المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

آراء لبعض المعاصرين حول منهج المحدثين في النقد عرض ومناقشة

حافظ بن محمد الحكمي

صفحة ٥ من ٩

آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 70 فكلام هؤلاء الأئمة صريح في أن ما سمّاه المؤلّ ف: "حديثأبي قيس" إنما هي رواية لأ بي قيس خالف فيها الرواة الذين شاركوه في رواية الحديث، ثم إن المؤلّ ف قد سلّم بعد ذلك أن ما سمّاه حديث أبي قيس إنما هي رواية لحديث المغيرة إذ يقول: "والمتضح من كلام مسلم، وابن المديني وابن معين المنقول آنفًا أنهم بنوا سبب تضعيفهم لرواية أبي قيس لكونها مخالفة للمحفوظ عن المغيرة بن شعبة ، وهذا إعلال متن بمتن، وإن كان أصل الحديث يروى عن الصحابي نفسه، مع أن من صحح الحديث -كالترمذي وابن خزيمة وابن حبّان- يرون أن حديث أبي قيس يُعدّ حديثًا آخر مستقلاً لا علاقة له بحديث الخفّين المشهور عن المغيرة"(1). وفي كلام المؤ لّ ف هذا اعتراف بأن ما سمّاه حديث أبي قيس إنما هي رواية له في حديث المغيرة، خالف بها غيره من الرواة، فلذلك أعلّها النقّاد كما سبق. أما قول المؤلّ ف بعد ذلك: "مع أن من صحّح الحديث -كالترمذي وابن خزيمة وابن حبان- يرون أن حديث أبي قيس يُعدُّ حديثًا آخر..." فيجاب عنه بأن من رأى رواية أبي قيس حديثًا مستقلاً لا يعلّه بالطرق الأخرى كما فعل الترمذي وابن خزيمة وابن حبّان، وهذا جار على منهج المحدّثين، وهذا مخالف لما يسعى المؤلّ ف لتقريره من أن منهج المحدّثين (1) المصدر نفسه (ص28.)

عدد الصفحات ٧٠

المبحث الثاني- آخر ّ معارضة الديث بحديث صحابي 71 إعلال الحديث وتضعيفه إذا خالف حديثًا آخر -كما عنون لهذا المبحث. ثم يواصل المؤلّ ف استدلاله لإثبات إعلال المحدّثين الحديث بمخالفته لحديث آخر فيقول: 2- "ومما يدل على عناية أئمة الجرح والتعديل بنقد المتون، وأنه ركن أساس من أركان العملية النقدية السابقة على إطلاق الحكم على الراوي: أننا نجد بعض العبارات الموحية بذلك، فمثلاً نجد عن الإمام أحمد بن حنبل أنه سئل عن أبي إسرائيل الملائي، واسمه: إسماعيل بن خليفة العبسي، قال فيه: "خالف الناس في أحاديث"، وقال ابن عدي في الراوي نفسه: "عامّة ما يرويه يخالف الثقات". وهذا يشمل السند والمتن. ونجد كذلك الإمام أحمد حين سئل عن الحجاج بن أرطاة: لم ليس هو عند الناس بذاكف فقال: "لأن في أحاديثه زيادة على حديث الناس، ليس يكاد له حديث إلا فيه زيادة". وسأل رجل أحمد عن الحجاج: ما شأنهف فقال: "شأنه أنه يزيد في الأحاديث". قال المؤلّ ف: "والمقصود هنا زيادة المتون، لا زيادة الأسانيد"(1)اهـ والجواب عن الأمثلة السابقة أن مراد الإمام أحمد بمخالفة الراوي للناس مخالفته للرواة الذين يشاركونه في رواية الأحاديث عن شيوخه، وهذا مما يعلّ به المحدّثون، ويسمون ما يخالف فيه بالشاذ أو المنكر، وهذا متوافق (1) المصدر نفسه (ص28-29.)

عدد الصفحات ٧١

آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 72 مع تعريف الشافعي للشاذ، حيث يقول: "ليس الشاذ من الحديث أ ن يروي الثقة ما لا يرويه غيره، وإنما الشاذ أن يروي الثقة حديثًا يخالف ما روى الناس" (1). ولا خلاف في أن المراد في تعريف الشافعي مخالفة الراوي للرواة الذين يشاركونه في رواية ذلك الحديث. وكذلك قول ابن عدي: "يخالف الثقات" يعني الذين يشاركونه في رواية ذلك الحديث. وكذا قول الإمام أحمد في حجاج أنه يزيد في الأحاديث، يعني يأتي بزيادات على من يشاركونه في رواية تلك الأحاديث، وهذا بغض النظر عن كون الزيادة في السند أو في المتن، فكل ذلك مما يعلّ به المحدّثون. وبناء على ما سبق بيانه من أن تلك المخالفات التي أشار إليها الإمام أحمد وابن عدي تتعلق بمخالفة الراوي للرواة الذين يشاركونه في الحديث الواحد؛ فإنه لا يصلح التمثيل بشيء من ذلك لما عنون له المؤلّ ف بقوله في عبارته الأولى: "مخالفة الحديث لصحيح السنة"، أو في عبارته الثانية: "مخالفة متن حديث لمتن حديث آخر". 3- ويقول ا ؤلّ ف: "ونجد الإمام البخاري في نصّ نفيس يبينّ لنا سبب تضعيفه لعطاء بن عبد الله الخراساني بناء على مخالفاته في المتون التي يرويها، فيقول: ما عرف لمالك بن أنس رجلاً يروي عنه مالك يستحق أن يُترك حديثه غير عطاء الخراساني، قلت له -أي الترمذي-: ما شأنهف (1) علوم الحديث لابن الصلاح (ص68.)

عدد الصفحات ٧٢

المبحث الثاني- آخر ّ معارضة الديث بحديث صحابي 73 قال: عامّة أحاديثه مقلوبة": 1- روى عن سعيد بن المسيب أن رجلاً أتى النبي  وأفطر رمضان، وبعض أصحاب سعيد يقولون: سألت سعيدًا عن هذا الحديث، فقال: كذب عليَّ عطاء، لم أحدّث هكذا. 2- روى عطاء، عنأبي سلمة، عن عثمان وزيد بن ثابت في الإيلاء: "إذا مضت أربعة أشهر فهي تط ليقة بائنة". وروى حبيب بن أبي ثابت عن طاوس، عن عثمان: أنه قال في المولي : "يوقحف". 3- وروى عطاء، عن سعيد بن المسيب، قال: "إذا أقام أربعًا صلّى أربعًا"، وروى داود بن أبي هند، عن سعيد بن المسيب خلاف هذا. قلت له -القائل الترمذي-: فإن قتادة روى عن سعيد بن المسيب قال: إذا أقام أربعًا صلّى أربعًا، مثل ما روى عطاء. قال محمد: أرى قتادة أخذه عن عطاء". وهذه الأمثلة التي ساقها المؤلّ ف لا يستقيم التمثيل بها للعنوان السابق؛ لأن مخالفات عطاء التي حكاها عنه البخاري وطعن فيه بسببها هي مخالفات لرواة شاركوه في شيوخه، فهي من باب اختلاف رواة الحديث الواحد في روايته، لا مخالفة متن حديث لمتن حديث آخر كما هو عنوان المؤلّ ف، فعمل البخاري جار على اصطلاح المحدّثين. أما صاحب كتاب مقاييس نقد متون السنة فلم يذكر مثالاً واحدًا لنقد المحدّثين الحديث والطعن فيه بسبب مخالفته لحديث آخر، وقال تحت العنوان

عدد الصفحات ٧٣

آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 74 الذي سبق حكايته عنه: "من قواعد المحدّثين أن لا يقبلوا حديثًا مخالفًا للسنّة الصريحة الثابتة عندهم..."(1). وقد أورد المؤلّ ف إشكالاً على هذا المقياس الذي نسبه للمحدّثين دون دليل، ثم حاول الإجابة عنه، فلم يستطع ذلك، ولا يمكن الإجابة عنه؛ لأنه إشكال حقيقي يدل على خطأ نسبة هذا المقياس للمحدّثين، والإشكال الذي أورده المؤلّ ف هو قوله: "ولقائل أن يقول: ما هو مقياسهم إذًا في جعل هذه السنة -مثلاً - صريحة ثابتة ما دام من مقاييسهم عرض السنة على السنّةف فلعل ما أنكروه أولى مما قبلوه، وكيف نقول بوجود سنة ثابتة صريحة نقيس عليها غيرها، ويحكم على الغير بالضعف والوضع لمخالفته له، مع أننا لم نثبت لهم هذا المقياسف"(2). وقد أجاب المؤلّ ف على ذلك الإشكال الذي طرحه بما محصله أن الذي يمثل السنة التي تكون مقياسًا يعرض عليها غيرها هي ما ثبت عن طريق الجانب العملي، بحيث يتناقلها الناس جيلاً عن جيل، ويعملوا بها(3). ولا يخفى ما في هذا الجواب من بُعد، ولذلك لم يستطع المؤلّ ف أن يذكر مثالاً واحدًا يثبت فيه عن أحد من المحدّثين أنه ردّ حديثًا بهذا المقياس الذي ذكره. (1) مقاييس نقد متون السنةّ (ص163.) (2) المصدر نفسه (3) المصدر السابق (ص163-165.)

عدد الصفحات ٧٤

المبحث الثاني- آخر ّ معارضة الديث بحديث صحابي 75 وبعد ما سبق عرضه ومناقشته من الأمثلة التي استدل بها أصحاب تلك المؤلَّفات لإثبات أن من منهج المحدثين إعلال الحديث إذا هو عارضه حديث آخر، رأينا أنه لا يستقيم الاستدلال لذلك بشيء منها، وعليه فلا ينبغي نسبة إعلال الحديث بسبب مخالفته لحديث آخر إلى المحدّثين، وهذا ما أكّده الحافظ الناقد أبو الحسن بن القطان رحمه الله إذ يقول : "ووظيفة المحدّث النظر في الأسانيد من حيث الرواة والالتقاء والاتصال والانقطاع، أما معارضة هذا المتن ذلك الآخر وأشباه هذا فليس من نظره، وهو من نظر الفقيه"(1). وباب الناسخ والمنسوخ والمعارض يؤكّد هذا المعنى، فالمحدّثون يصححون تلك الأحاديث، ثم النظر في التعارض يكون بعد ذلك. يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله: "ثم المقبول ينقسم إلى معمول به، وغير معمول به؛ لأنه إن سلم من المعارضة -أي لم يأت خبر يضادّه- فهو المحكم، وأمثلته كثيرة. وإن عورض فلا يخلوا إما أن يكون معارضه مقبولاً مثله، أو يكون مردودًا..."(2). فتأمل قوله: "فلا يخلو إما أن يكون معارضه مقبولاً مثله أو مردودًا"؛ فإنه صريح في حكم المحدّثين على الحديث ومعارضه بالصحة إن توافرت فيها (1) بيان الوهم والإيهام (5/317.) (2) نزهة النظر (ص 76.)

عدد الصفحات ٧٥

آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 76 شروط الصحّة، دون النظر إلى تعارض المتنين كما سبق في كلام ابن القطّان، والله أعلم. 

عدد الصفحات ٧٦

المبحث الثالث - معارضة الديث بالوقائع والمع ة ّ لومات التاريخي المبحث الثالث- معارضة الديث بالوقائع ة ّ والمعلومات التاريخي

عدد الصفحات ٧٧

المبحث الثالث- ة ّ معارضة الديث بالوقائع والمعلومات التاريخي 79 ة ّ المبحث الثالث: معارضة الديث بالوقائع والمعلومات التاريخي: وهذا المقياس ذكره صاحب كتاب مقاييس نقد متون السنة ، وصاحب كتاب جهود المحدثين في نقد متن الحديث. فصاحب كتاب المقاييس جعله المقياس الرابع، وعنون له بقوله: "عرض متن الحديث على الوقائع والمعلومات التاريخية"(1). أما صاحب كتاب جهود المحدثين فجعله المقياس الثالث، فقد عنون للفصل الثاني بقوله: "مقاييس المحدّثين في نقد متن الحديث"، ثم عمل مقدمة لهذا الفصل جاء فيها: والمقاييس الرئيسة لنقد المتن هي:  عرض الحديث على القرآن الكر  مقارنة روا ت الحديث بعضها على بعض.  عرضه على الوقائع والمعلومات التاريخية  عرضه على المسلّمات العقلية(2). ولم أجد له كلامًا يبرر نسبة هذا المقياس للمحدّثين، أما صاحب المقاييس فيقول تحت العنوان السابق: "إذا كان في الحديث ما يدل على زمن وقوعه، وكان هذا مخالفًا للمعلوم سلفًا عند المحدّث -من الزمن الحقيقي لتلك الواقعة-؛ ححكحم بعدم صحة الحديث كلّه، أو تلك الزيادة إذا كانت من أحد (1) مقاييس نقد متون السنّة (ص182-183.) (2) جهود المحدثنقد متن الحديث (ص: 455-456.)

عدد الصفحات ٧٩

آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 80 الرواة، وأمكن فصلها عن بقيّة الحديث ثم يواصل حديثه فيقول: "واستعمال المحدّثين للتاريخ كمقياس لمعرفة صحّة الأحاديث من ضعفها أمر تؤكّده تلك الأمثلة الكثيرة المتعدّدة، ومنها ما هو في الصحيحين وغيرهما من كتب السنة المشهورة، وسنذكر بعضًا من هذه الأمثلة للتأكيد على استعمال المحدّثين لهذا المقياس"(1). ويلاحظ أن المؤلّ ف قد جزم في موضعين من كلامه السابق أن المحدّث يستعملون هذا المقياس في نقد الحديث، وفي الموضع الثاني قال أنّ الأمثلة الكثيرة المتعددة تؤكّد ذلك، لكنه لم يحك عن أحد من أهل العلم القول بذلك، فالذي يظهر أنه لم يسبق في نسبة هذا المقياس إلى المحدّثين، وسيظهر من خلال مناقشة الأمثلة التي ذكرها ما يؤكّد ذلك: المثال الأول - حديث ابن عباس ، قال كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان، ولا يقاعدونه، فقال للنبي يا : نبيّ الله، ثلاث أعطنيهن. قال: «نعم»، قال: عندي أحسن العرب وأجمله: أم حبيبة بنت أبي سفيان، أزوّجكها. قال: «نعم» الحديث"، رواه مسلم يقول المؤلّ ف تعليقًا على الحديث: "وهذا الحديث نقدوه من جهة متنه باستخدام التاريخ، فمن المعلوم أن أبا سفيان لم يسلم إلا يوم فتح مكّة، أمّ ا أم حبيبة فقد تزوجها النبي  قبل ذلك بزمن طويل، وقد كانت (1) مقاييس نقد متون السنّة (ص183.)

عدد الصفحات ٨٠

المبحث الثالث- ة ّ معارضة الديث بالوقائع والمعلومات التاريخي 81 الحبشة، وأمهرها النجاشي، لذلك قال فيه ابن حزم: "موضوع لا شك وضعه...."(1). ويجاب عن كلام المؤل ِف بما يلي قو له: "وهذا الحديث نقدوه..." ظاهر السياق يقتضي أن الذي نقد الحديث هم علماء الحديث النقّاد؛ لأنه قصد التمثيل لإعلالهم الحديث بمخالفته للمعلومات التاريخية، وذلك ظاهر من عنوان المبحث الذي أورد الحديث تحته، لكن المؤلّ ف لم يذكر كلامًا لأحد من النقّاد، وإنما حكى حكم ابن حزم على الحديث بالوضع، فهل يرى المؤلّ ف أن ابن حزم يمثل نقّاد المحدّثينف وأن حكمه على حديث يصلح لبناء منهج عليه في النقد ينسب لنقّاد المحدّثينف ثم كيف يكون الحال إذا علمنا أن ابن حزم قد خالف بطعنه في الحديث جهابذة النقّاد الذين سبقوه، وقوبل طعنه في الحديث بالإنكار والرد من الحفّاظ الذين جاؤوا بعدهف نعم، لقد خالف ابن حزم في حكمه على الحديث بالوضع علماء الحديث الذين سبقوه، وفي مقدّمتهم الإمام مسلم الذي أخرج الحديث في صحيحه، ويتأيّد تصحيح الإمام مسلم للحديث بتلقي علماء الحديث لأحاديث كتابه بالقبول، ومن جملتها هذا الحديث، ولو وجد المؤلّ ف طعنًا (1) مقاييس نقد متون السنّة (ص183-184.)

عدد الصفحات ٨١

آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 82 لأحد منهم فيه لما تردد في ذكره، علمًا بأنهم كانوا أعلم من غيرهم بوقت إسلام أبي سفيان، وبوقت زواج النبي  بأمحبيبة. أما إنكار الحفاظ الذين جاؤوا بعد ابن حزم لكلامه وردّهم له فيقول الحافظ النووي رحمه الله تعالى -بعد حكاية طعن ابن حزم في الحديث -: "وأنكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله هذا على ابن حزم، وبالغ في الشناعة عليه، قال: وهذا من جسارته؛ فإنه كان هجومًا على تخطئة الأئمة الكبار، وإطلاق اللسان فيهم. قال: ولا نعلم أحدًا من أئمة الحديث نسب عكرمة بن عمار إلى وضع الحديث، وقد وثّقه وكيع، ويحيى بن معين، وغيرهما، وكان مستجاب الدعوة. قال: وما توهمه ابن حزم من منافاة الحديث لتقدّم زواجها غلط منه وغفلة؛ لأنه يحتمل أنه سأله تجديد عقد النكاح تطييبًا لقلبه..."(1). ويقول العلامة ابن الوزير: "قد ردّ الحفّاظ على ابن حزم ما ذكره، وجمع ابن كثير الحافظ جزءًا مفردًا في بيان ضعف كلامه، وفي الحديث غلط ووهم في اسم المخطوب لها رسول الله ، وهي عزّة أخت أم حبيبة..."(2). وهؤلاء الحفّاظ الذين أنكروا على ابن حزم طعنه في الحديث هم يتفقون بلا شك مع أئمة الحديث المتقدمين في الحكم بصحّة الحديث، وإذا كان (1) شرح النووي على صحيح مسلم 6/16/63.) (2) تنقيح الأنظار مع توضيح الأفكار (1/129.)

عدد الصفحات ٨٢

المبحث الثالث- ة ّ معارضة الديث بالوقائع والمعلومات التاريخي 83 هؤلاء الأئمة والحفاّظ قد اتفقوا على صحة الحديث مع مخالفته لتلك المعلومة التاريخية فليس أمامنا إلا أحد احتمالين: الاحتمال الأول - أن هؤلاء الأ ئمة والحفاظ الذين صححوا الحديث كانوا يجهلون وقت إسلام أبي سفيان ووقت زواج النبي  من أم حبيبة، وهو ما علمه ابن حزم. الاحتمال الثاني - أنهم صححوا الحديث مع علمهم بوقت إسلام أبي سفيان ووقت زواج النبي . ولا أظن طالب علم يجرؤ على القول بالاحتمال الأول، وإذا تع ينّ الاحتمال الثاني فإن هذا المثال يكون حجة على المؤلّ ف؛ لأن حكم هؤلاء الأئمة الحفاظ بصحة الحديث مع مخالفته لتلك المعلومة التاريخية دليل على أنهم لا يرونها علّة تقدح في صحة الحديث. المثال الثاني- قوله: "ومثال آخر في صحيح مسلم: ما ورد في رواية جابر بن عبد الله عن صفة حجّة النبي ، وفيه: فصلّى بمكّة الظهر يوم النحر...، وفي حديث ابن عمر: أن رسول الله  أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلّى الظهر بمنى". قال المؤلّ ف: "وهذا تناقض صريح بين الروايتين؛ وقد انتقد هذا الخلاف الذي لا إمكانية للجمع فيه إلا بتكلف شديد ابن حزم، فقال: إحداهما كذب بلا شك". ثم يقول المؤلّ ف: "ولكن أين الصحيح من الكذب فيهماف الله تعالى

عدد الصفحات ٨٣

آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 84 أعلم، وإن كان من المحدّثين من يرجّح حديث جابر لوصفه الحجّ كاملاً، إلا أن ذلك ليس بيقين"(1). والجواب عن كلام المؤل ِف يتلخ ص فيما يلي 1- أن الحديثين قد خرّجهما الإمام مسلم في صحيحه، وتصحيحه لهما دليل على أن ذلك التعارض -في الظاهر بينهما - لا أثر له في صحتهما، فطعن ابن حزم في أحد الحديثين معارض بتصحيح الإمام مسلم، فأيهما أولى بالتقديمف وأيهما أولى بأ ن يستدل به على منهج المحدّثينف 2- قول المؤلّ ف: "لا إمكان للجمع فيه إلا ب تكلف شديد". جوابه: أن النوويّ رحمه الله تعالى قد ذكر توجيهًا وجيهًا لا تكلف فيه، إذ يقول: ووجه الجمع بينهما أنه  طاف للإفاضة قبل الزوال، ثم صلّى الظهر بمكّة في أول وقتها، ثم رجع إلى منى فصلى بها الظهر مرّة أخرى بأصحابه حين سألوه ذلك، فيكون متنفلاً بالظهر الثانية التي بمنى، وهذا كما ثبت في الصحيحين في صلاته  ببطن نخلة أحد أنواع صلاة الخوف؛ فإنه  صلى بطائفة من أصحابة الصلاة بكمالها، وسلّم بهم، ثم صلى بالطائفة الأخرى تلك الصلاة مرّة أخرى، فكانت له صلاتان، ولهم صلاة"(2)اهـ (1) مقاييس نقد متون السنة (ص184.) (2) شرح النووي على صحيح مسلم 3/8/193.)

عدد الصفحات ٨٤

المبحث الثالث- ة ّ معارضة الديث بالوقائع والمعلومات التاريخي 85 فهذا التوفيق بين الحديثين وجيه تكلف فيه، وهو مؤيد بالدليل على تكرر ذلك الفعل منه ، وهذا التوجيه أولى من تكذيب الثقات والطعن في حديث من أحاديث صحيح مسلم لم يطعن فيه أحد من علماء الحديث. 3- قول المؤلّ ف: "وإن من المحدثين من رجح حديث جابر لوصفه الحج كاملاً". جوابه: أن المؤلّ ف لم يسمّ الذي نسب إليه ترجيح حديث جابر، حتى ينظر في منزلته بين أهل العلم، ثم إن قرينة الترجيح التي ذكرها هي أقرب إلى طريقة الفقهاء منها إلى طريقة المحدّثين. المثال الثالث- قوله: "ومما انتقد على الشيخين -البخاري ومسلم - ما جاء في حديث الإسراء عن ليلة أسري بالنبي  منمسجد الكعبة: أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام...، الحديث، وهذا يخالف المعروف عن المسلمين جميعًا أن الإسراء كان بعد البعثة، ولا يشك في ذلك أحد منهم، وأدلة ذلك أكثر من أن تحصى، لذلك انتقد المحدثون الشيخين في هذا اللفظ؛ لمخالفته ا لتاريخ الثابت بيقين، وغلطوا الراوي فيه"اهـ (1). والجواب عن ذلك أن اللفظة التي أشار إليها المؤلّ ف قد انتقدها (1) مقاييس نقد المتون عند المحدثين (ص184.)

عدد الصفحات ٨٥

آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 86 بعض العلماء، ووهمّوا فيها الراوي للحديث شريك بن عبد الله بن أبي نمر، لكن لم يعلل أحد منهم ذلك بمخالفة التاريخ كما قال المؤلّ ف، وإنما علّلوا ذلك بمخالفة الثقات له. يقول النووي: "وقد جاء في رواية شريك في هذا الحديث في الكتاب أوهام أنكرها عليه العلماء...، منها قوله: وذلك قبل أن يوحى إليه. وهو غلط لم يوافق عليه؛ فإن الإسراء أقل ما قيل فيه أنه كان بعد مبعثه  بخمسة عشر شهرًا. وقال الحربي: كان ليلة سبع وعشرين من شهر ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة. وقال الزهري: كان ذلك بعد مبعثه  بخمس سنين. وقال ابن إسحاق: أُسري به  وقد فشا الإسلام بمكة والقبائل، وأشبه هذه الأقوال قول الزهري وابن إسحاق..."اهـ (1). وقال الحافظعبد الحق الإشبيليّ في كتابه الجمع بين الصحيحين، بعد ذكره هذه الرواية: "هذا الحديث بهذا اللفظ من رواية شريك بن أبي نمر، عن أنس، وقد زاد فيه زيادات مجهولة، وأتى فيه بألفاظ غير معروفة، وقد روى حديث الإسراء جماعة من الحفّاظ المتقنين، والأئمة المشهورين، كابن شهاب، وثابت البناني، وقتادة -يعني-، عن أنس، فلم يأت أحد منهم بما أتى به شريك، وشريك ليس بالحافظ عند أهل الحديث". حكاه النووي (2) مستشهدًا به. (1) شرح النووي على صحيح مسلم 2/209-210.) (2) المصدر السابق2/210.)

عدد الصفحات ٨٦