- 147 - ك في المكاف بتغلب فاعلو مع انتفاء ىذه الموانع ضمن قيمتو، إف كاف لأمثالو قيمة كىو ينتفع في غير الخمر. كقاؿ الغزالي في الإحياء (ِ/ُٕٔ): كفي إراقة الخمور يتوقى كسر الأكاني إف كجد إليو سبيلب كحيث كانت الإراقة متيسرة بلب كسر، فكسرىا لزمو الضماف. كقاؿ أيضا في نفس المصدر السابق (ِ/ُٕٔ ، ِْْ): الوالي لو أف يفعل ذلك إذا رأل المصلحة فيو، كلو أف يأمر بكسر الظركؼ التي فيها الخمر زجرا ، كقد فعل ذلك في زمن رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم تأكيدا للزجر ، كلم يثبت نسخو، كلكن كانت الحاجة إلى الزجر كالفطاـ شديدة ، فإذا رأل الوالي باجتهاده مثل الحاجة جاز لو مثل ذلك، كإذا كاف ىذا منوطا بنوع اجتهاد دقيق لم يكن ذلك لآحاد الرعية. كقاؿ ابن القيم في الطرؽ الحكمية (صِِٖ): قاؿ شيخ الإسلبـ ابن تيمية رحمة الله عليو: كاجبات الشريعة - التي ىي حق الله تعالى – ثلبثة أقساـ: عبادات، كالصلبة، كالزكاة، كالصياـ، كعقوبات: إما مقدكرة، كإما مفوضة، ككفارات . ككل كاحد من أقساـ الواجبات: ينقسم إلى بدني، كإلى مالي، كإلى مركب منهما. فالعبادات البدنية: كالصلبة كالصياـ، كالمالية: كالزكاة، كالمركبة : كالحج. كالكفارات المالية: كالإطعاـ، كالبدنية: كالصياـ، كالمركبة : كالهدم يذبح كيقسم. كالعقوبات البدنية: كالقتل كالقطع، كالمالية: كإتلبؼ أكعية الخمر، كالمركبة : كجلد السارؽ من غير حرز، كتضعيف الغرـ عليو، ككقتل الكفار كأخذ أموالهم. كالعقوبات البدنية: تارة تكوف جزاء على ما مضى، كقطع السارؽ، كتارة تكوف دفعا عن الفساد المستقبل، كتارة تكوف مركبة، كقتل القاتل. ككذلك المالية، فإنها منها ما ىو من باب إزالة المنكر، كىي تنقسم كالبدنية إلى إتلبؼ، كإلى تغيير، كإلى تمليك الغير. فالأكؿ: المنكرات من الأعياف كالصور، يجوز إتلبؼ محلها تبعا لها، مثل الأصناـ المعبودة من دكف الله، لما كانت صورىا منكرة: جاز إتلبؼ مادتها، فإذا كانت حجرا أك خشبا كنحو ذلك: جاز تكسيرىا كتحريقها، ككذلك آلات الملبىي - كالطنبور - يجوز إتلبفها عند أكثر الفقهاء، كىو مذىب مالك، كأشهر الركايتين عن أحمد.
عدد الصفحات ٢٥٧- 148 - قاؿ الأثرـ: سمعت أبا عبد الله يسأؿ عن رجل كسر عودا كاف مع أمة لإنساف، فهل يغرمو، أك يصلحو؟ قاؿ: لا أرل عليو بأسا أف يكسره، كلا يغرمو كلا يصلحو، قيل لو: فطاعتها؟ قاؿ: ليس لها طاعة في ىذا. كقاؿ أبو داكد: سمعت أحمد يسأؿ عن قوـ يلعبوف بالشطرنج، فنهاىم فلم ينتهوا، فأخذ الشطرنج فرمى بو؟ قاؿ: قد أحسن. قيل: فليس عليو شيء؟ قاؿ: لا، قيل لو: ككذلك إف كسر عودا أك طنبورا؟ قاؿ: نعم. كقاؿ عبد الله: سمعت أبي - في رجل يرل مثل الطنبور أك العود، أك الطبل، أك ما أشبو ىذا - ما يصنع بو؟ قاؿ: إذا كاف مكشوفا فاكسره. كقاؿ يوسف بن موسى، كأحمد بن الحسن: إف أبا عبد الله سئل عن الرجل يرل الطنبور كالمنكر: أيكسره؟ قاؿ: لا بأس. كقاؿ أبو الصقر: سألت أبا عبد الله عن رجل رأل عودا أك طنبورا فكسره، ما عليو؟ قاؿ: قد أحسن، كليس عليو في كسره شيء. كقاؿ جعفر بن محمد: سألت أبا عبد الله عمن كسر الطنبور كالعود؟ فلم ير عليو شيئا. كقاؿ إسحاؽ بن إبراىيم: سئل أحمد عن الرجل يرل الطنبور أك طبلب مغطى: أيكسره؟ قاؿ إذا تبين أنو طنبور أك طبل كسره. كقاؿ أيضا: سألت أبا عبد الله عن الرجل يكسر الطنبور، أك الطبل: عليو في ذلك شيء؟ قاؿ: يكسر ىذا كلو، كليس يلزمو شيء. كقاؿ المركذم: سألت أبا عبد الله عن كسر الطنبور الصغير يكوف مع الصبي؟ قاؿ: يكسر أيضا، قلت: أمر في السوؽ، فأرل الطنبور يباع : أأكسره؟ قاؿ: ما أراؾ تقول، إف قويت - أم فافعل - قلت: أدعى لغسل الميت، فأسمع صوت الطبل؟ قاؿ: إف قدرت على كسره، كإلا فاخرج. كقاؿ: في ركاية إسحاؽ بن منصور - في الرجل يرل الطنبور كالطبل كالقنينة - قاؿ: فإذا كاف طنبور أك طبل، كفي القنينة مسكر: اكسره. كفي " مسائل صالح " قاؿ أبي: يقتل الخنزير، كيفسد الخمر، كيكسر الصليب. كىذا قوؿ أبي يوسف، كمحمد بن الحسن، كإسحاؽ بن راىويو، كأىل الظاىر، كطائفة من أىل الحديث، كجماعة من السلف، كىو قوؿ قضاة العدؿ. قاؿ أبو حصين: كسر رجل طنبورا، فخاصمو إلى شريح، فلم يضمنو شيئا.
عدد الصفحات ٢٥٨- 151 - كقاؿ أصحاب الشافعي: يضمن ما بينو كبين الحد المبطل للصورة، كما دكف ذلك: فغير مضموف، لأنو مستحق الإزالة، كما فوقو فقابل للتموؿ: لتأتي الانتفاع بو، كالمنكر إنما ىو الهيئة المخصوصة، فيزكؿ بزكالها؛ كلهذا أكجبنا الضماف في الصائل بما زاد عن قدر الحاجة في الدفع، ككذا الحكم في البغاة في اتباع مدبرىم، كالإجهاز على جريحهم، كالميتة: في حاؿ المخمصة، لا يزاد على قدر الحاجة في ذلك كلو. قاؿ أصحاب القوؿ الأكؿ: قد أخبر الله سبحانو عن كليمو موسى - عليو السلبـ -: أنو أحرؽ العجل الذم عبد من دكف الله، كنسفو في اليم، ككاف من ذىب كفضة، كذلك محق لو بالكلية، كقاؿ عن خليلو إبراىيم{ :فجعلهم جذاذا[ }الأنبياء: ٖٓ]كىو الفتات، كذلك نص في الاستئصاؿ. كركل الإماـ أحمد في مسنده " كالطبراني في " المعجم " من حديث الفرج بن فضالة عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة - رضي الله عنو - قاؿ: قاؿ رسوؿ الله - صلى الله عليو كسلم -: «إف الله بعثني رحمة للعالمين، كىدل للعالمين، كأمرني ربي بمحق المعازؼ كالمزامير كالأكثاف، كالصلب كأمر الجاىلية» لفظ الطبراني. كالفرج حمصي، قاؿ أحمد في ركاية: ىو ثقة. كقاؿ يحيى: ليس بو بأس، كتكلم فيو آخركف، كعلي بن يزيد: دمشقي ضعفو غير كاحد. كقاؿ أبو مسهر - كىو بلديو - لا أعلم بو إلا خيرا، كىو أعرؼ بو، " كالمحق " نهاية الإتلبؼ. كأيضا: فالقياس يقتضي ذلك، لأف محل الضماف: ىو ما قبل المعاكضة، كما نحن فيو لا يقبلها ألبتة، فلب يكوف مضمونا، كإنما قلنا: لا يقبل المعاكضة؛ لأف النبي - صلى الله عليو كسلم - قاؿ: «إف الله حرـ بيع الخمر كالميتة كالخنزير كالأصناـ» كىذا نص، كقاؿ: «إف الله إذا حرـ شيئا حرـ ثمنو» كالملبىي محرمات بالنص، فحرـ بيعها. كأما قبوؿ ما فوؽ الحد المبطل للصورة لجعلو آنية: فلب يثبت بو كجوب الضماف، لسقوط حرمتو، حيث صار جزء المحرـ: أك ظرفا لو، كما أمر بو النبي - صلى الله عليو كسلم - من كسر دناف الخمر، كشق ظركفها، فلب ريب أف للمجاكرة تأثيرا في الامتهاف كالإكراـ. كقد قاؿ تعالى{ :كقد نزؿ عليكم في الكتاب أف إذا سمعتم آيات الله يكفر بها كيستهزأ بها فلب تقعدكا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم[ }النساء: َُْ] ك «سئل النبي - صلى الله عليو كسلم - عن القوـ: يكونوف بين المشركين، يؤاكلونهم كيشاربونهم؟ فقاؿ: ىم منهم» ىذا لفظو أك معناه.
عدد الصفحات ٢٥٩- 150 - فإذا كاف ىذا في المجاكرة المنفصلة فكيف بالمجاكرة التي صارت جزءا من أجزاء المحرـ، أك لصيقة بو؟ كتأثير الجوار ثابت عقلب كشرعا كعرفا. كالمقصود: أف إتلبؼ الماؿ - على كجو التعزير كالعقوبة - ليس بمنسوخ . كقد قاؿ أبو الهياج الأسدم: قاؿ لي علي بن أبي طالب: «أ أبعثك على ما بعثني عليو رسوؿ الله - صلى الله عليو كسلم -؟ ألا أدع تمثالا إلا طمستو، كلا قبرا مشرفا إلا سويتو» ركاه مسلم، كىذا يدؿ على طمس الصور في أم شيء كانت، كىدـ القبور المشرفة، كإف كاف من حجارة أك آجر أك لبن. قاؿ المركذم: قلت لأحمد: الرجل يكترم البيت، فيرل فيو تصاكير، ترل أف يحكها؟ قاؿ: نعم، كحجتو: ىذا الحديث الصحيح. كركل البخارم في صحيحو " عن ابن عباس - رضي الله عنهما - «أف النبي - صلى الله عليو كسلم - لما رأل الصور في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمحيت» .كفي " الصحيحين ": أف النبي - صلى الله عليو كسلم - قاؿ: «لا تدخل الملبئكة بيتا فيو كلب كلا صورة» .كفي " صحيح البخارم " عن عائشة: " أف رسوؿ الله - صلى الله عليو كسلم - «كاف لا يترؾ في بيتو شيئا فيو تصاليب إلا نقضو» .كفي " الصحيحين " عن أبي ىريرة - رضي الله عنو - قاؿ: قاؿ رسوؿ الله - صلى الله عليو كسلم -: «كالذم نفسي بيده ليوشكن أف ينزؿ فيكم ابن مريم حكما عدلا، فيكسر الصليب، كيقتل الخنزير، كيضع الجزية» . فهؤلاء رسل الله، صلوات الله كسلبمو عليهم - إبراىيم كموسى كعيسى كخاتم المرسلين محمد - صلى الله عليو كسلم - كلهم على محق المحرـ كإتلبفو بالكلية، ككذلك الصحابة - رضي الله عنهم -، فلب التفات إلى من خالف ذلك. كقد قاؿ المركذم: قلت لأبي عبد الله: دفع إلي إبريق فضة لأبيعو، أترل أف أكسره، أك أبيعو كما ىو؟ قاؿ: اكسره. كقاؿ: قيل لأبي عبد الله: إف رجلب دعا قوما، فجيء بطست فضة، كإبريق فضة، فكسره، فأعجب أبا عبد الله كسره. كقاؿ: بعثني أبو عبد الله إلى رجل بشيء، فدخلت عليو، فأتي بمكحلة رأسها مفضض، فقطعتها، فأعجبو ذلك، كتبسم. ككجو ذلك: أف الصياغة محرمة، فلب قيمة لها كلا حرمة. كأيضا: فتعطيل ىذه الهيئة مطلوب، فهو بذلك محسن، كما على المحسنين من سبيل. ككذلك لا ضماف في تحريق الكتب المضلة كإتلبفها.
عدد الصفحات ٢٦٠- 151 - قاؿ المركذم: قلت لأحمد: استعرت كتابا فيو أشياء رديئة، ترل أف أخرقو أك أحرقو؟ قاؿ: نعم. كقد «رأل النبي - صلى الله عليو كسلم - بيد عمر كتابا اكتتبو من التوراة، كأعجبو موافقتو للقرآف، فتمعر كجو النبي - صلى الله عليو كسلم - حتى ذىب بو عمر إلى التنور فألقاه فيو» فكيف لو رأل النبي - صلى الله عليو كسلم - ما صنف بعده من الكتب التي يعارض بعضها ما في القرآف كالسنة؟ كالله المستعاف. كقد " أمر النبي - صلى الله عليو كسلم - من كتب عنو شيئا غير القرآف أف يمحوه " ثم " أذف في كتابة سنتو " كلم يأذف في غير ذلك. ككل ىذه الكتب المتضمنة لمخالفة السنة: غير مأذكف فيها، بل مأذكف في محقها كإتلبفها، كما على الأمة أضر منها، كقد حرؽ الصحابة جميع المصاحف المخالفة لمصحف عثماف، لما خافوا على الأمة من الاختلبؼ، فكيف لو رأكا ىذه الكتب التي أكقعت الخلبؼ كالتفرؽ بين الأمة: كقاؿ الخلبؿ: أخبرني محمد بن أبي ىاركف أف أبا الحارث حدثهم قاؿ: قاؿ أبو عبد الله: أىلكهم كضع الكتب، تركوا آثار رسوؿ الله - صلى الله عليو كسلم - كأقبلوا على الكلبـ. كقاؿ: أخبرني محمد بن أحمد بن كاصل المقرم قاؿ: سمعت أبا عبد الله - كسئل عن الرأم؟ - فرفع صوتو، قاؿ: لا يثبت شيء من الرأم، عليكم بالقرآف كالحديث كالآثار. كقاؿ في ركاية ابن مشيش: إف أبا عبد الله سألو رجل، فقاؿ: أكتب الرأم؟ فقاؿ: ما تصنع بالرأم؟ عليك بالسنن فتعلمها كعليك بالأحاديث المعركفة. كقاؿ عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقوؿ: ىذه الكتب بدعة كضعها. كقاؿ إسحاؽ بن منصور: سمعت أبا عبد الله يقوؿ: لا يعجبني شيء من كضع الكتب، من كضع شيئا من الكتب فهو مبتدع . كقاؿ المركذم: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا حماد بن زيد، قاؿ: قاؿ لي ابن عوف: يا حماد، ىذه الكتب تضل. كقاؿ الميموني: ذاكرت أبا عبد الله خطأ الناس في العلم، فقاؿ: كأم الناس لا يخطئ؟ كلا سيما من كضع الكتب، فهو أكثر خطأ. كقاؿ إسحاؽ: سمعت أبا عبد الله - كسألو قوـ من أردبيل عن رجل يقاؿ لو: عبد الرحيم، كضع كتابا - فقاؿ أبو عبد الله: ىل أحد من أصحاب رسوؿ الله - صلى الله عليو كسلم - فعل ذا؟ أك
عدد الصفحات ٢٦١- 152 - أحد من التابعين؟ كأغلظ كشدد في أمره، كقاؿ: انهوا الناس عنو، كعليكم بالحديث. كقاؿ في ركاية أبي الحارث: ما كتبت من ىذه الكتب الموضوعة شيئا قط. كقاؿ محمد بن زيد المستملي: سأؿ أحمد رجل، فقاؿ: أكتب كتب الرأم؟ قاؿ: لا تفعل، عليك بالحديث كالآثار، فقاؿ لو السائل: إف ابن المبارؾ قد كتبها، فقاؿ لو أحمد: ابن المبارؾ لم ينزؿ من السماء، إنما أمرنا أف نأخذ العلم من فوؽ. كقاؿ عبد الله بن أحمد: سمعت أبي - كذكر كضع الكتب - فقاؿ: أكرىها، ىذا أبو فلبف كضع كتابا، فجاءه أبو فلبف فوضع كتابا، كجاء فلبف فوضع كتابا، فهذا لا انقضاء لو، كلما جاء رجل كضع كتابا، كىذه الكتب كضعها بدعة، كلما جاء رجل كضع كتابا، كترؾ حديث رسوؿ الله - صلى الله عليو كسلم - كأصحابو، ليس إلا الاتباع كالسنن، كحديث رسوؿ الله - صلى الله عليو كسلم - كأصحابو، كعاب كضع الكتب ككرىو كراىة شديدة. كقاؿ المركذم في موضع آخر: قاؿ أبو عبد الله: يضعوف البدع في كتبهم، إنما أحذر عنها أشد التحذير، قلت: إنهم يحتجوف بمالك: أنو كضع كتابا؟ فقاؿ أبو عبد الله: ىذا ابن عوف كالتيمي كيونس كأيوب: ىل كضعوا كتابا؟ ىل كاف في الدنيا مثل ىؤلاء؟ ككاف ابن سيرين كأصحابو لا يكتبوف الحديث، فكيف الرأم؟ ككلبـ أحمد في ىذا كثير جدا، قد ذكره الخلبؿ في كتاب العلم. كمسألة كضع الكتب: فيها تفصيل، ليس ىذا موضعو، كإنما كره أحمد ذلك، كمنع منو: لما فيو من الاشتغاؿ بو، كالإعراض عن القرآف كالسنة، فإذا كانت الكتب متضمنة لنصر القرآف كالسنة كالذب عنهما، كإبطاؿ للآراء كالمذاىب المخالفة لهما فلب بأس بها، كقد تكوف كاجبة كمستحبة كمباحة، بحسب اقتضاء الحاؿ، كالله أعلم. كالمقصود: أف ىذه الكتب المشتملة على الكذب كالبدعة يجب إتلبفها كإعدامها، كىي أكلى بذلك من إتلبؼ آلات اللهو كالمعازؼ، كإتلبؼ آنية الخمر، فإف ضررىا أعظم من ضرر ىذه، كلا ضماف فيها، كما لا ضماف في كسر أكاني الخمر كشق زقاقها. قاؿ المركذم: قلت لأبي عبد الله: لو رأيت مسكرا في قنينة أك قربة تكسر، أك تصب؟ قاؿ: تكسر. كقاؿ أبو طالب: قلت نمر على المسكر القليل أك الكثير: أكسره؟ قاؿ: نعم تكسره.
عدد الصفحات ٢٦٢- 153 - قاؿ محمد بن حرب: قلت لأبي عبد الله: ألقى رجلب كمعو قربة مغطاة؟ قاؿ: بريبة؟ قلت: نعم، قاؿ تكسرىا. كقاؿ في ركاية ابن منصور - في الرجل يرل الطنبور كالطبل مغطى كالقنينة - إذا كاف، يعني أنو يتبين أنو طنبور أك طبل، أك فيها مسكر: كسره. كقد ركل عبد الله بن أبي الهذيل، قاؿ: «كاف عبد الله بن مسعود يحلف بالله أف التي أمر بها رسوؿ الله - صلى الله عليو كسلم - حين حرمت الخمر - أف تكسر دنانها، كأف تكفأ: ثمر التمر كالزبيب» ركاه الدارقطني في " السنن " بإسناد صحيح. كعن أنس بن مالك عن أبي طلحة «أنو قاؿ: يا نبي الله، إني اشتريت خمرا لأيتاـ في حجرم، قاؿ: أىرؽ الخمر، كاكسر الدناف» ركاه الترمذم من حديث ليث بن أبي سليم عن يحيى بن عباد عنو. كفي " مسند أحمد " من حديث أبي طعمة قاؿ: سمعت عبد الله بن عمر يقوؿ: «لقيت رسوؿ الله - صلى الله عليو كسلم - بالمربد، فإذا بزقاؽ على المربد فيها خمر، فدعا رسوؿ الله - صلى الله عليو كسلم - بالمدية - كما عرفت المدية إلا يومئذ - فأمر بالزقاؽ فشقت، ثم قاؿ: لعنت الخمر كشاربها، كساقيها، كبائعها، كمبتاعها، كحاملها» الحديث. في " المسند " أيضا عن ضمرة بن حبيب قاؿ: قاؿ عبد الله بن عمر: «أمرني رسوؿ الله - صلى الله عليو كسلم - أف آتيو بمدية، فأتيتو بها، فأرسل بها فأرىفت، ثم أعطانيها، كقاؿ: اغد علي بها، ففعلت، فخرج بأصحابو إلى أسواؽ المدينة، كفيها زقاؽ خمر، قد جلبت من الشاـ، فأخذ المدية مني، فشق ما كاف من تلك الزقاؽ بحضرتو، ثم أعطانيها كأمر أصحابو الذين كانوا معو أف يمضوا معي، كأف يعاكنوني، كأمرني أف آتي الأسواؽ كلها، فلب أجد فيها زؽ خمر إلا شققتو، ففعلت، فلم أترؾ في أسواقها زقا إلا شققتو» . كفي " الصحيحين " عن أنس بن مالك قاؿ: " كنت أسقي أبا عبيدة بن الجراح، كأبا طلحة كأبي بن كعب شرابا من فضيخ كتمر، فأتاىم آت، فقاؿ: إف الخمر قد حرمت، فقاؿ أبو طلحة: قم يا أنس إلى ىذه الجرة فاكسرىا، فقمت إلى مهراس لنا، فضربتها بأسفلو حتى تكسرت ". كفي " سنن النسائي كأبي داكد " عن أبي ىريرة، قاؿ: " علمت أف رسوؿ الله - صلى الله عليو كسلم - «كاف يصوـ في بعض الأياـ التي كاف يصومها، فتحينت فطره بنبيذ صنعتو في دف، فلما كاف المساء جئتو أحملها إليو - فذكر الحديث - ثم قاؿ: فرفعتها إليو، فإذا ىو ينش، فقاؿ:
عدد الصفحات ٢٦٣- 154 - خذ ىذه فاضرب بها الحائط، فإف ىذا شراب من لا يؤمن بالله كلا باليوـ الآخر» ا.ىػ كلبـ العلبمة ابن القيم. ك قاؿ العلبمة العثيمين في الشرح الممتع (َُ/ُِٗ-َِّ): في سياؽ بياف ما لا ضماف فيو من المحرمات: قولو: «ككسر مزمار» يعني كما لا يضمن كسر المزمار؛ لأف ىذا من باب تغيير المنكر، كقد قاؿ النبي صلى الله عليو كسلم: «من رأل منكم منكرا فليغيره بيده»، كلأف ىذه الآلة لا يجوز الإقرار عليها ككسرىا كسيلة إلى ذلك، كلكن إتلبفو يضمن؛ لأف إتلبفو غير كسره؛ لأف كسره يمنع من استعمالو في المحرـ، كلكن تبقى مادة ىذا المزمار ينتفع بها في إيقاد نار، إذا كاف من خشب أك في صنع قدكر كأكاف إذا كاف من حديد، أما إتلبفو بالكلية فمعناه أنو أزاؿ عين ىذا الشيء، كإزالة عينو أكثر من إزالة كصفو الذم يصح أف يكوف بو مزمارا، كلذلك قاؿ المؤلف: «ككسر مزمار». ....كما عدا الدؼ من آلات الزمر، فالأصل فيو التحريم؛ لأنو داخل في العموـ، كما عدا ذلك ػ أيضا ػ من الأحواؿ التي رخص فيها فإنو حتى الدؼ يكوف حراما؛ لأف ما خصص بحاؿ يجب أف يتخصص بها. إذا المزمار من آلات العزؼ التي لا تباح بحاؿ، كعلى ىذا فيجب إتلبفو، فإذا أتلفو متلف لم يكن عليو ضماف. كلكن من الذم يخاطب في إتلبفو؟ يخاطب في إتلبفو من ىو بيده، كيقاؿ لو: يجب عليك أف تكسر ىذا. فإف قاؿ: أحرقو أك أكسره؟ قلنا: إف كانت مادتو يمكن أف ينتفع بها في شيء مباح فلب تحرقو، يعني بحيث يحولها إلى صندكؽ من خشب أك ما أشبو ذلك فلب تتلفو؛ لأف ىذا إنما حرـ لا لأنو خشب لكن لكونو استعمل في حراـ، فإذا كاف يمكن أف يحوؿ إلى حلبؿ فإنو لا يجوز أف يتلف؛ لأف في ذلك إتلبؼ ماؿ، كأما إذا كاف لا يمكن الانتفاع بو فإنو يحرؽ؛ لأف إحراقو أبلغ في التنفير عنو؛ كلئلب تدعوه نفسو فيما بعد إلى جمع المكسرات بعضها إلى بعض، حتى يكوف منها مزمارا، كيدلنا على أف التحريق أبلغ كأنكى أف الرسوؿ صلى الله عليو كسلم حرؽ نخل بني النضير كلم يقطعو، مع أنو يمكن أف تقطع كينتفع بجذكعها كينتفع بعسبها، لكنو حرقها؛ لأنو أبلغ في الإىانة. إذا يخاطب من ىي بيده، ثم يجب على كلاة الأمور أف يكسركىا كيتلفوىا؛ لأنهم مسؤكلوف عن الأمة في ىذا الشيء، كىم قادركف على أف يكسركىا كليسوا عاجزين فيلزمهم أف يكسركىا؛ لئلب
عدد الصفحات ٢٦٤- 155 - يشيع المنكر في أمتهم، كىم إذا اتقوا الله ػ تعالى ػ في الأمة اتقت الأمة ربها فيهم، كإذا كاف الأمر بالعكس صار الأمر بالعكس؛ لأف من أذؿ الخلق في طاعة الله أعزه الله بهذه الطاعة، كىذا شيء مسلم؛ لذلك يجب على كلاة الأمور أف يكسركا ىذه الآلات؛ لأنها ضرر على المجتمع عامة، كعلى الأمن كعلى الولاة أيضا؛ لأف النفوس إذا أبعدت عن الخالق لم ترحم المخلوؽ، كىذه الأشياء تبعد الخلق عن الخالق؛ لأنها تلهي كتصد عن سبيل الله كعن ذكر الله كعن الصلبة. كىل يجب على الواحد من الناس أف يكسر ىذه المزامير؟ الجواب: لا؛ لأنو ليس لو السلطة. كىل يجوز أف يكسرىا؟ ينظر، إف كاف يترتب على ذلك ضرر أكبر فإنو لا يكسرىا، كما لو حصلت فتنة في تكسيرىا بأف يقوـ صاحبها على ىذا كينازعو كيخاصمو كربما يحصل بينهما شر، فهنا لا يكسرىا كلكن إذا سمعها يهرب منها، كإف لم يكن فتنة بحيث أتى على حين غفلة ككجدىا ككسرىا فلب بأس، لكن مع ىذا إذا كاف يخشى أنو يمكن أف يتتبع حتى يعرؼ كيحصل الشر كالفتنة، فإنو لا يجوز لو أف يكسرىا فضلب عن كونو يجب. قولو: «كصليب» يعني كذلك كسر الصليب.... فإذا كسر إنساف صليبا فإنو لا يضمنو؛ لأنو لا يجوز إقراره فإف النبي صلى الله عليو كسلم كاف لا يدع شيئا فيو صليب إلا نقضو، كلكن لو أتلفو ضمن، كىل يضمنو بقيمتو صليبا أك بقيمتو مكسرا؟ يضمنو بقيمتو مكسرا؛ لأنو ليس لو قيمة شرعا. كلكن ىل للئنساف أف يكسر الصلباف التي ينصبها النصارل مثلب؟ الجواب: لا؛ لأنو ليس لو كلاية حتى يمكن من كسر ىذه الصلباف، ثم لو فرض أف النصراني أظهر الصليب كأعلنو في لباسو أك غير ذلك، فهنا يجب على كلاة الأمر في البلبد الإسلبمية أف يمنعوىم من إظهار الصليب؛ لأنو شعار كفر، كىم يعتقدكف تعظيمو دينا يدينوف لله ػ تعالى ػ بو. قولو: «كآنية ذىب كفضة» آنية الذىب كالفضة إذا كسرىا الإنساف فإنو لا ضماف عليو؛ لأف آنية الذىب كالفضة ػ على المشهور من المذىب ػ حراـ مطلقا، سواء كاف يستعملها صاحبها في الأكل كالشرب أك للزينة أك لغير ذلك، بناء على أف آنية الذىب كالفضة يحرـ استعمالها كاتخاذىا..... قولو: «كآنية خمر غير محترمة» آنية الخمر إذا كسرىا الإنساف فلب ضماف عليو؛
عدد الصفحات ٢٦٥- 156 - لأف فيها ما لا يضمن كىو الخمر، فإف الخمر لا يضمن، حتى لو كاف يساكم آلافا فأتلفو الإنساف فلب ضماف عليو؛ لأنو لا قيمة لو شرعا. كلو قاؿ قائل: ما شأف الآنية، الآنية تحفظ الخمر كغيره فهي تستعمل في الخمر كغيره؟ نقوؿ: لأنو لما كاف الخمر فيها ذىبت حرمتها لذىاب حرمة ما فيها فلب تضمن، كيثبت تبعا ما لا يثبت استقلبلا، كيدؿ لذلك أف عمر بن الخطاب ػ رضي الله عنو ػ حرؽ حانوت الخمار، كىذا أبعد من آنية الخمر، كقاؿ بعض العلماء: إنو إذا كسر آنية خمر فهو ضامن؛ لأف الآنية محترمة كيمكن إتلبؼ الخمر دكف إتلبفها، إلا إذا لم يمكن إتلبؼ الخمر إلا بإتلبفها، بناء على أف الأمر الذم لا يتم الأمر إلا بو داخل في الأمر الذم أبيح، كىذا ىو الصحيح؛ لأف الأصل في ماؿ المسلم أنو محترـ. كقولو: «غير محترمة» ىذه صفة لخمر كليست صفة لآنية، كأفادنا رحمو الله أف الخمر المحترمة إذا كسر آنيتها فهو ضامن، فما ىي الخمر المحترمة؟ ىي خمر الذمي الذم يعيش في بلبد المسلمين بالجزية فخمره محترمة، بمعنى أنو لا يحل لنا أف نريق خمره التي يشربها لكن بدكف إعلبف، فإذا كاف ذمي في بيتو يشرب الخمر فلب يجوز لنا أف ندخل بيتو كنكسر أكانيو أك نريق خمره؛ لأنو يعتقد حلو كلم يعلن بو فيكوف محترما كاحتراـ دـ الذمي كمالو، كالخمر عند الذمي ماؿ يباع كيشترل. كالمعاىد كالمستأمن حكمهما حكم الذمي؛ لأف المعاىد كالمستأمن قد عاىدىما المسلموف على أف لا يتعدل عليهما أحد، لكن لو أف الذمي أظهر الخمر كخرج إلينا بكؤكسو يشرب في أسواقنا، فهنا انتقض عهده كلم يكن لو عهد، كخمره غير محترمة. كذكركا ػ أيضا ػ أف من المحترـ من الخمر خمر الخلبؿ الذم يبيع الخل، فلو أنو في يوـ من الأياـ تخمر الخل إما لشدة الحر أك لسبب آخر فإف خمره محترـ؛ كعللوا ذلك بأنو لو كاف غير محترـ لزـ على الخلبؿ ضرر عظيم؛ لأف ىذا مالو فيتضرر بهذا. كىذه المسألة تحتاج إلى نظر؛ لأف النبي صلى الله عليو كسلم سئل عن الخمر تتخذ خلب فقاؿ: لا، كىذا الخلبؿ سوؼ يحبس الخمر حتى تتخلل، كربما يخللها ىو بنفسو، ففيما قالو الأصحاب ػ رحمهم الله ػ في ىذه المسألة نظر، فالله أعلم. ككسر ىذه الأشياء ينظر فيو للمصلحة إف كاف الإنساف يمكن أف يقوـ بذلك بدكف ضرر فليفعل، مثل أف يكوف المكاف خاليا كلا يشاىده أحد فإنو يجب أف يكسرىا، كإف كاف يخشى ضررا فلب
عدد الصفحات ٢٦٦- 157 - يفعل، مثل أف تكوف حكومة جائرة إذا كسرت ىذه الأشياء كقيل: إف الذم كسرىا المسلموف سجنتهم كمنعت دعوتهم إلى الخير، فحينئذ نقوؿ: لا يجوز أف تقدـ على تكسيرىا؛ لأف فيو ضررا، أما إذا كاف كلاة الأمور يفرحوف بذلك كلم يكن ذلك على سبيل المنابذة فإف ىذا قد يجب لما فيو من إزالة الإثم كالعدكاف. المسألة الثانية: حكم الضماف في تلف النفوس. اختلف الفقهاء في الضماف في تلف النفوس بسبب ما يقوـ بو المحتسب على أقوالا: ذىب الحنفية كالحنابلة إلى أف من مات من التعزير لم يجب ضمانو، لأنها عقوبة مشركعة للردع كالزجر ، فلم يضمن من تلف بها كالحد، كلأنو فعل ما فعل بأمر الشرع ، كفعل المأمور لا يتقيد بشرط السلبمة، كلأنو استوفى حق الله تعالى بأمره، فصار كأف الله أماتو من غير كاسطة فلب يجب الضماف. أما المالكية فقد قاؿ صاحب تبصرة الحكاـ في أصوؿ الأقضية كمناىج الأحكا (ٓ / ِٖٕ): فإف عزر الحاكم أحدا فمات أك سرل ذلك إلى النفس فعلى العاقلة، ككذلك تحمل العاقلة الثلث فأكثر، كفي عيوف المجالس للقاضي عبد الوىاب إذا عزر الإماـ إنسانا فمات في التعزير لم يضمن الإماـ شيئا لا دية كلا كفارة . كذىب المحققوف من فقهائهم إلى أف عدـ الضماف مبني على ظن السلبمة، فإف شك فيها ضمن ما سرل على نفس أك عضو، كإف ظن عدـ السلبمة فالقصاص. كالشافعي يرل التضمين في التعزير إذا حصل بو ىلبؾ، لأنو مشركط بسلبمة العاقبة كلا يعفى من التعزير إلا أف يكوف الهلبؾ بنحو توبيخ بكلبـ كصفع فلب شيء فيو كلا ضماف على من عزر غيره بإذنو، كلا على من عزره ممتنعا من أداء حق عليو ، كإف أدل إلى قتلو، قاؿ الرملي: للحاكم تعزير الممتنع من أداء دين عليو بعد طلب مستحقو بحبس أك ضرب كإف زاد على التعزير بل كإف أدل إلى موتو لأنو بحق كلا ضماف عليو فيو. كلا يكوف التعزير بما يقتل غالبا، فإف ضربو ضربا يقتل غالبا أك بما يقتل غالبا أك قصد قتلو كجب القصاص أك دية مغلظة في مالو. مقدار الضماف كعلى من يجب: حيث قيل بوجوب الضماف ففي قدره قولاف:
عدد الصفحات ٢٦٧- 158 - الأكؿ: لزكـ كامل الدية لأنو قتل حصل من جهة الله كعدكاف الضارب ، فكاف الضماف على العادم ، كما لو ضرب مريضا سوطا فمات بو ، كلأنو تلف بعدكاف كغيره فأشبو ما لو ألقى على سفينة موقرة حجرا فغرقها ، كىو قوؿ المالكية كالحنابلة. كالثاني: عليو نصف الضماف لأنو تلف بفعل مضموف كغير مضموف، فكاف الواجب نصف الدية كما لو جرح نفسو كجرحو غيره فمات كبهذا قاؿ أبو حنيفة كالشافعي في أحد قوليو. كالقوؿ الآخر: يجب من الدية بقدر ما تعدل بو. على من يجب الضماف: في غير حالات التعمد كالتعدم إذا قلنا يضمن الإماـ فهل يلزـ عاقلتو أك بيت الماؿ؟ اختلف العلماء على قولين: أحدىما: ىو في بيت الماؿ لأف خطأه يكثر فلو كجب ضمانو على عاقلتو أجحف بهم كىو قوؿ الحنفية كركاية عند الحنابلة. كالثانية: على عاقلتو لأنها كجبت بخطئو فكانت على عاقلتو ، كما لو رمى صيدا فقتل آدميا. كىو قوؿ المالكية كالشافعية كالركاية الثانية عند الحنابلة. قاؿ العلبمة العثيمين في الشرح الممتع (ُْ/ٖٗ): قولو: «كسراية القود مهدكرة»، القود أم: القصاص، فلو اقتصصنا من الجاني ثم سرت الجناية فإنها ىدر، أم: لا شيء فيها؛ لأننا نقوؿ: أنت المعتدم، فلب شيء لك. كىذا الضابط مبني على قاعدة عند أىل العلم كىي «ما ترتب على المأذكف فليس بمضموف»، كىنا القود مأذكف فيو، فإذا استقدنا من ىذا الرجل، كقطعنا يده ثم سرل القود، فقد ترتب ىذا على شيء مأذكف فلب يكوف مضمونا، كيستثنى من ىذا الضابط ما إذا اقتص منو في حاؿ يخشى فيو من السراية، مثل أف يكوف في شدة حر، أك في شدة برد، أك إنساف فيو داء السكرم، فإف ىذا في الغالب لا يبرأ، كيخشى فيو السراية، فإذا كاف كذلك، قاؿ أىل العلم: إف السراية في ىذه الحاؿ تكوف مضمونة؛ لأنها مترتبة على شيء غير مأذكف فيو، فإف قلت: ىو مأذكف فيو في الأصل؟ فالجواب: لكنو في ىذه الحاؿ ليس مأذكنا فيو، فيكوف عليو الضماف.... ىذا الفصل مبني على قاعدة كىي: «ما ترتب على المأذكف فليس بمضموف، كما ترتب على غير المأذكف فهو مضموف»، كىي من أحسن قواعد الفقو. قولو: «كإذا أدب الرجل كلده، أك سلطاف رعيتو، أك معلم صبيو، كلم يسرؼ لم يضمن ما تلف بو».
عدد الصفحات ٢٦٨- 161 - فقولو: «كإذا أدب الرجل كلده» ىذه الجملة نفهم منها أربعة شركط: فقولو: «أدب»، التأديب بمعنى التقويم كالتهذيب، تقوؿ: أدبتو، أم: قومت أخلبقو كىذبتها، فكلمة «أدب» يؤخذ منها ثلبثة شركط: الأكؿ: أف يكوف ىذا الولد مستحقا للتأديب، أم فعل ما يستحق التأديب عليو، أما لو ضربو بدكف سبب فإنو ضامن. الثاني: أف يكوف ىذا الولد قابلب للتأديب، فإف كاف غير قابل، كىو الذم لم يميز، أك لا عقل لو ػ أم: المجنوف ػ فهذا لا ينفع فيو التأديب، بل تأديبو عدكاف. الثالث: أف يقصد المؤدب التأديب لا الانتقاـ لنفسو، فإف قصد الانتقاـ لنفسو لم يكن مؤدبا بل منتصرا، كحينئذ يضمن ما ترتب على فعلو. ككثير من الناس يضرب كلده ضربا شديدا، لا لأنو ترؾ خلقا فاضلب أمره بو، لكن لأنو عانده كخالفو، فيضربو انتقاما لنفسو كغضبا. الرابع: قولو: «كلده» كىذا يشمل الذكر كالأنثى؛ لأف الولد في اللغة العربية يشمل الذكر كالأنثى، قاؿ الله تعالى{ :يوصيكم الله في أكلادكم للذكر مثل حظ الأنثيين}، كقاؿ تعالى{ :كلأبويو لكل كاحد منهما السدس مما ترؾ إف كاف لو كلد[ }النساء: ُُ] كقولو: «كلده» الإضافة تقتضي الاختصاص، فيؤخذ من ىذا شرط أف يكوف لو عليو كلاية، فإف لم يكن عليو كلاية، فلب حق لو في ضربو، كإذا ترتب على ضربو شيء فإنو ضامن، لأنو لا حق لو في ىذا، مثل أبي أـ يؤدب أكلاد ابنتو، فأدبهم ليس إليو، كلكنو إلى أبيهم. كقولو: «رعيتو» ك «صبيو» يؤخذ منو أنو لا بد أف يكوف للمؤدب كلاية التأديب، كإلا كاف ضامنا. كقولو: «أك سلطاف رعيتو» ف ضماف، أيضا تراعى فيو الشركط الأربعة السابقة، كالسلطاف عندما يطلقو العلماء فإنهم يريدكف بو الرئيس الأعلى في الدكلة، كقد يراد بو من دكف ذلك، كىو من لو سلطة، فيشمل الأمير، كالمحتسب، كما أشبو ذلك؛ لأف ىؤلاء لهم سلطاف على من تحت كلايتهم. فالأمير مثلب سلطانو على بلدتو التي أمر فيها، كالمحتسب كذلك على بلدتو التي أمر فيها، فالأحسن أف نقوؿ في المراد بالسلطاف: ذك السلطة على من أدبو، سواء كاف السلطاف الأعلى أك من دكنو، فإذا أدب رعيتو، كتمت الشركط فلب ضماف عليو.
عدد الصفحات ٢٦٩- 160 - كقولو: «أك معلم صبيو» الإضافة ىنا على أدنى ملببسة، يعني الصبي الذم ينتسب إليو كلو بالتعليم، فإذا أدب صبيو كتمت الشركط فلب ضماف. كاستفدنا من كلبـ المؤلف أف للمعلم أف يؤدب الصبياف بالضرب، كالضرب لا شك أنو كسيلة من كسائل التعليم كالتأديب، كقد قاؿ أحكم المؤدبين، كأرحم المؤدبين من الناس صلى الله عليو كسلم: «مركا أبناءكم بالصلبة لسبع، كاضربوىم عليها لعشر» كالفوضويوف الذين يدعوف التقدـ الآف يقولوف: لا تضرب الصغار؛ لأف الضرب ينافي التربية الحديثة! كىذه لا شك أنها خطة يراد بها أف يصبح الأكلاد فوضويين، لا يستفيدكف شيئا. فطالب لو عشر سنوات لن ينتفع حين يقوؿ لو المدرس: يا بني، إف التعليم طيب، فلب تضيع الوقت؛ لأف الوقت من ذىب، فاحرص كقم بالواجبات. فيقوؿ لو الطالب: أنا حين كصلت إلى البيت، كضعت الكتب، كذىبت ألعب! فهذا لا ينفعو الكلبـ، لكن لو مسو بعذاب فإنو سيقوـ بالواجب، كلذلك فأنا أعتقد أف ىذه الخطة مع مخالفتها للشرع، كلحكمة النبي صلى الله عليو كسلم، لا شك أنها لا تجدم. كقولو: «كإذا أدب الرجل كلده» ظاىره العموـ، كأنو ما داـ تحت رعايتو فإنو مسؤكؿ عنو، كما قاؿ النبي صلى الله عليو كسلم: «كلكم راع، ككلكم مسؤكؿ عن رعيتو، فالرجل راع في أىل بيتو كمسؤكؿ في رعيتو»، فما داـ أنو في بيتو فهو مسؤكؿ عنو، أما إذا انفصل فليس بمسؤكؿ عنو، إلا إف كانت كلايتو عامة، كما لو كاف ذا سلطاف في مكانو فلو أف يؤدبو. كأما تأديب المعلم صبيو فالظاىر لي أف المعلم كل من يدرس عنده فلو أف يؤدبو، حتى لو كاف أكبر منو. كقولو: «كلم يسرؼ» ىذا ىو الشرط الخامس، كالإسراؼ مجاكزة الحد بالكمية أك بالكيفية، فإذا قدرنا أنو يتأدب بضربتين، صارت الثالثة إسرافا، كإف كاف يتأدب بعشر صارت الحادية عشرة إسرافا، ككذلك بالكيفية فإذا قدرنا أنو يتأدب بضرب بسيط فلب نضربو ضربا شديدا، كلا نضربو ػ أيضا ػ في أمكنة تضره، كالوجو، كالمقاتل، كشبهها فإف ىذا إسراؼ، فالإسراؼ إذا مجاكزة الحد كمية أك كيفية، كيدخل في الكيفية موضع الضرب، كيدخل فيو ػ أيضا ػ أف الناس يختلفوف، فتحمل الكبير للضرب ليس كتحمل الصغير. فصارت الشركط خمسة: الأكؿ: أف يكوف المؤدب مستحقا للتأديب.
عدد الصفحات ٢٧٠- 161 - الثاني: أف يكوف المؤدب قابلب للتأديب. الثالث: أف يقصد المؤدب بذلك التأديب، لا الانتقاـ لنفسو. الرابع: أف تكوف لو كلاية التأديب، سواء كانت كلاية عامة أك خاصة. الخامس: ألا يسرؼ، فإف أسرؼ كاف ضامنا؛ لأنو معتد، كالله تعالى يقوؿ في النساء الناشزات: {فعظوىن كاىجركىن في المضاجع كاضربوىن[ }النساء: ّْ]، كالآية مطلقة، لكن النبي صلى الله عليو كسلم بين أنو ضرب غير مبرح. قولو: «كلو كاف التأديب لحامل فأسقطت جنينا ضمنو المؤدب» الزكج يتصور أف يؤدب امرأتو بأف تكوف ناشزة، كالله تعالى قاؿ{ :فعظوىن كاىجركىن في المضاجع كاضربوىن} ككذلك المعلم قد يؤدب امرأة حاملب؛ لأنو يجوز للمعلم الذكر أف يعلم النساء، كقد كاف النبي صلى الله عليو كسلم يعلم النساء، كجئن إليو مرة يطلبن منو كعظا، كقلن لو: إف الرجاؿ غلبونا عليك، فاجعل لنا من نفسك يوما تعلمنا فيو مما علمك الله، فوعدىن في بيت امرأة منهن، كأتى إليهن ػ عليو الصلبة كالسلبـ ػ ككعظهن، كىذا ثابت في البخارم، كسواء كاف المعلم أعمى أك مبصرا، لكن المبصر لا بد أف يكوف بينو كبين النساء حجاب. ككذلك السلطاف يملك أف يؤدب امرأة حاملب من رعيتو، فإف كاف التأديب لحامل، كىي لم تتضرر، كلكن أسقطت جنينا فإف المؤدب يضمنو، كسيأتي ػ إف شاء الله ػ مقدار دية الجنين، كمتى يضمن. كظاىر كلبـ المؤلف أف المؤدب يضمنو مطلقا؛ لأف الجناية ىنا تعدت إلى الغير، كالجنين لم يفعل ما يستحق التأديب عليو حتى نقوؿ: إنو تلف بتأديبو، فلما تعدل حكم التأديب إلى الغير صار مضمونا؛ لأف ضماف الآدمي لا يشترط فيو التحريم، فيضمن حتى لو فعل الإنساف ما يباح لو، كقد سبق لنا أف الإنساف لو رمى صيدا فأصاب إنسانا ضمنو، فعلى ىذا إذا أدب الرجل امرأة حاملب فأسقطت جنينا، فعليو ضمانو، كأما ىي فإذا تمت الشركط الخمسة فلب ضماف. قولو: «كإف طلب السلطاف امرأة لكشف حق الله تعالى» بأف اتهمت بشيء من حقوؽ الله عز كجل، فطلبها كأمرىا أف تحضر، فأسقطت جنينها من الركعة، فإنو يضمنو؛ لأف ىذا الأمر تعدل إلى الغير. كظاىر كلبـ المؤلف سواء طلبها لحق الله عز كجل كىي ظالمة، أك طلبها كىو الظالم، أك طلبها قبل أف يتبين الأمر، فيضمنها السلطاف مطلقا في الأحواؿ الثلبثة، كلكن بعض أصحابنا ػ رحمو الله
عدد الصفحات ٢٧١- 162 - ػ قيد ىذا بما إذا لم تكن ظالمة، كقاؿ: إف كانت ظالمة فهي الجانية على نفسها، كىذا القوؿ لو كجو قوم؛ لأف طلب السلطاف إياىا في حاؿ الظلم مأمور بو شرعا، كالقاعدة العظيمة النافعة «أف ما ترتب على المأذكف فغير مضموف» لا سيما إذا كاف السلطاف لا يعلم عن حاؿ المرأة، ىل ىي حامل أك لا؟ كلا يعلم ىل ىي من النساء اللبتي يفزعن بأدنى سبب، أك لا؟ ثم على القوؿ بالضماف فظاىر كلبـ المؤلف أف السلطاف يضمنها ضماف شخص، يعني ضمانا شخصيا، لا ضماف كلاية، بمعنى أف الدية تكوف على عاقلتو، ككأنما قتل شخصا عاديا. كلكن القوؿ الراجح ػ على القوؿ بالضماف ػ أف الدية في بيت الماؿ؛ لأف السلطاف يتصرؼ لحقوؽ المسلمين بالولاية، فلو أننا ضمناه كل شيء يكوف من تصرفو لاجتحنا مالو، كماؿ عاقلتو، نعم لو تيقنا أف السلطاف ظالم، فهنا يتوجو أف يكوف الضماف عليو، أك على عاقلتو، حسب ما تقتضيو الأدلة الشرعية. قولو: «أك استعدل عليها رجل بالشرط في دعول لو فأسقطت» «استعدل» بمعنى أقاـ دعول عليها، كلكنو استعاف بالشرط، كالشرط: جمع شرطة، كحجة جمعها حجج، كالشرطة جمع شرطي. مثالو: رجل أقاـ على حامل دعول، كذىب إلى الشرطة، كقاؿ: أنا أدعي على فلبنة كذا ككذا، فقاؿ الضابط للشرط: اذىبوا كائتوا بها، فذىب رجلبف من الشرطة بلباسهما الرسمي، كقالا للمرأة: تعالي معنا، ففزعت المرأة، كأسقطت الجنين. قولو: «ضمنو السلطاف كالمستعدم» أم: ضمنو السلطاف في المسألة الأكلى، كالمستعدم في المسألة الثانية؛ لأنو ىو السبب في ىلبؾ ىذا الجنين، فكاف عليو الضماف. كظاىر كلبـ المؤلف ػ أيضا ػ كلو كاف المستعدم مستحقا للبستعداء، ككانت ىي ظالمة، فإف الضماف على المستعدم. كلكن في ىذا الظاىر نظر، فإنو إذا كاف على حق، كلم يعلم عن حاؿ المرأة، فكيف نضمنو؟! أما إذا كاف يعلم أف ىذه المرأة من النساء اللبتي يفزعن، كأنو يخشى على حملها، فربما يقاؿ: إف تضمينو لو كجو. كقولو: «ضمنو السلطاف كالمستعدم» أف يكوف ىذا ناقضا لقاعدة: «إذا اجتمع متسبب كمباشر فالضماف على المباشر»؟
عدد الصفحات ٢٧٢