المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

التعليق الأزهر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مسائل الإمام أحمد بن حنبل

محمد بن نصر أبي جبل

صفحة ٢ من ٢٥

- 07 - الرجس من الأكثاف [الحج: َّ]ليس يأمرىم باجتناب بعض الأكثاف، كلكن المعنى: اجتنبوا الأكثاف فإنها رجس . كمثلو من الشعر قوؿ الشاعر: أخو رغائب يعطيها كيسألها * يأبى الظلبمة منو النوفل الزفر أم: ىو النوفل الزفر. لأنو قد كصفو بإعطاء الرغائب كالنوفل: الكثير الإعطاء للنوافل كالزفر: الذم يحمل الأثقاؿ. كالدليل على أنهم أمركا كلهم بالأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر قولو جل كعلب: كنتم خير أمة [آؿ عمراف: َُُ]ا.ىػ. كقاؿ الرازم في تفسيره (ٖ/ ُٕٔ) بعد نقلو حجة أصحاب القوؿ الأكؿ -كىو ىذا- (إذا ثبت ىذا فنقوؿ معنى ىذه الآية: كونوا أمة دعاة إلى الخير، آمرين بالمعركؼ ناىين عن المنكر، كأما كلمة (من) فهي ىنا للتبيين لا للتبعيض كقولو تعالى: فاجتنبوا الرجس من الأكثاف [الحج: َّ] كيقاؿ: لفلبف من أكلاده جند يريد بذلك جميع أكلاده لا بعضهم .. ) ا. ىػ. كقاؿ أبو السعود في تفسيره (َِ/ ٕٔ): كقيل (من) بيانية كما في قولو تعالى: كعد الله الذين آمنوا كعملوا الصالحات منهم [ ...الفتح: ِٗ]الآية، كالأمر من كاف الناقصة كالمعنى (كونوا أمة تدعوف ... ) كقولو تعالى: كنتم خير أمة [ ...آؿ عمراف: َُُ]ك يقتضي ذلك كوف الدعوة فرض عين، فإف الجهاد من فركض الكفاية مع ثبوتو بالخطابات العامة ا. ىػ. كيمكننا تلخيص ما يمكن أف يستدؿ بو أصحاب ىذا القوؿ فيما يلي: ُ - إيجاب الله تعالى الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر بقولو: كنتم خير أمة أخرجت ... . ِ - أنو ليس أحد من المكلفين إلا كجب عليو الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر باليد أك اللساف أك القلب. كمما ينبغي التنبو لو أف أصحاب ىذا القوؿ يقولوف: إنو كإف كاف الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر كاجبا على الكل إلا أنو متى قاـ بو البعض سقط عن الباقين، كنظيره قولو تعالى: انفركا خفافا كثقالا [التوبة: ُْ]كقولو: إلا تنفركا يعذبكم عذابا أليما [ ...التوبة: ّٗ]فالأمر عاـ ككذا الوعيد، ثم إذا قامت بو طائفة كقعت الكفاية كزاؿ التكليف عن الباقين. كذىب آخركف كمقاتل بن حياف، كابن جرير، كابن كثير، كابن العربي، كالقرطبي، كالشوكاني، إلى أنها تبعيضية.

عدد الصفحات ١٧

- 08 - أخرج ابن أبي حاتم برقم (ُُِٓ) بإسناد حسن عن مقاتل بن حياف في قولو: كلتكن منكم أمة [ ...آؿ عمراف: َُْ]يقوؿ: (ليكن منكم قوـ يعني: كاحد أك اثنين أك ثلبثة نفر فما فوؽ ذلك). كقد جوز الزجاج في معاني القرآف (ُ/ ِْٓ - ّْٓ) ىذا المعنى مع ميلو إلى الأكؿ كما ىو ظاىر كلبمو حيث قاؿ: (كيجوز أف تكوف أمرت منهم فرقة لأف قولو كلتكن منكم ذكر الدعاة إلى الإيماف، كالدعاة ينبغي أف يكونوا علماء بما يدعوف إليو، كليس الخلق كلهم علماء، كالعلم ينوب فيو بعض الناس عن بعض، ككذلك الجهاد) (ُِ) ا. ىػ. كقاؿ أبو السعود في تفسيره (ِ/ ِٕٔ): كمن تبعيضية متعلقة بالأمر، أك بمحذكؼ كقع حالا من الفاعل كىو أمة أك يدعوف صفتها أم: لتوجد منكم أمة داعية إلى الخير، كالأمة ىي الجماعة التي يؤمها فرؽ الناس، أم يقصدكنها كيقتدكف بها، أك من الناقصة كأمة اسمها. كيدعوف خبرىا، أم: كلتكن منكم أمة داعين إلى الخير. كأيا كاف فتوجيو الخطاب إلى الكل مع إسناد الدعوة إلى البعض لتحقيق معنى فرضيتها على الكفاية كأنها كاجبة على الكل بحيث إف أقامها البعض سقطت عن الباقين، كلو أخل بها الكل أثموا جميعا ا. ىػ. كقاؿ ابن كثير في تفسيره (ُ/ َّٗ): يقوؿ الله تعالى: كلتكن منكم أمة منتصبة للقياـ بأمر الله في الدعوة إلى الخير كالأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر كأكلئك ىم المفلحوف... كالمقصود من ىذه الآية: أف تكوف فرقة من ىذه الأمة منصوبة لهذا الشأف كإف كاف ذلك كاجبا على كل فرد من الأمة بحسبو، كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي ىريرة قاؿ: قاؿ رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم (من رأل منكم منكرا .. )) الحدم ا. ىػ. ثم إف أصحاب ىذا القوؿ اختلفوا في التبعيض في الآية على قولين ىما: الأكؿ: أف فائدة كلمة من ىي أف في القوـ من لا يقدر على الدعوة كلا على الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر مثل النساء كالمرضى كالعاجزين. الثاني: أف ىذا التكليف مختص بالعلماء كيدؿ عليو كجهاف: ُ- أف ىذه الآية مشتملة على الأمر بثلبثة أشياء: الدعوة إلى الخير، كالأمر بالمعركؼ، كالنهي عن المنكر، كمعلوـ أف الدعوة إلى الخير مشركطة بالعلم بالخير كبالمعركؼ كبالمنكر، فإف الجاىل ربما دعا إلى الباطل، كأمر بالمنكر، كنهى عن المعركؼ، فثبت بهذا أف التكليف متوجو

عدد الصفحات ١٨

- 11 - إلى العلماء، كلا شك أنهم بعض الأمة، كنظير ىذه الآية قولو تعالى: فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ليتفقهوا في الدين [ ...التوبة: ُِِ] ِ - أنا أجمعنا على أف ذلك كاجب على سبيل الكفاية، بمعنى أنو متى قاـ بو البعض سقط عن الباقين، كإذا كاف كذلك كاف المعنى: ليقم بذلك بعضكم، فكاف في الحقيقة إيجابا على البعض لا على الكل كالله أعلم. كقد ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليو كسلم أنو قاؿ: (من رأل منكم منكرا فليغيره بيده فإف لم يستطع فبلسانو فإف لم يستطع فبقلبو كذلك أضعف الإيماف) ركاه مسلم (َٕ) من حديث أبي سعيد. قاؿ النوكم رحمو الله في شرح صحيح مسلم: (قولو صلى الله عليو كسلم "فليغيره " أمر إيجاب بإجماع الأمة، كقد تطابق على كجوب الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر الكتاب كالسنة كإجماع الأمة كىو أيضا من النصيحة التي ىي الدين.) انتهى. كقاؿ القرافي رحمو الله في الفركؽ (ْ/ ِٕٓ): " قاؿ العلماء الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر كاجب على الفور إجماعا فمن أمكنو أف يأمر بمعركؼ كجب عليو " انتهى. كقاؿ النوكم أيضا رحمو الله في شرح صحيح مسلم (ِ/ ِّ): في بياف من يجب عليو إنكار المنكر: "ثم إف الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر فرض كفاية إذا قاـ بو بعض الناس سقط الحرج عن الباقين كإذا تركو الجميع أثم كل من تمكن منو بلب عذر كلا خوؼ، ثم إنو قد يتعين - أم يصير كاجبا على شخص بعينو- كما إذا كاف في موضع لا يعلم بو إلا ىو أك لا يتمكن من إزالتو إلا ىو، ككمن يرل زكجتو أك كلده أك غلبمو على المنكر أك تقصير في المعركؼ، قاؿ العلماء رضي الله عنهم: كلا يسقط عن المكلف الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر لكونو لا يفيد في ظنو بل يجب عليو فعلو فإف الذكرل تنفع المؤمنين " انتهى. فإنكار المنكر إذا لا يتقيد بعدد بحيث ينكر مرة أك مرتين ثم يترؾ؛ بل من رأل منكرا كقدر على إنكاره، كجب عليو ذلك. لكن اختلف العلماء في مسألة الإنكار على من يظن أنو لا ينزجر عن المنكر بالإنكار عليو فمنهم من يرل كجوب الإنكار عليو إعذارا إلى الله، كتأميلب في أف ينتفع الموعوظ، كىو ظاىر كلبـ النوكم السابق. كمنهم من يرل عدـ الوجوب لكنو يستحب عنده.

عدد الصفحات ١٩

- 10 - قاؿ السفاريني الحنبلي رحمو الله في غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب (ُ/ ُِٓ): ىل من شرط كجوب الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر رجاء حصوؿ المقصود أك لا؟ على ركايتين عن الإماـ أحمد - رضي الله عنو -. نقل أبو الحارث الوجوب، كنقل حنبل عكسو. قاؿ في نهاية المبتدئين: كإنما يلزـ الإنكار إذا علم حصوؿ المقصود كلم يقم بو غيره، كعنو إذا رجا حصولو، كىو الذم ذكره ابن الجوزم، كقيل ينكره كإف أيس من زكالو كخاؼ أذل أك فتنة. كقاؿ في نهاية المبتدئين: إنما يجوز الإنكار فيما لا يرجى زكالو كإف خاؼ أذل، كقيل لا، كقيل يجب. كالذم ذكره القاضي في المعتمد أنو لا يجب كيخير في رفعو إلى الإماـ خلبفا لمن قاؿ يجب رفعو. قاؿ في الآداب: كإذا لم يجب الإنكار فهو أفضل من تركو، جزـ بو ابن عقيل. قاؿ القاضي خلبفا لأكثرىم في قولهم ذلك قبيح كمكركه إلا في موضعين: أحدىما: كلمة حق عند سلطاف جائر. كالثاني: إظهار الإيماف عند ظهور كلمة الكفر. انتهى. كقاؿ الحافظ ابن رجب في شرح الأربعين النوكية: حكى القاضي أبو يعلى ركايتين عن الإماـ أحمد في كجوب إنكار المنكر على من يعلم أنو لا يقبل منو كصحح القوؿ بوجوبو كىو قوؿ أكثر العلماء، كقد قيل لبعض السلف في ىذا فقاؿ يكوف لك معذرة " انتهى. كقد قيل لبعض السلف في ىذا فقاؿ يكوف لك معذرة، كىذا كما أخبر الله عن الذين أنكركا على المعتدين في السبت أنهم قالوا لمن قاؿ لهم {لم تعظوف قوما الله مهلكهم أك معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم كلعلهم يتقوف[ }الأعراؼ: ُْٔ] ا.ىػ كقاؿ ابن رشد رحمو الله في "البياف كالتحصيل": " إف الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر كاجب على كل مسلم بثلبثة شركط: أحدىا: أف يكوف عارفا بالمعركؼ كالمنكر. إذ لا يأمن من أف ينهى عن المعركؼ كيأمر بالمنكر لجهلو بحكمهما. كالثاني: أف لا يؤدم إنكاره المنكر إلى منكر أكبر منو مثل أف ينهاه عن شرب الخمر فيؤكؿ نهيو عن ذلك إلى قتل نفس كما أشبو ذلك. كالثالث: أف يعلم أك يغلب على ظنو أف إنكاره المنكر مزيل لو ، كأف أمره مؤثر كنافع. فالشرطاف: الأكؿ كالثاني مشترطاف في الجواز، كالشرط الثالث مشترط في الوجوب فإذا عدـ الشرط الأكؿ

عدد الصفحات ٢٠

- 11 - كالثاني لم يجز أف يأمر كلا ينهى ، كإذا عدـ الشرط الثالث ككجد الشرط الأكؿ كالثاني جاز لو أف يأمر كينهى كلم يجب ذلك عليو " انتهى نقلب عن "المدخل" لابن الحاج (ُ/ َٕ) باختصار. كقاؿ الغزالي في الإحياء (ِ/ ِّٖ): " إذا علم أنو لا يفيد إنكاره، كلكنو لا يخاؼ مكركىا فلب تجب عليو الحسبة لعدـ فائدتها، لكن تستحب لإظهار شعائر الإسلبـ كتذكير الناس بأمر الدين " انتهى. كقاؿ العلبمة العثيمين رحمو الله: " الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر فرض كفاية ، إذا قاـ بو من يكفي سقط عن الناس ، كإذا لم يقم بو من يكفي: كجب على الناس أف يأمركا بالمعركؼ كينهوا عن المنكر ، لكن لابد أف يكوف بالحكمة، كالرفق، كاللين؛ لأف الله أرسل موسى كىاركف إلى فرعوف كقاؿ: (فقولا لو قولا لينا لعلو يتذكر أك يخشى) طو/ْْ، أما العنف: سواء كاف بأسلوب القوؿ، أك أسلوب الفعل: فهذا ينافي الحكمة ، كىو خلبؼ ما أمر الله بو. كلكن أحيانا يعترض الإنساف شيء يقوؿ: ىذا منكر معركؼ ، كحلق اللحية مثلب ، كل يعرؼ أنو حراـ، خصوصا المواطنوف في ىذا البلد ، كيقوؿ: لو أنني جعلت كلما رأيت إنسانا حالقا لحيتو - كما أكثرىم - كقفت أنهاه عن ىذا الشيء: فاتني مصالح كثيرة ، ففي ىذه الحاؿ: ربما نقوؿ بسقوط النهي عنو؛ لأنو يفوت على نفسو مصالح كثيرة ، لكن لو فرض أنو حصل لك اجتماع بهذا الرجل في دكاف أك في مطعم أك في مقهى: فحينئذ يحسن أف تخوفو بالله ، كتقوؿ: ىذا أمر محرـ، كأنت إذا أصررت على الصغيرة صارت في حقك كبيرة ، كتقوؿ الأمر المناسب " انتهى من "لقاءات الباب المفتوح " (َُُ/ ٓ). (فرع ): متى يتعين الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر ىناؾ أحواؿ يجب فيها الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر كجوبا عينيا. يكوف الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر فرض عين على من تعينو الدكلة للقياـ بو، قاؿ نظاـ الدين النيسابورم كما في غرائب القرآف كرغائب الفرقاف على ىامش ابن جرير (ْ/ ّ): إف نصب لذلك رجل تعين عليو بحكم الولاية كىو المحتسب ا.ىػ كقاؿ الماكردم في الأحكاـ السلطانية (صَِْ): إف فرضو متعين على المحتسب بحكم الولاية كفرضو على غيره داخل في فركض الكفاية ا. ىػ

عدد الصفحات ٢١

- 12 - كيكوف فرض عين أيضا إذا كاف المعركؼ في موضع تطمس معالمو كالمنكر يقترؼ فيو، كلا يعرؼ ذلك إلا رجل كاحد، أك لا يقدر على إزالتو إلا رجل كاحد تعين عليو الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر. قاؿ النوكم في المنهاج (ِ/ ِّ): إف الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر فرض كفاية ثم إنو قد يتعين إذا كاف في موضع لا يعلم بو إلا ىو ا. ىػ ككذا إذا احتاج الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر إلى جداؿ كاحتجاج كمناقشة كاف فرض عين على من يصلح لذلك إذا لم يوجد غيره، يقوؿ ابن العربي المالكي في أحكاـ القرآف، (ُ/ ُِِ): الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر فرض كفاية. . . كقد يكوف فرض عين إذا عرؼ المرء من نفسو صلبحية النظر كالاستقلبؿ بالجداؿ أك عرؼ ذلك منو ا.ىػ كبين الإماـ النوكم في المنهاج (ِ/ ِّ) ىذا الأمر بأسلوب آخر فقاؿ: ثم إنو قد يتعين إذا كاف لا يتمكن من إزالتو إلا ىو كمن يرل زكجتو أك كلده .. على منكر أك تقصير في المعركؼ. كقاؿ شيخ الإسلبـ ابن تيمية كما في كتاب الحسبة في الإسلبـ (صّٕ): كىو فرض كفاية كيصير فرض عين على القادر الذم لم يقم بو غيره ا. ىػ كسئل علماء اللجنة الدائمة (ُِ/ِّٗ): ىل ما تضمنو القرآف الكريم كالسنة الصحيحة من نصوص الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر، كالأمر بالبياف كالإرشاد يدؿ على كجوب ذلك عينا على كل عالم، لا تبرأ ذمتو إلا بذلك، أك ىذا فرض كفاية إذا قاـ بو بعضهم كفى عن الباقين؟ فأجابوا: الحكم في ذلك يختلف باختلبؼ قلة العلماء ككثرتهم كتفاكتهم في العلم كالمنزلة، فقد يحتاج الناس إلى بياف الحكم الشرعي كلا يوجد بينهم من العلماء إلا كاحد، فيجب عليو كجوبا عينيا أف يجيب السائل، كيرشد الحيراف، كيأمر بالمعركؼ كينهى عن المنكر، كقد يكوف بينهم عدد كثير من العلماء، لكن لا يقول على البياف كالإرشاد، أك الأمر كالنهي منهم إلا كاحد، إما لسعة علمو أك لقوة مركزه أك لفصاحتو كحسن بيانو، فيجب عليو عينا أف يقوـ بالبياف كالنصح كالأمر كالنهي، كقد يكوف في البلد كثير من العلماء، ككل منهم يقول على الأمر كالنهي كالبياف، فيجب عليهم البياف كجوبا كفائيا، فإف قاـ أحدىم بما كجب سقط عن الباقين، كإف لم يقم بذلك أحد أثموا جميعا ا.ىػ (تنبيو): شىرٍط سقوط الحرج عن الباقين، إذا قاـ بالأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر من يكفي ىو أف يكوف سكوتو لعلمو أف ىذا الواجب قد قاـ بو من يكفي.

عدد الصفحات ٢٢

- 13 - قاؿ ابن النحاس في كتابو تنبيو الغافلين (صُٓ -ُٔ): "كاعلم أف مقتضى فرض الكفاية، أنو إذا قاـ بو البعض حاز الأجر الجزيل من الله تعالى، كسقط الحرج عن الباقين، كلكن يشترط في سقوط الحرج ىنا أف يكوف الساكت عن الأمر كالنهي إنما سكت لعلمو بقياـ من قاـ عنو بالغرض، فإف سكت كلم يعلم بقيامو، فالظاىر -كالله أعلم- أنو لا يسقط عنو الحرج؛ لأنو أقدـ على ترؾ كاجب عمدنا، كما لو أقدـ على الفطر في رمضاف؛ ظانِّا منو النهار باؽو ككاف ليلبن، أك جامع ظانِّا أف الفجر قد طلع ككاف ليلبن، فإنو يأثم بذلك. (تنبيو ثاني): قاؿ العلبمة ابن باز رحمو الله: كالإنكار بالقلب فرض على كل كاحد؛ لأنو مستطاع للجميع، كىو بغض المنكر، ككراىيتو، كمفارقة أىلو عند العجز عن إنكاره باليد كاللساف؛ لقوؿ الله سبحانو: (كإذا رأيت الذين يخوضوف في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره كإما ينسينك الشيطاف فلب تقعد بعد الذكرل مع القوـ الظالمين) الأنعاـ/ٖٔ، كقاؿ تعالى في سورة النساء: (كقد نزؿ عليكم في الكتاب أف إذا سمعتم آيات الله يكفر بها كيستهزأ بها فلب تقعدكا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم) الآية، النساء/َُْ، كقاؿ تعالى: (كالذين لا يشهدكف الزكر كإذا مركا باللغو مركا كراما) الفرقاف/ِٕ، كمعنى لا يشهدكف الزكر لا يحضركنو. " فتاكل الشيخ ابن باز " (ّ/ ُِِ، ُِّ). (فرع ): ىل الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر على الفور أـ على التراخي. الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر الأصل فيو يكوف على الفور لكن ىناؾ منكرات تحتمل التأجيل كصاحب المنكرات المتفاكتة في الصغر كالكبر فتبدأ بالأكبر فالأصغر ككذلك الغضباف يينكر عليو بعد ىدكءه كنحو ذلك، ككما لو كاف بحضرة المحتسب كقت كقوع المنكر من يحمل كلبـ المحتسب على غير محملو فيتضرر لسوء فهمو فللمحتسب أف يؤخر الإنكار حتى تحين الفرصة المناسبة كفي ذلك يقوؿ العلبمة العثيمين رحمو الله: تأخير إنكار المنكر قد يكوف من باب استعماؿ الحكمة في الدعوة إلى الله، فقد يكوف ىذا الرجل الفاعل للمنكر لا يناسب أف ننكر عليو في ىذا الوقت بالذات، لكن سأحتفظ لنفسي بحق الإنكار عليو كدعوتو إلى الحق في كقت يكوف أنسب، كىذا في الحقيقة طريق صحيح، فإف ىذا الدين -كما نعلم جميعا- بدأ بالتدرج شيئنا فشيئنا، فأقر الناس على ما كانوا يفعلونو من أمور كانت في النهاية حرامنا من أجل المصلحة، فهذه الخمر مثلبن بين الله تعالى لعباده أف فيها إثمنا كبيرنا كمنافع للناس، كأف إثمها أكبر من نفعها، كبقي الناس عليها حتى نزلت آخر آية فيها تحرمها بتاتا، فإذا رأل إنساف من المصلحة

عدد الصفحات ٢٣

- 14 - (باب من رأل منكرا فلم يستطع لو تغييرا أف يعلم الله من قلبو أنو لو كاره) ُِ-أخبرني محمد بن الحسين، أف الفضل، حدثهم قاؿ: سمعت أبا عبد الله، كقاؿ، لو رجل : لي جار يشرب كيعتدم، ترل لي أف أنهاه عن ذلك؟ قاؿ: ما أحسن ما تفعل، قاؿ لو الرجل : فإف لم أفعل؟ قاؿ: تخافو؟ قاؿ: نعم، قاؿ: «أنكر بقلبك، كليعلم الله ذلك منك» .ركم ذلك عن عبد الله بن مسعود)ُ. ُّ- أخبرني أبو بكر المركذم، أف أبا بكر الأثرـ، قاؿ: (قيل لأبي عبد الله: رجل رأل منكرا أيجب عليو تغييره؟ قاؿ: إذا غير بقلبو فأرجو . ثم قاؿ: إف منهم من يخاؼ منو فإذف يغير بقلبو )ِ. ُْ- كأخبرني الحسين بن محمد، ببيت المقدس قاؿ: كتبت من مسائل أبي علي الدينورم من مسائل ابن مزاحم أف أبا عبد الله قيل لو: (رجل رأم منكرا أيجب عليو تغييره؟ قاؿ: إذا غير بقلبو فأرجو )ّ. ُٓ- كأخبرنا محمد بن أبي ىاركف، أف إسحاؽ بن إبراىيم حدثهم، أنو سأؿ أبا عبد الله قاؿ: (قلت رجل تكلم بكلبـ سوء يجب علي فيو أف أغيره في ذلك الوقت فلب أقدر على تغييره، كليس لي أعواف يعينونني عليو؟ قاؿ: إذا علم الله من قلبك أنك منكر لذلك فأرجو أف لا يكوف عليك شيء)ْ. أف لا يدعو ىذا الرجل في ىذا الوقت، أك في ىذا المكاف، كيؤخر دعوتو في كقت آخر، أك في مكاف آخر، لأنو يرل أف ذلك أصلح أك أنفع، فهذا لا بأس بو. ُ في أسناده محمد بن الحسين لم أعرفو. ِ إسناده صحيح. ّ شيخ المصنف: محمد بن الحسين لم أعرفو. ْ شيخ المصنف: محمد بن إبي ىاركف ىو محمد بن موسى بن يونس قاؿ الخطيب في تاريخ بغداد (ّ/ُِْ): حيدِّثٍتي عن عبد العزيز بن جعفر قىاؿى حدٌثنا أبو بكر الخلبؿ. قىاؿى : محمد بن أبي ىاركف الوراؽ رجل، يا لك من رجل ! جليل القدر، كثير العلم، كىو قرابة إدريس الحداد ا.ىػ

عدد الصفحات ٢٤

- 15 - ُٔ- أخبرني محمد بن أبي ىاركف، ثنا مثنى الأنبارم، قاؿ: سلمت على أحمد، ككضعت عنده قرطاسا، كقلت: انظر فيها، كاكتب لي جوابها، كفيها: ما تقوؿ إف رأل الرجل الطنبور تباع في سوؽ من أسواؽ المسلمين مكشوفة، فأيهما أحب إليك ذىابو إلى السلطاف فيها، أك يكوف معو من يعني السلطاف بأمره فينادم السلطاف فيها، أك يأمر بكسرىا، أك يكوف منو فيها بعض التغيير، أك جلوسو عن الذىاب إلى السلطاف كىو يأمر بلسانو كينكر بقلبو؟ فكتب: (يغير ذلك إذا لم يخف، فإف خاؼ أنكر بقلبو، كأرجو أف يسلم على إنكاره)ُ. ُٕ- كأخبرنا محمد بن جعفر، حدثنا إسحاؽ بن داكد، حدثنا أبو جعفر الحذاء، قاؿ: قاؿ ككيع في الأمر كالنهي: مركا بها من لا يخاؼ سيفو كلا سوطو)ِ. ُٖ- أخبرني منصور بن الوليد، حدثنا جعفر بن محمد بن النسائي، قاؿ: قلت لأبي عبد الله: يجب الأمر كالنهي على الإنساف؟ قاؿ: " يا أبا محمد، في ىذا الزماف أظنو شديدا، مع أف في حديث أبي سعيد تسهيلب، قلت لو: «من رأل منكم منكرا فليغيره بيده» ، قاؿ: نعم، قاؿ: «بقلبو كذلك أضعف الإيماف» قلت: ىذا أشدىا علي، قاؿ: من رأل منكم منكرا فليغيره بيده، كقاؿ صلى الله عليو كسلم: «ما أمرتكم من الأمر فأتوا منو ما استطعتم» ، فسكت )ّ. كلكن إسناده إلى الخلبؿ منقطع كما ىو بين، كقاؿ عنو الذىبي في تاريخ الإسلبـ ( ٔ/ِٖٓ): صالح فاضل كاسع العلم. ُ شيخ المصنف تقدمت ترجمتو في التعليق السابق. ِ شيخ المصنف: محمد بن جعفر ىو الراشدم، كىو ثقة كما في تاريخ بغداد ( ِ/ََٓ)، كإسحاؽ بن داكد لم أميزه. ّ في إسناده منصور بن الوليد شيخ المصنف كىو النيسابورم لم أجد لو ترجمو ، ك حديث (من رأل منكم منكرا فليغيره بيده) أخرجو مسلم ( ٖٕ). كحديث (ما أمرتكم من الأمر فأتوا منو ما استطعتم) أخرجو البخارم ( ِٖٖٕ)، كمسلم (ُّّٕ).

عدد الصفحات ٢٥

- 16 - ُٗ- كأخبرني محمد بن أبي ىاركف، أف إسحاؽ، حدثهم قاؿ: سألت أبا عبد الله قلت: (متى يجب على الرجل الأمر كالنهي؟ قاؿ: " ليس ىذا زماف نهي إذا غيرت غير بلسانك، فإف لم تستطع فبقلبك، كذلك أضعف الإيماف. . . كقاؿ لي: لا تتعرض للسلطاف، فإف سيفو مسلوؿ)ُ. َِ- أخبرنا أبو بكر المركذم، قاؿ: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا يزيد بن ىاركف، قاؿ: قيل لسفياف الثورم: ألا تأتي السلطاف فتأمره؟ قاؿ: (إذا انبثق البحر فمن يسكره؟)ِ. ُِ- أخبرنا أبو بكر المركذم، (أنو شكا إلى أحمد بن حنبل جارا لهم يؤذيهم بالمنكر، فقاؿ: مره بينك كبينو، قلت: تقدمت إليو مرارا كأنو يضحك، قاؿ: كأم شيء عليك، إنما ىو يضحك على نفسو، أنكر بقلبك، كدعو، فقلت لأبي عبد الله: فمن كاف لو جار يسمع منو المنكر؟ قاؿ: يغيره مرة كمرتين كثلبثة، فإف قبل كإلا ترؾ، قلت: فإف كاف سمعو؟ قاؿ: «كأم شيء تقدر أف تصنع، أنكر بقلبك كدعو)ّ. ِِ- أخبرنا أبو بكر، حدثنا علي بن شعيب، قاؿ: (اجتمع صالح بن صالح بن عبد الكريم، كبشر بن الحارث الحافي قاؿ: فكاف أكؿ ما ابتدأ بو قاؿ بشر: يا صالح، قوم قلبك أف تتكلم، قاؿ: فسكت صالح، فقاؿ: يا بشر، تأمر بالمعركؼ كتنهى عن ُ شيخ المصنف: محمد بن إبي ىاركف ىو محمد بن موسى بن يونس قاؿ الخطيب في تاريخ بغداد (ّ/ُِْ): حيدِّثٍتي عن عبد العزيز بن جعفر قىاؿى حدٌثنا أبو بكر الخلبؿ. قىاؿى : محمد بن أبي ىاركف الوراؽ رجل، يا لك من رجل ! جليل القدر، كثير العلم، كىو قرابة إدريس الحداد ا.ىػ كلكن إسناده إلى الخلبؿ منقطع كما ىو بين، كقاؿ عنو الذىبي في تاريخ الإسلبـ ( ٔ/ِٖٓ): صالح فاضل كاسع العلم. كانظر مسائل الإماـ أحمد ركاية إسحاؽ بن ىانئ (رقم ُٔٓٗ). ِ إسناده صحيح. ّ إسناده صحيح.

عدد الصفحات ٢٦

- 17 - المنكر؟ قاؿ: لا، فقاؿ لو صالح: كلم؟ قاؿ بشر: لو علمت أنك تقوؿ لًمى لىمٍ أجبك)ُ. ِّ- أخبرني عبد الله بن محمد بن عبد الحميد ، حدثنا بكر بن محمد، قاؿ: (كنا في أمر الحريق، فقيل: يا أبا عبد الله، أنهلك كفينا الصالحوف؟ قاؿ: نعم، إذا كثر الخبث)ِ. ِْ- أخبرنا أحمد بن محمد بن مسعود الأنطاكي، قاؿ: حدثني محمد بن غالب الأنطاكي، عن أبي الجواب، عن الحسن بن صالح، قاؿ: كتب عمرك بن عبيد الله إلى عبد الله بن شبرمة يعذلو في تخلفو عن الأمر، بالمعركؼ كالنهي عن المنكر، فكتب إليو عبد الله بن شبرمة: « الأمر يا عمرك بالمعركؼ نافلة، * كالعاملوف بو لله أنصار كالتاركوف لو ضعفا لهم عذر * كاللبئموف لهم في ذاؾ أشرار الأمر يا عمرك لا بالسيف تشهره * على الأئمة، إف القتل إضرار)ّ. ُ إسناده صحيح إلى علي بن شعيب. ِ إسناده صحيح، شيخ المصنف عبد اللَّو بن ميحىمَّد بن عبد الحميد ىو القطاف، كثٌقو الخطيب في تاريخ بغداد (ُُ/ُّٓ)، كبكر بن محمد قاؿ عنو ابن ابي يعلى في طبقات الحنابلة (ُ/ُُٗ): ذكره أبو بكر الخلبؿ فقاؿ: كاف أىبيو عبد الله يقدمو كيكرمو كعنده مسائل كثيرة سمعها من أبي عبد اللَّو. كحديث (أنهلك كفينا الصالحوف؟ قاؿ: نعم، إذا كثر الخبث) أخرجو البخارم ( ّّْٔ)، كمسلم (َِٖٖ) من حديث زينب بنت جحش رضي الله عنها. ّ شيخ المصنف لم يوثقو معتبر، كلم أجد لو ترجمو إلا في ب غية الطلب في تاريخ حلب لابن العديم (ّ/َُِّ) حيث قاؿ: أحمد بن محمد بن مسعود الأنطاكي: حدٌث عن أبي غالب الأنطاكي، ركل عنو أبو بكر أحمد بن محمد بن ىركف الخلبٌؿ ، ككذا شيخو محمد بن غالب الأنطاكي المترجم في تاريخ بغداد ( ٔ/ُِْ) لم يوثقو معتبر. مسائل في الباب: المسألة الأكلى: حد الإكراه المسقط للؤمر كالنهي.

عدد الصفحات ٢٧

- 18 - من المعلوـ أف الإنساف يكره الأذل كالضرب، أك طوؿ اللساف، أك الغيبة، كما من شخص يؤمر بالمعركؼ كينهى عن المنكر إلا كيتوقع منو غالبا نوع من الأذل، لذلك كاف لابد من معرفة حد المكركه الذم يسقط بسببو كجوب الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر. فاعلم أف مطالب الناس في ىذه الدار ترجع إلى أربعة أمور يطلبها الإنساف لنفسو كمن أحب كالقرابة كنحوىم كىي: الأكؿ: مطلوب في النفس كىو العلم. الثاني: مطلوب في البدف كىو الصحة. الثالث: مطلوب في الماؿ كىو الثركة. الرابع: مطلوب في قلوب الناس كىو الجاه. كالمكركه في ىذه الأمور الأربعة أمراف: الأكؿ: زكاؿ الموجود منها. الثاني: امتناع المرتقب. ككل كاحد من ىذين الأمرين يحصل بفواتو الضرر، كلكي تجلى لك صورة الأمر نمثل لك على تعرض كل كاحد من تلك المطالب الأربعة للزكاؿ باعتبار ما ىو حاصل كموجود منها، لا ما كاف مرتقبا. فأما العلم: فلب يمكن لأحد رفعو من قلب صاحبو، كىذا من مزايا العلم كشرفو على غيره كما ىو معلوـ فانتفى المحذكر من ىذا الوجو. كأما البدف: فقد يقصد بالعطب الكامل كذلك بالقتل فهذا يسقط الوجوب كلا ريب، كقد يقصد بأذل دكنو كالضرب أك قطع شيء من الأعضاء كنحو ذلك، كىذا على قسمين كىما: ُ - القسم الأكؿ: ما كاف الأذل فيو غير معتبر كالضربة الخفيفة كنحوىا. فهي غير مؤثرة كلا معتبرة في إسقاط الوجوب. ِ - القسم الثاني: ما كاف الأذل فيو معتبرا كالضرب المؤثر، كقطع شيء من الأعضاء كما جرل مجرل ذلك فإف ىذا يسقط الوجوب. كأما الماؿ فهذا على قسمين أيضا كىما: الأكؿ: ما كاف زكالو غير مؤثر كلا منظور كنقص حبيبات من بر، أك درىم من ممتلكات المحتسب كىذا على سبيل التغليب، كإلا فلب شك أف ذلك يختلف باختلبؼ الناس.

عدد الصفحات ٢٨

- 21 - الثاني: ما كاف زكالو مؤثرا على صاحبو، كإتلبؼ الماؿ، أك جزء لو قيمة معتبرة منو، كىذا مسقط للوجوب. كأما الجاه فهو على قسمين أيضا كىما: الأكؿ: ما كاف غير معتبر، كىو ما كاف بنحو غيبة تقاؿ فيو، أك لمز أماـ أحد من الخلق، أك تجهيل أك نحو ذلك كأف يخرج من داره حاسر الرأس مثلب - كإف كاف ىذا يتفاكت كيختلف باختلبؼ الأعراؼ كتفاكتها - أك كأف يمنع من ركوب المراكب الفاخرة التي اعتاد ركوبها كنحو ذلك فهذا كلو غير معتبر. كىذا ىو الذم يعبر عنو بالجاه المحض. الثاني: ما كاف معتبرا، كأف يسود كجهو كيطاؼ بو على حمار في السوؽ أك نحو ذا، فإف ىذا يسقط الوجوب عنو كىو ما يعبر عنو بخوارـ المركءة كليس كلها مسقطا للوجوب. كأما التمثيل لما يخاؼ امتناع ما ىو منتظر منها فكما يلي: ففي جانب العلم: كأف يخشى الإنكار على معلمو أك من لو أنكر عليو لحاؿ بينو كبين التعلم فيقاؿ في ىذا إف لو ثلبثة أحواؿ. الأكلى: أف يجد غيره فهذا لا يسقط عنو الأمر كالنهي فينكر عليو أك يأمره فإف امتنع من تعليمو ذىب كتعلم من غيره. الثاني: أف لا يجد غيره لكن العلم الذم يتلقاه منو ليس فرضا في حقو فإف ىذا أيضا لا يسقط الوجوب عنو. الثالثة: أف لا يجد غيره كالعلم الذم يتعلمو منو فرض في حقو، كتعلم الوضوء كالصلبة كنحو ذلك، فإف القوؿ بسقوط الإنكار عنو متجو كالله أعلم. كأما في البدف: فكأف يترؾ الإنكار على الطبيب خوفا من أف لا يداكيو إذا اعتل أك خاؼ أف يتأخر عنو فتمتنع بسببو صحتو المرتقبة. كأما في الماؿ: فكتركو الحسبة على السلطاف كأصحابو، كعلى من يواسيو من مالو خوفا من أف يقطع إدراره في المستقبل كيترؾ مواساتو. كأما الجاه: فكتركو الحسبة على من يتوقع منو نصرة أك جاىا في المستقبل فيخشى أف لا يحصل لو ذلك الجاه أك كأف يخاؼ أف يقبح حالو عند السلطاف الذم يتوقع منو كلاية. فإف ىذا كاللذين قبلو لا يسقطاف شيئا من كجوب الحسبة لأف ىذه زيادات امتنعت.

عدد الصفحات ٢٩

- 20 - كالذم يمكن أف يستثنى من ذلك ىو ما تدعو إليو الحاجة كيكوف في فواتو محذكر يزيد على محذكر السكوت على المنكر. كما إذا كاف محتاجا إلى الطبيب لمرض ناجز كالصحة منتظرة من معالجة الطبيب كيعلم أف في تأخره عنو شدة الضنا بو كطوؿ المرض كقد يفضي إلى الهلبؾ فإذا انتهى إلى ىذا الحد لم يبعد أف يرخص لو في ترؾ الحسبة. المسألة الثانية: ىل للئنساف أف يسكت عن الإنكار بيده أك بلسانو خوفا على منصبو؟! الجواب: أف صاحب ىذا المنصب إف كاف بقاؤه فيو لا يقدـ نفعا للمسلمين كلا لدعوتهم إما لطبيعتو كإما لحاؿ صاحبو أك غير ذلك، فإف ىذا لا يجوز لو أف يسكت عن الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر من أجل بقاء ىذا المنصب. أما إف كاف بقاؤه فيو ينتج منو مصالح للؤمة كخدمات للدعوة إلى الله تعالى كالخطيب في منبره أك المعلم أك نحو ذلك فقد يسوغ لو أف يسكت عن بعض الأمور إذا غلب على ظنو أف إنكاره لها يكوف سببا في إبعاده عن ىذا المنصب. أما إف كاف يؤدم إلى ترؾ الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر بالكلية فهذا لا يظهر كجهو كالله أعلم. كبالجملة فإف الأمور تقدر بقدرىا كلكل حالة حكم كالله المستعاف، لكن ينبغي الحذر من مداخل الهول في ىذا الباب، فقد يصور المرء لنفسو أف منصبو مهم لخدمة الدعوة كمصلحتها كإنما الذم يحركو في ذلك ىواه. (فائدة): قاؿ تعالى: (يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتاؿ إف يكن منكم عشركف صابركف يغلبوا مئتين[ )الأنفاؿ: ٓٔ]ثم نزؿ قولو: الآف خفف الله عنكم كعلم أف فيكم ضعفا فإف يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين[ )الأنفاؿ: ٔٔ]قاؿ ابن عباس: (فكتب أف لا يفر مائة من مائتين)، قاؿ سفياف: كقاؿ ابن شبرمة: (كأرل الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر مثل ىذا) ركاه البخارم (ِْٓٔ) ا.ىػ. المسألة الثالثة: ىل يشترط في الخوؼ من لحوؽ المكركه غلبة الظن، أك يكفي في ذلك تجويز الوقوع؟ كما ضابط ذلك: قاؿ الغزالي في الإحياء (ِ/ ُّٔ - ُّٕ): فإف قيل: فالمكركه الذم تتوقع إصابتو إف لم يكن متيقنا كلا معلوما بغالب الظن كلكن كاف مشكوكا فيو، أك كاف غالب ظنو أنو لا يصاب بمكركه، كلكن احتمل أف يصاب بمكركه، فهذا الاحتماؿ ىل يسقط الوجوب حتى لا يجب إلا عند اليقين

عدد الصفحات ٣٠

- 21 - بأنو لا يصيبو مكركه، أـ يجب في كل حاؿ، إلا إذا غلب على ظنو أنو يصاب بمكركه؟! قلنا: إف غلب على الظن أنو يصاب بمكركه لم يجب، كإف غلب على الظن أنو لا يصاب كجب، كمجرد التجويز لا يسقط الوجوب فإف ذلك ممكن في كل حسبة. كإف شك فيو من غير رجحاف فهذا محل النظر، فيحتمل أف يقاؿ: الأصل الوجوب بحكم العمومات، كإنما يسقط بمكركه، كالمكركه ىو الذم يظن أك يعلم حتى يكوف متوقعا. كىذا ىو الأظهر. كيحتمل أف يقاؿ: إنو إنما يجب عليو إذا علم أنو لا ضرر فيو عليو، أك ظن أنو لا ضرر عليو. كالأكؿ أصح، نظرا إلى قضية العمومات الموجبة للؤمر بالمعركؼ. فإف قيل: فالتوقع للمكركه يختلف بالجبن كالجراءة فالجباف الضعيف القلب يرل البعيد قريبا حتى كأنو يشاىده كيرتاع منو. كالمتهور الشجاع يبعد كقوع المكركه بو بحكم ما جبل عليو من حسن الأمل حتى إنو لا يصدؽ بو إلا بعد كقوعو، فعلى ماذا التعويل؟! قلنا: التعويل على اعتداؿ الطبع كسلبمة العقل .. ا. ىػ. كإنما تؤتى الدعوات من أحد ىذين الصنفين الذين ذكرىما فالمتهور يوقع نفسو كمن معو في مهالك تجهز عليهم كعلى دعوتهم كتفتح الباب على مصراعيو لعدكىم المتربص لضربهم كنسف جهودىم في الدعوة .. كىذا النوع يفسد في الغالب أكثر مما يصلح، كلا حيلة معو إلا بأف يركض نفسو كلو تكلفا، كما ينبغي لو أف يستشير من ىو أعقل كأعلم منو، كعليو أف يقبل المشورة. أما ضعيف القلب كالذم يخاؼ ظلو .. كيتوىمو عدكا يطارده فعليو أف يعود نفسو على الإقداـ حتى في حاؿ خوفو لعل ىذا الخوؼ أف يزكؿ عنو .. كىذا النوع من الخلق لا يقل خطرا على الدعوات من الأكؿ، كلذا فلب ينبغي أف يولى ىذاف على رجلين أبدا. فهذا الضعيف كم من جهاد عطل بسببو، ككم من عمل بر أك حلقة علم جمدت نتيجة لأكىامو، كبالجملة فإف مجالسة ىذا الصنف -أعني الأخير- تفسد قول النفس كتجلب الوىن كالوىم كالخوؼ من النسمات كمثل ىذا كالذم قبلو لا يصلح أف يحمل دعوة كلا أف يوجو أمة فمن أراد السلبمة فعليو اجتنابهما، كعند البخارم (َٕٕٓ) (فر من المجذكـ فرارؾ من الأسد) بل إف مجالسة المجاذيم أىوف من مجالسة صاحب الوىن إف كاف كىنو متعديا كما سبق، لأف الجذاـ إذا أصيب بو الإنساف -بإذف الله- تآكلت أطرافو كتعطلت قواىا. أما ىذا الواىن الموىن فإف مجالستو سبب لتآكل قول القلب كتلبشيها حتى يصير صاحبها لا يقدر على تحريك ساكن.

عدد الصفحات ٣١

- 22 - كغالبا ما يكوف الأكؿ -أعني المتهور- أكثر صدقا من الثاني، لكنو لقلة علمو أك عقلو كتجربتو يتسرع فيوقع نفسو فيما ىو في غنى عن الوقوع فيو. أما الثاني فغالبا ما يكوف سبب ضعفو إنما ىو خوفو على نفسو أك منصبو، كىذا قد يوقعو في المداىنة كثيرا. كالله المستعاف. كمما يدؿ على أف مجرد ىيبة الناس لا تكفي في إسقاط الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر، حديث أبي سعيد الخدرم -رضي الله عنو- أف رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم قاـ خطيبا فكاف فيما قاؿ: (ألا لا يمنعن رجلب ىيبة الناس أف يقوؿ بحق إذا علمو. قاؿ: فبكى أبو سعيد كقاؿ: قد كالله رأينا فهبنا) أخرجو أحمد (ّ/ ْٖ) كغيره، كالحديث صححو الحافظ ابن حجر في الأمالي المطلقة (ُْٔ)، كصححو العلبمة الألباني في الصحيحة (ُٖٔ)، كقاؿ الأرنؤكط كمن معو في تحقيق المسند (ُٖ/ ُّٖ): حديث صحيح. قاؿ أبو المنذر إسماعيل بن عمر كما في نزىة الفضلبء (ِ/ ّٓٔ): سمعت أبا عبد الرحمن العمرم الزاىد يقوؿ: إف من غفلتك عن نفسك إعراضك عن الله، بأف ترل ما يسخطو فتجاكزه، كلا تأمر كلا تنهى خوفا من المخلوؽ. من ترؾ الأمر بالمعركؼ خوؼ المخلوقين نزعت منو الهيبة، فلو أمر كلده لاستخف بو ا.ىػ. كالحاصل أف ىناؾ بعض الأمور بها يسقط كجوب الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر عن المكلف باليد كاللساف، لكن إذا سقط عنو الوجوب فليس معنى ذلك أف ينتفي في حقو كيمنع منو بل قد يكوف مستحبا كما أنو يكوف محرما أك مكركىا في بعض الأحياف. الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر لخالد بن عثماف السبت (صٔٗ). المسألة الرابعة: التغيير بالقلب أىميتو كحقيقتو كفوائده. المطلب الأكؿ: أىمية التغيير بالقلب: المنكر لا تقره الشريعة بأم حاؿ من الأحواؿ، فلببد من تغييره كلكن تغييره على مراتب، كلما كاف الناس يختلفوف في قدراتهم الجسمية كالعقلية كغير ذلك، فإف الشارع الحكيم رتب إنكار المنكر على حسب قدرة الشخص، كلكن لا يعذر أحد من المكلفين بترؾ الإنكار مهما يكن من أمر، فيجب عليو أف يغيره بيده، فإف لم يستطع فبلسانو، فإف لم يستطع فبقلبو كىذا أقل الأحواؿ؛ لأف كل إنساف يستطيع ذلك كمن ىو الذم لا يقدر على الإنكار بالقلب إلا رجل قد مرض قلبو كانتكس فهذا أمره أشد من قضية الإنكار بالقلب.

عدد الصفحات ٣٢