المبحث الثالث- ة ّ معارضة الديث بالوقائع والمعلومات التاريخي 87 وحكى الحافظ ابن حجر (1) كلام النووي السابق مستشهدًا به كذلك فكلام الحفّاظ صريح في معارضة رواية شريك برواية غيره من الحفّاظ للحديث، وإعلالها بها، ولم يرو عن أحد ذ كر لمعارضتها بالتاريخ. ثم أي تاريخ يكون مقياسًا يعلّ به غيرهف فرواية شريك تثبت تاريخًا، وكلّ رواية من الروايات التي عارضتها تثبت تاريخًا، ولعل المؤلّ ف أدرك هذا، فقال: "لمخالفته التاريخ الثابت"، لكن ما الذي يثبت هذا التاريخ، ويطرح غيره، إلا المقارنة بين الرواة من حيث الضبط والإتقان كما جاءت الإشارة إلى ذلك في كلام الحفّاظ المنقول قريبًا؛ فعاد الأمر إلى منهج المحدثين الحقيقي المعروف عنهم، وهو: أن معرفة علّة الحديث إنما تكون من خلال المقارنة بين طرقه، لا بأمر خارج عنه. المثال الرابع- قوله: "وفي سنن الترمذي وغيره: أن النبي دخل مكّة يوم الفتح، و عبد الله بن رواحة بين يديه ينشد: خلُّو بني الكفار عن سبيله... قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. ثم قال: وقد روى عبد الرزاق في غير هذا الحديث أن النبي دخل مكّة عمرة القضاء، وكعب بن مالك بين يديه. وهذا أصحّ عند بعض أهل الحديث؛ لأن عبد الله بن رواحة قُتل يوم مؤتة، وإنما كان عمرة القضاء بعد ذلك. (1) فتح الباري 13/480.)
عدد الصفحات ٨٧آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 88 وقال ابن القيم عن هذا الحديث: وهذا وهم؛ فإنعبد الله بن رواحة قُتل في هذه الغزوة -يعني مؤتة-، وهي قبل الفتح بأربعة أشهر، وإنما كان ينشد بين يديه شعر ابن رواحة"اهـ(1). لم يعلّق المؤلّ ف على هذا الحديث، وإنما اكتفى بحكاية كلام الترمذي وكلام ابن القيم. والجواب عن استدلاله بكلامهما أنّه لم يعلّ أحد منهما الحديث بمخالفته التاريخ، بل أعلّه كل منهما بمخالفته لرواية الثقات. فالترمذي أعله برواية عبد الرزاق التي فيها أن الذي كان بين يدي رسول الله هو كعب بن مالك، وليس عبد الله بن رواحة. وكذا ابن القيم أعله بمخالفته للرواة الآخرين، وهذا في آخر كلامه السابق، وهذا نص كلامه: "وقد وقع في الترمذي وغيره أن رسول الله دخل مكّة يوم الفتح وعبد الله بن رواحة بين يديه ينشد: خلو بني الكفار عن سبيله.... الأبيات وهذا وهم؛ فإن ابن رواحة قُتل في هذه الغزوة -يعني مؤتة-، وهي قبل الفتح بأربعة أشهر، وإنما كان ينشد بين يديه شعر ابن رواحة، وهذا مما لا خلاف فيه بين أهل النقل"(2). (1) مقاييس نقد متون السنّة (ص185.) (2) زاد المعاد 3/340.)
عدد الصفحات ٨٨المبحث الثالث- ة ّ معارضة الديث بالوقائع والمعلومات التاريخي 89 والشاهد من كلامه قوله: "وهذا مما لا خلاف فيه بين أهل النقل يعني مقتل ابن رواحة في غزوة مؤتة متفق عليه بين رواة أحاديث السيرة، ومن روى أنه كان ينشد بين يدي رسول الله في فتح مكّة-وهي بعد مؤتة بأربعة أشهر - قد خالفهم بإثبات حياته بعد مؤتة. وبهذا يظهر أن ابن القيّم أعل الحديث بمخالفة الراوي لرواية الثقات على طريقة المحدّثين. المثال الخامس - يقول: "وفي البخاري عن أبي وائل، قال: حدثني مسروق بن الأجدع قال: حدثتني أم رومان، وهي أم عائشة: عن حديث الإفك...، قال غير واحد من العلماء: وهذا غلط ظاهر؛ فإن أم رومان ماتت على عهد رسول الله ، ونزل رسول الله في قبرها، وقال«من سر ه أن ينظر إلى امرأة من الحور العين فلينظر إلى هذه»قالوا: ولو كان مسروق قدم المدينة في حياتها وسألها للقي رسول الله ، لكن ابن حجر تعقب أصحاب هذا القول فيما استدلوا به على موتها في حياة النبي ، وناقش ذلك، وانتهى إلى أن الحديث الذي ذكره البخاري أصحّ إسنادًا، وإن تفرّد به أحد الرواة، والحديث المعارض له ليس في قوّته؛ لضعف أحد رواته، وأوضح ذلك في مقدمة فتح الباري، وفي الإصابة أيضًا. لكن مبنى ترجيحه هو الإسناد وقوّة رجاله؛ وقد نقل في الإصابة أقوال المؤرخين في سنة وفاتها، وأنها سنة ست من الهجرة، وقيل: أربع، أو خمس، ومن أولئك ابن سعد، وابن عبد البر، والواقدي. قلت: فإن كان مستندهم في
عدد الصفحات ٨٩آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 90 ذلك حديث علي بن زيد بن جدعان المتقدّم (ضعيف لسوء حفظه)، وليس لهم دليل أقوى منه، فلعل ترجيح ابن حجر هو الصحيح، وإن كان لهم في ذلك دليل آخر غيره، وإنما ساقوه لبيان فضلها، فيحتمل أن يكون قولهم هو الصحيح، وأن الوهم وقع من أحد رواة البخاري، والله أعلم". ثم يقول المؤلّ ف: "ومهما يكن من ترجيح أحد الأمرين على الآخر فإن ذلك لا يعنينا بقدر ما تعنينا تلك المناقشات والنقود الموجّهة لهذا النص على أساس هذا المقياس"اهـ(1). والجواب عما ذكره المؤل ِف فيما يلي يريد المؤلّ ف بهذا المثال إثبات أن من منهج المحدّثين إعلال الحديث بمخالفته للتاريخ، فهذا الحديث الذي مثل به هو ضعيف في نظره، قد أعله المحدّثون بمخالفته للتاريخ، ولذا صدّر كلامه على الحديث بقوله: "وقال غير واحد من العلماء: وهذا غلط ظاهر"، لكن يلاحظ أن المؤلّ ف لم يصرّح بأسماء العلماء الذين حكموا على الحديث بالغلط، ولم يذكر كلام العلماء الذين تعقّبوهم، ويناقش حجج الفريقين، ويخلص بالحكم الراجح في الحديث، وإنما اكتفى بالإشارة إلى ردّ ابن حجر عليهم، دون ذكر مناقشاته وحججه، وأبقى الأمر على الاحتمال. وسوف أورد فيما يلي تعقّبات الحافظين ابن القيّم وابن حجر، ثم يكون من خلالهما مناقشة كلام المؤلّ ف. (1) مقاييس نقد متون السنّة (ص185-186.)
عدد الصفحات ٩٠المبحث الثالث- ة ّ معارضة الديث بالوقائع والمعلومات التاريخي 91 يقول ابن القيّم رحمه الله تعالى: " وما وقع في حديث الإفك أن في بعض طرق البخاري : عن أبي وائل، عن مسروق، قال: "سألت أمّ رومان عن حديث الإفك، فحدثتني"، قال غير واحد: وهذا غلط ظاهر؛ فإن أمّ رومان ماتت على عهد رسول الله ،ونزل رسول الله في قبرها، وقال: «من سر ه أن ينظر إلى امرأة من الحور العين فلينظر إلى هذه»، قالوا: ولو كان مسروق قدم المدينة في حياتها وسألها للقي رسول الله وسمع منه، ومسروق إنما قدم المدينة بعد موت رسول الله ،قالوا: وقد روى مسروق عن أمّ رومان حديثً ا غير هذا، فأرسل الرواية عنها، فظن بعض الرواة أنه سمع منها، فحمل هذا الحديث على السماع ، قالوا: ولعلّ مسروقً ا قال: سُ ئلت أم رومان فتصحّ فت على بعضهم: "سألت"؛ لأن من الناس من يكتب الهمزة بالألف على كل حال. وقال آخرون: كلُّ هذا لا يردّ الرواية الصحيحة التي أدخلها البخاري في "صحيحه"، وقد قال إبراهيم الحربي وغيره: إن مسروقً ا سألها وله خمس عشرة سنة، ومات وله ثمان وسبعون سنة، وأمُّ رومان أقدم من حدّ ث عنه، قالوا: وأما حديث موتها في حياة النبي ونزوله في قبرها فحديث لا يصحّ ، وفيه علتان تمنعان صحته: إحداهما: رواية علي بن زيد بن جدعان له، وهو ضعيف الحديث، لا يحتج بحديثه. والثانية: أنه رواه عن القاسم بن محمد عن النبي ،والقاسم لم يدرك زمن رسول الله ،فكيف يقدم هذا على حديث إسناده كالشمس، يرويه البخاري في "صحيحه"، ويقول فيه مسر وق: "سألت أمّ رومان فحدثتني"، وهذا يردُّ أن يكون اللفظ: "سئلت"، وقد قال أبو نعيم في كتاب معرفة الصحابة: قد قيل: إن أمّ رومان
عدد الصفحات ٩١آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 92 توفيت في عهد رسول الله ،وهو وهم"(1). وقد حكى الحافظ ابن حجر استشكال الخطيب للحديث، ومحاولته توهيم راويه، ثم أشار إلى متابعة غيره له على ذلك، ثم قال: "والذي ظهر لي بعد التأمل أن الصواب مع البخاري ؛ لأن عمدة الخطيب ومن تبعه في دعوى الوهم الاعتماد على قول من قال: إن أم رومان ماتت في حياة النبي سنة أربع ، وقيل: خمس، وقيل: ستّ ، وهو شيء ذكره الواقدي، ولا يُ تعقّ ب الأسانيد الصحيحة بما يأتي عن الواقدي، وذكر الزبير بن بكّ ار بسند منقطع فيه ضعف: أن أم رومان ماتت سنة ستّ في ذي الحجّ ة، وقد أشار البخاري إلى ردّ ذلك في تاريخه الأوسط والصغير، فقال بعد أن ذكر أم رومان -في فصل "من مات في خلافة عثمان"-: روى علي بن زيد عن القاسم قال: ماتت أم رومان في زمن النبي سنة ستّ . قال البخاريّ : وفيه نظر، وحديث مسروق أسند -أيّ أقوى إسنادً ا وأبين اتصالاً -. وقد جزم إبراهيم الحربي بأن مسروقً ا سمع من أمّ رومان وله خمس عشرة سنة، فعلى هذا يكون سماعه منها في خلافة عمر؛ لأن مولد مسروق كان في سنة الهجرة ، ولهذا قال أبو نعيم الأصبهانيّ : عاشت أمّ رومان بعد النبي . وقد تعقب ذلك كلّ ه الخطيب معتمدً ا على ما تقدّ م عن الواقدي والزبير ، وفيه نظر؛ لما وقع عند أحمد من طريق أبي سلمة، عن عائشة قالت: لح مّ ا نزلت آية التخيير بدأ النبيّ بعائشة، فقال: يا عائشة، إنيّ عارض (1) زاد المعاد 3/238.)
عدد الصفحات ٩٢المبحث الثالث- ة ّ معارضة الديث بالوقائع والمعلومات التاريخي 93 عليك أمرً ا، فلا تفتاتي فيه بشيء حتى تعرضيه على أبويك: أبي بكر وأم رومان(1)... الحديث، وأصله في الصحيحين دون تسمية أم رومان، وآيةُ التخيير نزلت سنة تسع اتّ فاقً ا، فهذا دال على تأخّ ر موت أم رومان عن الوقت الذي ذكره الواقدي والزبير أيضاً .... وفي بعض هذا كفاية في التعقب على الخطيب ومن تبعه فيما تعقّ بوه على هذا الجامع الصحيح، والله المستعان"(2). وبعد أن استعرضنا مناقشة ابن القيّم وابن حجر لحجج الذين حكموا على حديث البخاري بأنه غلط ظاهر، نعود لمناقشة كلام المؤلّ ف؛ لأنه معني بحكمهم على الحديث، فقد صدّر به كلامه إذ يقول: "قال غير و احد من العلماء: وهذا غلط ظاهر؛ فإن أم رومان ماتت على عهد رسول الله ."... وهذا الحكم الذي صدّر به المؤلّ ف كلامه على الحديث وتبنّاه هو محطْلحعُ كلام ابن القيّم كما سبق، لكن ابن القيّم حكاه لتعقبه وبيان ضعف الحديث الذي استند إليه، قال رحمه الله: "وأما حديث موتها في حياة النبي ونزوله في قبرها فحديث لا يصحّ، وفيه علّتان..." إلخ. لكن المؤلّ ف لم يذكر من كلام ابن القيم غير حكايته لحكم الذين ضعّفوا الحديث، ولعل المؤلّ ف وقف على السؤال الذي وجهه ابن القيّم لأهل الإنصاف، فبعد بيانه لضعف الحديث الذي احتجّوا به قال: "فكيف يقدّم (1) قال ابن حجر في الإصابة13/211 :)"وسنده جيّد". (2) فتح الباري 7/438)، وينظر مقدمة الفتحص: 373.)
عدد الصفحات ٩٣آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 94 هذا على حديث إسناده كالشمس، يرويه البخاريّ في صحيحهف أقول: فلعلّ المؤلّ ف وقف على هذا السؤال، فتحوّل عن الاستدلال بهذا الحديث إلى أقوال المؤرّخين؛ فبعد أن ذكر ترجيح ابن حجر لحديث البخاري قال: "وقد نقل ابن حجر في الإصابة أقوال المؤرّخين في سنة وفاتها، وأنها سنة ستّ من الهجرة، وقيل: أربع، أو خمس، ومن أولئك ابن سعد، وابن عبد البر، والواقدي"(1). قلت: أقوال المؤرخين لم يحكها ابن حجر إقرارًا لها، بل حكاها لبيان ضعفها، قال ابن حجر: "لأن عمدة الخطيب ومن تبعه في دعوى الوهم الاعتماد على قول من قال: إن أم رومان ماتت في حياة النبي سنة أربع، وقيل: خمس، وقيل ست، وهو شيء يذكره الواقدي، ولا يُتعق ب الأسانيد الصحيحة بما يأتي عن الواقدي..."(2). نعم. ولا يُتعقَّ ب الأسانيد الصحيحة بما يأتي عن الواقدي؛ لأنه متروك عند أهل الحديث(3)، والواقدي هو شيخ ابن سعد، وعنه أخذ، وهما متقدمان على ابن عبد البر، وعنهما أخذ، ولعل المؤلّ ف قد وقف على تضعيف ابن حجر لأقوال المؤرخين هذه، فذهب إلى طرح احتمال وجود مستند لهم غير الحديث السابق، إذ يقول: "فإن كان مستندهم في ذلك حديث علي بن (1) تقدم في الصفحة (89). (2) فتح الباري، لابن حجر 7 /438). (3) قال الحافظ ابن حجر: "متروك مع سعة علمه". تقريب التهذيب ص: 498.)
عدد الصفحات ٩٤المبحث الثالث- ة ّ معارضة الديث بالوقائع والمعلومات التاريخي 95 زيد بن جدعان المتقدم (ضعيف لسوء حفظه) وليس لهم دليل أقوى منه، فلعل ترجيح ابن حجر هو الصحيح، وإن كان لهم في ذلك دليل آخر غيره وإنما ساقوه لبيان فضلها فيحتمل أن يكون قولهم هو الصحيح، وأن الوهم وقع من أحد رواة البخاري، والله أعلم" (1). قلت: هذا الاحتمال الذي طرحه المؤلّ ف لا أجد له تفسيرًا غير الهروب من التسليم بصحّة حديث البخاري، لأن ابن القيم وابن حجر قد بيّنا ضعف ما احتجّوا به على توهيم راويه، فلم يبق إلا التسليم بصحته، وتسليم المؤلّ ف بصحته يعني بطلان استدلاله به لذلك المقياس الذي نسبه للمحدّثين. ويؤكد هروبه من التسليم بصحة الحديث بعض كلامه السابق، فعند ما طرح احتمال أنه لا دليل لهم إلا ذلك الحديث الضعيف كان المتوقع منه في هذه الحال التسليم بصحّة حديث البخاري، لكنه لم يفعل، بل قال: "فلعل ترجيح ابن حجر هو الصحيح"، وهنا يقال للمؤلّ ف -على سبيل التنـحزّل-: "هل يستقيم مع هذا الاحتمال الاستدلال بهذا الحديث على نسبة ذلك المقياس للمحدّثينف ثم محنْ الأولى بأن يكون عمله دليلاً على منهج المحدّثين: الإمام البخاري، أم الذين خالفوهف (1) تقدمفي الصفحة (89).
عدد الصفحات ٩٥المبحث الرابع- معارضة الديث بالعقل المبحث الرابع معارضة الديث بالعقل
عدد الصفحات ٩٧المبحث الرابع- معارضة الديث بالعقل 99 المبحث الرابع معارضة الديث بالعقل هذا المقياس نسبه للمحدّثين كل من صاحب كتاب منهج النقد ، وصاحب كتاب جهود المحدثين في نقد الحديث ، وصاحب مقاييس نقد المتون، وإن اختلفت عباراتهم في ذلك. فقد عنون صاحب منهج النقد بقوله: "الباب الرابع: النقد العقلي عند المحدّثين"، وقال تحت هذا العنوان: "يبدو للوهلة الأولى أن جهود المحدثين كانت منصبّة حول الأسانيد، وقلّ ما تكلموا على المتون، أو بمعنى آخر: قلّما استعملوا عقولهم في نقد المتون. والأمر على عكس ذلك؛ إذ ما من عملية نقد لنصٍّ إلا وقد استُعمل فيها العقل"(1). وقال في موضع آخر: "منهج المحدثين في نقدهم للحديث المروي ومدى صحّته، أو بتعبير آخر: مدى ضبط الراوي - فهو منه ج متشعب ومتطور، فتارة يقارنون بين الروايات، وأخرى يعارضونها بالقرآن، ومرّة يفحصون الموادَّ الكتابيّة من حبر وورق، وأحياناً يحك مون عقولهم..."(2). وعنون صاحب جهود المحدثين بقوله: "المقياس العقلي(3)، ويعني عند المحدّثين، فهو تابع للفصل الثاني، وعنوانه: "مقا ييس المحدّثين في نقد متن الحديث"، وقد قال تحت هذا الفصل: "المقاييس الرئيسية لنقد المتن هي: (1) منهج النقد عند المحّثص: 81.) (2) المصدر السابق (ص: 49.) (3) جهود المحدّثنقد متن الحديث (ص: 489.)
عدد الصفحات ٩٩آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 100 عرض الحديث على القرآن مقارنة روايات الحديث بعضها ببعض عرضه على الوقائع والمعلومات التاريخية عرضه على المسل مات العقلية"(1). فهذا المقياس الأخير هو المراد بقوله المقياس العقلي"، وقال تحت هذا العنوان: "من المؤهّلات لتحمل الحديث التمييز بين الأشياء، ومن شروط الأداء العقل، ومن موانع التحديث الاختلاط، هذه المؤشرات الثلاثة لبدء التلقّي، والترخيص في العطاء والكف عنه، هي سمات دالّة على منزلة العقل عند المحد ثين، وأنهم لا يتحملون ولا يؤدون إلا ما لم يتعارض معه..."(2). ووضع صاحب كتاب المقاييس عنوانين مردهما إلى العقل، أحدهما قوله "المقياس الخامس: ركاكة لفظ الحديث وبُعد معناه"(3). والعنوان الثاني: قوله: "المقياس السابع: اشتمال الحديث على أمر منكر، أو مستحيل"(4). وسبق أن قال في المقدّمة: "وسيتبينّ لنا أن المقاييس المعتبرة لديهم هي: عرض الحديث على القرآن، وعرضه على ما صحّ -لدى مجموعهم- من سنّة (1) المصدر نفسه (ص456.) (2) المصدر السابق (ص489.) (3) مقاييس نقد متون السنّة (ص195.) (4) المصدر نفسه (ص221.)
عدد الصفحات ١٠٠المبحث الرابع- معارضة الديث بالعقل 101 رسول الله ،ومقياس ثالث وهو النظر العقلي "(1). ثم فسّره بعد ذلك بالمقياسين المذكورين. وقال أيضًا: "فكم من حديث حكم عليه ابن الجوزي بالو ضع وإن كان في رجاله بعض الضعف الذي لا يصل بهم إلى حدّ الوضع والاختلاق، ناظرًا إلى متنه ونكارته، ومخالفته للقرآن أو السنّة، أو النظر العقلي ... ويأتي السيوطي متعقّبًا له بما لا طائل تحته..."(2). وما سبق حكايته عن الأساتذة الأفاضل يدل على قناعتهم التامّة بأن من منهج المحدّثين في النقد: عرض الحديث على العقل، وأن مخالفته للعقل دليل على ضعفه ونكارته، فمن ذلك قول صاحب كتاب منهج النقد: منهج المحدّثين في نقدهم للحديث المروي ومدى صحّته، أو بتعبير آخر: مدى ضبط الراوي، فهو منهج متشعب ومتطور...، فتارة يقارنون بين الروايات...، وأحياناً يحكّمون عقولهم...". ومنه قول صاحب كتاب جهود المحدثين: "...هي سمات دالّة على منزلة العقل عند المحدّثين، وأنهم لا يتحمّلون ولا يؤدُّون إلا ما لم يتعارض معه...". ويؤكد ذلك قول صاحب كتاب المقاييس تحت المقياس الخامس: "والأحاديث التي حكم عليها المحدّثون بهذا المقياس كثيرة جدًّا..."(3). (1) المصدر نفسه (ص6-7.) (2) المصدر نفسه (ص242-243.) (3) مقاييس نقد متون السنّة (ص: 195.)
عدد الصفحات ١٠١آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 102 وقوله بعد تمثيله للمقياس السابع: "وبعد هذا يمكن أن نؤكّد ثبوت استعمال المحدّثين لهذا المقياس، وشمول تطبيقه على الأحاديث التي وصفت أسانيدها بالصحّة..."(1). لكن مع هذا الجزم والتأكيد من الأساتذة الأفاضل على أن من منهج المحدّثين تحكيم العقل في متون الأحاديث والحكم عليها بالضعف أو الوضع أو النكارة عند مخالفتها للعقل؛ لم يأت أحد منهم بقول أو ممارسة عمل لأحد من النقّاد في ذلك؛ نعم، قد ذكر بعضهم كلامًا لبعض العلماء، ومثّل بعضهم بأحاديث يرى أنها ضُعّ فت بسبب مخالفتها للعقل، إلا أن ما ذكروه لا يستقيم الاستدلال بشيء منه، وسوف أبينّ فيما يلي عناية المحدثين بنقد متون الأحاديث ومراعاتهم للعقل في ذلك، ثم أناقش في ضوء ذلك الأدلة التي ذكرها الأساتذة الأفاضل، فأقول وبالله التوفيق: لا شك في أن المحدّثين قد عُنوا بنقد المتون مثل عنايتهم بنقد الأسانيد، وشواهد ذلك من كلامهم وممارساتهم النقديّة لا تحُصى كثرة، وعلماء المصطلح إنما بنوا تلك التعريفات والقواعد والضوابط التي أودعوها مصنّفاتهم على كلام النقّاد وممارساتهم النقديّة، ويمكن التمثيل لشمول نقد المحدّثين للسند والمتن معًا بما جاء في الشروط والضوابط التي وضعوها للحكم بصحّة الحديث، وقد ضمّنها الحافظ ابن الصلاح تعريفه للحديث الصحيح، ثم حكى اتّفاق المحدّثين على الحكم بصحّة الحديث حال توافرها فيه، يقول (1) المصدر السابق (ص232-233.)
عدد الصفحات ١٠٢المبحث الرابع- معارضة الديث بالعقل 103 رحمه الله تعالى: "أما الحديث الصحيح فهو المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه، ولا يكون شاذًّا ولا معللاً". ذكر محترزات التعريف، ثم قال: "فهذا الحديث الذي يحُكم له بالصحّة بلا خلاف بين أهل الحديث"(1). فالشروط التي يحكم بها أهل الحديث بالصح ة للحديث الذي تتوافر فيه بلا خلاف بينهم، والتي تضمّنها تعريف ابن الصلاح هي: 1- اتّصال الإسناد 2- عدالة الراوي 3- ضبط الراوي 4- انتفاء الشذوذ 5- انتفاء العلّة وبتأمل تلك الشروط نجد أن الأول منها -وهو الاتّصال - يختص بالسند، أما الأربعة الأخرى فإنها تتعلق بالسند والمتن معًا، وبيان ذلك: أن الحكم للراوي بالعدالة يعني أنه قد ثبت لد ى النقّاد اتّصافه بالدين والأمانة والصدق، ونحوها من الصفات التي يبعد معها حصول كذب منه، أو تساهل في تحمل الحديث أو أدائه. ثم الحكم على الراوي بالضبط يعني أنه يحفظ ما سمعه من الحديث كما (1) علوم الحديث (ص10-11.)
عدد الصفحات ١٠٣آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 104 أُدّ ي إليه، ثم هو يؤدّ يه كما سمعه، دون زيادة أو نقص. يقول الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى: "ما يعرف به صحّة المحدّث العدل الذي يلزم قبول خبره على ضربين: فضرب منه يشترك في معرفته الخاصة والعامة، وهو الصحّة في بيعه، وشرائه، وأمانته، وردّ الودائع، وإقامة الفرائض، وتجنّب المآثم، فهذا ونحوه يشترك الناس في علمه. والضرب الآخر: هو العلم بما يجب كونه عليه من الضبط والتيقّظ والمعرفة بأداء الحديث وشرائطه، والتحرز من أن يدخل عليه ما لم يسمعه، وهو التحرز في الرواية، ونحو ذلك مما لا يعرفه إلا أهل العلم بهذا الشأن، فلا يجوز الرجوع فيه إلى قول العامّة، بل التعويل فيه على مذاهب النقّاد للرج ال، فمن عدّلوه وذكروا أنه يعتمد على ما يرويه جاز حديثه، ومن قالوا فيه خلاف ذلك وجب التوقّف عنه"(1). وهذا البيان لمعنى العدالة والضبط المشروطحين في الرواة صادر من الخطيب البغدادي المشهود له بالحفظ وسعة الاطّلاع على كلام النقّاد، حتى قال فيه الحافظ ابن نقطة: "ولا شبهة عند كلّ لبيب أن المتأخرين من أصحاب الحديث عيال على أبي بكر الخطيب"(2). وقد علم من صنيع المحدّثين أنهم يشددون على توافر أعلى صفات العدالة والضبط في الرواة، ولا يحابون في ذلك أحدًا، كائنًا من كان، فقد روى (1) الكفايةص: 156.) (2) التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد 1/170.)
عدد الصفحات ١٠٤