليس عند غيره؟ فأجاب: إذا كاف ىذا الرجل مجاىران بما عنده من البدعة؛ فإنو لا ينبغي للئنساف أف يتعامل معو كأف يتردد عليو؛ لأنو كإف كاف لا يتأثر بو فقد يغتر بو غيره، بمعنى: أف الناس ينخدعوف كيظنوف أف ىذا المبتدع على حق، فالذم ينبغي ألا يتردد الإنساف على أىل البدع، مهما استفاد منهم ماليان أك علميان؛ لما في ذلك من التغرير بالآخرين ا.ىػ ب- المبتدع العامي: كىو الجاىل بالبدعة التي اعتنقها فمثل ىذا لا يقاطع بل يتابع كيبين لو الحق كيوضح لو بالسبل المناسبة لتفكيره فربما كانت عودتو سهلة؛ لأف ميوؿ الجاىل في الغالب عاطفية، كإف أصر للمرة الأكلى كالثانية فتواصل معو المحاكلة فلعلو يرجع كإف أصر بعد ذلك يهجر. قاؿ الغزالي في الإحياء (ِ/ُٗٔ): المبتدع العامي الذم لا يقدر على الدعوة كلا يخاؼ الاقتداء بو فأمره أىوف فالأكلى أف لا يقابح بالتغليظ كالإىانة، بل يتلطف بو في النصح فإف قلوب العواـ سريعة التقلب، فإف لم ينفع النصح ككاف الإعراض عنو تقبيحا لبدعتو، تأكد الاستحباب في الإعراض ا.ىػ (فرع ): الضوابط الشرعية للهجر. قاؿ قاؿ الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد في كتابو ىجر المبتدع (صِٕ): المبحث الثامن الضوابط الشرعية للهجر: ىذا بياف (لميزاف الشرع في الهجر) كىو من أىم أبحاث ىذا الواجب
عدد الصفحات ٤٦- 37 - الشرعي، كعليو: فإذا علمنا أف الزجر بالهجر للمبتدع حتى يتوب إلى الله تعالى، قد قامت عليو أدلة بخصوصو، كأنو من أكلى مفردات قاعدة الشريعة المطردة (الولاء كالبراء) أم الحب كالبغض في الله تعالى، كعلمنا أيضان : أف المقصود بالهجر زجر المهجور، كتأديبو كرجوع العامة عن مثل حالو، إلى آخر مقاصد الإسلبـ من مشركعية الهجر كما تقدـ . كأف الهجر الشرعي لحق الله تعالى ( عبادة ) من جنس الجهاد، كالأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر، كالعبادة لا بد من توفر ركنيها : الإخلبص، كالمتابعة، أم بأف يكوف الهجر (خالصان صوابان ) خالصان لله، صوابان كفق السنة، كأف (ىول النفس) ينقض ركنية (الإخلبص)، كما أف ركن المتابعة ينقضو (عدـ موافقة الهجر للمأمور بو) إذا تقرر جميع ذلك فليعلم أف الشرع الشريف يزف الواقعات كالأحواؿ الداخلة تحت قاعدتو العامة (الولاء كالبراء) بميزاف قسط، كقسطاس مستقيم، كسطان عدلان بين جانبي الإفراط كالتفريط، فلب تزيد عن حدىا كلا تنقص عنو، فتلتقي العفوية للمبتدع بالهجر مع مقدار بدعتو باعتبارات مختلفة، كما يحف بذلك من أحواؿ تنزؿ على قاعدة رعاية المصالح كتكثيرىا ، كدرء المفاسد كتقليلها، فنقوؿ إذان :الأصل في الشرع ىو ىجر المبتدع لكن ليس عامان في كل حاؿ كمن كل إنساف كلكل مبتدع كترؾ الهجر كالإعراض عنو بالكلية، تفريط على أم حاؿ، كىجر لهذا الواجب الشرعي المعلوـ كجوبو بالنص، كالإجماع، كأف مشركعية الهجر ىي في دائرة ضوابطو الشرعية المبنية على رعاية المصالح كدرء المفاسد، كىذا مما يختلف باختلبؼ البدعة نفسها كاختلبؼ مبتدعها كاختلبؼ أحواؿ الهاجرين، كاختلبؼ المكاف كالقوة كالضعف، كالقلة كالكثرة، كىكذا من كجوه الاختلبؼ كالاعتبار التي يرعاىا الشرع كميزانها للمسلم الذم بو تنضبط المشركعية ىو مدل تحقق المقاصد الشرعية من الهجر من الزجر، كالتأديب، كرجوع العامة، كتحجيم المبتدع كبدعتو كضماف السنة من شائبة البدعة .. ىذا محصل الضوابط الشرعية للهجر، لكن ليحذر كل مسلم من توظيف (ىول نفسو) كتأمير (حظوظها) على نفسو، فإف ىذا ىلكة في الحق، كىو شر ممن يترؾ الهجر عصيانان لأنو يعصي الله تعالى بترؾ الهجر الشرعي للمبتدع،
عدد الصفحات ٤٧- 38 - كإظهاره ترؾ الهجر باسم الشرع تحت غطاء كىمي باسم (المصلحة) ك (تأليف القلوب) كىكذا ، فالتزاـ الهجر الشرعي للمبتدع بضوابطو الشرعية لاغير، كعلى ىذا التأصيل تتنزؿ كلمات الأئمة كالإماـ أحمد كغيره . قاؿ شيخ الإسلبـ ابن تيمية في مجموع الفتاكل (ِٖ/ُِّ) في المسلك الحق في الهجر: فإف أقوامان جعلوا ذلك عامان، فاستعملوا من الهجر كالإنكار ما لم يؤمركا بو، فلب يجب كلا يستحب، كربما تركوا بو كاجبات أك مستحبات كفعلوا بو محرمات، كآخركف أعرضوا عن ذلك بالكلية فلم يهجركا ما أمركا بهجره من السيئات البدعية، بل تركوىا ترؾ المعرض لا ترؾ المنتهي الكاره، أك كقعوا فيها، كقد يتركونها ترؾ المنتهي الكاره، كلا ينهوف عنها غيرىم، كلا يعاقبوف بالهجرة كنحوىا من يستحق العقوبة عليها، فيكونوف قد ضيعوا من النهي عن المنكر ما أمركا بو إيجابان أك استحبابان، فهم بين فعل المنكر أك ترؾ المنهي عنو، كذلك فعل ما نهوا عنو كترؾ ما أمركا بو، فهذا ىذا ، كدين الله كسط بين المغالي فيو كالجافي عنو، كالله سبحانو أعلم ا.ىػ فباعتبار اختلبؼ مرتبة البدعة من الإثم ىو من عدة جهات من جهة كونها كفران أك غير كفر: فالمكفرة مثل: البابية، كالبهائية ، كالقاديانية ، كغلبة البريلوية . كغير المكفرة مثل عامة البدع في العبادات حقيقية كانت أك إضافية . كمن جهة كوف صاحبها مستتران بها أك معلنان لها: ففرؽ بين المعلن لبدعتو الداعي لها، كبين الكاتم لها لأف الداعية، كالمعلن لها، أظهرىا فاستحق العقوبة بخلبؼ الكاتم فإنو ليس شران من المنافقين الذين كاف النبي صلى الله عليو كسلم يقبل علبنيتهم كيكل سرائرىم إلى الله تعالى، ىذا كىم في الدرؾ الأسفل من النار. كمن جهة كونها حقيقية أك إضافية: فالبدعة الحقيقية ىي البدعة التعبدية المحدثة استقلبلان كصلبة الرغائب، كليست بدعة إضافية ، كمثل القوؿ بالقدر، كصلبة الألفية ليلة النصف من شعباف، كبدعة الموالد، كالأعياد الحكومية، كعيد غدير خم لدل الشيعة، كىكذا . كالبدعة الإضافية: ىي الأمر المبتدع مضافاي إلى ما ىو مشركع أصلبن بزيادة أك نقص، مثالو: الدعاء الجماعي بعد الصلبة، فالدعاء مشركع كجعلو جماعيان بدعة مضافة لم يرد بها النص، كبناء العبادات على التوقيف، كسجود الشكر جماعة، كاتخاذ التبليغ خلف الإماـ سنة راتبة مع عدـ الحاجة إليو، كىكذا.
عدد الصفحات ٤٨