- 051 - كمما يدؿ على أف تارؾ الأمر بالمعركؼ غير مهتد، أف الله تعالى أقسم أنو في خسر في قولو تعالى: كالعصر إف الإنساف لفي خسر إلا الذين آمنوا كعملوا الصالحات كتواصوا بالحق كتواصوا بالصبر [َُّ / ُ، ِ، ّ]، فالحق كجوب الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر، كبعد أداء الواجب لا يضر الآمر ضلبؿ من ضل، كقد دلت الآيات كقولو تعالى: كاتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة [ٖ / ِٓ]، كالأحاديث على أف الناس إف لم يأمركا بالمعركؼ، كلم ينهوا عن المنكر، عمهم الله بعذاب من عنده. فمن ذلك ما خرجو الشيخاف في «صحيحيهما» عن أـ المؤمنين أـ الحكم زينب بنت جحش - رضي الله عنها: أف النبي - صلى الله عليو كسلم - دخل عليها فزعا مرعوبا يقوؿ: «لا إلو إلا الله، كيل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوـ من ردـ يأجوج كمأجوج مثل ىذه، كحلق بإصبعيو الإبهاـ كالتي تليها، فقلت: يا رسوؿ الله! أنهلك كفينا الصالحوف؟ ، قاؿ: نعم إذا كثر الخبث» . كعن النعماف بن بشير - رضي الله عنهما: عن النبي - صلى الله عليو كسلم - قاؿ: «مثل القائم في حدكد الله، كالواقع فيها، كمثل قوـ استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلبىا، كبعضهم أسفلها، ككاف الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مركا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا، كلم نؤذ من فوقنا، فإف تركوىم كما أرادكا ىلكوا، كىلكوا جميعا، كإف أخذكا على أيديهم نجوا، كنجوا جميعا» ، أخرجو البخارم كالترمذم.... كعن ابن مسعود - رضي الله عنو - قاؿ: قاؿ رسوؿ الله - صلى الله عليو كسلم: «إف أكؿ ما دخل النقص على بني إسرائيل، أنو كاف الرجل يلقى الرجل فيقوؿ: يا ىذا اتق الله، كدع ما تصنع، فإنو لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد كىو على حالو، فلب يمنعو ذلك أف يكوف أكيلو كشريبو كقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض» ، ثم قاؿ: لعن الذين كفركا من بني إسرائيل على لساف داكد كعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا ككانوا يعتدكف كانوا لا يتناىوف عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلوف ترل كثيرا منهم يتولوف الذين كفركا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أف سخط الله عليهم كفي العذاب ىم خالدكف كلو كانوا يؤمنوف بالله كالنبي كما أنزؿ إليو ما اتخذكىم أكلياء كلكن كثيرا منهم فاسقوف [ٓ / ٕٗ، َٖ، ُٖ]، ثم قاؿ: «ك كالله لتأمرف بالمعركؼ، كلتنهوف عن المنكر، كلتأخذف على يد الظالم، كلتأطرنو على الحق أطرا، كلتقصرنو على الحق قصرا، أك ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض، ثم ليلعننكم كما لعنهم» .
عدد الصفحات ١٦١- 052 - ركاه أبو داكد، كالترمذم كقاؿ: حسن، كىذا لفظ أبي داكد، كلفظ الترمذم: قاؿ رسوؿ الله - صلى الله عليو كسلم: «لما كقعت بنو إسرائيل في المعاصي، نهتهم علماؤىم فلم ينتهوا، فجالسوىم ككاكلوىم، كشاربوىم ؛ فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، كلعنهم على لساف داكد كعيسى ابن مريم ؛ ذلك بما عصوا ككانوا يعتدكف» ، فجلس رسوؿ الله - صلى الله عليو كسلم - ككاف متكئا، فقاؿ: «لا كالذم نفسي بيده، حتى يأطركىم على الحق أطرا» . كمعنى تأطركىم أم: تعطفوىم، كمعنى تقصركنو: تحبسونو، كالأحاديث في الباب كثيرة جدا، كفيها الدلالة الواضحة على أف الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر داخل في قولو: إذا اىتديتم، كيؤيده كثرة الآيات الدالة على كجوب الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر كقولو تعالى: كلتكن منكم أمة يدعوف إلى الخير كيأمركف بالمعركؼ كينهوف عن المنكر كأكلئك ىم المفلحوف [ّ / َُْ]، كقولو: كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمركف بالمعركؼ كتنهوف عن المنكر [ّ / َُُ] .كقولو: لعن الذين كفركا من بني إسرائيل على لساف داكد كعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا ككانوا يعتدكف كانوا لا يتناىوف عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلوف، كقولو: كقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن كمن شاء فليكفر [ُٖ / ِٗ]، كقولو: فاصدع بما تؤمر [ُٓ / ْٗ]، كقولو: أنجينا الذين ينهوف عن السوء كأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقوف [ٕ / ُٓٔ]، كقولو: كاتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة [ٖ / ِٓ] كالتحقيق في معناىا: أف المراد بتلك الفتنة التي تعم الظالم كغيره ىي أف الناس إذا رأكا المنكر فلم يغيركه عمهم الله بالعذاب، صالحهم كطالحهم، كبو فسرىا جماعة من أىل العلم، كالأحاديث الصحيحة شاىدة لذلك، كما قدمنا طرفا منها ا.ىػ من أضواء البياف. كلقد كقع الخطأ في فهمها عند بعض أىل العصر الأكؿ .. فقاـ أبو بكر -رضي الله عنو كبين المراد كأزاؿ الشبهة، ركل ذلك قيس بن حازـ حيث قاؿ: قاؿ أبو بكر الصديق بعد أف حمد الله كأثنى عليو يا أيها الناس إنكم تقرؤكف ىذه الآية، كتضعونها على غير موضعها يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم كإنما سمعنا رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم يقوؿ: (إف الناس إذا رأكا الظالم فلم يأخذكا على يديو أكشك أف يعمهم الله بعقاب كإني سمعت رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم يقوؿ: ما من قوـ يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدركف على أف يغيركا كلا يغيركف إلا يوشك أف يعمهم الله بعقاب) كقاؿ شعبة فيو: ما من قوـ يعمل فيهم بالمعاصي كىم أكثر ممن يعمل بها .. ) أخرجو أحمد رقم (ُكُٔكِٗ)، كالحميدم (ّ)، كعبد بن حميد (ُ)، كأبو داكد (ّّْٖ)، كالترمذم
عدد الصفحات ١٦٢- 053 - (باب الرجل يسمع صوت المنكر من البعد كلا يعرؼ مكانو) َٕ- أخبرني يوسف بن موسى، كأحمد بن الحسين، كىذا لفظ يوسف، أف أبا عبد الله، (سئل عن الرجل يسمع صوت الطبل، كالمزمار، كلا يعرؼ مكانو؟ فقاؿ: «كما عليو إذا لم يعرؼ مكانو)ُ. ُٕ- أخبرني عبد الكريم بن الهيثم العاقولي، قاؿ: سمعت أبا عبد الله، سئل عن الرجل ( يسمع حس الطبل كمزمار، لا يعرؼ مكانو؟ فقاؿ: كما عليك؟ كقاؿ: ما غاب فلب تفتش عليو )ِ. (باب ما يجب على الرجل من تغيير ذلك إذا سمع كعلم مكانو كلم ير مكانو بعينو، أك يراه في الطريق أف ينكره) (ُِٖٔ)، كابن ماجة (ََْٓ)، كالمركزم في مسند أبى بكر (ٖٔ، ٕٖ، ٖٖ)، كالبزار (ٓٔ، ٖٔ)، كأبو يعلى (ُِّ)، كأبو عبيد في الناسخ كالمنسوخ (ِٖٓ)، كابن أبي عاصم في الآحاد كالمثاني (ِٔ، ّٔ)، كالطحاكم في المشكل (ُُٓٔ، َُُٕ)، كابن حباف (َّْ)، كالخطابي في العزلة (صَُّ)، كابن أبي الدنيا في الأمر بالمعركؼ (ُ، َْ)، كالطبراني في مكارـ الأخلبؽ (ٕٗ)، كأبو نعيم في المعرفة (ُِّ)، كالضياء في المختارة (ْٓ، َٔ) كغيرىم، كالحديث صححو الترمذم، كالطحاكم في شرح مشكل الآثار (ّ/ َِٖ)، كقاؿ شيخ الإسلبـ في مجموع الفتاكل (ِٖ/ َّٕ) ثابت، كقاؿ ابن مفلح في الآداب الشرعية (ُ/ ُّٗ) إسناده صحيح، كصححو العلبمة الألباني في صحيح الترغيب (ُِّٕ)، كصححو الشيخ أحمد شا كر في تحقيق المسند (ُ/ ّٔ)، كقاؿ الأرنؤكط كمن معو في تحقيق المسند (ُ/ ُٖٕ): إسناده صحيح على شرط الشيخين. ُ إسناده صحيح. ِ عبد الكريم بن الهيثم بن زياد بن عمراف أبو يحيى القطاف العاقولي ذكره أبو بكر الخلبؿ كما في طبقات الحنابلة (ُ/ُِٔ): فقاؿ: جليل كبير عنده جزءاف صغيراف مسائل حساف مشبعة.
عدد الصفحات ١٦٣- 054 - ِٕ- أخبرني محمد بن أبي ىاركف، أف مثنى الأنبارم حدثهم، قاؿ: (سمع أحمد بن حنبل حس طبل في جواره، فقاـ إليهم من مجلسنا حتى أرسل إليهم فنهاىم)ُ. ّٕ- أخبرني محمد بن جعفر بن الحارث حدثهم، أنو قاؿ لأبي عبد الله: (إف لنا جيرانا يشربوف النبيذ في الطريق؟ قاؿ: «انههم أشد النهي، كأغلظ لهم ككبخهم)ِ. ْٕ- أخبرني محمد بن علي الوراؽ، أف محمد بن أبي حرب، حدثهم قاؿ: (سألت أبا عبد الله عن الرجل، يسمع المنكر في دار بعض جيرانو؟ قاؿ: يأمره، قلت: فإف لم يقبل؟ قاؿ: تجمع عليو الجيراف، ك يهوؿ عليو)ّ. ٕٓ- أخبرني منصور بن الوليد، أف جعفر بن محمد النسائي، حدثهم قاؿ: سمعت أبا عبد الله، سئل عن الرجل، يمر بالقوـ يغنوف؟ قاؿ: إذا ظهر لو، قلت ىم داخل لكن الصوت يسمع في الطريق؟ قاؿ: ىذا قد ظهر، عليو أف ينهاىم، كرأل أف ينكر الطبل، يعني إذا سمع صوتو قيل لو: مررنا بقوـ كقد أشرفوا من علية لهم، كىم يغنوف، فجئنا إلى صاحب الخبر فأخبرناه؟ فقاؿ: لم تكلموا في الموضع الذم سمعتم؟ فقيل: لا، قاؿ: كاف يعجبني أف تكلموا، لعل الناس كانوا يجتمعوف ككانوا يشهركف)ْ. ُ شيخ المصنف: محمد بن أبي ىاركف تقدـ في الخبر رقم (ْ). ِ إسناده صحيح، كصواب الإسناد أخبرني محمد بن جعفر أف أبا الحارث حدثهم، فقد تكرر ىذا الإسناد كثيرا في كتب الخلبؿ، كشيخ المصنف محمد بن جعفر ىو الراشدم، كىو ثقة كما في تاريخ بغداد (ِ/ََٓ)، كأبو الحارث ىو أحمد بن محمد أبو الحارث الصائغ، قاؿ عنو الخلبؿ كما في طبقات الحنابلة ( ُ/ْٕ): كاف أىبيو عىبٍدً اللَّوً يأنس بو ككاف يقدمو كيكرمو ككاف عنده بموضع جليل كركل عىنٍ أبي عبد اللَّو مسائل كثيرة بضعة عشر جزءنا كجود الركاية عىنٍ أبي عبد اللَّو. ّ إسناده صحيح. ْ شيخ المصنف: منصور بن الوليد لم أجد ترجمتو ، ك جعفر بن محمد النسائي ىو الشقراني الشعراني أبو محمد قاؿ عنو الخلبؿ كما في طبقات الحنابلة ( ُ/ُِْ): رفيع القدر ثقة جليل
عدد الصفحات ١٦٤- 055 - ٕٔ_أخبرنا محمد بن عبد الصمد المقرمء المصيصي، قاؿ: سمعت إبراىيم بن عبد المجيد، يقوؿ: مر محمد بن مصعب -يعني العابد- بدار، فسمع صوت عود يضرب بو، فقرع الباب، فنزلت جارية، فقاؿ لها: يا جارية، قولي لمولاتك تحدر العود حتى أكسره، قاؿ: فصعدت، فقالت لمولاتها: شيخ بالباب قاؿ كذا ككذا، قالت: ىذا شيخ أحمق، فضربت بعودين، فجلس على الباب كاستعاذ كقرأ، فاجتمع الخلق، كارتفعتأصواتهم بالبكاء، فسمعت المرأة الضجة، فقالت انظرم ما ىذا يا جارية فنزلت الجارية ثم رجعت إلى مولاتها فقالت : يا مولاتي، تعالي، انزلي كاسمعي، فلما سمعت قالت: «احدرم العودين حتى يكسرىما)ُ. ٕٕ- أخبرني مقاتل بن صالح الأنماطي، قاؿ: سمعت محمد بن بشر العبدم، (إذا دعا دعاء للعلماء قاؿ: " كمحمد بن مصعب نواح ىذه القرية)ِ. كرع أمار بالمعركؼ نهاء عن المنكر أخبرت أنو قتل بمكة في شيء من ىذا الأمر كالنهي ككاف أبو عبد الله يكرمو كيقدمو كيأنس بو كيعرؼ لو حقو ركل عن أبي عبد الله أجزاء صالحة كمسائل كثيرة. ُ شيخ المصنف: محمد بن عبد الصمد المصيصي قاؿ عنو ابن الجزرم: مقرئ متصدر. كقاؿ الهيثمي: لم يتكلم فيو أحد. تاريخ دمشق (ْٓ/ ُِِ)، مختصره (ِّ/ ُٗ)، غاية النهاية (ِ/ ُُٕ)، المجمع (ْ/ ِٖٖ). ِ شيخ المصنف: مقاتل بن صالح قاؿ عنو الخطيب في تاريخ بغداد (ُٓ/َِِ): كاف أحد الثقات المستورين، كمحمد بن مصعب قاؿ عنو الإماـ أحمد كما في طبقات الحنابلة ( ُ/َِّ): كاف رجلب صالحا ككاف يقص كيدعو قائما في المسجد ثم قاؿ: ربما كاف ابن علية يجلس إليو في المسجد يسمع دعاءه. كفي السنة للمصنف (ِٖٗ): حدثنا أبو بكرقاؿ سألت أبا عبدالله عن محمد بن مصعب العابد فأثنى عليو قاؿ كأم رجل قلت كاف صاحب سنة قاؿ أم لعمرم لقد كتبت عنو كجعل يرفع من قدره كقاؿ لي عباس الدكرم قاؿ لنا يحيى بن معين كذكر ابن مصعب فذكره بخير كقاؿ اكتبوا عنو. ك إسناده صحيح.
عدد الصفحات ١٦٥- 056 - ٖٕ_ أخبرني أحمد بن محمد بن عبد الحميد الكوفي، قاؿ: (كاف محمد بن مصعب إذا سمع صوت، عود أك طنبور من دار، أرسل إليهم أف أرسلوا إلي ذلك الخبيث، فإف أرسلوا بو إليو كسره، كإلا قعد إلى الباب يقرأ، فيجتمع الناس، فيقولوف: محمد بن مصعب، فلب يدع حتى يخرج إليو فيكسره)ُ. ٕٗ- أخبرنا العباس بن محمد الدكرم، قاؿ: سمعت يحيى، يقوؿ: قاؿ مالك بن أنس: (إف جلست على باب غريم لك، فسمعت من الدار غناء، فلب تجلس ثم)ِ. ُ شيخ المصنف لم يوثقو معتبر، لو ترجمة في طبقات الحنابلة ( ُ/ٓٔ) فيها: أحمد بن محمد بن عبد الحميد الكوفي، أحد أصحاب إمامنا قاؿ: أبو بكر الخلبؿ حدثني أنو سأؿ أبا عبد الله أيما أعجب إليك في القبر اللبن أك القصب فقاؿ: القصب. ِ إسناده منقطع بين يحيى بن معين كمالك. مسائل في الباب: المسألة الأكلى: في ذكر شركط إنكار المنكر. المطلب الأكؿ: كونو منكرا. المنكر كل أمر نهى عنو الشارع الحكيم سواء أكاف ىذا الأمر محرما أـ مكركىا ككل ما كاف محذكرا في الشرع، كالحكم علي الشئ بأنو منكر أك غير منكر للشرع لأف ىذا الوصف حكم شرعي. كالحاكم حقيقة ىو الله سبحانو إف الحكم إلا لله [يوسف: ٕٔ]فليس ىناؾ مجاؿ للعواطف كالأىواء كالأغراض. كدكر العلماء في ذلك ىو استنباط الحكم الشرعي من النصوص القرآنية كالأحاديث النبوية كالقواعد المستوحاة منهما. كمن ثم الحكم على ىذا الأمر بأنو منكر أك غير منكر. المطلب الثاني: أف يكوف موجودا في الحاؿ، كىذا الشرط لو ثلبث أحواؿ: الحالة الأكلى: أف يكوف قد ىم بفعل المنكر. الحالة الثانية: أف يكوف متلبسا بالمنكر. الحالة الثالثة: أف يكوف قد انتهى من فعل المنكر. تفصيل ىذه الأحواؿ:
عدد الصفحات ١٦٦- 057 - الحالة الأكلى: أف يكوف قد ىم بفعل المنكر: كذلك بأف توجد مقدمات كعلبمات كمؤشرات تدؿ على كقوع المنكر مثل: أف يرل رجلب يتردد مرارا في أسواؽ النساء كيصوب النظر إلى كاحدة بعينها أك رأل شابا يقف كل يوـ عند باب مدرسة بنات كيصوب النظر إليهن، كليس لو من حاجة غير ذلك، أك سمع رجلب يتحدث بالهاتف -ىاتف الشارع - بصوت مرتفع مع امرأة كيحاكؿ أف يرتبط معها بموعد، أك رأل رجلب يسأؿ بكثرة عن كيفية تصنيع الخمر، كطريقة تركيبو كل ىذه الأمور تعتبر من المقدمات لفعل المنكر، فعلى الآمر بالمعركؼ كالناىي عن المنكر في ىذه الحالات الوعظ، كالنصح، كالإرشاد، كالتخويف بالله سبحانو كتعالى، كبعقوبتو كالخوؼ من عذابو كبطشو، كيذكر لو بعض النصوص القرآنية التي تبين أف الله سبحانو كتعالى مطلع عليو يسمع كلبمو كيرل مكانو. مثل قولو تعالى: (ألم تر أف الله يعلم ما في السماكات كما في الأرض ما يكوف من نجول ثلبثة إلا ىو رابعهم كلا خمسة إلا ىو سادسهم كلا أدنى من ذلك كلا أكثر إلا ىو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوـ القيامة إف الله بكل شيء عليم[ )المجادلة: ٕ] كمثل قولو تعالى: (يعلم خائنة الأعين كما تخفي الصدكر[ )غافر: ُٗ] كليكن ذلك بأسلوب فيو لين كعطف كإشفاؽ كليس فيو تجريح أك رفع صوت أك تشهير فهذه الأمور ربما دفعتو إلى حالة تأخذه فيها العزة بالإثم. كليس ىناؾ أحسن من ىذا الأسلوب في ىذه الحالة. كالعلم عند الله. الحالة الثانية: أف يكوف متلبسا بالمنكر: كمعنى ذلك أف تكوف المعصية كصاحبها مباشر لها كقت النهي كالتغيير، كمن ىو جالس كأمامو كأس الخمر يشرب منو أك كمن ىو أدخل امرأة أجنبية إلى داره كأغلق الباب عليهما كنحو ذلك، ففي ىذه الحاؿ يجب على الآمر بالمعركؼ كالناىي المنكر الإنكار عليو كمنعو من ذلك طالما أنو قادر على إزالة المنكر كلم يخف على نفسو ضررا أك أذل. قاؿ القاضي عياض في إكماؿ المعلم (ُ/َِٗ): فمن حق المغير أكلا أف يكوف عالما بما يغيره، عارفا بالمنكر من غيره، فقيها بصفة التغيير كدرجاتو، فيغيره بكل كجو أمكنو زكالو بو، كغلبت على ظنو منفعة تغييره بمنزعو ذلك من فعل أك قوؿ، فيكسر آلات الباطل، كيريق ظركؼ المسكر بنفسو، أك يأمر بقولو من يتولى ذلك، كينزع المغصوب من أيدل المتعمدين، بيده أك يأمر بأخذىا منهم، كيمكن منها أربابها، كل ىذا إذا أمكنو، كيرفق فى التغيير جهده بالجاىل، أك ذل العزة الظالم المخوؼ شره، إذ ذلك أدعى إلى قبوؿ قولو، كامتثاؿ أمره، كأسمع لوعظو كتخويفو، كما
عدد الصفحات ١٦٧- 058 - يستحب أف يكوف متولى ذلك من أىل الفضل كالصلبح، لهذا المعنى، كيغلظ على المغتر منهم فى غيو، كالمسرؼ فى بطالتو، إذا أمن أف يؤثر إغلبظو منكرا أشد مما غيره، أك كاف جانبو محميا عن سطوة الظالم، فإف غلب على ظنو أف تغييره بيده يسبب منكرا أشد منو من قتلو أك قتل غيره بسببو، كف يده، كاقتصر على القوؿ باللساف، كالوعظ كالتخويف، فإف خاؼ - أيضا - أف يسبب قولو مثل ذلك غير بقلبو، [ككاف فى سعة، كىذا ىو المراد بالحديث إف شاء الله، كإف كجد من يستعين بو على ذلك استعاف، ما لم يؤد ذلك إلى إظهار سلبح كحرب، كليرفع ذلك إلى من لو الأمر إف كاف المنكر من غيره، أك يقتصر على تغييره بقلبو ا.ىػ الحالة الثالثة: أف يكوف فاعل المنكر قد فعلو كانتهى منو كلم يبق إلا آثاره، كمن شرب الخمر كبقيت آثاره عليو أك من عرؼ أنو ساكن أعزب كخرجت من عنده امرأة أجنبية كنحو ذلك، ففي ىذه الحاؿ ليس ىناؾ كقت للنهي أك التغيير كإنما ىناؾ محل للعقاب كالجزاء على فعل ىذه المعصية، كىذا الأمر -في الغالب- ليس من شأف الآمر بالمعركؼ كالناىي عن المنكر - المتطوع - كإنما ىو شأف كلي الأمر أك نائبو فيرفع أمره للحاكم ليصدر فيو الحكم الموافق للشرع . قاؿ ابن نجيم كما في البحر الرائق شرح كنز الدقائق (ٓ/ ِْ): كأما بعد الفراغ منها - المعصية- فليس ذلك لغير الحاكم ا.ىػ كللآمر بالمعركؼ أف يخوفو بالله كيحذره من الوقوع في مثل ذلك مستقبلب، كيذكره بآثار المعاصي السيئة في الدنيا كالآخرة. المطلب الثالث: أف يكوف المنكر ظاىرا من غير تجسس. لقد شمل الإسلبـ جميع جوانب الحياة للمسلم كأعطى كل جانب منها حقو كضمن للئنساف أف يعيش في المجتمع آمنا مطمئنا محترما كموقرا طالما أنو سالك الطريق المستقيم، كأما إذا حاد عن الطريق فإف الإسلبـ جعل لكل أمر معوج ما يناسبو من التقويم. كمن الأمور التي شرعها الإسلبـ لاحتراـ الإنساف كأمنو النهي عن التجسس عليو. فلب يجوز لأحد أف يدخل عليو بيتو إلا بإذنو يقوؿ تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا كتسلموا على أىلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكركف ) [النور: ِٕ]حتى تسلموا كتستأذنوا كذلك أف يقوؿ أحدىم السلبـ عليكم أأدخل؟ كىو من المقدـ الذم معناه التأخير إنما ىو حتى تسلموا كتستأذنوا.
عدد الصفحات ١٦٨- 061 - ففي الآية نص من الله تعالى بتحريم الدخوؿ إلى البيوت بغير إذف، بل إف الإسلبـ حرـ أقل من ذلك كىو النظر إلى داخل البيت من أحد ثقوبو أك فتحاتو. فأسقط الشارع الحكم حد القصاص كالدية عمن فعل ذلك، كالدليل حيث أبي ىريرة رضي الله عنو عند البخارم (َِٗٔ)، كمسلم (ُِٖٓ) قاؿ: قاؿ أبو القاسم صلى الله عليو كسلم (لو أف امرأ اطلع عليك بغير إذف فخذفتو بحصاة ففقأت عينو لم يكن عليك جناح) كما رخصت عين الجاني إلا لعظمة حرمة المسلم داخل بيتو. كإذا كاف الإسلبـ حرـ الدخوؿ إلى البيت كالنظر إلى داخلو بغير إذف. فإف الإسلبـ أيضا حرـ التجسس. يقوؿ تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إف بعض الظن إثم كلا تجسسوا كلا يغتب بعضكم بعضا[ )الحجرات: ُِ]الآية. قاؿ مجاىد - رحمو الله- خذكا ما ظهر لكم كدعوا ما ستر الله . كقاؿ القرطبي في تفسيره (ُٔ/ ّّّ): كمعنى الآية خذكا ما ظهر كلا تتبعوا عورات المسلمين أم لا يبحث أحدكم عن عيب أخيو حتى يطلع عليو بعد أف ستره الله ا.ىػ كعن أبي ىريرة رضي الله عنو أف رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم قاؿ: (إياكم كالظن فإف الظن أكذب الحديث كلا تجسسوا كلا تنافسوا كلا تحاسدكا كلا تباغضوا كلا تدابركا ككونوا عباد الله إخوانا) ركاه البخارم (َْٔٔ)، كمسلم (ِّٔٓ). كفي ركاية عن أبي ىريرة قاؿ: قاؿ رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم (لا تحاسدكا كلا تباغضوا كلا تحسسوا كلا تجسسوا كلا تناجشوا ككونوا عباد الله إخوانا) ركاه البخارم (َٔٔٔ)، كمسلم (ِّٔٓ). كمعنى التحسس كالتجسس قاؿ بعض العلماء: الحسس بالحاء الاستماع لحديث القوـ كبالجيم: البحث عن العورات، كقيل بالجيم التفتيش عن بواطن الأمور، كأكثر ما يقاؿ في الشر. كالجاسوس صاحب سر الشر، كالناموس صاحب سر الخير، كقيل بالجيم أف تطلبو لغيرؾ كبالحاء أف تطلبو لنفسك قالو ثعلب. كقيل ىما بمعنى كىو طلب معرفة الأخبار الغائبة كالأحواؿ. كعلى كل فإنو إف كاف كقع اختلبؼ في معنى التحسس كالتجسس فإف العلماء متفقوف على تحريم التجسس بنص الآية الكريمة كلا تجسسوا كبنص حديث رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم (كلا تجسسوا) كقد سبقت الإشارة إلى موضعها.
عدد الصفحات ١٦٩- 060 - كعن معاكية رضي الله عنو قاؿ: سمعت رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم يقوؿ: (إنك اتبعت عورات المسلمين أفسدتهم أك كدت أف تفسدىم) أخرجو أبو داكد (ْٖٖٖ)، كالبخارم في الأدب المفرد (رقم ِْٖ)، كابن حباف (َٕٔٓ)، كأبو يعلى (ّٖٕٗ)، كالطبراني في الكبير (ُٗ/ ّٕٗ)، كالأصبهاني في الترغيب (ٖٔٔ)، كأبو نعيم في الحلية (ٔ/ ُُٖ)، كالبيهقي في الدلائل (ٔ/ ْْٕ) كفي الكبرل (َُُْٕ)، كالحديث قاؿ عنو النوكم في الرياض (َُٕٗ): حديث صحيح، كقاؿ العراقي في المغني: إسناده صحيح، ككذا قاؿ ابن مفلح في الآداب الشرعية (ُ/ ََّ)، كصححو العلبمة الألباني في صحيح الجامع (ِِٓٗ)، كقاؿ الشيخ مشهور في تعليقو على كتاب الموافقات (ِ/ ّْٓ): إسناده صحيح. فهذا نص صريح من الرسوؿ صلى الله عليو كسلم بأف التجسس كتتبع عورات المسلمين من كسائل إفساد المجتمع كقد كرد في ذلك بعض الآثار التي تبين كقوؼ الصحابة رضي الله عنهم عند ىذا الحد، فلم يقدموا عليو بل إذا ما كقع من أحدىم ذلك لاجتهاد ظنو أنكر عليو ذلك. من ذلك ما كرد عن عبد الرحمن بن عوؼ قاؿ ( حرست ليلة مع عمر بن الخطاب بالمدينة إذ تبين لنا سراج في بيت بابو مجافى على قوـ لهم أصوات مرتفعة كلغط. فقاؿ عمر: ىذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف كىم الآف شرب فما ترل، قلت: أرل أنا قد أتينا ما نهى الله عنو كلا تجسسوا كقد تجسسنا، فانصرؼ عمر كتركهم )، كقاؿ أبو قلببة: حدث عمر أف أبا محجن الثقفي يشرب الخمر مع أصحاب لو في بيتو فانطلق عمر حتى دخل عليو فإذا ليس عنده إلا رجل فقاؿ أبو محجن: إف ىذا لا يحل لك. قد نهاؾ الله عن التجسس فخرج عمر كتركو ). فالآمر بالمعركؼ كالناىي عن المنكر منهي عن التجسس إلا في حالات نادرة سنتحدث عنها في الفقرة التي تلي ىذه، لأف من يفعل ذلك ينتهك عدة حقوؽ أساسية ثابتة شرعا لمن تجسس عليو، منها: حقو في حرمتو في مسكنو، كحقو في حرية شخصو باطلبعو على سره، ىذا من جهة كمن جهة أخرل يكوف المتجسس قد استباح كسيلة محرمة للوصوؿ إلى غاية، كسواء أكانت ىذه الغاية محرمة أـ مباحة، فإف ذلك محظور؛ لأنها إف كانت محرمة فالوسيلة إليها محرمة، كأما إذا كانت الغاية مشركعة فلب يصح أف يسعى إليها بوسيلة محرمة؛ لأف الغاية تأخذ حكم الوسيلة... موقف الآمر بالمعركؼ كالناىي عن المنكر إذا ظهرت علبمات المنكر:
عدد الصفحات ١٧٠- 061 - عرفنا حكم الإسلبـ في التجسس كعرفنا أيضا أنو لا يجوز للمسلم أف يجاىر بالمعصية، كلكن ما ىو موقف الناىي عن المنكر. إذا ظهرت أمارات المنكر كىو داخل البيت، كأف تفوح رائحة الخمر، أك تسمع آلات الموسيقى كالطرب أك تسمع أصوات المغنيات كالمطربات كنحو ذلك؟ فذىب بعض العلماء إلى أنو لا يجب الإنكار في ىذه الحاؿ. قاؿ في غذاء الألباب (ُ/ ِْٔ): كأما تسور الجدراف على من علم اجتماعهم على منكر فقد أنكره الأئمة مثل: سفياف الثورم كغيره كىو داخل في التجسس المنهي عنو ا.ىػ كأما الماكردم في الأحكاـ السلطانية (ص: ِِٓ) فيقسم المنكر في ىذه الحاؿ إلى قسمين: الحالة الأكلى: أف يكوف ذلك في انتهاؾ حرمة يفوت استدراكها ففي ىذه الحاؿ يجوز للناىي أف يتجسس. الحالة الثانية: ما خرج عن ىذا الحد كقصر عن ىذه الرتبة فلب يجوز التجسس عليو ككشف الأستار عنو ا.ىػ كقد استدؿ القائلوف بعدـ التجسس على أكلئك بالأمر الوارد عن ابن مسعود رضي الله عنو (أنو أتي إليو برجل فقيل لو: ىذا فلبف تقطر لحيتو خمرا. فقاؿ: إنا قد نهينا عن التجسس، كلكن إف يظهر لنا شيء نأخذ بو) أخرجو أبو داكد (َْٖٗ)، كابن أبي شيبة في المصنف (ٗ/ ٖٔ)، كعبدالرزاؽ في المصنف (ُْٖٓٗ)، كالترمذم في العلل (صّٕٓ)، كالحاكم (ْ/ُْٖ)، كالبيهقي في الكبرل (ٖ/ّّْ) كالحديث صححو الحاكم كأقره الذىبي، كقاؿ النوكم في رياض الصالحين (َُٖٓ): ركاه أبو داكد بإسناد على شرط البخارل كمسلم، كصححو العلبمة الألباني في صحيح أبي داكد، كقاؿ العلبمة الوادعي في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين (ْٖٓ): صحيح على شرط الشيخين. كأيضا عموـ الآيات كالأحاديث الواردة عن النهي عن ذلك. كذىب بعض العلماء إلى أنو في ىذه الحالة يجوز التجسس عليهم كاقتحاـ البيت إذا تحققت تلك الأمارات. قاؿ الخلبؿ ىنا في أصل الكتاب: أخبرني محمد بن أبي ىاركف أف مثنى الأنبارم حدثهم. قاؿ: سمع أحمد بن حنبل حس طبل في جواره فقاـ إليهم كنهاىم.
عدد الصفحات ١٧١- 062 - كقاؿ أيضا: أخبرني محمد بن علي الوراؽ أف محمدا بن أبي حرب حدثهم قاؿ: سألت أبا عبد الله عن الرجل يسمع المنكر في دار بعض جيرانو قاؿ: يأمره. قلت: فإف لم يقبل؟ قاؿ يجمع عليو الجيراف كيهوؿ عليو. كقاؿ أيضا: أخبرني منصور بن الوليد أف جعفر بن محمد النسائي حدثهم قاؿ: سمعت أبا عبد الله سئل عن الرجل يمر بالقوـ يغنوف. قاؿ: ىذا قد ظهر عليو أف ينهاىم ا.ىػ كقاؿ الغزالي في الإحياء (ّ - ٕ/ ّٕ): إلا أف يظهر -المنكر- ظهورا يعرفو من ىو خارج الدار كأصوات المزامير كالأكتار إذا ارتفعت بحيث جاكز ذلك حيطاف الدار فمن سمع ذلك فلو دخوؿ الدار ككسر الملبىي، ككذا إذا ارتفعت أصوات السكارل بالكلمات بالمألوفة بينهم بحيث يسمعها أىل الشوارع فهذا إظهار موجب للحسبة ا.ىػ كقاؿ ابن الجوزم كما في غذاء الألباب (ُ/ ِِٔ): من تستر بالمعصية في داره كأغلق بابو لم يجز أف يتجسس عليو، إلا أف يظهر ما يعرفو كأصوات المزامير كالعيداف فلمن سمع ذلك أف يدخل كيكسر الملبىي، كإف فاحت رائحة الخمر فالأظهر جواز الإنكار ا.ىػ كالقوؿ الثاني أرجح كىو جواز التجسس ككجوب الإنكار على من جاىر بالمعصية؛ لأف النصوص الواردة في النهي عن التجسس خاصة بمن لم يجاىر بمعصيتو، كأما من جاىر بمعصيتو فإنو لا يشملو ىذا التكريم؛ لأف فعل المجاىر ينتج عنو أمور تخالف قواعد الشرع كنوضح المسألة بما يأتي: أكلا: إف الرسوؿ صلى الله عليو كسلم أمر بالتستر كقاؿ: (كل أمتي معافى إلا المجاىرين) جزء من حديث ركاه البخارم (َٗٔٔ). فبفعلو خالف أمر الرسوؿ صلى الله عليو كسلم كخرج من العافية. ثانيا: إنو بفعلو ىذا يكوف قد نزع الحياء الذم شرعو الإسلبـ للمسلمين كما في حديث البخارم (ُُٕٔ)، كمسلم (ّٕ) عن عمراف بن حصين رضي الله عنو (الحياء لا يأتي إلا بخير) كحديث أيضا البخارم (ّْْٖ) عن أبي مسعود عقبة بن عمرك رضي الله عنو (إذا لم تستح فاصنع ما شئت). ثالثا: إف ىذا المجاىر قد ينتج عن فعلو ىذا تركيج الفاحشة كفعل المنكرات في المجتمع المسلم، كدرء المفاسد مقدـ على جلب المصالح، بل المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة.
عدد الصفحات ١٧٢- 063 - رابعا: كأما استدلالهم بخبر ابن مسعود رضي الله عنو (كأنو أتي برجل تقطر لحيتو خمرا فقاؿ: إنا قد نهينا عن التجسس كلكن إف يظهر لنا شيء نأخذ بو). فهذا الخبر مردكد عليهم من كجهين: الوجو الأكؿ: إف ىذا الخبر يخالف صريح كصحيح قوؿ الرسوؿ صلى الله عليو كسلم حيث حدث مثل ىذه الصورة كأمر الرسوؿ صلى الله عليو كسلم بإقامة الحد عليو، فقد كرد عن أبي ىريرة رضي الله عنو عند البخارم (ٕٕٕٔ) (قاؿ أتي النبي صلى الله عليو كسلم برجل قد شرب الخمر قاؿ اضربوه قاؿ أبو ىريرة: فمنا الضارب بنعلو كالضارب بثوبو، فلما انصرؼ قاؿ بعض القوـ: أخزاه الله. قاؿ لا تقولوا ىكذا، لا تعينوا عليو الشيطاف) فإذا كاف ىذا في حق من قد شرب الخمر فما ىو شأف من تقطر لحيتو خمرا؟ الوجو الثاني: إف ىذا الخبر لا ينفي أف ابن مسعود رضي الله عنو أقاـ الحد عليو أك أمر بإقامتو. فكاف ابن مسعود يقوؿ إننا لم نبحث عنو كلم نؤمر بالبحث عنو فلما أف ظهر لنا فعلو فسوؼ نأخذ بو. حيث قاؿ ابن مسعود (كلكن إف يظهر لنا شيء نأخذ بو) كما أشد ظهور المنكر في ىذه الصورة. المطلب الرابع: ألا يكوف المنكر من مسائل الإجتهاد. يجب على الآمر بالمعركؼ كالناىي عن المنكر ألا ينكر على الناس في المسائل المختلف فيها خلبفا سائغا كأف تكوف ىذه المسألة جائزة عند بعض الأئمة كممنوعة عند بعضهم كالفاعل لها مقلدا لإمامو المجيز لهذه المسألة مثلب. ك للعلماء في ىذه ثلبثة أقواؿ: القوؿ الأكؿ: أنو لا ينكر عليو، كىو قوؿ جمهور العلماء. القوؿ الثاني: أنو ينكر على المقلد دكف المجتهد. القوؿ الثالث: أنو ينكر على كل من أخذ بقوؿ مخالف. يقوؿ سفياف الثورم كما في حلية الأكلياء، (ٔ صّٖٔ): إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذم قد اختلف فيو كأنت ترل غيره فلب تنهو. كقاؿ أيضا كما في الفقيو كالمتفقو، (ِ /ٗٔ): ما اختلف فيو الفقهاء فلب أنهى أحدان من إخواني أف يأخذ بو.
عدد الصفحات ١٧٣- 064 - كقاؿ الإماـ أحمد كما في الآداب الشرعية (ُ/ ُٕٖ) في ركاية المركذم: لا ينبغي للفقيو أف يحمل الناس على مذىبو كلا يشدد عليهم ا.ىػ كلو ركاية أخرل خلبؼ ذلك، فقد قاؿ في ركاية الميموني كما في الآداب الشرعية (ُ/ ُٕٖ): في الرجل يمر بالقوـ يلعبوف بالشطرنج ينهاىم كيعظهم، كقاؿ أبو داكد: سمعت أحمد سئل عن رجل مر بقوـ يلعبوف بالشطرنج فنهاىم فلم ينتهوا فرمى بو فقاؿ: قد أحسن ا.ىػ فالإماـ أحمد أقره على فعلو بل أيده عليو مع الخلبؼ المذكور في الشطرنج. كلأحمد ركاية ثالثة: لا ينكر على المجتهد بل على المقلد، ركل إسحاؽ ابن إبراىيم كما في الآداب الشرعية (ُ/ ُٖٖ) عن الإماـ أحمد أنو سئل عن الصلبة في جلود الثعالب، قاؿ: إذا كاف متأكلا أرجو أف لا يكوف بو بأس، كإف كاف جاىلب ينهى كيقاؿ لو: إف النبي صلى الله عليو كسلم نهى عن ذلك ا.ىػ قاؿ ابن رجب في جامع العلوـ كالحكم (صِْٖ): فأما المختلف فيو فمن أصحابنا من قاؿ: لا يجب إنكاره على من فعلو مجتهدان أك مقلدان لمجتهد تقليدان سائغان ا.ىػ كقاؿ مهنا كما في الآداب الشرعية، (ُ/ُٔٔ): سمعت أحمد يقوؿ: من أراد أف يشرب ىذا النبيذ يتبع فيو شرب من شربو فليشربو لوحده. ك سئل شيخ الإسلبـ كما في مجموع الفتاكل ( َِ/َِٕ) عمن ييقلد بعض العلماء في مسائل الاجتهاد فهل يينكر عليو أـ يهجر، ككذلك من يعمل بأحد القولين؟ فأجاب: الحمد لله. مسائل الاجتهاد من عمل فيها بقوؿ بعض العلماء لم يينكر عليو كلم ييهجر، كمن عمل بأحد القولين لم يينكر عليو، كإذا كاف في المسألة قولاف، فإف كاف الإنساف يظهر لو رجحاف أحد القولين عمل بو، كإلا قلد بعض العلماء الذين ييعتمد عليهم في بياف أرجح القولين ا.ىػ كقاؿ الخلبؿ ىنا في أصل الكتاب: أخبرنا عصمة بن عصاـ حدثنا حنبل قاؿ: قلت لأبي عبد الله: ترل الرجل إذا رأل الرجل لا يتم ركوعها كلا سجودىا كلا يقيم أمر صلبتو ترل أف تأمره بالإعادة؟ قاؿ: يحسن صلبتو أك نمسك عنو ثم قاؿ إف كاف يظن أنو يقبل منو أمره، كقاؿ لو ككعظو حتى يحسن الصلبة فإف الصلبة من تماـ الدين ا.ىػ كقاؿ أيضا في نفس المصدر السابق: أخبرني الحسن بن عبد الوىاب، أف إسماعيل بن يوسف حدثهم. قاؿ: حدثنا يعقوب حدثنا عبد الرحمن حدثنا محمد بن النضر قاؿ: سأؿ رجل الأكزاعي
عدد الصفحات ١٧٤- 065 - قاؿ: من آمر بالمعركؼ كأنهى عن المنكر؟ قاؿ: من ترل أنو يقبل منك ا.ىػ كفي الغالب من على خلبؼ مذىبك لا يقبل منك. كقاؿ الغزالي في الإحياء (ٕ/ ّٕ، ّٖ): فكل ما ىو محل اجتهاد فلب حسبة فيو فليس للحنفي أف ينكر على الشافعي أكلو الضب كالضبع كمتركؾ التسمية، كلا للشافعي أف ينكر على الحنفي شربو النبيذ الذم ليس بمسكر كجلوسو في دار أخذىا بشفعة الجوار إلى غير ذلك من مجارم الاجتهاد. نعم لو رأل الشافعي شافعيا يشرب النبيذ فهذا في محل نظر كالأظهر أف لو الحسبة كالإنكار إذ لم يذىب أحد من المحصلين إلى أف المجتهد يجوز أف يعمل بموجب اجتهاد غيره كلا أف الذم أدل اجتهاده في التقليد إلى شخص رآه أفضل العلماء أف لو أف يأخذ بمذىب غيره فينتقي من المذاىب أحبها عنده بل على كل مقلد اتباع مقلده في كل تفصيل ا.ىػ كقاؿ أبو الحسن الماكردم في الأحكاـ السلطانية (ص: ُِْ): كاختلف الفقهاء من أصحاب الشافعي ىل يجوز لو -المحتسب- أف يحمل الناس فيما ينكره من الأمور التي اختلف الفقهاء فيها على رأيو كاجتهاده أـ لا؟ على كجهين: أحدىما كىو قوؿ أبي سعيد الاصطخرم أف لو أف يحمل ذلك على رأيو كاجتهاده، فعلى ىذا يجب على المحتسب أف يكوف عالما من أىل الاجتهاد في أحكاـ الدين ليجتهد رأيو فيما اختلف فيو. كالوجو الثاني: ليس لو أف يحمل الناس على رأيو كاجتهاده، كلا يقودىم إلى مذىبو لتسويغ الاجتهاد للكافة، كفيما اختلف فيو، فعلى ىذا يجوز أف يكوف المحتسب من غير أىل الاجتهاد إذا كاف عارفا بالمنكرات المتفق عليها ا.ىػ كقاؿ شيخ الإسلبـ في مجموع الفتاكل (َِ/َِٕ): مسئل الاجتهاد من عمل فيها بقوؿ بعض العلماء لم ينكر عليو كلم يهجر، كمن عمل بأحد القولين لم ينكر عليو " انتهى ا.ىػ قاؿ أيضا في نفس المصدر السابق (َّ/َٖ): إف مثل ىذه المسائل الاجتهادية لا تنكر باليد، كليس لأحد أف يلزـ الناس باتباعو فيها، كلكن يتكلم فيها بالحجج العلمية، فمن تبين لو صحة أحد القولين: تبعو، كمن قلد أىل القوؿ الآخر فلب إنكار عليو ا.ىػ كقاؿ في بياف الدليل على بطلبف التحليل (ص َُِ-ُُِ): كقولهم مسائل الخلبؼ لا إنكار فيها ليس بصحيح ، فإف الإنكار إما أف يتوجو إلى القوؿ بالحكم أك العمل. أما الأكؿ فإذا كاف القوؿ يخالف سنة أك إجماعا قديما كجب إنكاره كفاقا. كإف لم يكن كذلك فإنو ينكر بمعنى بياف ضعفو عند من يقوؿ المصيب كاحد كىم عامة السلف كالفقهاء .
عدد الصفحات ١٧٥- 066 - كأما العمل فإذا كاف على خلبؼ سنة أك إجماع كجب إنكاره أيضا بحسب درجات الإنكار. أما إذا لم يكن في المسألة سنة كلا إجماع كللبجتهاد فيها مساغ لم ينكر على من عمل بها مجتهدا أك مقلدا. كإنما دخل ىذا اللبس من جهة أف القائل يعتقد أف مسائل الخلبؼ ىي مسائل الاجتهاد، كما اعتقد ذلك طوائف من الناس. كالصواب الذم عليو الأئمة أف مسائل الاجتهاد ما لم يكن فيها دليل يجب العمل بو كجوبا ظاىرا ، مثل حديث صحيح لا معارض لو من جنسو ، فيسوغ إذا عدـ ذلك فيها الاجتهاد لتعارض الأدلة المتقاربة أك لخفاء الأدلة فيها" انتهى باختصار ا.ىػ بتصرؼ. كقاؿ الإماـ ابن القيم في إعلبـ الموقعين (ّ/ ََّ-َُّ): كقولهم : "إف مسائل الخلبؼ لا إنكار فيها" ليس بصحيح . . . ثم ذكر كلبـ شيخ الإسلبـ المتقدـ، ثم قاؿ: ككيف يقوؿ فقيو: لا إنكار في المسائل المختلف فيها، كالفقهاء من سائر الطوائف قد صرحوا بنقض حكم الحاكم إذا خالف كتابا أك سنة كإف كاف قد كافق فيو بعض العلماء؟! كأما إذا لم يكن في المسألة سنة كلا إجماع كللبجتهاد فيها مساغ لم تنكر على من عمل بها مجتهدا أك مقلدا كالمسائل التي اختلف فيها السلف كالخلف كقد تيقنا صحة أحد القولين فيها كثير، مثل كوف الحامل تعتد بوضع الحمل، كأف إصابة الزكج الثاني شرط في حلها للؤكؿ، كأف الغسل يجب بمجرد الإيلبج كإف لم ينزؿ، كأف ربا الفضل حراـ ، كأف المتعة حراـ، كأف النبيذ المسكر حراـ، كأف المسلم لا يقتل بكافر، كأف المسح على الخفين جائز حضرا كسفرا، كأف السنة في الركوع كضع اليدين على الركبتين دكف التطبيق، كأف رفع اليدين عند الركوع كالرفع منو سنة، كأف الشفعة ثابتة في الأرض كالعقار، كأف الوقف صحيح لازـ، كأف دية الأصابع سواء، كأف يد السارؽ تقطع في ثلبثة دراىم، كأف الخاتم من حديد يجوز أف يكوف صداقا، كأف التيمم إلى الكوعين (مفصل الكف) بضربة كاحدة جائز، كأف صياـ الولي عن الميت يجزئ عنو، كأف الحاج يلبي حتى يرمي جمرة العقبة، كأف المحرـ لو استدامة الطيب دكف ابتدائو، كأف السنة أف يسلم في الصلبة عن يمينو كعن يساره: السلبـ عليكم كرحمة الله، السلبـ عليكم كرحمة الله، كأف خيار المجلس ثابت في البيع، كأف المصراة يرد معها عوض اللبن صاعا من تمر، كأف صلبة الكسوؼ بركوعين في كل ركعة، كأف القضاء جائز بشاىد كيمين، إلى أضعاؼ ذلك من المسائل، كلهذا صرح الأئمة بنقض حكم من حكم بخلبؼ كثير من ىذه المسائل، من غير طعن منهم على من قاؿ بها.
عدد الصفحات ١٧٦