- 067 - كعلى كل حاؿ فلب عذر عند الله يوـ القيامة لمن بلغو ما في المسألة من الأحاديث كالآثار التي لا معارض لها إذا نبذىا كراء ظهره ا.ىػ كقاؿ النوكم كما في الآداب الشرعية (ٕ/ َُٗ): إف المختلف فيو لا إنكار فيو لكن إف ندبو على جهة النصيحة إلى الخركج من الخلبؼ فهو حسن محبوب مندكب إلى فعلو برفق ا.ىػ كقاؿ ابن قدامة المقدسي كما في الآداب الشرعية (ُ/ ُٖٔ): لا ينبغي لأحد أف ينكر على غيره العمل بمذىبو، فإنو لا إنكار على المجتهدات ا.ىػ قاؿ ابن مفلح في الآداب الشرعية (ُ/ُٔٔ): كلا إنكار فيما يسوغ فيو خلبؼ من الفركع على من اجتهد فيو أك قلد مجتهدا فيو كذا ذكره القاضي كالأصحاب كصرحوا بأنو لا يجوز، كمثلوه بشرب يسير النبيذ كالتزكج بغير كلي، كمثلو بعضهم بأكل متركؾ التسمية. كىذا الكلبـ منهم مع قولهم يحد شارب النبيذ متأكلا كمقلدا أعجب لأف الإنكار يكوف كعظا كأمرا كنهيا كتعزيرا كتأديبا كغايتو الحد، فكيف يحد كلا ينكر عليو أـ كيف يفسق على ركاية كلا ينكر على فاسق؟ كذكر في المغني أنو لا يملك منع امرأتو الذمية من يسير الخمر على نص أحمد لاعتقادىا إباحتو ثم ذكر تخريجا من أحد الوجهين في أكل الثوـ أنو يملك منعها لكراىة رائحتو قاؿ كعلى ىذا الحكم لو تزكج امرأة تعتقد إباحة يسير النبيذ ىل لو منعها على كجهين. كذكر أيضا في مسألة مفردة أنو لا ينبغي لأحد أف ينكر على غيره العمل بمذىبو فإنو لا إنكار على المجتهدات. انتهى كلبمو..... كفي المسألة قوؿ رابع قاؿ في الأحكاـ السلطانية: ما ضعف الخلبؼ فيو ككاف ذريعة إلى محظور متفق عليو كربا النقد الخلبؼ فيو ضعيف كىو ذريعة إلى ربا النساء المتفق على تحريمو ككنكاح المتعة كربما صارت ذريعة إلى استباحة الزنا فيدخل في إنكار المحتسب بحكم كلايتو. ثم ذكر القاضي كلبـ أبي إسحاؽ كابن بطة في نكاح المتعة، كقد ذكر أبو الخطاب كغيره ما يدؿ على أنو يسوغ التقليد في نكاح المتعة. كقاؿ في الرعاية في نكاح المتعة كيكره تقليد من يفتي بها كقاؿ في الأحكاـ السلطانية في موضع آخر المجاىرة بإظهار النبيذ كالخمر كليس في إراقتو غرـ، كقد تقدـ كلبمو في ركاية مهنا، كذكر ابن الجوزم أنو ينكر على من يسيء في صلبتو بترؾ الطمأنينة في الركوع كالسجود مع أنها من مسائل الخلبؼ كقاؿ الشيخ عبد القادر يجب أف يأمره كيعظو.
عدد الصفحات ١٧٧- 068 - قاؿ ابن الجوزم كاشتغاؿ المعتكف بإنكاره ىذه الأشياء كتعريفها أفضل من نافلة يقتصر عليها، كذكر أيضا في المنكرات غمس اليد كالأكاني النجسة في المياه القليلة قاؿ: فإف فعل ذلك مالكي لم ينكر عليو بل يتلطف بو كيقوؿ لو يمكنك أف لا تؤذيني بتفويت الطهارة علي. كفي المسألة قوؿ خامس قاؿ الشيخ تقي الدين كالصواب ما عليو جماىير المسلمين أف كل مسكر خمر يجلد شاربو كلو شرب قطرة كاحدة لتداك أك غير تداك كقاؿ في كتاب " بطلبف التحليل " قولهم كمسائل الخلبؼ لا إنكار فيها ليس بصحيح فإف الإنكار إما أف يتوجو إلى القوؿ بالحكم أك العمل أما الأكؿ فإف كاف القوؿ يخالف سنة أك إجماعا قديما كجب إنكاره كفاقا كإف لم يكن كذلك فإنو ينكر بمعنى بياف ضعفو عند من يقوؿ المصيب كاحد كىم عامة السلف كالفقهاء. كأما العمل إذا كاف على خلبؼ سنة أك إجماع كجب إنكاره أيضا بحسب الإنكار كما ذكرنا من حديث شارب النبيذ المختلف فيو ككما ينقض حكم الحاكم إذا خالف سنة كإف كاف قد اتبع بعض العلماء كأما إذا لم يكن في المسألة سنة كلا إجماع كللبجتهاد فيها مساغ فلب ينكر على من عمل بها مجتهدا أك مقلدا. كإنما دخل ىذا اللبس من جهة أف القائل يعتقد أف مسائل الخلبؼ ىي مسائل الاجتهاد كما اعتقد ذلك طوائف من الناس الذم عليو الأئمة أف مسائل الاجتهاد ما لم يكن فيها دليل يجب العمل بها كجوبا ظاىرا مثل حديث صحيح لا معارض لو من جنسو فيسوغ إذا عدـ ذلك الاجتهاد لتعارض الأدلة المقاربة أك لخفاء الأدلة فيها كليس في ذكر كوف المسألة قطعية طعن على من خالفها من المجتهدين كسائر المسائل التي اختلف فيها السلف كقد تيقنا صحة أحد القولين فيها مثل كوف الحامل المتوفى عنها زكجها تعتد بوضع الحمل، كأف الجماع المجرد عن إنزاؿ يوجب الغسل، كأف ربا الفضل كالمتعة حراـ كذكر مسائل كثيرة. كقاؿ أيضا في مكاف آخر: إف من أصر على ترؾ الجماعة ينكر عليو كيقاتل أيضا في أحد الوجهين عند من استحبها، كأما من أكجبها فإنو عنده يقاتل كيفسق إذا قاـ الدليل عنده المبيح للمقاتلة كالتفسيق كالبغاة بعد زكاؿ الشبهة. كقاؿ أيضا: يعيد من ترؾ الطمأنينة كمن لم يوقت المسح نص عليو بخلبؼ متأكؿ لم يتوضأ من لحم الإبل فإنو على ركايتين لتعارض الأدلة كالآثار فيو. ا.ىػ من الآداب الشرعية.
عدد الصفحات ١٧٨- 071 - كقاؿ الإماـ محمد بن عبد الوىاب كما في الدرر السنية (ْ/ٖ): فإف أراد القائل مسائل الخلبؼ، فهذا باطل يخالف إجماع الأمة، فما زاؿ الصحابة كمن بعدىم ينكركف على من خالف كأخطأ كائنا من كاف، كلو كاف أعلم الناس كأتقاىم، كإذا كاف الله بعث محمدا بالهدل كدين الحق، كأمرنا باتباعو، كترؾ ما خالفو؛ فمن تماـ ذلك أف من خالفو من العلماء مخطئ ينبو على خطئو كينكر عليو، كإف أريد بمسائل الاجتهاد مسائل الخلبؼ التي لم يتبين فيها الصواب فهذا كلبـ صحيح، كلا يجوز للئنساف أف ينكر الشيء لكونو مخالفا لمذىبو أك لعادة الناس، فكما لا يجوز للئنساف أف يأمر إلا بعلم، لا يجوز أف ينكر إلا بعلم، كىذا كلو داخل في قولو تعالى : (كلا تقف ما ليس لك بو علم) ا.ىػ كقاؿ الشوكاني في السيل الجرار (ْ/ٖٖٓ): ىذه المقالة -أم لا إنكار في مسائل الخلبؼ- قد صارت أعظم ذريعة إلى سد باب الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر، كىما بالمثابة التي عرفناؾ، كالمنزلة التي بيناىا لك، كقد كجب بإيجاب الله عز كجل، كبإيجاب رسولو صلى الله عليو كسلم على ىذه الأمة، الأمر بما ىو معركؼ من معركفات الشرع، كالنهي عما ىو منكر من منكراتو: كمعيار ذلك الكتاب كالسنة، فعلى كل مسلم أف يأمر بما كجده فيهما أك في أحدىما معركفا، كينهى عما ىو فيهما أك في أحدىما منكرا، كإف قاؿ قائل من أىل العلم بما يخالف ذلك، فقولو منكر يجب إنكاره عليو أكلا، ثم على العامل بو ثانيا، كىذه الشريعة الشريفة التي أمرنا بالأمر بمعركفها، كالنهي عن منكرىا، ىي ىذه الموجودة في الكتاب كالسنة ا.ىػ كقاؿ العلبمة العثيمين في لقاء الباب المفتوح (ْٗ/ُِٗ-ُّٗ) ردا على من قاؿ: "المسائل الخلبفية لا إنكار فيها": لو أننا قلنا: المسائل الخلبفية لا ينكر فيها على الإطلبؽ لذىب الدين كلو؛ لأنك لا تكاد تجد مسألة إلا كفيها خلبؼ بين العلماء، نضرب مثلبن : رجل مس امرأةن بشهوة، كأكل لحم إبل، ثم قاـ ليصلي، كقاؿ: أنا أتبع الإماـ أحمد في أف مس المرأة لا ينقض الوضوء، كأتبع الشافعي في أف لحم الإبل لا ينقض الوضوء، كسأصلي على ىذه الحالة .. فهل صلبتو الآف صحيحة على المذىبين؟ ىي غير صحيحة؛ لأنها إف لم تبطل على مذىب الإماـ أحمد بن حنبل بطلت على مذىب الشافعي، كإف لم تبطل على مذىب الإماـ الشافعي بطلت على مذىب الإماـ أحمد؛ فيضيع دين الإنساف. كالمسائل الخلبفية تنقسم إلى قسمين: القسم الأكؿ: اجتهادية يسوغ فيها الخلبؼ؛ بمعنى: أف الخلبؼ ثابت حقان كلو حكم النظر، فهذه لا إنكار فيها على المجتهد، أما عامة الناس فإنهم يلزموف بما عليو علماء بلدىم؛ لئلب ينفلت العامة؛
عدد الصفحات ١٧٩- 070 - لأننا لو قلنا للعامي: أم قوؿ يمر عليك لك أف تأخذ بو، لم تكن الأمة أمة كاحدة، كلهذا قاؿ شيخنا عبد الرحمن بن سعدم رحمو الله: العواـ على مذىب علمائهم. فمثلبن : عندنا ىنا في المملكة العربية السعودية أنو يجب على المرأة أف تغطي كجهها، فنحن نلزـ نساءنا بذلك، حتى لو قالت لنا امرأة: أنا سأتبع المذىب الفلبني ككشف الوجو فيو جائز، قلنا: ليس لكً ذلك؛ لأنكً عامية ما كصلتً إلى درجة الاجتهاد، كإنما تريدين اتباع ىذا المذىب لأنو رخصة، كتتبع الرخص حراـ. أما لو ذىب عالم من العلماء الذم أداه اجتهاده إلى أف المرأة لا حرج عليها في كشف الوجو، كيقوؿ: إف امرأتي سوؼ أجعلها تكشف كجهها. قلنا: لا بأس، لكن لا يجعلها تكشف الوجو في بلبد يستركف الوجوه، يمنع من ىذا؛ لأنو يفسد غيره، كلأف المسألة فيها اتفاؽ على أف ستر الوجو أكلى، فإذا كاف ستر الوجو أكلى فنحن إذا ألزمناه بذلك لم نكن ألزمناه بما ىو حراـ على مذىبو، إنما ألزمناه بالأكلى على مذىبو، كلأمر آخر كىو ألا يقلده غيره من أىل ىذه البلبد المحافظة، فيحصل من ذلك تفرؽ كتفتيت للكلمة. أما إذا ذىب إلى بلبده فلب نلزمو برأينا، ما دامت المسألة اجتهادية كتخضع لشيء من النظر في الأدلة كالترجيح بينها. القسم الثاني من قسمي الاختلبؼ: لا مساغ لو كلا محل للبجتهاد فيو، فينكر على المخالف فيو؛ لأنو لا عذر لو ا.ىػ كقاؿ العلبمة العثيمين أيضا في شرح السفارينية (صٔٗٔ ، َِٕ): شركط الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر أكثر مما ذكره المؤلف رحمو الله؛ فمن الشركط ما يلي: أف يكوف الإنساف عالمان بأف ىذا منكر، يعني أنو قد أنكره الشرع، فلب يجوز أف يحكم بالذكؽ أك بالعاطفة أك ما أشبو ذلك؛ لأف المرجع في ىذا إلى الشرع، كالدليل على ذلك قولو تعالى: (كىلا تػىقٍفي مىا لىيٍسى لىكى بًوً عًلٍمه ) (الإسراء: الآيةّٔ) كنضرب مثلبن لذلك بأنو أكؿ ما ظهرت مكبرات الصوت في المساجد، أنكرىا بعض الناس، كقاؿ: إف ىذا حراـ فهذا بوؽ اليهود تمامان، كنحن إذا صلينا كاستخدمناه فإننا نتشبو باليهود في عبادتنا كلكن الصواب أف ىذا ليس من أبواؽ اليهود، كليس ىذا إلا نقل الصوت على كجو أكسع فقط، ككما أف الإنساف يضع نظارة على عينو فتكبر الحركؼ، فإنو ىنا يضع إمامو لاقطة تكبر الصوت، كلا فرؽ، إذان فلببد أف يعلم من ينهى أف ىذا الذم ينهى عنو محرـ، حتى إننا رأينا أيضان من يقوؿ: إنو يحرـ على الإنساف تحريمان باتا قاطعان أف يستمع إلى القرآف من الشريط المسجل؛ لأف الشريط المسجل ليس لو أجر، كأنت لابد أف تستمع إلى إنساف يؤجر فتؤجر معو، كىذه تعاليل عليلة، ثم
عدد الصفحات ١٨٠- 071 - يذىب ىؤلاء ينكركف حتى على أىلهم إذا دخلوا بيوتهم كرأكىم يستمعوف إلى القرآف كىذا غير صحيح. إذان لابد أف نعلم أف ىذا الذم ننكره أنكره الشرع، ثم إننا إذا رأينا من يفعل منكران في رأينا، لكنو ليس منكران عند غيرنا، كنحن نعلم أف ىذا الرجل الذم تلبس بما نراه محرمان يرل أنو حلبؿ، فإنو لا يلزمنا أف ننكر عليو ما دامت المسألة فيها مجاؿ للبجتهاد. مثاؿ ذلك: إذا رأينا رجلب يرمي الجمرات في الليل، كنحن نرل أنو لا يرمى بالليل في أياـ التشريق، ككنا نعرؼ أف ىذا الرجل يرل أنو يجوز الرمي ليلبن، فلب يجب علينا أف ننكر عليو؛ لأف المسألة فيها مجاؿ للبجتهاد فلب ننكر عليو. ككذلك إذا رأينا رجلب يشرب الدخاف، كىو يرل بدليل شرعي أنو حلبؿ، فلب يجب أف ننكر عليو ما دمنا نعلم أنو يقوؿ: إنو حلبؿ؛ لأف ىذا فيو مجاؿ للبجتهاد. ككذلك إذا رأينا امرأة كاشفة كجهها، كىي ترل أنو يجوز كشف الوجو للرجاؿ الأجانب فلب ينكر عليها لأنها تعتقد أف ىذا ىو الدين، لكن لنا أف نمنعها إذا كانت في بلد محافظ كأىلو يركف أنو لابد من تغطية الوجو، كلا يكوف ذلك من جهة أنو حراـ عليها في الشرع لأنها تعتقد أنو حلبؿ، لكن من جهة أف ىذا يفسد علينا النساء. كلهذا قاؿ العلماء رحمهم الله: يجوز أف نقر أىل الذمة على شرب الخمر ما لم يعلنوه في أسواقنا، فإف أعلنوه منعناىم للئعلبف لا لأنو حراـ؛ لأنهم معتقدكف أنو حلبؿ، كىذه المسألة يجب التفطن لها. صحيح أننا لا ننكر على غيرنا اجتهاده ما دامت المسألة فيها مساغ للبجتهاد، لكننا نمنع ما يكوف ضرران علينا. إذان لابد أف نعلم أف ىذا الذم ننكره منكر، كلابد أيضان أف يكوف الذم ننكر عليو يرل أنو منكر، فإف كاف لا يرل أنو منكر، كىو مما يسوغ فيو الاجتهاد فإنو لا يلزمنا أف ننهى عنو؛ لأف الدين يسر، كالصحابة رضي الله عنهم كىم أجل منا قدران كأحب للبئتلبؼ كالاجتماع منا، لا ينكر بعضهم على بعض في مسائل الاجتهاد، كإف كاف الحاكم منهم الذم يتولى الحكم قد ينكر على غيره الاجتهاد خوفان من أف يشيع في المجتمع، كما أنكر أحدىم على عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في مسألة المتعة؛ لأف عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يرل جواز المتعة للضركرة، كلكن القوؿ الذم عليو أىل العلم - عامتهم أك أكثرىم - أنو لا يجوز للضركرة؛ لأنو يمكن للئنساف أف يعقد النكاح عقدان شرعيان .
عدد الصفحات ١٨١- 072 - كمن الشركطأف نعلم أف ىذا الفاعل فاعل للمنكر كىو منكر في حقو؛ لأنو قد يكوف منكران عندنا كعنده، كلكنو في حاؿ يباح لو أف يمارس ىذا المحرـ، كالدليل على ذلك قولو تعالى: (كىلا تػىقٍفي مىا لىيٍسى لىكى بًوً عًلٍمه ) (الإسراء: الآيةّٔ) مثاؿ ذلك: (إنساف يأكل لحم ميتة) عند الجميع، لكن ىذا الرجل مضطر إف لم يأكل مات، فلب ننكر عليو إذا أكل، إذان لابد أف نعلم أف ىذا الفاعل للمنكر قد فعلو كىو منكر في حقو. ككذلك نقوؿ في الأمر بالمعركؼ: إنو لابد أف نعلم أف ىذا التارؾ للمعركؼ تركو كىو معركؼ في حقو، كلهذا لما دخل الرجل كالنبي صلى الله عليو كسلم يخطب كجلس، فلم يأمره النبي صلى الله عليو كسلم بداية، بل سألو صلى الله عليو كسلم أكلان قاؿ: أصليت؟ قاؿ: لا، إذان لا نأمر بالمعركؼ حتى نعرؼ أف ىذا الذم تركو في حاؿ يؤمر فيها؛ لأنو قد تقوؿ لرجل دخل المسجد: قم صل، فيقوؿ صليت، ففي ىذا تسرع كالأكلى أف تسألو أكلان . كمثل ذلك يقاؿ في الواجب؛ فلو أف رجلبن أكل لحم إبل، كقاـ يريد أف يصلي، كترؾ الوضوء مع أف كضوءه من لحم الإبل معركؼ، فإذا كنت أعلم أف يرل أنو لا يجب الوضوء منو فلب آمره؛ لأنو يقوؿ: أنا لا أرل الوجوب. إذان لابد أف نعلم أف ىذا التارؾ للمعركؼ يرل أنو معركؼ، أما إذا كاف لا يرل أنو معركؼ، كيقوؿ: الأمر ليس للوجوب فلب آمره. لكن لي أف آمره على سبيل الاستحباب، فأقوؿ: يا أخي أنت ترل أنو ليس كاجبان، لكن الاحوط كالأكلى بك أف تتوضأ..... كقوؿ بعض العلماء رحمهم الله: لا إنكار في مسائل الاجتهاد، مبني على ما ذكرنا من الشركط؛ كذلك لأف المسائل الاجتهادية ليس فيها إنكار ما داـ يسوغ فيها الاجتهاد، أما ما لا يسوغ فيو الاجتهاد فإنو ينكر على فاعلو، كلو قاؿ: لقد أدل بي اجتهادم إلى كذا ككذا، يقاؿ: لا محل للبجتهاد كالنص في صريح. فلو قاؿ قائل في قولو تعالى: (حيرِّمىتٍ عىلىيٍكيمي الٍمىيٍتىةي ) (المائدة: الآيةّ) لا حرج في أكل ميتة الظبي كالأرنب لأف الله تعالى قاؿ: (حيرِّمىتٍ عىلىيٍكيمي الٍمىيٍتىةي ) (المائدة: الآيةّ) بعد أف قاؿ: (أيحًلَّتٍ لىكيمٍ بىهًيمىةي الأٍىنػٍعىاـً ) (المائدة: الآيةُ) فيكوف معنى الآية حرمت عليم الميتة من بهيمة الأنعاـ، كزعم أنو مجتهد في ذلك؟ فيجاب عليو بأف ىذا لا يسوغ فيو الاجتهاد؛ لأف العلماء رحمهم الله مجمعوف على أف جميع الميتات حراـ، كما لا يسوغ فيو الاجتهاد لو زعم فاعلو أنو مجتهد فيو، قلنا لو: لا قبوؿ.
عدد الصفحات ١٨٢- 073 - كالذين أنكركا صفات الله عز كجل إما كلية أك جزئية، ننكر عليهم. فإذا قالوا: ىذا اجتهادنا، كعقولنا ترفض أف تكوف لله عين أك يد أك كجو أك قدـ، نقوؿ: إف المرجع في الأمور الغيبية إلى النقل المجرد لا إلى العقوؿ، فالشيء الغيبي عنك كيف تحكم عقلك فيو؟! ثم ىو شيء غيبي أيضان لا يمكن إدراكو، قاؿ تعالى: (كىلا ييحًيطيوفى بًوً عًلٍمان ) (طو: الآيةَُُ) فهذا لا يسوغ فيو الاجتهاد، ثم أين الاجتهاد في ىذا في عهد الصحابة رضي الله عنهم التابعين؟ كعلى ذلك فقوؿ بعض العلماء: (لا إنكار في مسائل الاجتهاد) ليس على إطلبقو، بل المراد ما يمكن أف يجتهد فيو، كأما ما لا يمكن ففيو الإنكار. (فرع): ىل يشرع ل لمحتسب حمل الناس على كجو مشتهر من أكجو الخلبؼ. للعلماء في ذلك قولاف: القوؿ الأكؿ: ليس للمحتسب أف يحمل الناس على كجو مشتهر من أكجو الخلبؼ. القوؿ الثاني: لو أف يحمل الناس على كجو مشتهر من أكجو الخلبؼ. كفيما يلي أعرض أقواؿ العلماء في ذلك. أقواؿ أصحاب القوؿ الأكؿ: قاؿ الماكردم كما في الأحكاـ السلطانية (صِّْ): فأما المتعلق بحقوؽ الله عز كجل... كإف كانوا عددا ايخٍتيلًفى في انعقاد الجمعة بهم.. الحالة الثالثة أف يرل القوـ انعقاد الجمعة بهم كلا يراه المحتسب فلب يجوز لو أف يعارضهم فيها.. كلا يجوز أف ينهاىم عنها كيمنعهم مما يركنو فرضان عليهم. كقاؿ (صِْٓ): كلكن لو كانت الجماعات في بلد قد اتفق أىلو على تأخير صلواتهم إلى آخره، كالمحتسب يرل فضل تعجيلها فهل لو أف يأمرىم بالتعجيل؟ على كجهين. كقاؿ: فأما الأذاف كالقنوت في الصلوات إذا خالف فيو رأم المحتسب فلب اعتراض لو فيو بأمر كلا نهي. كنص أيضان في مثل ذلك على الاقتصار على مسح أقل الرأس أك العفو على قدر الدرىم من النجاسات فلب اعتراض لو في شيء من ذلك بأمر كلا نهي. كقاؿ الشاطبي في الموافقات، (ُ/ِّٕ): كلا ينقض حكم الحاكم لمصلحة الفصل في الخصومات كإف أدل إلى الحكم بما ليس بمشركع كلو كاف حكمو خطأ، إلا إذا خالف إجماعان أك نصان أك قاعدة شرعية.
عدد الصفحات ١٨٣- 074 - قاؿ الماكردم في الأحكاـ السلطانية (صُِْ): كاختلف الفقهاء من أصحاب الشافعي ىل يجوز لو أف يحمل الناس فيما ينكره من الأمور التي اختلف الفقهاء فيها على رأيو كاجتهاده أـ لا؟ على كجهين.. كالوجو الثاني ليس لو أف يحمل الناس على رأيو كاجتهاده كلا أف يقودىم إلى مذىبو لتسويغ الاجتهاد للكافة كفيما اختلف فيو. ك قاؿ النوكم في شرح مسلم (ِ/ِْ): كالأصح أنو لا يغيره.. كلم يزؿ الخلبؼ في الفركع بين الصحابة كالتابعين فمن بعدىم رضي الله عنهم أجمعين، ككذلك قالوا: ليس للمفتي كلا للقاضي أف يعترض على من خالفو إذا لم يخالف نصان أك إجماعان أك قياسان جليان . كقاؿ شيخ الإسلبـ في مجموع الفتاكل ( ّٓ /ّٕٗ): "... لا يقلٍ أحد إنو يجب على صاحب مذىب أف يتبع مذىب غيره لكونو حاكمان، فإف ىذا ينقلب فقد يصير الآخر حاكمان فيحكم بأف قولو ىو الصواب، فهذا لا يمكن أف يكوف كل كاحد من القولين المتضادين يلزـ جميع المسلمين اتباعو. كقاؿ في مجموع الفتاكل ( ّٓ/ّٖٕ): كأما من يقوؿ: إف الذم قلتو ىو قولي أك قوؿ طائفة من العلماء المسلمين، كقد قلتو اجتهادان أك تقليدان، فهذا باتفاؽ المسلمين لا تجوز عقوبتو كلو كاف قد أخطأ خطأن مخالفان للكتاب كالسنة، كلو عوقب ىذا لعوقب جميع المسلمين، فإنو ما منهم من أحد إلا كلو أقواؿ اجتهد فيها أك قلد فيها كىو مخطئ فيها، فلو عاقب الله المخطئ لعاقب جميع الخلق كالله تعالى يقوؿ: "لاى ييكىلِّفي اللَّوي نػىفٍسنا إًلاَّ كيسٍعىهىا"، كيقوؿ سبحانو: "رىبػَّنىا لاى تػيؤىاخًذٍنىا إًفٍ نىسًيػٍنىا أىكٍ أىخٍطىأٍنىا["َِّ] البقرة، الآية ِٖٔ. كيقوؿ أيضا في مجموع الفتاكل ( ّٓ/َّٖ): فكيف يسوغ لولاة الأمر أف يمكنوا طوائف المسلمين من اعتداء بعضهم على بعض كحكم بعضهم على بعض بقولو كمذىبو، ىذا مما يوجب تغير الدكؿ كانتقاضها، فإنو لا صلبح للعباد على مثل ىذا. كسيئل كما في مجموع الفتاكل ( َِ/ٕٗ) عمن كلي أمر المسلمين كمذىبو لا يجوز شركة الأبداف فهل يجوز لو منع الناس؟. فأجاب: ليس لو منع الناس من مثل ذلك كلا من نظائره مما يسوغ فيو الاجتهاد، كليس معو بالمنع نص من كتاب كلا سنة، كلا إجماع، كلا ىو في معنى ذلك.
عدد الصفحات ١٨٤- 075 - كقاؿ في مجموع الفتاكل ( ّٓ/ِّٕ): كلا يجب على عالم من علماء المسلمين أف يقلد حاكمان لا في قليل كلا في كثير إذا كاف قد عرؼ ما أمر الله بو رسولو، بل لا يجب على آحاد العامة تقليد الحاكم في شيء، بل لو أف يستفتي من يجوز لو استفتاؤه كإف لم يكن حاكمان . قاؿ أبو يعلى في الأحكاـ السلطانية (صِٕٗ): كأما ما اختلف الفقهاء في حظره كإباحتو فلب مدخل في إنكاره إلا أف يكوف مما ضعف الخلبؼ فيو. أقواؿ أصحاب القوؿ الثاني القائل بأف للمحتسب أف يحمل الناس على كجو مشتهر من أكجو الخلبؼ: قاؿ الماكردم في السلطانية (صُِْ): كاختلف الفقهاء من أصحاب الشافعي ىل يجوز لو أف يحمل الناس فيما ينكره من الأمور التي اختلف الفقهاء فيها على رأيو كاجتهاده أـ لا؟ على كجهين: أحدىما: كىو قوؿ أبي سعيد الاصطخرم أف يحمل ذلك على رأيو كاجتهاده. حكي أف أبا سعيد الاصطخرم من أصحاب الشافعي تقلد حسبة بغداد في أياـ المقتدر فأزاؿ سوؽ الدادم كمنع منها، كقاؿ: لا يصلح إلاَّ للنبيذ المحرـ كأقر سوؽ اللعب كلم يمنع منها. كأما المجاىرة بإظهار النبيذ؛ فعند أبي حنيفة: أنو من الأمواؿ التي يقر المسلمين عليها فيمتنع من إراقتو كمن التأديب على إظهاره، كعند الشافعي: أنو ليس بماؿ كالخمر كليس في إراقتو غرـ، فيعتبر كالي الحسبة بشواىد الحاؿ فيو، فينهى فيو عن المجاىرة كيزجر عليها إف كاف لمعاقرة، كلا يريقو عليو إلا أف يأمره بإراقتو حاكم من أىل الاجتهاد. الأحكاـ السلطانية (صُِٓ). قاؿ مهنا كما في الآداب الشرعية (ُ/ُٔٔ): سمعت الإماـ أحمد يقوؿ: من أراد أف يشرب ىذا النبيذ يتبع فيو شرب من شربو فليشربو كحده. أم لا يجاىر بشربو. كفي الأحكاـ السلطانية (صُِٓ) لأبي يعلى: كأما المجاىرة بإظهار الملبىي المحرمة فعلى المحتسب أف يفصلو حتى تصير خشبان لتزكؿ عن حكم الملبىي كيؤدب على المجاىرة بها كلا يكسرىا إف كاف خشبها يصلح لغير الملبىي. فأما المتعلق بحقوؽ الله عز كجل فضرباف: أحدىما: يلزـ الأمر بو في الجماعة دكف الانفراد كترؾ الجمعة في كطن مسكوف.. أك أف يرل المحتسب انعقاد الجمعة بعدد لا يراه القوـ، فهذا مما في استمرار تركو تعطيل الجمعة مع تطاكؿ الزماف كبعده ككثرة العدد كزيادتو، فهل للمحتسب أف يأمرىم بإقامتها اعتباران بهذا المعنى أـ لا؟.
عدد الصفحات ١٨٥- 076 - على كجهين لأصحاب الشافعي رضي الله عنو: أحدىما: كىو مقتضى قوؿ أبي سعيد الاصطخرم أنو يجوز أف يأمرىم بإقامتها اعتباران بالمصلحة لئلب ينشأ الصغير على تركها فيظن أنها تسقط مع زيادة العدد كما تسقط بنقصانو. فقد راعى زياد مثل ىذا في صلبة الناس في جامعي البصرة كالكوفة، فإنهم كانوا إذا صلوا في صحنو فرفعوا من السجود مسحوا جباىهم من التراب، فأمر بإلقاء الحصى في صحن المسجد الجامع، كقاؿ: لست آمن أف يطوؿ الزماف فيظن الصغير إذا نشأ أف مسح الجبهة من أثر السجود سينة في الصلبة الأحكاـ السلطانية (صِّْ، ِْْ). قاؿ ابن القيم في الطرؽ الحكمية (صَِٖ): كمن ذلك: أف كلي الأمر يجب عليو أف يمنع من اختلبط الرجاؿ بالنساء في الأسواؽ كالفرح، كمجامع الرجاؿ . كقاؿ مالك كما في مواىب الجليل (ّ /َْٓ): أرل أف يتقدـ إلى الصناع في قعود النساء إليهم، كلا تيترؾ الشابة تجلس إلى الصناع، كأما المتجالة كالخادـ الدكف، كمن لا يتهم على القعود عنده، فلب بأس بذلك، كىو كلو صواب. ك أيضا في المصدر السابق: كلا يمنعن من الخركج كالمشي في حوائجهن كلو كن معتدات، كإلى المسجد، كإنما يمنعن من التبرج كالتكشف كالتطيب للخركج كالتزين، بل يخرجن كىن منتقبات، كلا يخفقن في المشي في الطرقات، بل يلصقن بالجدراف. قاؿ الإماـ ابن القيم في الطرؽ الحكمية (صَِٖ، ُِٖ): فالإماـ مسؤكؿ عن ذلك، كالفتنة بو عظيمة، قاؿ صلى الله عليو كسلم: "ما تركت بعدم فتنة أضر على الرجاؿ من النساء". كيجب عليو منع النساء من الخركج متزينات متجملبت، كمنعهن من الثياب التي يكن بها كاسيات عاريات، كالثياب الضيقة كالرقاؽ كمنعهن من حديث الرجاؿ في الطرقات، كمنع الرجاؿ من ذلك. كإف رأل كلي الأمر أف ييفسد على المرأة - إذا تجملت كتزينت كخرجت - ثيابها بحبر كنحوه فقد رخص في ذلك بعض الفقهاء كأصاب. كىذا من أدنى عقوبتهن المالية. كلو أف يحبس المرأة إذا أكثرت الخركج من منزلها كلاسيما إذا خرجت متجملة، بل إقرار النساء على ذلك إعانة لهن على الإثم كالمعصية، كالله سائل كلي الأمر عن ذلك، كقد منع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنو النساء من المشي في طريق الرجاؿ، كالاختلبط بهم في الطريق، فعلى كلي الأمر أف يقتدم بو في ذلك.
عدد الصفحات ١٨٦- 077 - كقاؿ الخلبؿ في جامعو: أخبرني محمد بن يحيى الكحاؿ: أنو قاؿ لأبي عبدالله: أرل الرجل السوء مع المرأة؟ قاؿ: صًح بو. كقد أخبر النبي صلى الله عليو كسلم أف المرأة إذا تطيبت كخرجت من بيتها فهي زانية. كتمنع المرأة إذا أصابت بخوران أف تشهد عشاء الآخر في المسجد، فقد قاؿ النبي صلى الله عليو كسلم: "المرأة إذا خرجت استشرفها الشيطاف". كلاريب أف تمكين النساء من اختلبطهن بالرجاؿ أصل كل بلية كشر، كىو من أعظم أسباب نزكؿ العقوبات العامة، كما أنو من أسباب فساد أمور العامة كالخاصة، كاختلبط الرجاؿ بالنساء سبب لكثرة الفواحش كالزنا، كىو من أسباب الموت العاـ كالطواعين المتصلة. فمن أعظم أسباب الموت العاـ كثرة الزنا، بسبب تمكين النساء من اختلبطهن بالرجاؿ، كالمشي بينهم متبرجات متجملبت كلو علم أكلياء الأمر ما في ذلك من فساد الدنيا - كالرعية - قبل الدين لكانوا أشد شيء منعان لذلك ا.ىػ. كفي الآداب الشرعية، (ُ/ِٔ): كإف دعا الإماـ العامة إلى شيء كأشكل عليهم لزمهم سؤاؿ العلماء فإف أفتوا بوجوبو قاموا بو، كإف أخبركا بتحريمو امتنعوا عنو، كإف قالوا ىو مختلف فيو، كقاؿ الإماـ يجب، لزمهم طاعتو كما تجب طاعتو في الحكم. المسألة الثانية: درجات النهي عن المنكر. المبحث الأكؿ القدرة كالاستطاعة كضابطهما. المطلب الأكؿ: القدرة كالاستطاعة إف من فضل الله تعالى على خلقو أف جعل دين الإسلبـ دين الواقعية، فهو لا يطالب المسلمين بأمور فوؽ طاقتهم لا يستطيعوف فعلها أيا كاف ىذا المأمور بو، فإما أف يسقط كلية أك يخفف إلى درجة تتناسب مع قدرات ىذا الشخص، كلقد جاءت النصوص الشرعية من الكتاب كالسنة موضحة ذلك أكضح بياف. يقوؿ تعالى: لا يكلف الله نفسا إلا كسعها [البقرة: ِٖٔ]، كيقوؿ تعالى: فاتقوا الله ما استطعتم [التغابن: ُٔ] كيقوؿ تعالى: يريد الله بكم اليسر كلا يريد بكم العسر [البقرة: ُٖٓ] كيقوؿ صلى الله عليو كسلم (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منو ما استطعتم) ركاه البخارم (ِٖٖٕ)، فهذه النصوص الشرعية تبين بوضوح أف الإنساف لا يكلف فوؽ طاقتو في أم أمر من أمور الشرع، كما الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر إلا جزء من أكامر الشرع، كمدار ىذا البحث على
عدد الصفحات ١٨٧- 078 - حديث رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم كالذم يقوؿ فيو: (من رأل منكم منكرا فليغيره بيده، فإف لم يستطع فبلسانو فإف لم يستطع فبقلبو كذلك أضعف الإيماف) ركاه مسلم (ْٗ) من حديث أبي سعيد الخدرم رضي الله عنو، فهذا نص صريح من المصطفى صلى الله عليو كسلم بأف المغير للمنكر لا يلزمو إزالتو بطريقة كاحدة، بل عليو أف يغيره بيده فإف لم يستطع فبلسانو فإف لم يستطع فبقلبو كىذا أقل الأحواؿ. يقوؿ الجصاص في أحكاـ القرآف (ِ/ ّٔ) حوؿ قولو صلى الله عليو كسلم (من رأل منكم منكرا فليغيره بيده) أخبر النبي صلى الله عليو كسلم أف إنكار المنكر على ىذه الوجوه الثلبثة على حسب الإمكاف، كدؿ على أنو إف لم يستطع تغييره بيده فعليو تغييره بلسانو، ثم إف لم يكن ذلك فليس عليو أكثر من إنكاره بقلبو ا.ىػ كقاؿ النوكم في شرح مسلم (ِ/ِٓ): كأما صفة النهي كمراتبو فقد قاؿ النبي صلى الله عليو كسلم في ىذا الحديث الصحيح فليغيره بيده فإف لم يستطع فبلسانو فإف لم يستطع فبقلبو فقولو صلى الله عليو كسلم فبقلبو معناه فليكرىو بقلبو كليس ذلك بإزالة كتغيير منو للمنكر كلكنو ىو الذم في كسعو ا.ىػ كسئل العلبمة العثيمين كما في لقاءات الباب المفتوح : ىل يجب علي إنكار المنكر إذا رأيت إنسانان مسبلبن أك حالق لحيتو أك شارب دخاف أك سامع أغافوًُ يجب علي إنكار كل منكر كأف أكوف في المسجد مثلبن في الحرـ كأرل كثيران مسبلين؟ فأجاب: (فىاتػَّقيوا اللَّوى مىا اسٍتىطىعٍتيمٍ [ )التغابن:ُٔ]الواجب إنكار كل منكر على كل فاعلو، لكن (فىاتػَّقيوا اللَّوى مىا اسٍتىطىعٍتيمٍ [ )التغابن:ُٔ]لأف كوف الإنساف مثلبن في مجتمع أكثرىم حالقو لحاىم ليس من المستطاع أف الإنساف يمسك كل شخص كيقوؿ: ىذا حراـ، لكن اتق الله ما استطعت، ربما إذا جمعك مجلس مع أحد من ىؤلاء تنصحو ا.ىػ كيدخل في عدـ القدرة ما يلي: ُ - العجز الحسي. ِ - العجز المعنوم. كالأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر يماثل الجهاد كالدعوة إلى الله أك ىما معا، لذا فإنو كلما تتوفر القدرة العلمية كالجسمية فإف عطاءه كنفعو يكوف أكثر، ككلما نقص لديو جانب من
عدد الصفحات ١٨٨- 081 - الجوانب ذات الصلة بالأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر فإف نفعو يكوف أقل، لذا اشترط العلماء لإيجاب الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر القدرة الحسية كالمعنوية. أكلا: العجز الحسي: فيشترط في الآمر بالمعركؼ كالناىي عن المنكر سلبمة جسمو كقوتو ككماؿ حواسو فلب يلزـ الأخرس كالأصم كالأعمى بما لا يعلموف أنو منكر، أك لا يستطيعوف إنكاره لفقد تلك الحواس أك بعضها. كذلك ضعيف الجسم كىزيلو الذم لا يستطيع الدفاع عن نفسو أك لا يتحمل الأذل. ككذلك لا يلزـ من يخشى على مالو كعرضو من النهب أك الانتهاؾ إذا أمر أك نهى أك نحو ذلك. ثانيا: الجانب المعنوم: فيشترط في المحتسب أف يكوف عالما عارفا بأحكاـ الشرع كعالما بالمنكرات، فيعلم مواقع الحسبة كحدكدىا كمجاريها كموانعها، حيث إف الحسبة أمر بمعركؼ كنهي عن منكر، فلببد أف يعرؼ حدكد المعركؼ كحدكد المنكر فإذا كاف عالما فإنو يعرؼ مراتب كل منهما. يقوؿ الشيرازم في نهاية الرتبة في طلب الحسبة (صٔ): لما أف كانت الحسبة أمرا بمعركؼ كنهيا عن منكر كإصلبحا بين الناس كجب أف يكوف المحتسب فقيها عارفا بأحكاـ الشريعة؛ ليعلم ما يأمر بو كينهى عنو. فإف الحسن ما حسنو الشرع، كالقبيح ما قبحو الشرع، كلا مدخل للعقوؿ في معرفة المعركؼ كالمنكر إلا بكتاب الله عز كجل كسنة نبيو صلى الله عليو كسلم كرب جاىل يستحسن بعقلو ما قبحو الشرع، كيرتكب المحظور كىو غير عالم بو ا.ىػ كقاؿ النوكم في شرح مسلم (ُ/ُٓ): إنما يأمر كينهى من كاف عالما بما يأمر بو كينهى عنو، كذلك يختلف باختلبؼ الشيء فإف كاف من الواجبات الظاىرة كالمحرمات المشهورة كالصلبة كالصياـ كالزنا كالخمر كنحوىا فكل المسلمين علماء بها. كإف كاف من دقائق الأفعاؿ كالأقواؿ كمما يتعلق بالاجتهاد لم يكن للعواـ مدخل فيو كلا لهم إنكاره بل ذلك للعلماء ا.ىػ إذا فليس على العامي إنكار فيما يحتاج إلى علم أك اجتهاد بل يسقط عنو الأمر كالنهي في ىذه الحالة. كلكن يلزمو أف ينكر الأمور التي لا يعذر أحد بجهلها كترؾ الصلبة كفعل الزنا كشرب الخمر كنحو ذلك. يقوؿ الغزالي في الإحياء (ٕ/ ِٖ): العامي ينبغي لو أف لا يحتسب إلا في الجليات المعلومة، كشرب الخمر، كالزنا، كترؾ الصلبة، فأما ما يعلم كونو معصية بالإضافة إلى ما يطيف بو من الأفعاؿ كيفتقر فيو إلى الاجتهاد فالعامي إف خاض فيو كاف ما يفسده أكثر مما يصلحو ا.ىػ
عدد الصفحات ١٨٩- 080 - المطلب الثاني: ضابط الاستطاعة. لا شك أف ضابط الاستطاعة ليس لو ميزاف دقيق، فالأشخاص يختلفوف، فهذا يقدر على أمور لا يستطيعها شخص آخر، كىذا قد أعطاه الله قوة في العلم كالجسم كآخر قد فقدىا أك أحدىما. فالضابط الحقيقي متركؾ لضمير الشخص نفسو. كلكن مع ذلك ينبغي أف يكوف ىناؾ حد أدنى يقف عنده الناس حتى لا يكوف مبدأ عدـ القدرة كسيلة لترؾ الأمر كالنهي فهناؾ أمور يجب أف لا تصد الناس عن الأمر كالنهي. فمثلب الخوؼ من اللوـ أك السب كالشتم كنحو ذلك. فلب يعذر أحد من الناس بسبب ذلك لأنو بسيط كىو في ذات الله تعالى. كلقد أثنى الله سبحانو كتعالى على الذين يجاىدكف في سبيلو كلا يخافوف فيو لومة لائم. يقوؿ تعالى: (يجاىدكف في سبيل الله كلا يخافوف لومة لآئم[ )المائدة: ْٓ] يقوؿ ابن كثير في تفسيره (ِ/ َٕ): أم لا يردىم عما ىم فيو من طاعة الله تعالى كإقامة الحدكد كقتاؿ أعدائو، كالأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر لا يردىم عن ذلك راد، كلا يصدىم عنو صاد، كلا يحيك فيهم لوـ لائم كلا عذؿ عاذؿ ا.ىػ كعن عبادة بن الصامت رضي الله عنو قاؿ: (بايعنا رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم على أف نقوؿ الحق أينما كنا، لا نخاؼ في الله لومة لائم) ركاه البخارم (ُٕٗٗ)، كمسلم (َُْٖ). قاؿ القرطبي في تفسيره (ْ/ ْٖ): أجمع المسلموف فيما ذكر ابن عبد البر أف المنكر كاجب تغييره على كل من قدر عليو، كأنو إذا لم يلحقو بتغييره إلا اللوـ الذم لا يتعدل إلى الأذل، فإف ذلك لا ينبغي أف يمنعو من تغييره ا.ىػ قاؿ الغزالي في الإحياء (ٕ/ ّّ): كلو تركت الحسبة بلوـ لائم أك باغتياب فاسق أك شتمو أك تعنيفو أك سقوط المنزلة عن قلب أمثالو لم يكن للحسبة كجوب أصلب إذ لا تنفك الحسبة عنو ا.ىػ بتصرؼ فينبغي للآمر بالمعركؼ كالناىي عن المنكر أف لا يلتفت لهذه الأمور الصغيرة فإنها تعد قشورا بسيطة تصيبو في ذات الله كىو مع ذلك لا يعتبر قدـ شيئا يذكر، ككاف الأكلى لو كالأفضل أف يقدـ نفسو رخيصة في سبيل الله. كيجب أف يعرؼ المسلم أف عذر الشارع في عدـ النهي عن المنكر إذا خاؼ الإنساف على نفسو رخصة، كأما طريقة العزيمة كالفضل فهو أف يقدـ الإنساف نفسو كما يملك من أجل إعلبء كلمة الله تعالى، دكف أف يتراجع عن كلمة الحق مهما كلفتو؛ لأف الشارع رغب في ذلك.
عدد الصفحات ١٩٠- 081 - كفي الحديث(أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطاف جائر) كرد من حديث أبي سعيد الخدرم ، ك أبي أمامة ، ك طارؽ بن شهاب ، ك جابر ابن عبد الله ، ك الزىرم مرسلب كالحديث حسنو الترمذم (ُِْٕ)، كحسنو البغوم في شرح السنة (ٓ/ُّْ)، كصححو النوكم في رياض الصالحين (ُُٕ)، كقاؿ السخاكم في المقاصد (ّٗ) لو طرؽ، كصححو الشوكاني في الفتح الرباني (ُُ/ْْٔٓ)، كصححو العلبمة الألباني في الصحيحة (ُْٗ)، كحسنو لغيره الأرنؤكط كمن معو في تحقيق المسند. فهذ الحديث كغيره يفيد أف الإنساف مأجور عندما يصدع بكلمة الحق كيأمر كينهى، كلو أدل ذلك إلى ىلبكو كتعذيبو؛ لأف نتيجة الكلمة الصادقة عند السلطاف الجائر معركفة. يقوؿ العمرم كما في كتاب الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر (ص: ِِٔ، ِّٔ): لا شك أف التضحية بالنفس كالنفيس في سبيل الجهر بكلمة الحق ليست بأمر سهل ترغب فيو النفوس فهي تطلب حبا قويا كإخلبصا عميقا، كعزيمة صادقة كىمة بعيدة. كلكن مما لا شك فيو أيضا أف أصحاب العزيمة كأىل الإخلبص ىم أرفعهم عند الله درجة كأعلبىم مكانة.... ثم يقوؿ: ىذه الأمة التي ألقى الله على كواىلها مهمة الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر، كالتي عليها أف تصلح أمرىا بنفسها لها تاريخ مشرؽ مجيد في الصدؽ كالجرأة كالشهامة كالصدع بالحق، كلئن كجدت فيو من سكت عن المنكر كما قوم على إظهار المعركؼ لضعف إيمانو، فلب تستقل عدد أكلي العزـ كأصحاب الهمم الذين تصدكا للباطل كشهدكا بالحق في ظلبؿ السيوؼ كذلك ىو الذم ما زاؿ يضمن للؤمة، حياتها كبقاءىا كإف فقدت كافة الأمة يوما ىذه الركح -ركح التضحية كالفداء كالتفاني- كاف أشأـ يوـ في تاريخها كانقطعت عنها رحمة الله كلم يحل بينها كبين ىلبكها شيء كسقطت في الدرؾ الأسفل إلى ىاكية الانحطاط ا.ىػ (تنبيو) يشرع الأمر كالنهي كلو خاؼ على نفسو الهلبؾ، كذلك إذا كاف يترتب على ذلك ىداية طائفة من الناس إذا قاؿ كلمة الحق، أك ضلبلهم إذا سكت. فهنا يشرع لو أف يقوؿ كلمة الحق كلو أدل ذلك إلى قتلو، كالدليل على ذلك قصة الغلبـ مع الملك التي ركاىا صهيب عن النبي صلى الله عليو كسلم في حديثو الطويل كفيها (... فقاؿ -الغلبـ- للملك إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرؾ بو قاؿ كما ىو ؟ قاؿ تجمع الناس في صعيد كاحد كتصلبني على جذع ثم خذ سهما من كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل باسم الله رب الغلبـ ثم ارمني فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني فجمع الناس في صعيد كاحد كصلبو على جذع ثم أخذ سهما من كنانتو ثم
عدد الصفحات ١٩١- 082 - (باب ما ينبغي أف ينكر على الرجل يعلم منو أنو طلق امرأتو كىي معو أك يحتج بحجة صحيحة) َٖ- أخبرني أحمد بن محمد بن مطر، أف أبا طالب، حدثهم (أنو سأؿ أبا عبد الله عن الرجل، تكوف معو امرأتو على غير حلبؿ، قد طلقها ثلبثا، كىو معها، ما يرل معاملتو؟ قاؿ: تعظو، كتذكره الله، كتأمره، قلت: فإف قاؿ: قد استحلت كتزكجتها؟ قاؿ: يقبل منو إذا قاؿ: قد استحلت قاؿ الحسن: يقبل قولو كلا يفتش عن أحد، كالمرأة إذا كانت تعرؼ بصدؽ يقبل منها)ُ. ُٖ- كأخبرني محمد بن الحسن، أف أبا بكر المركذم حدثهم، (أف أبا عبد الله بلغو عن ساكن لو بين المغرب كالعشاء أنو طلق امرأتو، كأنها مقيمة معو، فرأيتو خرج إليو، كصاح بو، ثم قاؿ لو: " تطلق كتقيم؟ كأمره أف يتحوؿ عنو، كقاؿ: انتقل)ِ. ِٖ- أخبرني محمد بن ىاركف بن حبيش، حدثهم أف أبا عبد الله (سئل عن الرجل، يسمع عن الرجل الذم، يطلق امرأتو، " أيسعو أف يخرجها؟ قاؿ: نعم)ّ. ّٖ- كأخبرني زكريا بن يحيى، قاؿ: حدثنا أبو طالب، أف أبا عبد الله، (قيل لو: الرجل يقوؿ للرجل : قد طلقت امرأتي ثلبثا، فلب تخبر ختني، فإني أخاؼ كىي عندم؟ قاؿ: يخبره، ىذا فرج، يخبره حتى يفرؽ بينهما)ُ. كضع السهم في كبد القوس ثم قاؿ باسم الله رب الغلبـ ثم رماه فوقع السهم في صدغو فوضع يده في صدغو في موضع السهم فمات فقاؿ الناس آمنا برب الغلبـ آمنا برب الغلبـ آمنا برب الغلبـ...) ركاه مسلم (ََّٓ). فهذا الغلبـ ضحى بنفسو لعلمو أنو سيهتدم بعده آلاؼ الناس كقصة الإماـ أحمد بن حنبل - رحمو الله- مشهورة. حيث ثبت على قولو الحق في أف القرآف منزؿ غير مخلوؽ لعلمو أف الناس سيقتدكف بو، كلو قاؿ إنو مخلوؽ تورية لضل بذلك خلق كثير. ُ إسناده صحيح. ِ شيخ المصنف لم أميزه. ّ شيخ المصنف لم أجد لو ترجمة.
عدد الصفحات ١٩٢