المبحث الرابع- معارضة الديث بالعقل 121 ، حتى عاد لا يعرف ما فعل، ولا ما قال، لذلك كان التناقض ب الأحاديث..."، إلى أن قال: "وأخيرًا كما قال الشيخ علي حسب الله، فنحن بين أمرين: إما اتهّام أحد رواة الحديث بالغلط والتدليس...، وبين اتهّام النبي بالسحر، فماذا نفعلف لا شكّ أن اتهّام أحد رجال الإسناد هو الأولى - عندي-؛ صوناً لرسول الله من أن نجعله رجلاً مسحورًا، ومهما يكن فهذا أمر للاجتهاد فيه مجال، والكلّ مأجور إن شاء الله ما دامت النيّة صادقة، والأسباب متوفّرة، عصمنا الله من الزلل" (1). وللجواب على الكلام السابق أقول أورد المؤلّ ف هذا الحديث مثالاً لما أعلّه المحدّثون بمخالفته للنظر العقلي، أو لاشتماله على أمر منكر أو مستحيل، كما جاء في عنوان المقياس، فقد قال في مطلع كلامه على هذا الحديث: "ويحسن أن نختم هذ ا المقياس بهذا الحديث الذي اعتبره بعض العلماء داخلاً تحت هذا المقياس، وقالوا بعدم صحّته...". فالمقياس الذي أدخل تحته هذا الحديث منسوب للمحدّثين، وبناء على ذلك فيجب أن يكون من أعلّه لدخوله تحت هذا المقياس من علماء الحديث؛ لأنه لا يصح الاستدلال بعمل أهل فنّ على أهل فنّ آخر، لكنّ المؤلّ ف لم يذكر أحدًا من علماء الحديث المعروفين، وإنما ذكر من سمّاه: "الشيخ علي حسب الله"، ولم يبينّ من هو، وهل هو من علماء الحديث (1) مقاييس نقد متون السنّة (ص233-236.)
عدد الصفحات ١٢١آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 122 الذين يستقيم الاستدلال بأحكامهم في مثل هذا المقامف أما الحافظ ابن حجر فقد حكى عن المازري قوله: "أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث، وزعموا أنه يحطّ من منصب النبوّة، ويشكك فيها..."(1)، وقد أقرّه ابن حجر، ولم يتعقّبه، ولو علم ابن حجر أن أحدًا من المحدّثين طعن في هذا الحديث لذكره. فهل يليق قبول طعن هؤلاء في حديث خرّجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، وتلقاه علماء الإسلام بالقبول من محدّثين وغيرهمف وهل تُثبت مقاييس النقد بعمل علماء الحديث، أم بعمل من سمّاه المؤلّ ف الشيخ علي حسب الله، ومن وصفهم المازري بالمبتدعةف (1) فتح الباري 10/226.)
عدد الصفحات ١٢٢المبحث الخامس - معارضة الديث بالإجماع المبحث الخامس- معارضة الديث بالإجماع
عدد الصفحات ١٢٣المبحث الخامس- معارضة الديث بالإجماع 125 المبحث الخامس- معارضة الديث بالإجماع: هذا المقياس انفرد بذكره ص احب كتاب نقد المتن الحديثي، فقد نسب للمحدّثين إعلال الحديث إذا هو خالف الإجماع. يقول المؤلّ ف: "ومن أنواع المخالفة التي يستعملها أئمة الجرح والتعديل في نقد المتن الحديثي المؤثرة في حكمهم على الرواة: أن يكون مخالفًا للإجماع" (1). هكذا جزم المؤلّ ف بنسبة هذاالمقياس لأئمة الجرح والتعديل دون استناد إلى نصّ صريح عن واحد منهم في إعلاله لحديث بمخالفته للإجماع، وقد حاول الاستدلال بأمور لا يستقيم الاستدلال بها على ذلك، وسوف أعرضها فيما يلي لمناقشتها: يقول المؤلّ ف: "وقد ورد عن الإمام أحمد بن حنبل استعمال هذا النوع من المخالفة لنقد بعض الرواة، فقد قال في طلحة بن يحيى التميمي: "صالَ الحديث"، وفي نصّ آخر قال: "طلحة بن يحيى أحبّ إليّ من بريد بن أبي بردة، يروي أحاديث مناكير، وطلحة حدّث بحديث "عصفور من عصافير الجنّة"، وحديث عصفور من عصافير الجنّة الذي نقده الإمام أحمد أخرج ه مسلم في صحيحه من طريق طلحة بن يحيى، عن عمّته عائشة بنت (1) نقد المتن الحديثي (ص32.)
عدد الصفحات ١٢٥آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 126 طلحة، عن عائشة أم المؤمنين، قالت: "دُعي رسول الله إلى جنازة صبيٍّ من الأنصار، فقلت: يا رسول الله، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء، ولم يدركه. قال: «أو غير ذلك يا عائشة؟ إن الله خلق للجنة أهلاً ، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلاً، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم»، ونقل الخلاّل ما يبينّ سبب نقد الإمام أحمد لهذا الحديث، فقال: أخبرنا الميموني: أنهم ذاكروا أبا عبد الله أطفال المؤمنين، فذكروا له حديث عائشة في قصّة ابن الأنصاري، وقول النبي فيه، فسمعت أبا عبد الله غير مرّة يقول: "هذا حديث" وذكر فيه رجلاً ضعّفه: طلحة. وسمعته غير مرّة يقول: وأحد يشك أنهم في الجنّة، وهو يرجى لأبيه، كيف يشك فيهف إنما اختلفوا في أطفال المشركين". ويقول المؤلّ ف تعقيبًا على ذلك: "فظاهر كلام أحمد أنه نقد متن الحديث بسبب مخالفته للإجماع بقرينة قوله: "إنما اختلفوا في أطفال المشركين"، ومفهوم هذا أن أطفال المسلمين لم يخُتلف فيهم، وهذا يدلّ عليه قوله أيضًا: "أحد يشك أنهم في الجنّةف"، ولذا قال ابن عبد البر في الحديث الآنف: وهذا حديث ساقط ضعيف مردود بما ذكرناه من الآثار وا لإجماع. وكذا حكى النووي الإجماع على أن من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنّة"(1). (1) المصدر السابق (ص32-33.)
عدد الصفحات ١٢٦المبحث الخامس- معارضة الديث بالإجماع 127 ويجاب عن كلام المؤل ِف السابق بما يلي أن هذا الحديث لا يستقيم الاستدلال به على أن من منهج المحدّثين إعلال الحديث بمخالفته للإجماع، لأن الإمام أحمد رحمه الله تعالى لم يضعّفه بمخالفته للإجماع، وإنما ضعّفه وأنكره لضعف راويه، ولتفرده به، وسبق حكاية المؤلّ ف له عن الخلاّل، قال: أخبرني الميموني أنهم ذاكروا أبا عبد الله أطفال المؤمنين، فذكروا له حديث عائشة في قصّة ابن الأنصاري، وقول النبي فيه، فسمعتأبا عبد الله غير مرّة يقو ل: "هذا حديث!"، وذكر فيه رجلاً ضعّفه: طلحة.اهـ. فقول الإمام أحمد: "هذا حديث!"، هو إنكار للحديث، ثم بينّ أن سبب هذا الإنكار هو ضعف الراوي له، وهو طلحة، ثم يتأكد هذا بما ساقه المؤلّ ف أيضًا عن الإمام أحمد، وهو قوله: "طلحة بن يحيى أحبّ إلي من بريد بن أبي بردة ، بريد يروي أحاديث مناكير، وطلحة حدث بحديث عصفور من عصافير الجنّة". فقول الإمام أحمد: "وطلحة حدث بحديث عصفور من عصافير الجنّة" بعد قوله: "بريد يروي أحاديث مناكير" يعني أنه لم ينكر على طلحة إلا هذا الحديث، بينما أنكر على بريد أكثر من حديث، وقد جاء التصريح ب ذلك في التهذيب لابن حجر إذ يقول: "وبقيّة كلام أحمد: بريد له مناكير، وطلحة إنما أنكر عليه حديث عصفور من عصافير الجنّة"(1). (1) تهذيب التهذيب5/28.)
عدد الصفحات ١٢٧آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 128 ومن خلال ما سبق يتبينّ أن إنكار الإمام أحمد لهذا الحديث وتضعيفه له كان بسبب ضعف راويه عنده، وأنه لا يحتمل تفرّده، أمّ ا ما حكاه المؤلّ ف عن الإمام أحمد أنه قال فيه: "صالَ الحديث" فبالرجوع إلى المصدر الذي نقل عنه المؤلّ ف وجدت عن الإمام أحمد ما نصّه: "عمرو بن عثمان أحبّ إليّ من طلحة، وطلحة صالَ -يعني: الحديث-". فيلاحظ أن الإمام أحمد قال عن الراوي: "صالَ"، لا كما جاء عند المؤلّ ف: "صالَ الحديث"، فتقييد الصلاحيّة بـ "الحديث" هو تفسير لكلامه من غيره، وفي الغالب أنه من ابنه عبد الله، وتفسيره لكلام أبيه معتبر، لكنه في هذا المقام يؤدّ ي بكلام الإمام أحمد إلى التعارض، ففي عبارة: "صالَ الحديث" نوع توثيق"، وقد ورد عن الإمام أحمد تضعيف هذا الراوي كما جاء في رواية الميموني التي سبق ذكرها، وبقاء حكم الإمام على الراوي بقوله: "صالَ" على إطلاقه لا يتعارض مع تضعيفه له؛ لأن الصلاحية هنا تحمل على الصلاحيّة في الديانة، كما هي عادة النقّاد في إطلاق ذلك، على ماقرّره الحافظ ابن حجر رحمه الله، إذ يقول: "قول الخليلي : "شيخ صالَ" أراد به في دينه، لا في حديثه، لأن من عادتهم إذا أرادوا وصف الراوي بالصلاحية في الحديث قيّدوا ذلك، فقالوا: "صالَ الحديث"، فإذا أطلقوا الصلاح فإنما يريدون في الديانة، والله أعلم" (1). فهذا الحافظ ابن حجر معروف بالاستقراء، وسعة الاطّلاع على كلام (1) النكت2/680.)
عدد الصفحات ١٢٨المبحث الخامس- معارضة الديث بالإجماع 129 النقّاد، يجزم بأنهم إذا أطلقوا الصلاح إنما يريدون الصلاح في الديانة، لا في الحديث، وحكم الإمام أحمد بالصلاح جاء مطلقًا، فحمْله على هذا أولى، لا سيّما وأن حمْله على هذا يجعله متوافقًا مع حكمه على الراوي بالضعف، بخلاف تفسير الصلاحية بصلاحيته في الحديث؛ فإنه يج عله متعارضًا مع تضعيفه للراوي، كما سبق الإشارة إلى ذلك. على أنه لو قُدّر حمل الصلاحية على صلاحيّته في الحديث فإنه هذا التوثيق لا يمنع حكم الإمام أحمد على حديث هذا الراوي بالنكارة حال تفرّده به، لما عُلم من تشدّد الإمام أحمد في مسألة التفرّد(1). وكذلك تضعي ف ابن عبد البر رحمه الله تعالى للحديث ليس بسبب مخالفته للإجماع، وإنما ضعّفه بسبب ضعف راويه، وفيما يلي نصّ كلامه: يقول ابن عبد البر: "وهذا حديث ساقط ضعيف، مردود بما ذكرنا من الآثار والإجماع، وطلحة بن يحيى ضعيف لا يحتجّ به، وهذا الحديث مما تفرّد به (1) قال إسحاق بن هانئ: "قال لي أبو عبد الله: قال لي يحيى بن سعيد: لا أعلم عبيد الله -يعني ابن عمر- أخطأ إلا في حديث واحد لنافع، عن ابن عمر: أن النبي قال«لا تسافر المرأة فوق ثلاثة أيام »الحديث، قال أبو عبد الله: فأنكره يحيى بن سعيد عليه. قال أبو عبد الله: فقال يحيى بن سعيد: فوجدته قد حدّث به العُمري الصغير عن نافع، عن ابن عمر مثله. قال أبو عبد الله: لم يسمعه إلا من عبيد الله، فلما بلغه عن العمري صحّحه". حكى ذلك ابن رجب، ثم عقّب عليه بقوله: "وهذا الكلام يدل على أن النكارة عند يحيى القطّان لا تزول إلا بمعرفة الحديث من وجه آخر، وكلام أحمد قريب من ذلك". شرح علل الترمذي (2/55-56.)
عدد الصفحات ١٢٩آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 130 ف يعرّج عليه"(1). فتأمل قوله: "وطلحة بن يحيى ضعيف لا يحتجّ به"؛ فإنه تضعيف شديد، ثم أكّد ذلك ببيان تفرّد هذا الراوي بالحديث، ثم رتّب على ذلك قوله: "فلا يعرّج عليه"، يعني لتفرد ذلك الراوي به، فهل يقال بعد هذا إن ابن عبد البر ضعّف هذا الحديث بمخالفته للإجماعف ومعلو م أن المحدّثين لا يعلّون بالمخالفة أحاديث الضعفاء أمثال هذا، وإنما يعلّون بها أحاديث الثقات التي لا علّة لها إلا المخالفة، لأن أحاديث الضعفاء أمرها بينّ كما يقول الحاكم: "وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واه..." (2). وأما ما ذكره المؤلّ ف عن النووي من حكايته الإجماع على أن من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنّة، فليس فيه دلالة على ما يريد، لأن النوويّ لم يعارض الحديث بالإجماع، وإنما ذكر الأحاديث التي تعارضه، ثم حكى الإجماع على ما دلّت عليه تلك الأحاديث، ولو ساق المؤلّ ف بقيّة كلام النووي لتبينّ أن النووي يرى صحّة الحديث، فالنوويُّ بعد أن ساق الأحاديث المشار إليها قال: "أجمع من يعتدّ به من علماء المسلمين أن من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنّة؛ لأنه ليس مكلّفًا، وتوقف فيه بعض من لا يعتدّ به، لحديث عائشة هذا، وأجاب العلماء بأنه لعلّه نهاها (1) التمهيد6/351.) (2) معرفة علوم الحديث (ص: 359.)
عدد الصفحات ١٣٠المبحث الخامس- معارضة الديث بالإجماع 131 عن المسارعة إلى القطع من غير أن يكون عندها دليل قاطع، كما أنكر على سعد بن أبي وقّاص في قوله: "أعطه، إني لأراه مؤمنًا"، قال: «أو مسلمًا»، الحديث. ويحتمل أنه قال هذا قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنّة، فلما علم قال ذلك في قوله :«ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة برحمته إيا هم »، وغير ذلك من الأحاديث..."(1)، والله أعلم فيلاحظ فيما سبق من كلام النووي أنه لما ذكر خلاف من خالفوا الإجماع الذي حكاه طعن في خلافهم فقال: "إنه لا يعتدّ به"، لكنه لم يطعن في الحديث، بل حكى عن أولئك العلماء -الذين عملوا بالأحاديث التي عارضته- أنهم حاولوا دفع ذلك التعارض بتأويل الحديث، وتأويلهم له تسليم منهم بصحّته، وحكاية النووي لذلك إقرار منه به. ثم يواصل المؤلّ ف الاستدلال لإثبات ردّ نقّاد المحدّثين الحديث بسبب مخالفته للإجماع، فيقول: "ومما يدخل تحت هذا النوع من المخالفة -حسب ظنيّ - النصوص التي يصرّح فيها كبار علماء الجرح والتعديل بضعف بعض الرواة، لكونهم يروون أحاديث فيها طعن في الشيخين أبي بكر وعمر ، أو في عثمان ، كما ورد عن الإمام أحمد أنه سئل عن أبي مريم عبد الغفار بن القاسم الكوفي: من أين جاء ضعفه: من ق بل رأيه، أو من قبل حديثهف فقال: من قبل رأيه، حدّ ث ببلايا عن عثمان أحاديث (1) شرح النووي على صحيح مسلم 16/207.)
عدد الصفحات ١٣١آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 132 سوء(1). ويجاب عن ذلك بأن الذين يروون أحاديث فيها طعن في الشيخين هم أهل البدع، بل الرافضة منهم على وجه الخصوص، ويؤكّد ذلك المثال الذي ذكره الم ؤلّ ف، فقد صرّح الإمام أحمد أنه طعن في ذلك الراوي أبي مريم من ق بل رأيه، يعني بدعته، ثم بينّ ذلك بقوله: "حدّث ببلايا عن عثمان أحاديث سوء". وروايته لهذه الأحديث يدل على أنه رافضيّ، وقد جاء وصفه بذلك عن غير الإمام أحمد، يقول الذهبي: " عبد الغفار بن القاسم، أبو مريم الأنصاري، كان يضع الحديث، ويقال: كان من رؤوس الشيعة" (2). ومن خلال ما سبق يتبينّ أن الإمام أحمد إنما ضعّف الراوي المذكور من أجل بدعته، وردّ أحاديثه من أجل ذلك، وليس لمخالفتها الإجماع. ويقول المؤلّ ف: "وكذا إذا كان في المتن غلوّ في فضل عليّ ، كما قال ابن سعد في عبيد الله بن موسى العبسي: "كان ثقة صدوقًا -إن شاء الله-، كثير الحديث، حسن الهيئة، وكان يتشيّع، ويروي أحاديث في التشيّع منكرة، فضعّ ف بذلك عند كثير من الناس"، ولذا قال الإمام أحمد -وهو ممن يضعّف عبيد الله هذا- لما سئل عنه: "كان صاحب تخليط، وحدّث بأحاديث سوء، أخرج تلك البلايا فحدّث بها، قيل له: فأين فضيلف قال: لم (1) نقد المتن الحديثي (ص34.) (2) الميزان 2/640.)
عدد الصفحات ١٣٢المبحث الخامس- معارضة الديث بالإجماع 133 يكن مثله، كان أستر منه، وأما هو فأخرج تلك الأحاديث الرديّة"، وقال أبو داود في يونس بن خبّاب: "شتّام لأصحاب رسول الله ...، وقد رأيت أحاديث شعبة عنه مستقيمة، وليست الرافضة كذلك، وكان له رأ ي سوء، زاد في حديث القبر -حديث زاذان -: «وعليٌّ ولِي ِي »، وبيان هذه الزيادة المنافية لإجماع أهل السنة وردت في قصّة لعبّاد بن عبّاد، يقول فيها: "أتيت يونس بن خبّاب فسألته عن حديث عذاب القبر، فحدّثني فقال: هاهنا كلمة أخفاها الناصبة. قال: قلت: ما هيف قال: أن يُ سأل في قبره: من وليّكف فإن قال: علي بن أبي طالب، نجا. فقلت: والله ما سمعنا بهذا في آبائنا الأوّلين! فقال لي: من أين أنتف قلت: من أهل البصرة. قال: أنت عثمانيّ خبيث...". ثم عقّب على ذلك المؤلّ ف بقوله: "وأهل السنّة يجمعون على فضل الخلفاء الراشدين، وعموم صحا بة رسول الله ، كما أنهم مجمعون على عدم الغلوّ في فضل عليّ أو غيره من صحابة رسول الله ، فإذا روى أحد الرواة متوناً حديثيّة تخالف هذا الإجماع المعتبر فإن أئمة الجرح والتعديل يتكلّمون فيه بسبب ذلك"(1). ويجاب عن استدلال المؤل ِف بردّ النقّاد لحديث الراويين المذكورين بأن كلام النقّاد فيهما صريح في رميهما بالغلوّ في التشيّع أو الرفض، والدعوة إليه بما يرويانه، فالراوي الأول عبيد الله بن موسى قال فيه ابن سعد: "كان (1) نقد المتن الحديثي (ص34-35.)
عدد الصفحات ١٣٣آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 134 يتشيّع، وروى أحاديث في التشيّع منكرة، فضعّف بذلك عند كثير من الناس"، ووصف الإمام أحمد أحاديثه بأنها أحاديث سوء، وأنها بلايا، وأنها رديّة. أما الراوي الثاني يونس بن خبّاب، فقال فيه أبو داود: "شتّام لأصحاب رسول الله "، وهذا جرح في الراويين مفسر، وقد ذكر كتعليل لردّ حديثه، وهذا هو الجاري على منهج المحدّثين، فهل يسوغ تجاهل هذا السبب الواضح، والقول بأنهم ر دُّوا أحاديث أولئك الرواة لمخالفتها الإجماعف وهل ورد ذكر للإجماع في الكلام الذي حكاه المؤلّ ف عنهمف وقد أحسن المؤلّ ف حين قال في مطلع كلامه: "مما يدخل في هذا النوع من المخالفة -حسب ظنيّ - ..."، وهو اعتراف منه بأنه لم يستند فيما نسبه إلى المحدّثين إلى نصّ عن أحد منهم، وبغضّ النظر عمّا سبق فهل يستقيم قول المؤلّ ف: إن مخالفة الحديث للإجماع تقدح فيهف الذي يظهر من كلام أهل العلم أنه لا يسوغ نسبة ذلك للإجماع، لأنه لا بد للإجماع من مستند من الكتاب أو السنّة، وبناء على ذلك فالمؤثر هو ذلك المستند، وليس الإجماع، وهذا ي فهم من كلام علماء المصطلح في النسخ: يقول ابن الصلاح رحمه الله: "والإجماع لا ينسخ، ولا يُنسخ، ولكن يدلّ على وجود ناسخ غيره" (1). (1) علوم الحديث (ص: 251.)
عدد الصفحات ١٣٤المبحث الخامس- معارضة الديث بالإجماع 135 ويقول السخاوي رحمه الله: "وأما رابعها فليس على إطلاقه في كون الإجماع ناسخًا، بل العلماء من المحدّثين والأصوليّين إنما رأوا دلالة الإجماع على وجود ناسخ غيره، بمعنى أن الإجماع يستدل به على وجود خبر معه يقع به النسخ"(1). وبناء على ما سبق؛ فلا معنى لذكر معارضة الإجماع، لأن المعارض هو النص من الكتاب أو السنّة الذي دلّ عليه الإجماع، وسبق أن ذكر المؤلّ ف معارضة الحديث للقرآن، ومعارضة الحدي ث لحديث غيره، وأجيب عن ذلك كله في موضعه، والله أعلم. (1) فتح المغيث3/450.)
عدد الصفحات ١٣٥المبحث السادس - رة ّ ة والقواعد المقر ّ معارضة الديث بالأصول الشرعي المبحث السادس- معارضة الديث رة ّ ة والقواعد المقر ّ بالأصول الشرعي
عدد الصفحات ١٣٧المبحث السادس- معارضة رة ّ ة والقواعد المقر ّ الديث بالأصول الشرعي 139 المبحث السادس- رة: ّ ة والقواعد المقر ّ معارضة الديث بالأصول الشرعي هذا المقياس انفرد بذكره صاحب كتاب المقاييس، وقال تحت هذا العنوان: "مخالفة الحديث للأصول الشرعية والقواعد المقرّرة، أو المفاهيم والتصورات التي عهد من الشارع الاعتناء بها، وتثبيتها في نفوس الناس، دليل على عدم صحّته، وبالتالي نفي نسبته إلى رسول الله ، لأن الاتفاق ب أصول الشريعة وقواعدها وأحكامها هو الأمر الذي لا يمكن أن تشوبه شائبة، ولا ينقضه خبر، مهما بلغ إسناده من الصحّة". ثم ذكر المؤلّ ف نماذج من تلك الأصول والقواعد المقرّرة التي يرى أن المحدّثين يحكمون على الحديث بالوضع حال مخالفتها: 1- فيقول: "ومن هذه الأصول المقرّرة ما تقدم إثباته من مسئولية الإنسان عن نفسه فقط، وعدم محاسبته عمّا اقترف غيره، فلا يؤخذ بجريرة أحد، وأخذًا بهذا المقياس حكم المحدّثون بوضع حديث: «لا يدخل الجن ة ولد زِ نا...» 2- ويقول: "ومن الأصول المقرّرة التي أرستها الشريعة الإسلامية: الوسطيّة، والاعتدال في كل حكم من أحكامها، ومن ذلك الثواب والعقاب، فلكلّ عمل ما يناسبه من الأجر، أخذًا بالحديث: «أجركِ على قدر نصبك»، كذلك لكل ذنب ما يوازيه من الإثم، وبهذا الأصل يحُكم بوضع أحاديث كثيرة تشتمل على مجازفات...". 3- ويقول: "ومن الأمور التي حثّت عليها الشريعة طلب معالي الأمور،
عدد الصفحات ١٣٩