المبحث الرابع- معارضة الديث بالعقل 105 الخطيب البغدادي بسنده عنأبي العباس محمد بن عبد الرحمن الدغولي أنه قال: سمعت محمد بن حاتم بن المظفر يقول: إن الله أكرم هذه الأمة وشرّفها وفضلها بالإسناد، وليس لأحد من الأمم كلها قديمهم وحديثهم إسناد، وإنما هي صحف في أيديهم، وقد خلطوا بكتبهم أخبارهم، وليس عندهم تمييز بين ما أنزل من التوراة والإنجيل مما جاء به أنبياؤهم، وتمييز بين ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار التي أخذوها عن غير الثقات، وهذه الأمة إنما تنصّ الحديث عن الثقة المعروف في زمانه، المشهور بالصدق والأمانة، عن مثله إلى منتهاه حتى تتناهى أخبارهم، ثم يبحثون أشد البحث حتى يعرفوا الأحفظ والأضبط، فالأضبط والأطول مجالسة لمن فوقه ممن كان أقل مجالسة، ثم يكتبون الحديث من عشرين وجهًا وأكثر، حتى يهذبوه من الغلط والزلل، ويضبطوا حروفه، ويعدّونها عدًا، فهذا من أعظم نعم الله تعالى على هذه الأمة، نستوزع الله شكر هذه النعمة، ونسأله التثبيت والتوفيق لما يقرب منه، ويزلف إليه، ويمسّكنا بطاعته، إنه ولي حميد، فليس أحد من أهل الحديث يحابي في الحديث أباه، ولا أخاه ولا ولده، وهذا علي بن عبد الله بن المديني، وهو إمام أهل الحديث في عصره، لا يُروى عنه حرف واحد في تقوية أبيه، بل يروى عنه ضد ذلك، فالحمد لله على ما وفّقنا"(1). وإذا عُلم ما يعنيه شرطا العدالة والضبط من التديّن والصدق، والأمانة والحزم، والتيقظ والإتقان، والتحرز من الزيادة في الحديث أو الانتقاص منه، (1) شرف أصحاب الحديث ص: 40-41.)
عدد الصفحات ١٠٥آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 106 ثم عُلم مع ذلك شدة عناية المحدّثين بتحقق تلك الصفات في الراوي، إذا عُلم ذلك كلّه، فهل يتصور م نْ راوٍ يصفه المحدّث ون بالعدالة والضبط أن يروي المنكر والمستحيل وما يخالف المعقولف لا شك في بُعد ذلك من الجانب النظري، أما من حيث الواقع فإن ذلك أشد بُعدًا، فتلك هي دواوين السنة التي اشترط أصحابها فيها الرواية عن العدول الضابطين، تشهد ببراءة مروياّتهم من المناكير والمستحيلات، وما يخالف المعقول، لكن مع براءة حديثهم من ذلك فهم بشر، يحتمل منهم الخطأ والوهم، ومن أجل ذلك وضع المحدّثون الشرطين الأخيرين: انتفاء الشذوذ، وانتفاء العلّة. والقصد من هذين الشرطين مراقبة أحاديث العدول والضابطين، خشية وقوع خطأ أو وهم فيها. يقول الحاكم النيسابوري: "إنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واه، وعلّة الحديث تكثر في أحاديث الثقات، أن يحدّثوا بحديث له علّة، فتخفى عليهم علّته، والحجة فيه عندنا الحفظ والفهم والمعرفة" (1). ثم إنه لا يتصدّى لنقد حديث هؤلاء الثقات إلا جهابذةالنقّاد الذين توافرت فيهم تلك الصفات المذكورة في آخر كلام الحاكم: "الحفظ والفهم والمعرفة"، ويعني بذلك الاطّلاع الواسع على متون الحديث، وأحوال الرواة، مع الفهم الثاقب، والمعرفة، وهي ما يعبرّ عنه بالملكة النقديّة المتولّدة من طول (1) معرفة علوم الحديث (ص: 360.)
عدد الصفحات ١٠٦المبحث الرابع- معارضة الديث بالعقل 107 الممارسة، فهؤلاء هم الذين يت مكنّون من إدراك العلل الخفية الناجمة عن الأوهام والأخطاء الواردة في حديث الثقات، وقد جاءت الإشارة إلى ذلك في قول العلائي رحمه الله تعالى: "وهذا الفن أغمض أنواع الحديث وأدقّها مسلكًا، ولا يقوم به إلا من منحه الله فهمًا غايصًا، واطّلاعًا حاوياً، وإدراكًا لمر اتب الرواة، ومعرفة ثاقبة، ولهذا لم يتكلم فيه إلا أفراد من أئمة هذا الشأن، وحذّاقهم، كابن المديني، والبخاري، و أبي زرعة، و أبي حاتم، وأمثالهم"(1). وفي كلام الحاكم والعلائي السابق بيان لهذا النقد الخاص بأحاديث الثقات، وفيه أيضًا إشارة إلى دور العقل في هذا النقد، وذلك في قول الحاكم: "والفهم"، وفي قول العلائي: "ولا يقوم به إلا من رزقه الله فهمًا غايصًا"، لكن ذلك العقل الذي استعمله النقّاد في استخراج تلك العلل الخفيّة ليس كسائر عقول العلماء الآخرين، فضلاً عن غيرهم، إنه عقل خاص قد أكسبه طول المراس لهذا العلم ملكة ن قديّة فذّة، أهّلته لتلك المهمة الصعبة، فهي أشبه ما يكون بملكة الصيرفي التي تؤهّله لتمييز البهرج من الدنانير من الجيّد، وفي ذلك يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "ومعرفة هذا الشأن وعلله ذوق، ونور يقذفه الله في القلب، يقطع به من ذاقه، ولا شكّ فيه، ومن ليس له ه ذا الذوق لا شعور له به، وهذا كنقد الدراهم لأربابه، ففيه ذوق ومعرفة ليست لكبار العلماء، قال محمد بن عبد الله بن نمير: قال عبد الرحمن بن مهدي: إن معرفة علم الحديث إلهام. قال ابن نمير: صدق، لو قلت له: من أين هذاف (1) النكت2/777.)
عدد الصفحات ١٠٧آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 108 لم يكن له جواب(1). ومن خلال ما سبق عرضه من ا طوات التي يسلكها المحدّثون لمعرفة حال الحديث من الصحّة أو غيرها، يتبينّ بكل وضوح أن نقدهم للحديث كان شاملاً للسند والمتن معًا، فقد شرطوا في الراوي لقبول حديثه العدالة، والضبط، وبذلك استبعدوا الموضوعات والمستحيلات والمناكير، وكل ما فيه ضعف. ثم اشترطوا انتف اء الشذوذ والعلّة ليستبعدوا ما أخطأ فيه الثقات، أو وهموا فيه، من متون وأسانيد، وفي هذا المجال المحدود وهو ما يتعلق بنقد أحاديث الثقات يبرز الدور المباشر للعقل، مع أن العقل الناقد هنا ليس هو العقل المجرّد الذي يفهم من كلام الأساتذة الأفاضل، وإنما هو العقل المؤهّل بالملكة النقديّة المكتسبة من طول الخبرة والمراس لهذا العلم، فهو عقل خاص لا يُقاس به غيره إلا كما يقاس بعقل الصيرفي ناقد الدنانير والدراهم عقل غيره من آحاد الناس. وبعد هذا البيان لشمول نقد المحدّثين للأسانيد والمتون معًا، ولدور العقل في النقد والمجال الذي استعملوه فيه، وصفة ذلك العقل، ننتقل لاستعراض أدلة الأساتذة الأفاضل التي احتجّوا بها لجعل العقل المجرّد مقياسًا مباشرًا عند نقاد المحدثين، ومناقشتها: فقد استدلّ صاحب كتاب منهج النقد و صاحب كتاب جهود المحدثين بالأقوال التالية: (1) الفورسيّةص: 235.)
عدد الصفحات ١٠٨المبحث الرابع- معارضة الديث بالعقل 109 1- قول الشافعي رحمه الله تعالى: "ولا يُستدلّ على أكثر صدق الحديث وكذبه إلا بصدق المخبر وكذبه، إلا في الخاص القليل من الحديث، وذلك أن يستدل على الصدق والكذب فيه بأن يحدث المحدّث ما لا يجوز مثله، أو ما يخالفه ما هو أثبت وأكثر دلالات بالصدق منه"(1). وبعرض قول الشافعي هذا على الشروط السابقة نجد قوله: "ولا يستدل على أكثر صدق الحديث وكذبه إلا بصدق المخبر وكذبه" يتطابق مع الشرطين الأولين: العدالة والضبط، وقوله: "إلا في الخاصّ القليل من الحديث، وذلك أن يستدل على الصدق والكذب بأن يحدّث المحدّث بما لا يجوز مثله" هذا يحمل على راو لا يعرف حاله ، وأتى بخبر يشتمل على بعض المجازفات والأمور التي تدفعها العقول، وهذا له أصل في كلام المحدّثين: قيل لشعبة: من أين نعلم أن الشيخ يكذبف قال: "إذا روى عن النبي :لا تأكلوا القرعة حتى تذبحوها ؛ علمت أنه يكذب(2). وسألعبد الرزاق وكيعًا عن أبي العلاء: ما تقول فيهف فقال: ما أقول في رجل حدث بعشرة أحاديث في خلع النعل إذا وضع الطعام (3)! وأمثلة ذلك كثيرة، لكن هذا ليس من باب ما يريده أصحاب تلك المصنَّفات إثبات نسبته للمحدّثين، فكلام الشافعي محمول على راو غير (1) منهج النقد عند المحدّثين (ص: 81)، جهود المحدّثنقد متن الحديث (ص: 489.) (2) المحدّث الفاصلص: 316)، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 2/257.) (3) الجرح والتعديل ص: 180.)
عدد الصفحات ١٠٩آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 110 معروف؛ لأن الثقة يروي المنكر، وما لا يجوز مثله، وما يريد الأساتذة الاستدلال لجعله من منهج المحدّثين هو عرض أحاديث الثقات على العقل كما يفعلون في عرض روايات الحديث الواحد بعضها على بعض على حدّ سواء. يقول صاحب كتاب منهج النقد: "منهج المحدثين في نقدهم للحديث المروي ومدى صحّته، أو بتعبير آخر: مدى ضبط الراوي فهو منه ج متشعّب ومتطور، فتارة يقارنون بين الروايات...، وأحياناً يحكمون عقولهم..."(1). ويقول صاحب كتاب المقاييس: "وبعد هذا يمكن أن نؤكّد ثبوت استعمال المحدّثين لهذا المقياس، وشمول تطبيقه على الأحاديث التي وصفت أسانيدها بالصحّة..."(2). فما يريدونه شيءٌ، وما يفيده كلام الشافعي شيءٌ آخر. أما قول الشافعي: "أو ما يخالفه ما هو أثبت وأكثر دلالات بالصدق منه"، فهذا يتطابق تمامًا مع شرط انتفاء الشذوذ، فإذا تعارضت روايات الثقات أخذ برواية الأوثق، وسمّوها محفوظة، وردُّوا رواية الثقة وسمُّوها شاذّة، وبهذا نرى أن النص لا يستقيم استدلالهم به. 2- قول ابن أبي حاتم رحمه الله تعالى: "تعرف جودة الدينار بالقياس إلى (1) منهج النقدص: 49.) (2) مقاييس نقد متون السنّة (ص232-233.)
عدد الصفحات ١١٠المبحث الرابع- معارضة الديث بالعقل 111 غيره، فإن تخلفت عنه في الحمرة والصفاء علم أنه مغشوش، ويعلم جنس الجوهر بالقياس إلى غيره، فإن خالفه في الماء والصلابة عُلم أنه زجاج، ويقاس صحّة الحديث بعدالة ناقليه، وأن يصل ح أن يكون من كلام النبوّة..." استدل به الأستاذان الفاضلان(1). والجواب أنه لا يستقيم الاستدلال به؛ لأن قوله: "ويقاس صحّة الحديث بعدالة ناقليه" يتطابق مع الشرطين الأوّلين: العدالة والضبط. وأما قوله: "وأن يصلح أن يكون من كلام النبوّة" فلا يستقيم كذلك الاستدلال به لتحكيم العقل في بيان ما يصلح أن يكون من كلام النبوّة وما لا يصلح، لأن المؤهلين لذلك هم نقّاد المحدّثين فحسب، وسياق الكلام يدل على أن ابن أبي حاتم يعنيهم بكلامه هذا، فقد عقد باباً في ترجمة أبيه، قال فيه: "باب ما ذُكر من معرفة أبي رحمه الله بصحّة الحديث وسقيمه"، ثم ذكر قصّة حوار أبيه مع الرجل الذي سأله عن أحاديث، ثم استغرب كلامه فيها، فضرب له أبو حاتم مثلاً بناقد الدنانير، وبالبصير بالجوهر(2)، فبعد أن ساق ابنأبي حاتم تلك القصة علّق عليها بكلامه السابق، ثم إنه جاء من كلام الأئمة النقّاد ما يؤيد ذلك، فق د ورد عن الإمام أحمد أنه قال عن سعد بن سنان، أو سنان بن سعد: "يشبه حديثه حديث الحسن، ولا يشبه حديث (1) منهج النقد(ص: 85)، جهود المحدّثنقد متن الحديث (ص: 489.) (2) الجرح والتعديل 1/349-351.)
عدد الصفحات ١١١آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 112 أنس"، ذكره ابن رجب، ثم علّق عليه بقوله: "ومراده أن الأحاديث ال يرويها عن أنس مرفوعة، إنما تشبه كلام الحسن البصري، أو مراسيله"، وحكى عن الجوزجاني قوله: "أحا ديثه واهية لا تشبه أحاديث الناس عن أنس"(1). وقال ابنأبي حاتم: "سمعت أبي يقول: روى أبو عوانة عن الحكم عن عاصم بن ضمرة عن علي قال: إذا قعد المصلّي مقدار التشهد فقد تمّت صلاته. قال أبي: هذا حديث منكر...، ولا يشبه حديث الحكم" (2). وهذا الفهم الذي اختص به أول ئك النقّاد حتى صاروا يميزون بين ما يصلح أن يكون من كلام النبوّة وما لا يصلح، وما يشبه حديث رسول الله ، وما يشبه كلام غيره، إنما اكتسبوه بطول الممارسة لهذا العلم، وقد قدّم الحافظ ابن رجب لكلام الإمام أحمد السابق وكلام أبي حاتم بقوله: "حذّاق النقّاد لكثرة مم ارستهم للحديث، ومعرفة الرجال، وأحاديث كلّ واحد منهم، لهم فهم خاصّ يفهمون به أن هذا الحديث يشبه حديث فلان، ولا يشبه حديث فلان، فيعللون الأحاديث بذلك..."(3). ويؤكد هذا المعنى كلام ابن القيّم رحمه الله تعالى، فقد سئل: هل يمكن (1) شرح علل الترمذي 2/306.) (2) علل ابنأبي حاتم (2/193-194، رقم 306.) (3) شرح علل الترمذي 2/306.)
عدد الصفحات ١١٢المبحث الرابع- معارضة الديث بالعقل 113 معرفة الحديث الموضوع بضابط من غ ير أن ينظر في سندهف فأجاب رحمه الله بقوله: "إنما يعلم ذلك من تضلّع في معرفة السنن الصحيحة، واختلطت بلحمه ودمه، وصار له فيها ملكة، وصار له اختصاص شديد بمعرفة السنن والآثار، ومعرفة سيرة رسول الله ، وهديه فيما يأمر وينهى، يخبر عنه، ويدعو إليه، ويحبه ويكرهه، ويشرعه للأمة، بحيث كأنه مخالط لرسول الله كواحد من أصحابه(1). 3- قول الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى: "باب وجوب اطّراح المنكر والمستحيل من الأحاديث". استشهد به صاحب كتاب منهج النقد (2)، وصاحب كتاب جهود المحدثين(3). والجواب عنه: أن المحدّثين قد أدركوا ذلك الواجب، فاشترطوا العدالة والضبط، فكان في هذين الشرطين استبعاد للمنكر والمستحيل، لأن هذا النوع من الحديث لا يوجد إلا من رواية المجروحين في عدالتهم وضبطهم. يقول المعلّمي رحمه الله تعالى: "وفي الرواة جماعة متسامحون عند السماع، وعند التحديث، لكن الأئمة بالمرصاد للرواة، فلا تكاد تجد حديثًا بينّ البطلان إلا وجدت في سنده واحدًا أو اثنين أو جماعة قد جرحهم (1) المنار المنيفص: 44.) (2) منهج النقد عند المحدّثين (ص86.) (3) جهود المحدّثين في نقد متن الحديث (ص: 489.)
عدد الصفحات ١١٣آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 114 الأئمة، والأئمة كثيرًا ما يجرحون الراوي بخبر واحد منكر جاء به، فضلاً عن خبرين أو أكثر، ويقولون للخبر الذي تمتنع صحّته أو تبعد: "منكر"، أو "باطل"، ونجد ذلك كثيرً ا في تراجم الضعفاء وكتب العلل، والموضوعات. والمتثبتون لا يوثّقون الراوي حتى يستعرضوا حديثه، وينقدوه حديثًا حديثًا"(1). وما أفاده كلام المعلّمي من أن هذا النوع من الحديث إنما يوجد الكتب التي ترجمت للضعفاء أو في كتب العلل والموضوعات قد أكّده بعض الأساتذة الأفاضل: يقول صاحب كتاب المقاييس تحت المقياس الخامس: ركاكة لفظ الحديث وبُعد معناه: "والأحاديث التي حكم عليها المحدّثون أخذًا بهذا المقياس كثيرة جدًّا، وأمثلتها في كتب الموضوعات أكثر من أن تحصى، والذي يلاحظ عليها أنها غالبًا تالفة من جهة الإسناد، فليس بي نها حديث واحد يمكن أن يقال عنه: صحيح الإسناد، بل أسانيدها ضعيفة، لا تخلو من وضّاع ودجّال، وأحسنها حالاً من يقال في أحد رجاله: متّهم بالوضع"(2). 4- قول الخطيب أيضًا: "والأخبار كلّها على ثلاثة أضرب: فضرب منها (1) الأنوار الكاشفةص: 7.) (2) مقاييس نقد متون السنّة (ص195-196.)
عدد الصفحات ١١٤المبحث الرابع- معارضة الديث بالعقل 115 يُعلم صحّته، وضرب منها يُعلم فساده، وضرب منهاسبيل إلى العلم بكونه واحدًا من الأمرين دون الآخر...، أما الضرب الثاني -وهو ما يعلم فساده - فالطريق إلى معرفته أن يكون مما تدفع العقول صحّته بموضوعها، والأدلة المنصوصة فيها...، أو يكون مما يدفعه نصّ القرآن، أو السنّة المتواترة، أو أجمعت الأمة على ردّه، أو يكون خبرًا عن أمر من أمور الدين يلزم المكلّفين علمه، وقطع العذر فيه، فإذا ورد ورودًا لا يوجب العلم من حيث الضرورة والدليل عُلم بطلانه..."(1). وهذا الكلام قد استشهد به صاحب كتاب منهج النقد، وجوابه: أن هذا الكلام لا علاقة له بمنهج النقد عند المحد ثين، فالخطيب يتكلم عن تقسيم الخبر من حيث هو، سواء كان صادرًا عن رسول الله ، أو عن غيره، ويتبينّ ذلك من خلال تمثيله لما تدفع العقول صحّته، وهو موضع الشاهد للمؤلّ ف، يقول الخطيب: "وأما الضرب الثاني -وهو ما يُعلم فساده - فالطريق إلى معرفته أن يكون مما تدفع العقول صحّته بموضوعها، والأدلة المنصوصة فيها، نحو الإخبار عن قدم الأجسام، ونفي الصانع، وما أشبه ذلك"(2). فهل لهذه الأمثلة علاقة بحديث رسول الله ، وبمنهج المحدّثين في نقدهف ولا أدري لم حذف المؤلّ ف هذه الأمثلة التي فسّر بها الخطيب مراده، (1) منهج النقد عند المحدّثين (ص85-86.) (2) الكفايةص: 51.)
عدد الصفحات ١١٥آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 116 و أدري لم أغفل المؤلّ ف الضرب الثالث، وهو: ما لا يُعلم صحّته ولا فساده بالعقل، وقد خصّه الخطيب بالأخبار المرويّة عن النبي ، وبينّ أنه ينظر فيها إلى الشرائط التي وضعها المحدّثون، وهذا نص كلام الخطيب، يقول رحمه الله تعالى: "وأما الضرب الثالث الذي لا يُعلم صحته من فساده فإنه يجب التوقّف عن القطع بكونه صدقًا أو كذباً، وهذا الضرب لا يدخل إلا فيما يجوز أن يكون، ويجوز أن لا يكون، مثل الأخبار التي ينقلها أصحاب الحديث عن رسول الله في أحكام الشرع المختلف فيها، وإنما وجب الوقف فيما هذه حاله من الأخبار لعدم الطريق إلى العلم بكونه صدقًا أو كذباً ...، إلا أنه يجب العلم بما تضمنت من الأحكام، إذا وجد فيها الشرائط التي نذكرها بعد إن شاء الله" اهـ(1). فهذا النص من الخطيب يدل على نقيض ما يقصد إليه المؤلّ ف؛ فإن الخطيب جعل الرجوع لمعرفة حال الأحاديث إلى الشروط التي وضعها المحدّثون، لا إلى العقل. 5- قولالخطيب أيضًا: "ولا يقبل خبر الواحد في منافاة حكم العقل وحكم القرآن الثابت المحكم، والسنة المعلومة، والفعل الجاري مجرى السنّة، وكل دليل مقطوع به، وإنما يقبل فيما لا يُقطع به ما يجوز ورود التعبد به، كالأحكام التي تقدّم ذكرنا لها، وما أشبهها مما نذكره" اهـ. (1) اصدر نفسه (ص: 52.)
عدد الصفحات ١١٦المبحث الرابع- معارضة الديث بالعقل 117 وهذا الكلام استدل به صاحب كتاب منهج النقد (1). ولا يستقيم الاستدلال به لجعل العقل مقياسًا لمعرفة حال الحديث من الصحّة أو عدمها؛ لأن الخطيب يتحدّث عن قضيّة متأخرة عن معرفة درجة الحديث، وهي حكم الاحتجاج بخبر الآحاد، فالعنوان الذي جاء تحته الكلام السابق هو: "باب ذكر ما يقبل فيه خبر الواحد وما لا يقبل فيه"، وقال تحته هذا العنوان: "خبر الواحد لا يقبل في شيء من أبواب الدين المأخوذ على المكلّفين العلم بها والقطع عليها، والعلّة في ذلك أنه إذا لم يعلم أن الخبر قول رسول الله كان أبعد من العلم بمضمونه، فأما ما عدا ذلك من الأحكام التي لم يوجب الله عليها العلم بأن النبي قررها وأخبر عن الله عز وجل بها، فإن خبر الواحد فيها مقبول، والعمل به واجب، ويكون ما ورد فيه شرعًا لسائر المكلّفين أن يعمل به. وذلك نحو ما ورد في الحدود، والكفّارات، وهلال رمضان..."، إلى أن قال: "ولا ي قبل في منافاة حكم العقل..."إلخ(2). فالخطيب يتحدّث هنا عن أحاديث حكم العلماء بصحّتها، ولكنّها من رواية الآحاد، بدليل أنه أوجب العمل بها في باب الأحكام التي مثّل لها بالحدود وغيرها، فما يتحدّث عنه الخطيب شيء، وما يريد المؤلّ ف الاستدلال له شيء آخر، والله أعلم. (1) منهج النقدص: 86.) (2) الكفايةص: 105-106.)
عدد الصفحات ١١٧آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 118 وقد استدل صاحب كتاب المقاييس بعدد من الأحاديث يرى أن المحدّثين أعلّوها بسبب مخالفتها للنظر العقلي، لكن الواقع يخالف ذلك، فهي أحاديث واهية من قبل أسانيدها، وقد جاء التصريح بذلك من المؤلّ ف نفسه، ففي مقدّمة كلامه عن المقياس الخامس: ركاكة لفظ الحديث وبُعد معناه، قال: "والأحاديث التي حكم عليها المحدّثون أخذًا منهم بهذا المقياس كثيرة جدًّا، وأمثلتها في كتب الموضوعات أكثر من أن تحُصى، والذي يلاحظ عليها أنها غالبًا تالفة من جهة الإسناد، فليس بينها حديث واحد يمكن أن يقال عنه: صحيح الإسناد، بل أسانيدها ضعيفة، لا تخلو من وضّاع أو دجّال، وأحسنها حالاً من يقال في أحد رجاله: متّهم بالوضع"(1). وهذا الضعف لأسانيد الأحاديث التي استدل بها وأن رواتها ما ب وضّاع أو دجّال، أو متّهم -كما قال المؤلّ ف- يشمل أسانيد الأحاديث التي استدل بها للمقياس السابع: "اشتمال الحديث على أمر منكر أو مستحيل"، فقد حكم العلماء عليها بالوضع أو الضعف الشديد، وإن لم يصرّح بضعف أسانيدها، إلا أن اعترافه بذلك قد جاء ضمنيًّا، فقد قال تعقيبًا على تلك الأحاديث: "وبعد هذا يمكن أن نؤكّد ثبوت استعمال المحدّثين لهذا المقياس، وشمول تطبيقه على الأحاديث التي وُصفت أسانيدها بالصحّة كما يبدو ذلك في حديث "ردّ الشمس"، وإن اختلفت وجهات نظرهم في الحكم عليه (1) مقاييس نقد متون السنّة (ص: 195-196.)
عدد الصفحات ١١٨المبحث الرابع- معارضة الديث بالعقل 119 بالصحّة أو بالوضع"اهـ(1). فقوله: "وشمول تطبيقه على الأحاديث التي وصفت أسانيدها بالصحّة يدل على أن الأحاديث التي أوردها ضعيفة الأسانيد سوى الحديث الذي مثّل به، وهو حديث "ردّ الشمس"، ثم إن هذا الحديث ضعيف من جهة سنده أيضًا، لأن الإمام أحمد قال فيه: "لا أصل له"، كما حكاه المؤلّ ف نفسه. وأما قوله: "وبعد هذا يمكن أن نؤكّد ثبوت استعمال المحدّثين لهذا المقياس" فهو كلام غير مسلّم، لأنه لم يذكر أن أحدًا من المحدّثين ضعّف شيئًا من الأحاديث التي أوردها بسبب ذلك المقياس، بل الأحاديث واهية من جهة أسانيدها باعتراف المؤلّ ف نفسه، فقد ضعّفها المحدّثون بناء على مقياسهم الذي وضعوه هم، وهو "اشتراط العدالة والضبط"، فمقياسهم هذا أدقّ من المقياس الذي يريد الأساتذة الأفاضل إلزامهم به، وه و "النظر العقلي". وقد استدل المؤلّ ف بمثال صحيح الإسناد، لكنّه خالف في استدلاله به جميع أهل الحديث، وهو يزعم أنه يستدلّ به لإثبات نسبة ذلك المقياس إليهم، قال المؤلّ ف بعد كلامه السابق: "ويحسن أن نختم هذا المقياس بذكر حديث اعتبره بعض العلماء داخلاً تحت هذا المقياس، وقالوا بعدم صحّته، مع أنه صحيح الإسناد، بل هو مذكور في الصحيحين، وهذا هو حديث: (1) مقاييس نقد متون السنّة (ص232-233.)
عدد الصفحات ١١٩آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 120 "سحر الن"، فعن عائشة قالت: "سحر رسولح الله يهودي من ب زريق، يقال له: لبيد بن الأعصم..."، الحديث". ثم عقّب المؤلّ ف بقوله: "وقد اختلف الناس في حقيقة السحر، لكنّ جمهور العلماء قد قالوا بصحّة تلك الأحاديث إسنادًا ومتنًا، وليس في تأثر الرسول بالسحر ما يحطّ من منصب النبوّة، أو يشكك فيها؛ لأن الدليل قام على صدق النبي فيما بلّغ عن ربّه، وعلى عصمته في التبليغ، والمعجزات شاهدات بصدقه، فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل، وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها فهو فيها عرضة لما يصيب البشر كالأمراض، فغير بعيد أن يخيّل إليه في أمر من أمور الدنيا ما لا حقيقة له مع عصمته عن مثل ذلك في أمور الدين". ثم قال: "وقد قال بعدم صحّة هذا الحديث الشيخ علي حسب الله، وأكّد قوله بأدلة، منها:..."، وبعد أن ذكر الأدلة التي أشار إليها قال: "والحقّ والله أعلم أن السحر ليس كغيره من الأمراض، لذلك وصف الله تعالى من اتهّم رسوله به بالظلم والضلال، ولم يذكر شيئًا من الأمراض الأخرى، والكلّ يعرف أن من يصاب بالسحر تتغيرّ نظرة الناس إليه، ويعتبرونه قريبًا من المجانين، ويخشون منه، ولا يستبعدون أن يتصرّف حيالهم تصرّفات تدل على خبله، وقلّة عقله، وهذا ما نفاه الله تعالى عن رسوله ، ويمكن اعتبار هذا الحديث معارضحا للآية المتقدّمة، ويزيد هذا قول عائشة: "إنه يخيّل إليه أنه يفعل الشيء ولم يفعله"، أليس في هذا ما يجعل للأعداء دليلاً على أن من أسباب الاختلاف الوارد بين الأحاديث هو سحر النبي
عدد الصفحات ١٢٠