المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

التعليق الأزهر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مسائل الإمام أحمد بن حنبل

محمد بن نصر أبي جبل

صفحة ١٠ من ٢٥

- 035 - باتقاء الله كحده لا شريك لو، كالوقار كالسكينة حتى يأتيكم أمير، فإنما يأتيكم الآف ثم قاؿ: استعفوا لأميركم فإنو كاف يحب العفو ثم قاؿ: أما بعد فإني أتيت رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم فقلت (أبايعك على الإسلبـ فشرط علي كالنصح لكل مسلم، فبايعتو على ىذا، كرب ىذا المسجد إني لكم لناصح، ثم استغفر كنزؿ) لفظ البخارم. كفي صحيح مسلم (ٓٓ) من حديث أبي رقية تميم بن أكس الدارم -رضي الله عنو- أف رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم قاؿ: (الدين النصيحة قلنا: لمن يا رسوؿ الله؟ قاؿ: لله كلكتابو كلرسولو كلأئمة المسلمين كعامتهم). المطلب الخامس: قصد رحمة الخلق كالشفقة عليهم. كمما يستحب للآمر بالمعركؼ، كالناىي عن المنكر القائم في حدكد الله -أعانو الله تعالى- أف يكوف قصده رحمة الخلق كلهم، كالشفقة عليهم، بكف الناس عن المنكرات التي تسبب الدمار في الدنيا، كالعقوبات في الآخرة. قاؿ الله تعالى: (محمد رسوؿ الله كالذين معو أشداء على الكفار رحماء بينهم) [الفتح: ِٗ] غلبظ كالأسد على فريستو. قيل: المراد بػ كالذين معو جميع المؤمنين، رحماء بينهم أم يرحم بعضهم بعضا. كقيل: (متعاطفوف متوادكف) . كفي الصحيحين (ُِْٖ)، كمسلم (ِّٗ) من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليو كسلم أنو قاؿ: (إنما يرحم الله من عباده الرحماء ) كليس من مقتضى رحمة أىل المعاصي ترؾ الإنكار عليهم كاستيفاء الحدكد منهم كغير ذلك، بل من كماؿ الرحمة بهم الإنكار عليهم كردىم إلى المنهج القويم كالصراط المستقيم. كإذا انحرفت النفس من خلق الرحمة انحرفت إلى قسوة قلب، كإما إلى ضعف قلب كجبن، كمن لا يقدـ على ذبح شاة كلا إقامة حد كلا تأديب كلد، كيزعم أف الرحمة تحملو على ذلك. كقد ذبح أرحم الخلق بيده صلى الله عليو كسلم في موقف كاحد كثلبثمائة كستين بدنة كقطع الأيدم من الرجاؿ كالنساء، كضرب الأعناؽ، كأقاـ الحدكد كرجم بالحجارة حتى مات المرجوـ . ككاف أرحم الناس أجمعين على الإطلبؽ كأرأفهم. فالعبد المطيع لله إذا سمع بأسير من أسراء المسلمين في أرض العدك رحمو كبذؿ نفسو كمالو في تخليصو، فمن باب الأكلى أنو إذا رأل أخاه مأسورا في نفسو كشيطانو كىما أعداء عدكه أف

عدد الصفحات ١٤٥

- 036 - يجتهد في خلبصو. كاستنقاذه منها، فإف أعراض عنو كتركوه كأسره كاف ذلك من جهلو بالله - تعالى - كبأموره. المطلب السادس: ستر العورات كالعيوب. كمما يستحب للآمر بالمعركؼ الناىي عن المنكر ستر عورات المسلمين لأف ستر العيوب كالتجاىل كالتغافل عنها سمة أىل الدين. كيكفي تنبيها على كماؿ الرتبة في ستر القبيح كإظهار الجميل قوؿ الله تعالى: (قوؿ معركؼ كمغفرة ...) [البقرة: ِّٔ] كفي الصحيحين البخارم (ِِْْ)، كمسلم (ِْٔٓ) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أف رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم قاؿ: (المسلم أخو المسلم، لا يظلمو، كلا يسلمو، كمن كاف في حاجة أخيو كاف الله في حاجتو، كمن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنو بها كربة من كرب يوـ القيامة، كمن ستر مسلما، ستره الله يوـ القيامة)، كفي صحيح مسلم (ِٗٗٔ) من حديث أبي ىريرة مرفوعا، (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنو كربة من كرب يوـ القيامة كمن يسر على معسر يسر الله عليو في الدنيا كالآخرة كمن ستر مسلما ستره الله في الدنيا كالآخرة كالله في عوف العبد ما كاف العبد في عوف أخيو .. الحديث) . كفي صحيح مسلم (َِٗٓ) من حديث أبي ىريرة مرفوعا: (لا يستر عبد عبدا في الدنيا إلا ستره الله يوـ القيامة)، كفي ركاية: (لا يستر الله على عبد في الدنيا، إلا ستره يوـ القيامة)، كغيرىا من الأحاديث كثير. قاؿ أبو زكريا النوكم - رحمو الله - في شرح صحيح مسلم - عند قولو صلى الله عليو كسلم: (كمن ستر مسلما ستره الله يوـ القيامة) كأما الستر المندكب إليو ىنا فالمراد بو الستر على ذكم الهيئات كنحوىم ممن ليس معركفا بالأذل كالفساد. كأما المعركؼ بذلك فيستحب أف لا يستر عليو، بل ترفع قضيتو إلى كلي الأمر، إف لم يخف من ذلك مفسدة، لأف الستر على ىذا يطمعو في الإيذاء، كالفساد، كانتهاؾ المحرمات، كجسارة غيره على مثل فعلو. كىذا كلو في ستر معصية كقعت كانتقضت. أما مسألة معصية يراه عليها كىو متلبس بها فتجب المبادرة بإنكارىا عليو، كمنعو منها على من قدر على ذلك، كلا يحل تأخيرىا. فإف عجز لزمو رفعها إلى كلي الأمر، إذا لم تترتب على ذلك مفسدة - كما تقدـ. ثم قاؿ: كأما الركاة، كالشهود، كالأمناء على الصدقات، كالأكقاؼ، كالأيتاـ

عدد الصفحات ١٤٦

- 037 - كنحوىم فيجب جرحهم عند الحاجة، كلا يحل الستر عليهم إذا رأل منهم ما يقدح في أىليتهم. كليس ىذا من الغيبة المحرمة، بل من النصيحة الواجبة. كىذا مجمع عليو ا.ىػ للعلماء في حكم الستر أقو اؿ نوجزىا فيما يلي: ذىب الأحناؼ إلى أف الشاىد في حقوؽ الله -أسباب الحدكد- مخير بين حسبتين: بين أف يشهد حسبة لله تعالى كبين أف يستر لأف كل كاحد منهما أمر مندكب إليو قاؿ الله تبارؾ كتعالى: {كأقيموا الشهادة لله}كفي الحديث المتقدـمن ستر مسلما ستره الله في الدنيا كالآخرة). فقد ندبو الشرع إلى كل كاحد منهما، إف شاء اختار جهة الحسبة فأقامها لله تعالى، كإف شاء اختار جهة الستر فيستر على أخيو المسلم. انظر بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (ُْ /ّٕٗ)، كالعناية شرح الهداية (َُ /ّٕٔ). كأما في حقوؽ الله تعالى من غير أسباب الحدكد نحو طلبؽ كإعتاؽ كظهار كإيلبء كنحوىا من أسباب الحرمات تلزمو إقامة الشهادة حسبة لله تبارؾ كتعالى عند الحاجة إلى إقامتها من غير طلب من أحد من العباد. انظر بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع - (ُْ /ّٕٗ). كقاؿ المالكية: تجب المبادرة لأداء الشهادة في حق الله إف استداـ فيو التحريم كالعتق كالطلبؽ كالرضاع كالوقف ، كإف كاف التحريم ينقضي بالفراغ من متعلقو كالزنى كشرب الخمر كاف مخيرا في الرفع كعدمو ، كالترؾ أكلى لما فيو من معنى الستر المطلوب في غير المجاىر بالفسق. كفي المواؽ أف ستر الإنساف على نفسو كعلى غيره كاجب حينئذ فيكوف ترؾ الرفع كاجبا. انظر حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (ُٕ /ِِٓ) كحاشية الصاكم على الشرح الصغير (ٗ / َّّ ، َْْ). كقاؿ العز بن عبد السلبـ من الشافعية في قواعد الأحكاـ في مصالح الأناـ (ُ /ِّٓ): كأما الشهود على ىذه الجرائم، فإف تعلق بها حقوؽ العباد لزمهم أف يشهدكا بها كأف يعرفوا بها أربابها كإف كانت زكاجرىا حقا محضا لله فإف كانت المصلحة في إقامة الشهادة بها ، فيشهدكا بها مثل أف يطلعوا من إنساف على تكرر الزنى كالسرقة كالإدماف على شرب الخمور كإتياف الذكور فالأكلى أف يشهدكا عليو دفعا لهذه المفاسد ، كإف كانت المصلحة في الستر عليو مثل زلة من ىذه الزلات تقع ندرة من ذكم الهيئات ثم يقلع عنها كيتوب منها فالأكلى أف لا يشهدكا لحديث سعيد بن المسيب أنو قاؿ بلغنى أف رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم قاؿ لرجل من أسلم يقاؿ لو ىزاؿ:

عدد الصفحات ١٤٧

- 038 - «يا ىزاؿ لو سترتو بردائك لكاف خيرا لك» .كحديث «أقيلوا ذكل الهيئات عثراتهم إلا الحدكد» . كحديث «لا يستر عبد عبدا فى الدنيا إلا ستره الله يوـ القيامة» ا.ىػ كقاؿ ابن مفلح من الحنابلة في الآداب الشرعية (ُ /ِّْ): عدـ الإنكار كالتبليغ على الذنب الماضي مبني على سقوط الذنب بالتوبة، فإف اعتقد الشاىد سقوطو لم يرفعو كإلا رفعو، كأما إذا كاف مصرا على المحرـ لم يتب ، فهذا يجب إنكار فعلو الماضي كإنكار إصراره. المطلب السابع: الاغتماـ بمعصية المسلم كالتأسف لتعرضو لغضب الله. كمما يستحب للآمر بالمعركؼ الناىي عن المنكر أف يكوف مغتما بمعصية أخيو المسلم كأف يكوف آسفا لتعرضو لعقاب الله، كمما يستحب للآمر بالمعركؼ الناىي عن المنكر) أف يكوف مغتما مما ظهر من معصية أخيو المسلم كتعرضو لعقاب الله تعالى حتى يشغلو الهم عن فرحو بأجر الأمر كالنهي بحيث إنو لو خير بين أجره في أمره كنهيو كبين أف أخاه لم يصب ذلك الذنب لاختار أف لا يكوف أصاب الذنب، كىو النصح لله في خلقو، كىو أعظم من أجر الآمر في أمره مع إثمو. فإذا اغتم بمعصيتو كشره كأحب أف يكوف الله تعالى عصمو جمع الله أجره على عظتو إياه، كأجره على اغتمامو بمعصيتو كأجره على محبتو عصمتو. المطلب الثامن: الغيرة على المسلمين. كمما يستحب للآمر بالمعركؼ الناىي عن المنكر بل لكل مسلم أف يكوف غيورا على إخوانو المسلمين. قاؿ الله تعالى: (قل إنما حرـ ربي الفواحش ما ظهر منها كما بطن) [الأعراؼ: ّّ] كفي الصحيحين البخارم (ِِّٓ)، كمسلم (ُِٕٔ) من حديث أبي ىريرة رضي الله عنو أف رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم قاؿ: (إف الله عز كجل يغار كإف المؤمن يغار، كإف من غيرة الله تعالى أف يأتي المؤمن ما حرـ الله عليو). كلمسلم (ُِٕٔ) عن أبي ىريرة قاؿ: قاؿ رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم: (المؤمن يغار كالله أشد غيرا). المطلب التاسع: تواضع الآمر الناىي في أمره كنهيو. كمما يستحب للآمر بالمعركؼ الناىي عن المنكر أف يكوف متواضعا في أمره كنهيو من غير افتخار كلا تعاظم، بل من حقوؽ المسلمين التواضع لهم. كسمي التواضع متواضعا لأنو كضع شيئا من قدره الذم يستحقو كذلك ملح العبادة كغاية شرؼ الزاىدين، كسيما الناسكين.

عدد الصفحات ١٤٨

- 041 - قاؿ الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينو فسوؼ يأتي الله بقوـ يحبهم كيحبونو أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاىدكف في سبيل الله كلا يخافوف لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيو من يشاء كالله كاسع عليم) [المائدة: ْٓ] أم متواضعين لهم بذؿ لين كانقياد، لا بذؿ ىواف فيعاشركا المؤمنين برحمة كعطف كشفقة كإخبات كتواضع. كقولو: (أعزة على الكافرين) ىو من عزة القوة كالمنعة كالغلبة. كقاؿ عطاء: للمؤمنين كالوالد لولده. كعلى الكافرين كالسبع على فريستو كما في الآية الأخرل: (أشداء على الكفار رحماء بينهم) فالنفس إذا انحرفت عن خلق العزة التي كىبها الله للمؤمنين انحرفت إما إلى كبر كإما إلى ذؿ كالعزة المحمودة بينهما، كالله أعلم. كقاؿ تعالى: كعباد الرحمن الذين يمشوف على الأرض ىونا [الفرقاف: ّٔ]يعني سكينة ككقارا متواضعين، غير أشرين كلا مرحين كلا متكبرين لأف الهوف -بالفتح- الرفق كاللين، كبالضم - الهواف. فالأكؿ صفة أىل الإيماف، كالثاني صفة أىل الكفراف كجزاؤىم من الله النيراف. قاؿ تعالى: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدكف علوا في الأرض كلا فسادا كالعاقبة للمتقين) [القصص: ّٖ] كفي صحيح مسلم (ِٖٓٔ) من حديث عياض بن حمار المجاشعي - رضي الله عنو - قاؿ: قاؿ رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم: (إف الله أكحى إلي أف تواضعوا حتى لا يفتخر أحد على أحد، كلا يبغي أحد على أحد). قاؿ أىل اللغة: (البغي التعدم كالاستطالة). قاؿ أبو العباس بن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم (ص: ُْٖ): جمع النبي صلى الله عليو كسلم بين نوعي الاستطالة. لأف المستطيل إف استطاؿ بحق فهو المفتخر. كإف استطاؿ بغير حق فهو الباغي فلب يحل لا ىذا كلا ىذا. قاؿ أبو حامد في الإحياء (ّ/ َّْ): فإف قلت كيف التواضع للفاسق كالمبتدع كقد أمرت ببغضهما، كالجمع بينهما متناقض؟ فاعلم أف ىذا أمر مشتبو يلتبس على أكثر الخلق، إذ يمتزج غضبك لله في إنكار البدعة كالفسق بكبر النفس، كالإذلاؿ بالعلم كالورع، فكم من عابد جاىل، كعالم مغركر إذا رأل فاسقا جلس إلى جانبو أزعجو ذلك.

عدد الصفحات ١٤٩

- 040 - (باب ما ركم في ذلك أف يسر المؤمن كيغيظ المنافق) ٓٔ-أخبرني عمر بن صالح، بطرسوس قاؿ: قاؿ لي أبو عبد الله: (يا أبا حفص، يأتي على الناس زماف يكوف المؤمن فيو بينهم مثل الجيفة، كيكوف المنافق يشار إليو بالأصابع، فقلت: يا أبا عبد الله، ككيف يشار إلى المنافق بالأصابع؟ فقاؿ: " يا أبا حفص، صيركا أمر الله فضولا. كقاؿ: المؤمن إذا رأل أمرا بالمعركؼ أك نهيا عن المنكر لم يصبر حتى يأمر كينهي، يعني قالوا: ىذا فضوؿ، قاؿ: كالمنافق كل شيء يراه، قاؿ: بيده على فمو، فقالوا: نعم الرجل، ليس بينو كبين الفضوؿ عمل)ُ. كتنزه منو لكبر باطن في نفسو كىو ظاف أنو غاضب لله، كذلك لأف الكبر على المطيع ظاىر كونو شرا كالحذر منو ممكن، كالكبر على الفاسق كالمبتدع يشبو الغضب لله كىو خير، فإف الغضباف - أيضا - يتكبر على من غضب عليو كالمتكبر يغضب، كأحدىما يثمر الآخر كيوجبو، كىما ممتزجاف ملتبساف لا يميز بينهما إلا الموفقوف. كالذم يخلصك من ىنا أف يكوف الحاضر على قلبك عند مشاىدة المبتدع ، أك الفاسق، أك عند أمرىما بالمعركؼ كنهيهما عن المنكر ثلبثة أمور: أحدىما: التفاتك إلى ما سبق من ذنوبك كخطاياؾ، ليصغر عند ذلك قدرؾ في عينك. كالثاني: أف تكوف ملبحظتك لما أنت متميز بو من العلم، كاعتقاد الحق، كالعمل الصالح من حيث إنها نعمة من الله - تعالى - كلو المنة لا لك فترل ذلك منو حتى لا تعجب نفسك، كإذا لم تعجب لم تتكبر. كالثالث: ملبحظة إيهاـ عاقبتك كعاقبتو أنو ربما يختم لك بالسوء كيختم لو بالحسنى حتى يشغلك الخوؼ عن التكبر عليو. انظر كتاب الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر لخالد بن عثماف السبت، ككتاب الكنز الأكبر من الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر لعبد الرحمن بن أبي بكر بن داكد. ُ شيخ المصنف لم يوثقو معتبر.

عدد الصفحات ١٥٠

- 041 - ٔٔ- قاؿ: كسمعت أحمد بن حنبل، يقوؿ: (إذا رأيتم اليوـ شيئا مستويا فتعجبوا)ُ. ٕٔ- أخبرنا عبد الكريم بن الهيثم العاقولي، حدثنا أبو جعفر الحذاء، قاؿ: سمعت سفياف، يقوؿ: (إذا أمرت بالمعركؼ شددت ظهر المؤمن، كإذا نهيت عن المنكر أرغمت أنف المنافق)ِ. (باب ما يوسع على الرجل في ترؾ الأمر كالنهي إذا رأل قوما سفهاء) ٖٔ- أخبرني أحمد بن محمد بن مطر، قاؿ: حدثني عباس العنبرم، قاؿ: (كنت مارا مع أبي عبد الله بالبصرة قاؿ: فسمعت رجلب، يقوؿ لرجل : يا ابن الزاني، فقاؿ لو الآخر: يا ابن الزاني. قاؿ: فوقفت كمضى أبو عبد الله، فالتفت إلي، فقاؿ لي: يا أبا الفضل، امش. قاؿ: فقلت: قد سمعنا، قد كجب علينا قاؿ: امض ليس ىذا من ذلك)ّ. ٗٔ- أخبرنا محمد بن أحمد بن يعلى الأنصارم، قاؿ: حدثنا موسى بن عامر، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأكزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، قاؿ: (موعظة الجاىل كالمغني عند رأس الميت)ْ. ُ ىو بنفس سند الخبر السابق. ِ إسناده صحيح. ّ إسناده صحيح، شيخ المصنف كثقو الخطيب في تاريخو (ٔ/ِٕٕ). ْ إسناده ضعيف. مسائل في الباب: المسالة الأكلى: إذا إنكار المنكر يستلزـ ما ىو أنكر منو كأبغض إلى الله كرسولو فإنو لا يسوغ إنكاره. قاؿ الإماـ ابن القيم في إعلبـ الموقعين (ّ/ُِ): ىذا فصل عظيم النفع جدا كقع بسبب الجهل بو غلط عظيم على الشريعة أكجب من الحرج كالمشقة كتكليف ما لا سبيل إليو ما يعلم أف الشريعة الباىرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي بو؛ فإف الشريعة مبناىا كأساسها على الحكم

عدد الصفحات ١٥١

- 042 - كمصالح العباد في المعاش كالمعاد، كىي عدؿ كلها، كرحمة كلها، كمصالح كلها، كحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدؿ إلى الجور، كعن الرحمة إلى ضدىا، كعن المصلحة إلى المفسدة، كعن الحكمة إلى البعث؛ فليست من الشريعة كإف أدخلت فيها بالتأكيل؛ فالشريعة عدؿ الله بين عباده، كرحمتو بين خلقو، كظلو في أرضو، كحكمتو الدالة عليو كعلى صدؽ رسولو صلى الله عليو كسلم أتم دلالة كأصدقها. كنحن نذكر تفصيل ما أجملناه في ىذا الفصل بحوؿ الله كتوفيقو كمعونتو بأمثلة صحيحة. المثاؿ الأكؿ: أف النبي صلى الله عليو كسلم شرع لأمتو إيجاب إنكار المنكر ليحصل بإنكاره من المعركؼ ما يحبو الله كرسولو، فإذا كاف إنكار المنكر يستلزـ ما ىو أنكر منو كأبغض إلى الله كرسولو فإنو لا يسوغ إنكاره، كإف كاف الله يبغضو كيمقت أىلو، كىذا كالإنكار على الملوؾ كالولاة بالخركج عليهم؛ فإنو أساس كل شر كفتنة إلى آخر الدىر، «كقد استأذف الصحابة رسوؿ الله - صلى الله عليو كسلم - في قتاؿ الأمراء الذين يؤخركف الصلبة عن كقتها، كقالوا: أفلب نقاتلهم؟ فقاؿ: لا، ما أقاموا الصلبة» كقاؿ: «من رأل من أميره ما يكرىو فليصبر كلا ينزعن يدا من طاعتو» كمن تأمل ما جرل على الإسلبـ في الفتن الكبار كالصغار رآىا من إضاعة ىذا الأصل كعدـ الصبر على منكر؛ فطلب إزالتو فتولد منو ما ىو أكبر منو؛ فقد كاف رسوؿ الله - صلى الله عليو كسلم - يرل بمكة أكبر المنكرات كلا يستطيع تغييرىا، بل لما فتح الله مكة كصارت دار إسلبـ عزـ على تغيير البيت كرده على قواعد إبراىيم، كمنعو من ذلك - مع قدرتو عليو - خشية كقوع ما ىو أعظم منو من عدـ احتماؿ قريش لذلك لقرب عهدىم بالإسلبـ ككونهم حديثي عهد بكفر، كلهذا لم يأذف في الإنكار على الأمراء باليد؛ لما يترتب عليو من كقوع ما ىو أعظم منو كما كجد سواء. فإنكار المنكر أربع درجات؛ الأكلى: أف يزكؿ كيخلفو ضده، الثانية: أف يقل كإف لم يزؿ بجملتو، الثالثة: أف يخلفو ما ىو مثلو، الرابعة: أف يخلفو ما ىو شر منو؛ فالدرجتاف الأكلياف مشركعتاف، كالثالثة موضع اجتهاد، كالرابعة محرمة؛ فإذا رأيت أىل الفجور كالفسوؽ يلعبوف بالشطرنج كاف إنكارؾ عليهم من عدـ الفقو كالبصيرة إلا إذا نقلتهم منو إلى ما ىو أحب إلى الله كرسولو كرمي النشاب كسباؽ الخيل كنحو ذلك، كإذا رأيت الفساؽ قد اجتمعوا على لهو كلعب أك سماع مكاء كتصدية فإف نقلتهم عنو إلى طاعة الله فهو المراد، كإلا كاف تركهم على ذلك خيرا من أف تفرغهم لما ىو أعظم من ذلك فكاف ما ىم فيو شاغلب لهم عن ذلك، ككما إذا كاف الرجل مشتغلب بكتب

عدد الصفحات ١٥٢

- 043 - المجوف كنحوىا كخفت من نقلو عنها انتقالو إلى كتب البدع كالضلبؿ كالسحر فدعو ككتبو الأكلى، كىذا باب كاسع؛ كسمعت شيخ الإسلبـ ابن تيمية قدس الله ركحو كنور ضريحو يقوؿ: مررت أنا كبعض أصحابي في زمن التتار بقوـ منهم يشربوف الخمر، فأنكر عليهم من كاف معي، فأنكرت عليو، كقلت لو: إنما حرـ الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله كعن الصلبة، كىؤلاء يصدىم الخمر عن قتل النفوس كسبي الذرية كأخذ الأمواؿ فدعهم ا.ىػ كلبمو المسألة الثانية: ىل يسقط الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر في بعض الحالات. قدمنا أف أصل الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر كاجب قطعا لكن ىذا الوجوب لا يكوف لازما في كل مطلوب شرعا كلا على كل فرد كل حاؿ (فيما زاد على القلب) إذا عرفت ىذا كتبينتو فاعلم أف الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر قد يكوف كاجبا، كقد يكوف مستحبا، كقد يكوف محرما، كقد يكوف مكركىا أما حاؿ كونو كاجبا: فهذا يحصل إذا كاف العمل المأمور بو من الواجبات، أك الفعل المرتكب - الذم يراد النهي عنو- معدكدا من المحرمات فهنا يجب الأمر أك النهي ما لم يكن ىناؾ عذر في تركو . متى يسقط الوجوب: لا شك أف الإنكار بالقلب لا يسقط بحاؿ من الأحواؿ، لكن الإنكار باليد كاللساف قد يسقط كجوبو كذلك في كاحد من ثلبثة أحواؿ: الحالة الأكلى: إذا تكاثرت الفتن كالمنكرات: كىذا يكوف على نوعين: النوع الأكؿ: ما يكوف في آخر الزماف؛ كىذا النوع ىو الذم تحمل عليو كثير من الأحاديث الواردة في العزلة كالتي منها حديث أبي سعيد رضي الله عنو مرفوعا ركاه البخارم (ُٗ) (يوشك أف يكوف خير ماؿ المسلم غنم يتبع بها شعف الجباؿ كمواقع القطر يفر بدينو من الفتن). كمن ذلك حديث عبد الله بن عمرك بن العاص رضي الله عنهما (بينما نحن جلوس عند رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم إذ ذكرت الفتنة فقاؿ: إذا رأيتم الناس مرجت عهودىم كخفت أمانتهم ككانوا ىكذا -كشبك بين أصابعو- قاؿ ابن عمرك: فقمت إليو فقلت: كيف أفعل عند ذلك جعلني الله فداؾ؟ قاؿ: الزـ بيتك، كأملك عليك لسانك، كخذ ما تعرؼ، كدع ما تنكر، كعليك بأمر خاصة نفسك، كدع عنك أمر العامة) أخرجو أبو داكد (ْ/ ُِْ، رقم ّّْْ)، كأحمد (ِ/ ُِِ، رقم ٕٖٗٔ)، كابن أبى شيبة (ٕ/ ْْٕ، رقم ُُّٕٓ)، كالنسائى فى الكبرل (ٔ/ ٗٓ، رقم ََُّّ)، كالطبرانى (ُّ/ ٗ، رقم ْ)، كالحاكم (ْ/ ُّٓ، رقم ٖٕٕٓ) كالحديث صححو

عدد الصفحات ١٥٣

- 044 - الحاكم ككافقو الذىبى، كقاؿ المنذرل: في الترغيب (ّ/ ِٖٗ): ركاه أبو داكد كالنسائى بإسناد حسن، كقاؿ العراقي في المغني (ِ/ ُِٗ): إسناده حسن،، كقاؿ الشيخ أحمد شاكر في تحقيق المسند: إسناده صحيح، كصححو الأرنؤكط كمن معو، كصححو الألباني في الصحيحة (َِٓ) كقاؿ: ك مما يلبحظ أف ىذه الطرؽ الثلبث، ليس فيها الزيادة التي فى الطريق التي قبل ىذه " الزـ بيتك كاملك عليك لسانك ". فالقلب يميل إلى أنها زيادة شاذة لأف الذم تفرد بها ك ىو ىلبؿ بن خباب فيو كلبـ كما سبق، فلب يحتج بو إذا خالف الثقات. نعم قد جاءت ىذه الزيادة فى حديث أبي ثعلبة الخشني نحو ىذا، لكن لا يصح إسناده كما بينتو فى المائة التي بعد الألف من " الأحاديث الضعيفة ". كإف مما يؤيد شذكذىا أنني كجدت لحديث ابن عمرك ىذا شاىدا من حديث أبي ىريرة مثلو ليس فيو الزيادة، ك لفظو: " كيف بك يا عبد الله بن عمرك إذا بقيت في حثالة من الناس مرجت عهودىم ك أماناتهم، كاختلفوا فصاركا ىكذا: ك شبك بين أصابعو قاؿ: قلت: يا رسوؿ الله ما تأمرني؟ قاؿ: عليك بخاصتك، ك دع عنك عوامهم" ا.ىػ كمن ذلك أيضا حديث حذيفة رضي الله عنو المشهور الذم ركاه البخارم (َّٔٔ)، كمسلم (ُْٕٖ) (كاف الناس يسألوف رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم عن الخير ككنت أسألو عن الشر مخافة أف يدركني فقلت يا رسوؿ الله: إنا كنا في جاىلية كشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد ىذا الخير من شر؟ قاؿ: نعم قلت: كىل بعد ذلك الشر من خير؟ قاؿ: نعم كفيو دخن. قلت كما دخنو؟ قاؿ قوـ يستنوف بغير سنتي، كيهدكف بغير ىديي، تعرؼ منهم كتنكر، فقلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قاؿ: نعم دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها. فقلت: يا رسوؿ الله صفهم لنا. قاؿ: نعم، من جلدتنا كيتكلموف بألسنتنا. فقلت: يا رسوؿ الله فما ترل - كفي ركاية- فما تأمرني إف أدركني ذلك؟ قاؿ: تلزـ جماعة المسلمين كإمامهم. قلت: فإف لم يكن لهم جماعة كلا إماـ؟ قاؿ: فاعتزؿ تلك الفرؽ كلها، كلو أف تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت كأنت على ذلك) كالأحاديث في ىذا المعنى كثيرة لا تحصى. ىذا كقد حمل جماعة من السلف كالخلف قولو تعالى: عليكم أنفسكم [ ...المائدة: َُٓ] على ىذا المعنى، كمن ذلك ما كرد عن أبي مازف أنو قاؿ: انطلقت على عهد عثماف إلى المدينة فإذا قوـ من المسلمين جلوس، فقرأ أحدىم ىذه الآية عليكم أنفسكم فقاؿ أكثرىم: لم يجئ تأكيل ىذه الآية اليوـ، كفي لفظ عند ابن جرير في تفسيره (ُُ/ َُْ): كنت في خلبفة عثماف

عدد الصفحات ١٥٤

- 045 - بالمدينة في حلقة فيهم أصحاب النبي صلى الله عليو كسلم، فإذا فيهم شيخ يسندكف إليو، فقرأ رجل عليكم أنفسكم فقاؿ الشيخ إنما تأكيلها آخر الزماف. النوع الثاني: ما يقع من الفتن في بعض الأكقات دكف التي تقع آخر الزماف: كىذا كالفتن التي كقعت بعد مقتل عثماف رضي الله عنو بين أصحاب النبي صلى الله عليو كسلم، كقد اعتزؿ جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليو كسلم حينما كقعت الفتن، كمن ىؤلاء سعد بن أبي كقاص، كمحمد بن مسلمة، كسلمة بن الأكوع، كعبد الله بن عمر، كأسامة بن زيد، كعركة بن الزبير من التابعين. عن عامر بن سعد قاؿ ( كاف سعد بن أبي كقاص رضي الله عنو في إبلو فجاءه ابن عمر، فلما رآه سعد قاؿ: أعوذ بالله من شر ىذا الراكب، فجاء فنزؿ فقاؿ لو: أنزلت في إبلك كغنمك كتركت الناس يتنازعوف في الملك بينهم؟ فضرب سعد في صدره كقاؿ: اسكت. سمعت رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم يقوؿ: إف الله يحب العبد التقي الغني الخفي) ركاه مسلم (ِٓٔٗ). كقاؿ البخارم: (باب التعرب في الفتنة) كذكر حديثين (َٕٖٕ ، َٖٖٕ): الأكؿ: كفيو تعرب سلمة بن الأكوع بعد مقتل عثماف ..، كالثاني: حديث أبي سعيد مرفوعا (يوشك أف يكوف خير ماؿ المسلم غنم ... ) كقد تقدـ ذكره قاؿ الحافظ في الفتح (ُّ/ ِْ - ّْ): كالخبر داؿ على فضيلة العزلة لمن خاؼ على دينو، كقد اختلف السلف في أصل العزلة فقاؿ الجمهور: الاختلبط أكلى لما فيو من اكتساب الفوائد الدينية للقياـ بشعائر الإسلبـ كتكثير سواد المسلمين كإيصاؿ أنواع الخير إليهم من إعانة كإغاثة كعيادة كغير ذلك، كقاؿ قوـ: العزلة أكلى لتحقق السلبمة، بشرط معرفة ما يتعين .. كقاؿ النوكم: المختار تفضيل المخالطة لمن لا يغلب على ظنو أنو يقع في معصية، فإف أشكل الأمر فالعزلة أكلى. كقاؿ غيره: يختلف باختلبؼ الأشخاص، فمنهم من يتحتم عليو أحد الأمرين، كمنهم من يترجح، كليس الكلبـ فيو، بل إذا تساكيا فيختلف باختلبؼ الأحواؿ، فإف تعارضا اختلف باختلبؼ الأكقات، فمن يتحتم عليو المخالطة من كانت لو قدرة على إزالة المنكر فيجب عليو، إما عينا كإما كفاية بحسب الحاؿ كالإمكاف، كممن يترجح : من يغلب على ظنو أنو يسلم في نفسو إذا قاـ في الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر، كممن يستوم: من يأمن على نفسو كلكنو يتحقق أنو لا يطاع، كىذا حيث لا يكوف ىناؾ فتنة عامة، فإف كقعت الفتنة ترجحت العزلة، لما ينشأ فيها غالبا من الوقوع في المحذكر، كقد تقع العقوبة بأصحاب الفتنة فتعم من ليس من أىلها، كما قاؿ

عدد الصفحات ١٥٥

- 046 - تعالى: كاتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خآصة [ ...الأنفاؿ: ِٓ]كيؤيد التفصيل المذكور حديث أبي سعيد أيضا: (خير الناس رجل جاىد بنفسو كمالو كرجل في شعب من الشعاب ... ) كقد تقدـ في باب العزلة من كتاب الرقاؽ حديث أبي ىريرة الذم أشرت إليو آنفا فإف أكلو عند مسلم: (خير معاش الناس رجل ممسك بعناف فرسو في سبيل الله)) الحديث، كفيو: (كرجل في غنيمة) .. فإف أخذ على عمومو دؿ على فضيلة العزلة لمن لا يتأتى لو الجهاد في سبيل الله إلا أف يكوف قيد بزماف كقوع الفتن كالله أعلم ا. ىػ من الفتح. قاؿ البخارم رحمو الله: (باب العزلة راحة من خلبط السوء) كذكر حديثين: الأكؿ برقم (ْْٗٔ) حديث أبي سعيد (جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليو كسلم فقاؿ: يا رسوؿ الله: أم الناس خير؟ قاؿ: رجل .. ) كذكر نحو الحديث السابق. كالثاني برقم (ْٓٗٔ) حديث أبي سعيد مرفوعا: (يأتي على الناس زماف خير ماؿ المسلم الغنم يتبع بها شعف الجباؿ كمواقع القطر، يفر بدينو من الفتن) قاؿ الحافظ في الفتح (ُُ/ َّّ - ّّّ): (ككقع في ركاية مالك: (يوشك أف يكوف خير ماؿ المسلم .. ) كلفظو ىنا صريح في أف المراد بخيرية العزلة أف تقع في آخر الزماف .. ا. ىػ. كالذم يظهر من استقراء النصوص أف الفتن من حيث التعلق بالزماف على قسمين: قسم مضى، كقسم سيأتي، كأما من حيث التعلق بإمكانية ظهور الحق كمعرفتو لكثير من الناس فهي أيضا على قسمين كىما: ُ - قسم يمكن معرفة الحق فيو كتمييزه، كإف أشكل على البعض. ِ - قسم يوقع الناس في الحيرة فلب يكاد يعرؼ فيو الحق من الباطل لاختلبط المعركؼ بالمنكر كالمحق بالمبطل. فالفتن التي يمكن معرفة الحق فيها، كإف أشكلت على بعض الناس، فيقاؿ فيها: إف من أشكلت عليو الأمور تعينت عليو العزلة، كعليو يحمل اعتزاؿ من ذكر من الصحابة. كالله أعلم. أما من أمكنو معرفة الحق، كلم يتمكن من العمل بو، أك أدت مخالطتو للناس إلى تكثير سواد أىل الفتنة، أك حملهم لو على المشاركة، فيلزمو أف يعتزؿ أيضا. كمن عرؼ الحق كلم يخش تفويت العمل بو كلا حملهم إياه في فتنتهم .. كلا إعانتهم عليها، كلم يكثر لهم سوادا .. لكنو لو أمر كنهى لم يكن ذلك مؤثرا في حالهم كلا مغيرا لها .. فالأفضل في حقو العزلة كقد يكوف ىذا الحاؿ أيضا من أسباب اعتزاؿ بعض الصحابة فمن بعدىم.

عدد الصفحات ١٥٦

- 047 - قاؿ الإماـ البخارم في صحيحو: (باب قوؿ النبي صلى الله عليو كسلم ىلبؾ أمتي على أيدم أغيلمة سفهاء) كذكر حديث أبي ىريرة رضي الله عنو مرفوعا برقم (َٖٕٓ): (ىلكة أمتي على يدم غلمة من قريش) قاؿ الحافظ في الفتح (ُّ/ َُ): كأما قولو: (لو أف الناس اعتزلوىم) محذكؼ الجواب كتقديره لكاف أكلى بهم .. كيؤخذ من ىذا الحديث استحباب ىجراف البلدة التي يقع فيها إظهار المعصية، فإنها سبب كقوع الفتن التي ينشأ عنها عموـ الهلبؾ، قاؿ ابن كىب عن مالك: تهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهارا، كقد صنع ذلك جماعة من السلف. ا.ىػ . أما إف كاف لا يخشى من المخالطة كقوع محذكر مما سبق، كبقاؤه ينفع الناس، فهذا قد يتعين عليو البقاء كترؾ العزلة، كقد دؿ على ذلك قولو صلى الله عليو كسلم: ((إف المسلم إف كاف يخالط الناس كيصبر على أذاىم خير من المسلم الذم لا يخالط الناس كلا يصبر على أذاىم) أخرجو أحمد (ِ/ ّْ) ك (ٓ/ ّٓٔ)، كالطيالسى (ص ِٔٓ، رقم ُٕٖٔ)، كالبخارم في الأدب المفرد (ّٖٖ)، كالترمذل (ْ/ ِٔٔ، رقم َِٕٓ)، كابن ماجو (ِ/ ُّّٖ، رقم َِّْ)، كالطبرانى فى الأكسط (ٔ/ َُٗ، رقم ّٓٗٓ)، كالبغول فى الجعديات (ُ/ ُُِ، رقم ْٕٓ)، كابن العديم في بغية الطلب في تاريخ حلب (ِ/ ِٕٔ - ِٖٔ)، كأبو نعيم فى الحلية (ٓ/ ِٔ)، كابن قانع (ِ/ ّٖ)، كالبيهقى (َُ/ ٖٗ، رقم ُُٔٗٗ) كالحديث قاؿ عنو الترمذم: حسن صحيح، كقاؿ ابن مفلح في الآداب الشرعية (ّ/ ْْٗ): ركاتو كلهم ثقات، كقاؿ الحافظ في الفتح (َُ/ ُِٓ): إسناده حسن، كصححو العلبمة الألباني في الصحيحة (ّٗٗ)، كصحح إسناده العلبمة أحمد شاكر في تحقيقو للمسند (ٕ/ ْٗ)، كقاؿ الأرنؤكط كمن معو في تحقيق المسند (ٗ/ ْٔ): إسناده صحيح، رجالو ثقات رجاؿ الشيخين. كأما القسم الثاني من الفتن، كىي التي لا يعرؼ الحق فيها من الباطل، حيث تلتبس فيها الأمور، كىذا الالتباس ناتج عن طبيعة الفتنة كتلونها .. أك ناتج عن عدـ قدرة المعاصر لها من تمييز الحق فيها من الباطل .. كأكثر ما يكوف ىذا في آخر الزماف .. كعلى ذلك تنزؿ كثير من الأحاديث السابقة في أكؿ الكلبـ .. كحديث حذيفة، كحديث أبي سعيد، كحديث ابن عمرك بن العاص، كغيرىا .. كالله أعلم بالصواب. الحاؿ الثانية: من الأحواؿ التي يسقط فيها كجوب الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر كىي: العجز الحسي كىذا كاضح لا يحتاج إلى بياف، فإف من عجز عن القياـ بعمل طولب بو عجزا

عدد الصفحات ١٥٧

- 048 - حسيا لم يكلف بو، كمن عجز عن الجهاد لمرضو أك عرجو أك لذىاب بصره أك غير ذلك، كىذا معركؼ لا يحتاج إلى تعريف. الحاؿ الثالثة: ما كاف في معنى العجز الحسي، كذلك إذا كاف يلحقو من جرائو مكركه معتبر في إسقاط الوجوب عنو، دؿ على ذلك حديث أبي سعيد الخدرم رضي الله عنو مرفوعا: (إف الله ليسأؿ العبد يوـ القيامة، حتى يقوؿ: ما منعك إذا رأيت المنكر أف تنكره؟! فإف لقن الله عبدا حجتو قاؿ: يا رب! رجوتك كفرقت من الناس) أخرجو أحمد (ّ/ ِٗ، رقم ُُِّٔ) كعبد بن حميد (ص َُّ، رقم ْٕٗ) كابن ماجو (ِ/ ُِّّ، رقم َُْٕ)، كأبو يعلى (ِ/ ّّْ، رقم َُٖٗ)، كابن حباف (ُٔ/ ّٖٔ، رقم ّٖٕٔ)، كالبيهقى (َُ/ َٗ، رقم َُٕٗٗ) كالحديث قاؿ عنو العراقي في المغني (ُ/ ْْٓ): إسناده جيد، كقاؿ ابن كثير في تفسيره (ّ/ ُْٔ): إسناده لا بأس بو، كحسنو الحافظ في الأمالي المطلقة (ُٕٔ)، كقاؿ البوصيرل في مصباح الزجاجة (ْ/ ُٖٓ): إسناده صحيح، كحسنو السيوطي في الجامع الصغير (ُٕٔٗ)، كجوده العلبمة الألباني في الصحيحة (ِٗٗ)، كحسنو الوادعي في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين (َّْ)، كقاؿ الأرنؤكط في تحقيق المسند: إسناده حسن. فقد اعتبر النبي صلى الله عليو كسلم ذلك حجتو. كمما يدؿ على ىذا المعنى أيضا حديث حذيفة رضي الله عنو مرفوعا: (لا ينبغي للمؤمن أف يذؿ نفسو قالوا: ككيف يذؿ نفسو؟ قاؿ: يتعرض من البلبء لما لا يطيقو) أخرجو أحمد (ٓ/ َْٓ، رقم ُِّْٗ)، كالترمذل (ْ/ ِِٓ، رقم ِِْٓ)، كابن ماجو (ِ/ ُِّّ، رقم َُْٔ)، كالبزار (ٕ/ ُِٖ، رقم َِٕٗ)، كابن عدم في الكامل (ٔ/ َِّٕ)، كالدينورم في المجالسة (ٖ/ ُٖٖ، رقم ّْْٗ)، كالقضاعي في مسند الشهاب (ٖٔٔ) ك (ٕٖٔ)، كالبيهقي في الشعب (َُِْٖ)، كالبغوم في شرح السنة (َُّٔ) كالحديث قاؿ عنو الإماـ أبو حاتم الرازم: ىذا حديث منكر، كما في العلل لابنو (ِ/ ُّٖ، رقم َُٕٗ)، كضعفو ابن عدم في الكامل (ٓ/ ْٓ)، كأقره ابن القيسراني في الذخيرة (ْ/ َِّٓ)، (ٓ/ ِّٖٕ)، كأقره أيضا الحافظ في اللساف (ْ/ َُّ)، كقاؿ الشيخ مشهور في تعليقو على كتاب المجالسة: إسناده ضعيف، كقاؿ الأرنؤكط كمن معو في تحقيق المسند (ّٖ/ ّْٓ): إسناده ضعيف من أجل علي بن زيد بن جدعاف، كىو مع ضعفو قد خولف، فركاه غيره عن الحسن مرسلب كما سيأتي، كالحسن -كىو البصرم- مدلس كقد عنعنو، كأشار أبو حاتم كما في "العلل" ِ/ َّٔ إلى أف

عدد الصفحات ١٥٨

- 051 - عمرك بن عاصم زاد في الإسناد جندبا، كأسنده عن أبي سلمة التبوذكي عن حماد بن سلمة ليس فيو جندب ا. ىػ كأما الترمذم فحسنو، ككذا حسنو البغوم، كحسنو الحافظ في الأمالي المطلقة (ُٔٔ)، كصححو الشيخ أحمد شاكر في عمدة التفسير (ُ/ ُٕٔ)، كصححو لشواىده العلبمة الألباني في الصحيحة (ُّٔ). المسألة الثالثة: تفسير قولو تعالى: (عىلىيٍكيمٍ أىنػٍفيسىكيمٍ لاى يىضيرُّكيمٍ مىنٍ ضىلَّ إًذىا اىٍتىدىيػٍتيمٍ ) [المائدة: َُٓ]. قد يتوىم البعض من قولو تعالى عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اىتديتم [المائدة: َُٓ] أف الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر لا يلزمو .. كىذا غير صحيح بل ىو لازـ لو، كالآية حجة عليو لا لو!!. ذلك أف الهداية لا تتحقق إلا بفعل المأمور كترؾ المحظور، كمن المعلوـ أف أعظم المأمورات القياـ بالأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر، كأف الذم يدع العمل بذلك لا يكوف مهتديا!! بل كيف يكوف مهتديا كالرسوؿ صلى الله عليو كسلم جعل الإنكار بالقلب أضعف الإيماف، كقاؿ عن الإنكار كالمجاىدة للخلوؼ الذين يقولوف ما لا يفعلوف، كيفعلوف ما لا يؤمركف: (فمن جاىدىم بيده فهو مؤمن، كمن جاىدىم بلسانو فهو مؤمن، كمن جاىدىم بقلبو فهو مؤمن، كليس كراء ذلك من الإيماف حبة خردؿ) ركاه مسلم (َٓ). من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنو. كإف مما يدؿ على أف تارؾ الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر غير مهتد: إقساـ الله تعالى أف الإنساف لفي خسر كلم يستثن سول الذين آمنوا كعملوا الصالحات كتواصوا بالحق كتواصوا بالصبر [العصر: ّ] كقد قاؿ بنحو ما سبق جماعة من المفسرين منهم ابن جرير حيث قاؿ في تفسيره (ُُ/ ُِٓ - ُّٓ) حينما ذكر الأقواؿ في الآية السابقة: كأكلى ىذه الأقواؿ كأصح التأكيلبت، ما ركم عن أبي بكر -رضي الله عنو فيها كىو يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم [المائدة: َُٓ]الزموا العمل بطاعة الله كبما أمركم بو كانتهوا عما نهاكم الله عنو لا يضركم من ضل إذا اىتديتم يقوؿ: فإنو لا يضركم ضلبؿ من ضل إذا أنتم لزمتم العمل بطاعة الله، كأديتم فيمن ضل من الناس ما ألزمكم الله بو فيو، من فرض الأمر بالمعركؼ، كالنهي عن المنكر الذم يركبو، أك يحاكؿ ركوبو، كالأخذ على يديو إذا راـ ظلما لمسلم أك معاىد، كمنعو منو فأبى النزكع عن ذلك، كلا ضير عليكم في تماديو في غيو كضلبلو إذا أنتم اىتديتم كأديتم حق الله تعالى ذكره فيو، كإنما قلنا ذلك

عدد الصفحات ١٥٩

- 050 - أكلى التأكيلبت في ذلك بالصواب لأف الله تعالى ذكره، أمر المؤمنين أف يقوموا بالقسط، كيتعاكنوا على البر كالتقول، كمن القياـ بالقسط الأخذ على يدم الظالم، كمن التعاكف على البر كالتقول الأمر بالمعركؼ، كىذا مع ما تظاىرت بو الأخبار عن رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم من أمره بالأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر، كلو كاف للناس ترؾ ذلك لم يكن للؤمر بو معنى إلا في الحاؿ التي رخص فيو رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم ترؾ ذلك، كىي حاؿ العجز عن القياـ بو بالجوارح الظاىرة، فيكوف مرخصا لو تركو إذا قاـ حينئذ بأداء فرض الله عليو في ذلك بقلبو، كإذا كاف ما كصفنا من التأكيل بالآية أكلى، فبين أنو قد دخل في معنى قولو: إذا اىتديتم ما قالو حذيفة كسعيد بن المسيب من أف ذلك (إذا أمرتم بالمعركؼ كنهيتم عن المنكر ا.ىػ كقاؿ الزجاج في معاني القرآف (ِ/ ُِْ): كليس يوجب لفظ ىذه الآية ترؾ الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر، كاعلم أنو لا يضر المؤمن كفر الكافر، فإذا ترؾ المؤمن الأمر بالمعركؼ كىو مستطيع ذلك فهو ضاؿ، كليس بمهتد ا.ىػ. كقاؿ النوكم في شرح مسلم (ِ/ ِِ - ِّ): المذىب الصحيح عند المحققين في معنى الآية: إنكم إذا فعلتم ما كلفتم بو فلب يضركم تقصير غيركم مثل قولو تعالى: كلا تزر كازرة كزر أخرل [فاطر: ُٖ]كإذا كاف كذلك فمما كلف بو الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر، فإذا فعلو كلم يمتثل المخاطب، فلب ضرر على الآمر الناىي لكونو أدل ما عليو، فإنما عليو الأمر كالنهي لا القبوؿ كالله أعلم ا.ىػ بتصرؼ كقاؿ الشنقيطي في أضواء البياف (ُ/ْٗٓ): قد يتوىم الجاىل من ظاىر ىذه الآية الكريمة عدـ كجوب الأمر بالمعركؼ كالنهي عن المنكر، كلكن نفس الآية فيها الإشارة إلى أف ذلك فيما إذا بلغ جهده فلم يقبل منو المأمور، كذلك في قولو: إذا اىتديتم [ٓ \ َُٓ]لأف من ترؾ الأمر بالمعركؼ لم يهتد، كممن قاؿ بهذا حذيفة، كسعيد بن المسيب، كما نقلو عنهما الألوسي في «تفسيره» ، كابن جرير، كنقلو القرطبي عن سعيد بن المسيب، كأبي عبيد القاسم بن سلبـ، كنقل نحوه ابن جرير عن جماعة من الصحابة، منهم ابن عمر، كابن مسعود. فمن العلماء من قاؿ: إذا اىتديتم، أم: أمرتم فلم يسمع منكم، كمنهم من قاؿ: يدخل الأمر بالمعركؼ في المراد بالاىتداء في الآية، كىو ظاىر جدا كلا ينبغي العدكؿ عنو لمنصف.

عدد الصفحات ١٦٠