آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 52 يقولونالطيرة في المرأة والدابة والدار»، قرأت عائشة: (ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ) [22] إلى آخر الآية(1). وهذا المثال لا يستقيم الاستدلال به أيضًا؛ لأن عائشة ردّت حديث أبي هريرة بما حفظت هي عن رسول الله ، ثم استشهدت بالآية لتأييد ما ذهبت إليه. 5- قوله: "روى ابن جريج عن زياد: أن أبا نهيك أخبره، عن أبي الدرداء: أنه خطب فقال: من أدرك الصبح فلا وتر له. فذكر ل عائشة ، فقالت كذب أبو الدرداء، كان النبي يصبح فيوتر(2). وهذا المثال لم يرد فيه حديث مرفوع، ولا شيء من القرآن، ف أدري لماذا أورده المؤلّ ف في هذا المبحث الذي سمّاه "معارضة الروايات بالنصوص القرآنية"! ثم إن المؤلّ ف بعد إيراده لتلك الأمثلة قال: "هذه بعض أنواع المعارضة التي كانت تجري من قبل المحدّثين في نقد الروايات لمعرفة مراتب الرواة والحكم على الرواة ومروياّتهم"(3). هكذا قال المؤلّ ف، وقد رأينا النصوص التي ساقها تحت هذا المبحث (1) منهج النقد عند المحدّثص: 78.) (2) المصدر السابق(ص: 79.) (3) المصدر نفسه
عدد الصفحات ٥٢ل ّ المبحث الأو- معارضة الديث بالقرآن 53 أنه لم يرد فيها نص عن أحد من المحدّثين، فكيف يسوغ نسبة هذا المنهج إليهمف ويقول صاحب كتاب مقاييس نقد متون السنة -وهو بصدد بيان رد الصحابة للحديث عند مخالفته للقرآن -: "وقد تبينّ بعد استقرار تلك المسائل أن القرآن الكريم كان عندهم المقياس الأوّل، فلم يقبلوا ما خالفه من أحاديث، بل حكموا على رواتها بال وهم والخطأ، وتركوا العمل بمقتضاها؛ لمعارضتها ذلك النصّ القرآني..."(1). ثم ساق أمثلة لذلك، منها ما ذكره صاحب منهج النقد، وقد سبق الجواب عنها، وسوف أقتصر فيما يلي على الأمثلة التي لم يسبق ذكرها: يقول المؤلّ ف: "بلغ عائشة أنأبا هريرة يقول: إن رسول الله قال«ولد الزنا شر الثلاثة »، فقالت: رحم الله أبا هريرة! أساء سمعًا فأساء إجابة...، ولم يكن الحديث على هذا، إنما كان رجل من المنافقين يؤذي رسول الله ، فقال«من يعذرني من فلان»ف قيل رسول الله، إنه -مع ما به- ولد زنا. فقال: «هو شر الثلاثة »والله تعالى يقول: ( ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ) [164](2). قال المؤلّ ف عقب إيراده هذا المثال: "واستدلال عائشة بالآية على خطأ الراوي في روايته ونقله استدلال يعني أنه لا يقبل من المنقول ما خالف (1) مقاييس نقد متون السنّةص: 61.) (2) [164][15]،[18] [7].
عدد الصفحات ٥٣آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 54 كتاب(1). والجواب عن ذلك: أن عائشة لم تردّ حديثأبي هريرة بالآية، وإنما ردّته بما حفظت هي عن رسول الله ، ثم استشهدت بعد ذلك بالآية؛ لتأييد ما ذهبت إليه، وهذا ظاهر من سياق الرواية. قوله: "عن عكرمة: قال ابن عباس: "رأى محمد ربَّه". وعن عطاء: قال ابن عباس: "رآه مرّتين". وعن عائشة قالت: "من زعم أن محمدًا رأى ربّه فقد أعظم على الله الفرية ، ولكن رأى جبريل في صورته سادًّا بين الأفق". وفي رواية أخرى: قال مسروق: قلت لعائشة: يا أمّتاه، هل رأى محمد ربَّهف فقالت: "لقد قفّ شعري مما قلت! من حدّثك أن محمدًا رأى ربه فقد كذب"، ثم قرأت: (ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ) [103]، ولكنه رأى جبري ل عليه السلام في صورته مرّتين...". قال المؤلّ ف تعليقًا على النصّ السابق: "وهكذا تردّ عائشة ما سمعته من أن رسول الله رأى ربّه بنصّ من القرآن في أكثر من آية(2). والجواب عن ذلك بما يلي أن هذا المثال لا يستقيم الاستدلال به على رد الحديث بمعارضته القرآن؛ لأ ن النصّ الذي ساقه المؤلّ ف لا يشتمل على حديث مرفوع، وإنما (1) المصدر السابقص: 63-64.) (2) مقاييس نقد متون السنةص: 65.)
عدد الصفحات ٥٤ل ّ المبحث الأو- معارضة الديث بالقرآن 55 هو قول لابن عباس فهمه من ظاهر الآية، فردّته بما فهمتْه هي من الآية الأخرى. قوله: "عن عمرو بن دينار قال: قلت لجابر بن زيد: إنهم يزعمون أن رسول الله نهى عن لحوم الحمر الأهليّةف فقال: قد كان يقول ذل ك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة، ولكن أبى علينا البحر ابن عباس، وقرأ: (ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ) [145]. يقول المؤلّ ف -تعليقًا على النص السابق -. "وهذا الاستدلال من ابن عباس بالآية على حلّ لحوم الحمر الأهليّة في معارضة الحديث المروي في تحريمها يؤكد أس لوبه ومنهجه في تعامله مع الأحاديث المنسوبة إلى رسول الله ...، فقد كان له منهج في نقد الأحاديث، أحد سماته عرْضها على القرآن الكريم، فإذا ظهر له أن الحديث مخالف للقرآن حكم بردّه، وجعل تلك المخالفة دليلاً على عدم صحّة الحديث"(1)اهـ ويجاب عن هذا المثال بما يلي: 1- أن المؤلّ ف لم يبينّ حال الحديث الذي ذكره من حيث الصحّة أو عدمها، بل لم يعزه إلى كتاب مسند ، ومصدره فيه هو تفسير القرطبي. 2- لم يرد تصريح في هذا المثال أن ابن عباس ردّ حديثًا عن الن بالآية، فقد جاء فيه قول عمرو بن دينار لجابر بن زيد: "يزعمون أن رسول الله (1) المصدر السابقص: 68.)
عدد الصفحات ٥٥آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 56 نهى عن لحوم الحمر الأهلية"، فتعبير عمرو بن دينار بقوله: "يزعمون" يدل على عدم ثبوت الحديث عنده، وقول جابر بن زيد: قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو بالبصرة" لا يفيد رفع ذلك القول إلى النبي . وقد تعقّب الحافظ ابن حجر هذه الرواية برواية أخرى عن ابن عباس ، تفيد أنه لم يبلغه في ذلك نصّ عن الن ، فقد ذكر الحافظ ابن حجر الرواية السابقة، ثم قال: "في رواية ابن مردويه وصححه الحاكم من طريق محمد بن شريك، عن عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس، قال: "كان أهل الجاهليّة يأكلون أشياء، ويتركون أشياء تقذّرً ا، فبعث الله نبيّه، وأنزل كتابه، وأحل حلاله، وحرّم حرامه، فما أحل فهو الحلال، وما حرّم فهو الحرام، وما سكت عنه فهو عفو"، وتلا هذه الآية: (ﮙ ﮚ ﮛ ) إلى آخرها". ثم قال ابن حجر: والاستدلال بهذا للحلّ إنما يتم في ما لم يأت فيه نصّ عن النبي بتحريمه، وقد توارد ت الأخبار بذلك، والتنصيص على التحريم مقدّم على عموم التحليل، وعلى القياس"(1). وهذه الرواية قد حكى الحافظ ابن حجر تصحيحها عن الحاكم معرض الاحتجاج بها، وفي ذلك إقرار لتصحيح الحاكم. ثمّ في قول الحافظ ابن حجر: "والاستدلال بهذا للحلّ إنما يتم في ما (1) فتح الباري 9/655.)
عدد الصفحات ٥٦ل ّ المبحث الأو- معارضة الديث بالقرآن 57 لم يأت فيه نصّ عن النبي في تحريمه، وقد تواردت الأخبار بذلك" إشارة إلى أن الآية لم تعلّ الأحاديث الواردة في تحريم الحمر، وأكّد ذلك بالإشارة إلى تقديم الأحاديث على الآية بقوله: "والتنصيص على التحريم مقدم على التحليل، وعلى القياس". والحافظ ابن حجر جار في ذلك على منه ج المحدّثين، ولو كان يعلم عنهم خلاف ذلك لبيّنه، وهو معروف بسعة الاطلاع على كلامهم. وما أفاده كلام ابن حجر هو على خلاف ما يريد المؤلّ ف تقريره، والله أعلم. قوله: سئلت أم المؤمنين عائشة عن متعة النساء، فقالت: "بي وبينكم ك تاب الله. قال: وقرأت هذه الآية: (ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ) [ 5-6]، فمن ابتغى وراء ما زوّجه الله أو ملّكه فقد عدا". قال المؤلّ ف تعقيبًا على النص السابق: "فالسيدة عائشة تعرض ما يروى من تحليل نكاح المتعة على القرآن، ذلك أنه الأصل المتبع، وما السنة إلا مبيّنة وموضحة لما فيه من الأحكام"(1)اهـ ويلاحظ على كلام المؤل ِف ما يلي: 1- قوله: "فالسيدة عائشة تعرض ما يروى من تحليل نكاح المتعة على (1) مقاييس نقد متونالسنّة (ص: 66-67.)
عدد الصفحات ٥٧آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 58 القرآن..." يجاب عنه بأنه لم يرد في النص الذي استدل به ذكر لرواية مرفوعة في متعة النساء عارضتها أم المؤمنين عائشة بالآية، والذي ورد في النصّ هو : "سئلت أم المؤمنين عائشة عن متعة النساء، فقالت..."، وبناء عليه فلا يستقيم الاستدلال بهذه القصة على عرض الحديث على القرآن. 2- قول المؤلّ ف عن السنّة: "ذلك أنه الأصل المتبع، وما السنّة إ مبينة وموضّحة لما في القرآن من الأحكام...". يقال للمؤلّ ف: حصر دو ر السنة في بيان وتوضيح ما في القرآن من أحكام فقط مخالف لما عليه أهل الحديث، بل جمهور العلماء، كما حكى ذلك المؤلّ ف نفسه إذ يقول: "ومنزلة السنة من القرآن هي المنزلة السامية، فهي تبينّ القرآن للناس، فتخصص عمومه، وتقيد مطلقه، وتفسر مجمله، كما تنسخه على قول الأ كثرين، وتنفرد بحكم ليس في القرآن، هذا هو الفهم الذي فهمه المحدّثون وعرفوه عن السنة النبوية الصحيحة..."(1). وإذا كانت السنّة بهذه المنزلة بحيث تنسخ الآية، فلماذا الاستعجال في ردّ الحديث قبل معرفة ثبوته عن النبي ، ومعرفة هل هو متقدم عن الآية، أو متأخر عنها، فقد يصح الحديث ويكون متأخرًا عن الآية فينسخها، على ما حكاه المؤلّ ف عن الأكثرين. (1) المصدر السابقص: 118.)
عدد الصفحات ٥٨ل ّ المبحث الأو- معارضة الديث بالقرآن 59 وبناء على ذلك: فما يريد المؤلّ ف تقريره من ردّ الحديث والحكم عليه بالضعف بمجرد معارضته لآية من القرآن يتطلب إعادة نظر! 3- قوله: "ورُوي عن ابن عمر أنه سئل عن لحوم السباع، فقال: لا بأس بها. فقيل له: حديث أبي ثعلبة الخشنيف فقال: لا ندع كتاب ربّنا لحديث أعرابيٍّ يبول على ساقيه". يقول المؤلّ ف تعليقًا على النص السابق: "وابن عمر هنا نهج نهج ابن عباس في ردّ ما خالف القرآن من أحاديث منسوبة إلى رسول الله "...(1). ويجاب عنه بأنّ هذه القصة لم تثبت نسبتها إلى ابن عمر ، قال ابن عبد البر رحمه الله: "وقالت فرقة: الآية محكمة، ولا يحرم إلا ما فيها، وهو قول يروحى عن ابن عباس، واختلف فيه عن عائشة، ورُوي عن ابن عمر من وجه ضعيف" (2)اهـ. وحكاه ابن حجر في الفتح إقرارًا له(3). 4- قوله: "كان علي بن أبي طالب يذهب إلى أن من مات قبل أن يدخل بزوجته، وقبل أن يسمّي لها مهرًا فلا مهر لها، فلما بلغه حديث معقل بن سنان الأشجعي أن النبي قضى في بروع بنت واشق أن لها مهر المثل، ولها الميراث، وعليها العدّة، قال: لا نقبل قول أعرابي بوّال (1) المصدر السابقص: 68-69.) (2) التمهيد1/145.) (3) فتح الباري 9/657.)
عدد الصفحات ٥٩آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 60 على عقبيه فيما يخالف كتاب الله ولا سنّة نبيّه". يقول المؤلّ ف تعليقًا على القصّة: "وهنا يردّ علي بن أبي طالب ما رواه معقل بن سنان لمخالفته في نظره كتاب الله وسنّة نبيّه..."(1). ويجاب على ذلك بأن هذه القصة لم تثبت عن عليّ ، يقول الشوكاني رحمه الله: "قالوا: رُوي عن عليّ أنه قال: لا نقبل قول أعرابي بوّال على عقبيه فيما يخالف كتاب الله وسنة نبيّه"، ثم قال متعقّ بًا ذلك: "ورُدّ بأن ذلك لم يثبت عنه من وجه صحيح" (2). وإذا كان الخبر غير ثابت عن علي فكيف ينسب إليه ردّ حديث رسول الله لهذا السببف ثم على فرض ثبوت هذه القصّة فإنه لا يستقيم الاستدلال بها على ذلك؛ لأن عليًّا لم يردّ الحديث بمخالفته القرآن، وإنما ردّه لحال راويه عنده، فقد طعن فيه كما سبق. وقد رأينا من خلال مناقشة الأمثلة السابقة التي أوردها المؤلّ ف ليثبت بها أن الصحابة رضوان الله عليهم يردون الحديث ويضعّفونه بمخالفته للقرآن أنه لا يستقيم الاستدلال بشيء منها، والله أعلم. وأما صاحب كتاب "جهود المحدثين في نقد متن الحديث" فقد عنون (1) مقاييس نقد متون السنّةص: 69.) (2) نيل الأوطار2/236-237.)
عدد الصفحات ٦٠ل ّ المبحث الأو- معارضة الديث بالقرآن 61 لهذه المسألة بقوله: "مقاييس نقد المتن في عهد الصحابة"، ثم أخذ في تقرير ذلك، إلى أن قال: "ويتلخص من هذه الأسباب أن المقاييس التي اعتمدها الصحابة لنقد المتن هي: "عرض الحديث على القرآن..." (1)، ثم ساق أمثلة لذلك، وكلّها مما سبق مناقشته سوى مثال واحد، هو المثال السادس، ويقول فيه: "روى البخاري بسنده إلى محمود بن الربيع، عن عتبان بن مالك الأنصاري، قال: قال رسول الله :«...فإن الله حر م على النار من قال: لا إله إلا الله ، يبتغي بذلك وجه الله »، قال محمود: فحدثتها قومًا فيهم أبو أيوب -صاحب رسول الله - في غزوته التي توفي فيها، ويزيد بن معاوية عليهم بأرض الروم، فأنكرها عليّ أبو أيوب، قال: والله ما أظنّ رسول الله قال ما قلت قطّ. فكبرُ ذلك عليّ، فجعلت لله عل يّ إن سلّمني الله حتى أقفل من غزوتي أن أسأل عنها عتبان بن مالك إن وجدته حيًا في مسجد قومه، فقفلت، فأهللت بحجّة أو عمرة، ثم سرت حتى قدمت المدينة، فأتيت بني سالم، فإذا عتبان شيخ قد عمي، يصلّي بقومه، فلما سلّم من الصلاة سلّمت عليه، وأخبرته من أنا، ثم سألته عن ذلك الحديث، فحدّثنيه كما حدّثني أول مرّة". وبعد أن ساق المؤلّ ف هذا الحديث الطويل علّق عليه بقوله: "ووجه إنكار أبي أيوب على محمود بن الربيع استشكاله الحديث الذي رواه؛ لأن (1) جهود المحدّثنقد متن الحديث (ص: 458-460.)
عدد الصفحات ٦١آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 62 ظاهره ينفي دخول أيّ أحد من عصاة الموحّدين النار، وهو مخالف لآيات كثيرة وأحاديث فيها حديث الشفاعة، لكن الجمع بينها ممكن، بأن يحمل على تحريم الخلود"(1). ويجاب عن هذا المثال بما يلي 1- لا يستقيم التمثيل به للعنوان المذكور؛ لأنه لم يرد في الحديث تصريح بأن أبا أيوب ردّه بسبب معارضته للقرآن، وإنما هو مجرد استنتاج، و يصح بناء منهج الصحابة في ردّ الأحاديث على مثل هذا. 2- الحديث في صحيح البخاري، وهو أصح كتاب بعد كتاب الله، وقد تلقّته الأمة بالقبول، ولم يطعن أحد من أهل العلم في هذا الحديث، فكيف يسوغ التمثيل به لما أخطأ فيه راويه، نعم لقد جعله المؤلّ ف مثالاً لذلك، لأنه مهّد للعنوان السابق الذي وضع تحته هذا الحديث بقوله: "يعتبر المنهج الذي سنّه الصحابة لنقد متن الحديث صورة دقيقة لاهتمامهم بحفظ سنّة رسول الله ، وحرصهم على سلامة نقلها، وتطبيقها، ورواة الحديث في هذا العهد لم يكذبوا على رسول الله ، لكن بعضهم أخطأ فيما رواه عنه، فتنبه بعض الصحابة إلى الخطأ، وصوّبوه..."(2). والشاهد قوله: "لكن بعضهم أخطأ فيما رواه عنه (1) المصدر السابق(ص: 471-472.) (2) المصدر السابقص: 458.)
عدد الصفحات ٦٢ل ّ المبحث الأو- معارضة الديث بالقرآن 63 3- قول المؤلّ ف: "لكن الجمع ممكن بأن يحمل التحريم على الخلود" هذه العبارة هي للحافظ ابن حجر، ولا غبار عليها بالنسبة له، لكن المؤلّف حين حكاها مقرًّا بها وقع في تناقض؛ لأنه أورد الحديث مثالاً لما أخطأ فيه راويه، والعبارة قالها ابن حجر بناء على أن الحديث صحيح، وقد أكّد صحّة الحديث بذكر متابعة أنس بن مالك لراويه، قال الحافظ ابن حجر بعد الكلام السابق: "وقد وافق محمودًا على رواية هذا الحديث عن عتبان: أنس بن مالك، كما أخرجه مسلم من طريق ه، وهو متابع قوي جدًّا"(1). 4- العنوان السابق الذي جعل المؤلّ ف من أمثلته هذا الحديث هو أحد مباحث الفصل الثاني الذي عنونه المؤلّ ف بقوله: "مقاييس المحدّثين في نقد متن الحديث"، وهنا يقع تساؤل: هل كان الإمام البخاري -وهو من أئمة المحدّثين- حين أخرج هذا الحدي ث في صحيحه والعلماء الذين وافقوه على تصحيحه له، ومن ضمنهم الحافظ ابن حجر -كما سبق في كلامه - كل هؤلاء كانوا يجهلون هذا المنهج الذي نسبه المؤلّ ف للمحدّثينف، أم أنه قد وقع خطأ في نسبة هذا المنهج إليهمف. (1) فتح الباري 3/62.)
عدد الصفحات ٦٣المبحث الثاني - آخر ّ معارضة الديث بحديث صحابي المبحث الثاني- معارضة الديث آخر ّ بحديث صحابي
عدد الصفحات ٦٥المبحث الثاني- آخر ّ معارضة الديث بحديث صحابي 67 المبحث الثاني- آخر ّ معارضة الديث بحديث صحابي هذا النوع هو أحد أنواع المعارضة التي جاء ذكرها في تلك الؤلَّفات، فقد عقد صاحب كتاب منهج النقد عنواناً قال فيه: "بعض أنواع المعارضة"، وذكر تحته ستة أنواع، أوّلها معارضة روايات عدد من أصحاب رسول الله بعضها ببعض(1). وقال صاحب كتاب نقد المتن الحديثي: "السبب الأول: المخالفة"، قال: "نقصد بالمخالفة هنا أن متن الحديث الذي يرويه الراوي الذي يكون محل الدراسة عند علماء الجرح والتعديل يتعارض مع أحد الأصول التالية: 1- صريح القرآن 2- أو صحيح السنة النبويّة(2). وقال صاحب كتاب مقاييس نقد السنة: "المقياس الثالث: عرض السنة بعضها على بعض"(3). أما صاحب كتاب جهود المحدثين في نقد متن الحديث فلم يذكر هذا المقياس من جملة المقاييس التي ذكرها (4)، ولعله لم يقتنع بالأمثلة ال ذكرها غيره. (1) منهج النقد عند المحدّثص: 67.) (2) نقد المتن الحديثيص: 22-23.) (3) مقاييس نقد متون السنّةص: 162.) (4) جهود المحدّثنقد متن الحديث (ص: 456.)
عدد الصفحات ٦٧آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 68 وبالرجوع إلى الأمثلة التي ذكرها الأساتذة ت تلك العناوين لم أجد فيها مثالاً واحدًا يتطابق مع العنوان الذي وُضع تحته، وفيما يلي توضيح ذلك: فصاحب كتاب منهج النقد عنون بـ "معارضة روايات عدد من أصحاب رسول الله بعضها ببعض"، ثم قال تحت هذا العنوان: لمعارضة روايات عدد من أصحاب رسول الله بعضها ببعض يك فينا ما مرّ من أمثلة على ذلك، كتلك المعارضة التي رأيناها، وقد قام بها أبو بكر وعمر بن الخطّاب وابن عمر رضوان الله عليهم أجمعين، ولذلك لا نرى داعيًا للإعادة"(1). ثم أحال على(ص: 50-53.) وبالرجوع إلى المواضع التي أحال عليها وجدنا أن الأمثلة المحال عليها هي تثبّتُ أبي بكر في قضيّة الجدّة، وتثبّتُ عمر في قضيّة الاستئذان، وهذان المثالان قد ذكرهما المؤلّ ف تحت عنوان: "الضبط والإتقان والطريق إلى معرفتهما"، ومناسبتها لهذا العنوان ظاهرة؛ لأن المقصود منهما هو حصول متابع أو شاهد يؤكد أن الراوي قد حفظ وضبط، لكن ما نحن يصدده خلاف ذلك، وهو وجود حديث يعارض حديث الباب ويخالفه، فهذا شيء، وما أحال عليه شيء آخر، فليتأمل. أما صاحب كتاب نقد المتن الحديثي فيقول: "وأما مخالفة المتن الحديثي لمتن حديثي آخر فهذا يوجد في كلام أئمة الجرح والتعديل بكثرة، ومن الأمثلة (1) منهج النقد عند المحدّثين (ص67.)
عدد الصفحات ٦٨المبحث الثاني- آخر ّ معارضة الديث بحديث صحابي 69 على ذلك 1- حديث تفرّد به أبو قيس عبد الرحمن بن ثروان، عن هزيل بن شرحبيل، عن المغيرة بن شعبة، قال: "توضأ النبي ومسح على الجوربين"، فقد انتقد جمع من كبار أئمة الجرح والتعديل هذا المتن، منهم الإمام مسلم بن الحجاج الذي قال فيه: أبو قيس الأودي وهزيل بن شرحبيل لا يحتملان هذا ، مع مخالفتهما الأجلّة الذين رووا هذا الخبر عن المغيرة، فقالوا: مسح على الخفين"(1). ويجاب عن هذا المثال بأنه لا يتطابق مع العنوان الذي وُضع له؛ لأن العنوان: "مخالفة المتن الحديثي لمتن حديثيٍّ آخر"، والمثال مخالفة أحد الرواة -وهو أبو قيس- لغيره من رواة الحديث نفسه -حديث المغيرة بن شعبة- كما سبق في كلام الإمام مسلم الذي حكاه المؤلّ ف، ويؤكده ما جاء في كلام المؤلّ ف إذ يقول: "والرأي الذي عليه كبار أئمة العلل أن حديث أبي قيس منكر؛ لمخالفته المحفوظ عن المغيرة بن شعبة، قال ابن المديني: حديث المغيرة رواه عن المغير ة أهل المدينة، وأهل الكوفة، وأهل البصرة، ورواه هزيل بن شرحبيل، إلا أنه قال: ومسح على الجوربين، وخالف الناس. وقال ابن معين: "الناس كلهم يروونه: على الخفّين، غير أبي قيس"(2). (1) نقد المتن الحديثي (ص25-26.) (2) المصدر السابق (ص27.)
عدد الصفحات ٦٩