آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 36 ما فهمه منه، وذلك أن ابن حبان كان بصدد الكلام عن حديث رواه راو متكلَّ م في ضبطه، وحاصل كلامه أنه متى وُجد له متاب ع أو شاهد قُب ل حديثه، وإن لم يوجد له متابع ولا شاهد لم يقبل، ثم ذكر أنه في حال عدم وجود متابع ولا شاهد لو خالف الخبر الأ صول الثلاثة يُعلم بذلك أنه موضوع، وفيما يلي نص كلامه، يقول رحمه الله: " وإني أمثّ ل للاعتبار مثالاً يُ ستدرك به ما وراءه ، وكأنا جئنا إلى حماد بن سلمة، فرأيناه روى خبرً ا عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة ، عن النبي ، لم نجد ذلك الخبر عن غيره من أصحاب أيوب، فالذي يلزمنا فيه التوقف عن جرحه ، والاعتبار بما روى غيره من أقرانه ..."، ثم ذكر كيفية البحث عن المتابعات والشواهد، ثم قال: "فإن وجد ذلك -يعني المتابعات والشواهد- صحّ أن الخبر له أصل، ومتى عدم ذلك -يعني المتابعات والشواهد - والخبر نفسه يخالف الأصول الثلاثة عُلم أن الخبر موضوع لا شكّ..." (1). فالمتأمل في كلام ابن حبان السابق يجد أنه قس م حال الراوي المتكلم في ضبطه مع خبره إلى قسمين: القسم الأول- حال وجود متابع أو شاهد للراوي، وبذلك يثبت الخبر. والقسم الثاني- حال انعدام المتابع والشاهد، وفي هذه الحال لا يثبت الخبر بلا شك. (1) مقدمة صحيح ابن حبان مع الصحيح بترتيب ابن بلبان1/85-68.)
عدد الصفحات ٣٦ل ّ المبحث الأو- معارضة الديث بالقرآن 37 ثم إن ابن حبان اقتصر على ذكر مخالفة الخبر للأصول الثلاثة ال حكم عليه بسببها بالوضع -على الحالة الثانية- حال ضعف الخبر، لضعف راويه، ولم يذكر المخالفة في حال ثبوت الخبر، وهذا ذهاب منه إلى أن مخالفة الحديث للأصول الثلاثة كما عبرّ ابن حبان، أو للقرآ ن كما عبر المؤلّف لا تضره، ولا يعل بها، لأنه لو كان يرى إعلال الحديث بمخالفته للقرآن لذكر ذلك مع الحالة الأولى، حال ضبط الراوي له، لأن الإعلال بالمخالفة لا يكون في أحاديث المجروحين، يقول الحاكم النيسابوري: "وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإ ن حديث المجروح ساقط واه، وعلّة الحديث تكثر في أحاديث الثقات"(1). وبناء على ما سبق؛ فيمكن القول بأن هذا المثال لإعلال ابن حبان الحديث بمخالفته للقرآن هو حجة على الم ؤلّف، لا له. وأما النص الثاني فلا يستقيم الاستدلال به أيضًا على إعلال ابن حبان الحديث بمخالفة القرآن؛ لأن ابن حبان قد أعل الحديث بجهالة الراوي إذ يقول عنه: "ليس يُدرى من هو..."، والإعلال بالمخالفة إنما يكون في أحاديث الثقات، لا أحاديث المجروحين كما سبق حكايته عن الحاكم. ولو صرفنا النظر عما سبق، وتأملنا النصين السابقين لوجدنا أنه لا يستقيم الاستدلال بهما على إعلال ابن حبان الحديث بمخالفته للقرآن، وبيان ذلك أن ابن حبان في النص الأول لم يذكر القرآن استقلالاً، وإنما جمعه (1) معرفة علوم الحديث (ص: 359.)
عدد الصفحات ٣٧آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 38 مع غيره، فقال: "يخالف الأصول الثلاثة"، وفسّرها بالكتاب والسنة والإجماع، فيقال للمؤلّ ف: إن كان ابن حبان يريد إعلال الحديث بمخالفته الأ صول الثلاثة مجتمعة فلا يحسن القول بأنه يُعلّه بمخالفة القرآن منفردًا، وإن كان يريد الإعلال بكل واحد منها على انفراده فإنه يلزم المؤلّ ف القول بأن ابن حبان يعلّ الحديث بمخالفة كل واحد من الأمور التي جمعها مع القرآن في النص الثاني الذي وصفه المؤلّ ف بأنه يشهد لما في النص الأول بصورة قاطعة، فقد جمع ابن حبان -مع القرآن - في النص الثاني: القياس، والنظر، والرأي، إذ يقول: "لم يرو إلا خبرًا واحدًا، خالف فيه الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، والنظر، والرأي..."، فليتأمل. أما الموضع الثالث من استدلالاته بكلام النقّاد لإعلال الحديث بمخالفته ظاهر القرآن فقوله: "وقد قال الحافظ ابن عدي في نقده لهذا الحديث: "هو خلاف القرآن"" (1). والحديث الذي أشار إليه المؤلّ ف هو حديثأبي زيد، عن ابن مسعود -السابق- في النبيذ، وقد أعله ابن حبان بجهالة أبي زيد -كما سبق -، وصنيع المؤلّ ف هنا ي وهم أن ابن عدي يعله بمخالفته لظاهر القرآن، لكن بالرجوع لكلام ابن عدي على الحديث نجد أنه يعلّه بجهالة الراوي، وفيما يلي نص كلامه: يقول رحمه الله: "وهذا الحديث مداره على أبي فزارة، عن أبي زيد -مولى عمرو بن حريث -، عن ابن مسعود، و أبو فزارة مشهور، واسمه (1) نقد المتن الحديثي (ص25.)
عدد الصفحات ٣٨ل ّ المبحث الأو- معارضة الديث بالقرآن 39 راشد بن كيسان، و أبو زيد -مولى عمرو بن حريث - مجهول، ولا يصحّ هذا الحديث عن النبي ، وهو خلاف القرآن (1). فكلام ابن عدي-كما رأينا - صريح في حكمه على الحديث بعدم الصحّة لجهالة أبي زيد الراوي عن أبي هريرة، ثم بعد حكمه عليه بعدم الصحة قال: "وهو خلاف القرآن"، وهذه العب ارة تفيد تأكيد نكارة الحديث، لا أن تلك المخالفة هي سبب تضعيفه للحديث كما هو ظاهر كلام المؤلّ ف. ثم إن المؤلّ ف بعد ذكره لتلك النصوص التي استدل بها لإثبات أن من منهج المحدّثين إعلال الحديث بمخالفته للقرآن -وقد رأينا ما فيها - قال: "وفي حدود اطّلاعي لم أقف على نصّ عن أحد من أئمة الجرح والتعديل يصرّح فيه أن مخالفة متن الحديث لصريح القرآن لا تعدّ سببًا للطعن فيه، لكن يبدو من خلال ما وقفت عليه أن نصوصهم الصريحة في نقد المتن الحديثي بسبب مخالفته للقرآن قليلة جدًّا"(2). قلت: عدم وجود نص عن أئمة الجرح والتعديل بأن الفة الحديث لصريح القرآن لا يعدّ سببًا للطعن فيه، لا يبرر نسبة إعلال الحديث بمخالفة القرآن إليهم، وإلا أمكن أن ينسب إليهم إعلال الحديث إذا هو خالف القياس، أو النظر، أو الرأي؛ لأن هذه الثلاثة جاءت معطوفة على القرآن في كلام ابن حبان السابق الذي استدل به المؤلّ ف. (1) الكامل7/2747) دار الفكر. ط. الأو1404هـ (2) نقد المتن الحديثي (ص25.)
عدد الصفحات ٣٩آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 40 أما قول المؤلّ ف: إن نصوص أئمة الجرح والتعديل الصريحة في إعلال الحديث بمخالفة القرآن قليلة جدًّا من خلال ما وقف عليه، فيجاب عنه بأنه لم يذكر عنهم نصًّا واحدًا بتلك الصفة، وما حكاه عن بعضهم قد حمله على غير المعنى الصحيح له، وسبق بيان ذلك. أما صاحب كت اب مقاييس نقد السنة فقد استدل بعدد من الأحاديث(1)، يرى أن علماء الحديث أعلوها بمخالفتها للقرآن، وسوف أسوق تلك الأمثلة، ثم أجمل الجواب عنها بعد ذلك، لأن تعليق المؤلّ ف عليها قليل جدًّا. يقول المؤلّ ف: "وسوف نذكر نماذج من تلك الأحاديث التي ردّها المحدثون لأخذهم بهذا المقياس: أ- الحديث المتقدم ذكره، وهو: «إذا حد ثتم عني حديثًا فاعرضوه على كتاب الله تعالى، إن وافق فاقبلوه، وإن خالف فرد وه». قال الشوكاني: على أن في هذا الحديث -الموضوع - نفسه ما يدل على ردّه؛ لأنا إذا عرضناه على كتاب الله عز وجل خالفه، ففي كتاب الله عز وجل: ( ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ) [7]. يقول المؤلّ ف تعليقًا على ذلك: "ونحن وإن خالفنا الشوكاني في نظرته إ هذا الحديث وأنه يخالف الآية المذكورة؛ فإن هذا لا يمنع الاستدلال بقوله ذلك، على أن المحدثين اتخّذوا عرض الحديث على كتاب الله (1) مقاييس نقد متون السنّة (ص119-124.)
عدد الصفحات ٤٠ل ّ المبحث الأو- معارضة الديث بالقرآن 41 منهجًا ومقياسًا يردون به ما خالفه وعارضه". ب- عن عائشة ... الحديث، وفيه: "فقال رسول الله :«ذهبتلقبر أمي آمنة، فسألت الله أن يحييها، فأحياها، فآمنت بي، ورد ها الله عز وجل » قال ابن الجوزي: "هذا حديث موضوع بلا شك، والذي وضعه قليل الفهم، عديم العلم، إذ لو كان له علم أنه من مات كافرًا لا ينفعه أن يؤمن بعد الرجعة، لا بل لو آمن عند المعاينة لم ينتفع، ويكفي في ردّ هذا الحديث قوله تعالى: (ﮝ ﮞ ﮟ) [217]. ج- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله :«لا يدخل الجنة ولد زنى، و والده، ولا ولد ولده» قال فيه ابن الجوزي ثم أيُّ ذنب لولد الزنى حتى يمنعه من دخول الجنةف فهذه الأحاديث تخالف الأصول، وأعظمها ما في قوله تعالى: ( ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ) [164]. د- عن مقدار عمر الدنيا، وأنها سبعة آلاف سنة، ونحن في الألف السابعة. قال ابن القيّم: "وهذا من أبين الكذب؛ لأنه لو كان صحيحًا لكان كل أحد عالـمًا أنه بقي للقيامة من وقتنا هذا مئتان وأحد وخمسون سنة، والله تعالى يقول: (ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ) [187]، وقال تعا(ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ )
عدد الصفحات ٤١آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 42 [34]. هـ- عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله بيدي، فقال«خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل» قال ابن القيم: "هذا الحديث وقع الغلط في رفعه، وإنما هو من قول كعب الأحبار، كذلك قال إمام أهل الحديث محمد بن إسماعيل البخاري في تاريخه الكبير، وهذا الحديث يقتضي أن مدة التخليق سبعة أيام، مع أن الله أخبر أنه تعالى خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، قال تعالى: (ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ) [4]. و- حديث حياة الخضر: «يلتقي الخضر وإلياس كل عام» قال ابن الجوزي: "والدليل على أن الخضر ليس بباق في الدنيا أربعة أشياء: القرآن، والسنة، وإجماع المحقّقين من العلماء، والمعقول. أما القرآن فقول الله تعالى: (ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ) [34]، فلو دام الخضر لكان خالدًا".
عدد الصفحات ٤٢ل ّ المبحث الأو- معارضة الديث بالقرآن 43 ز- حديث: «من أكل مع مغفور له غُفر له» قال ابن كثير: "استدل بهذه الآية الكريمة -يعني بقوله: (ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ) [10]- بعضُ العلماء على ضعف الحديث الذي يأثره كثير من الناس: «من أكل مع مغفور له غُفر له»، والحديث لا أصل له، وإنما يروي هذا بعض الصالحين أنه رأي النبيّ في المنام، فقال يا رسول الله، أنت قلت: «من أكل مع مغفور له غُفر له »ف قال «لا، ولكني الآن أقوله» قال المؤلّ ف تعليقًا على ما سبق: "وفي قول ابن كثير من استدلال بعض العلماء بالآية في معارضة الحديث المذكور ما يؤكد ذلك المقياس، واستعمال العلماء له، وإن كان ابن كثير نفسه ليس صريحًا في موافقته لهم". ح- «سَب أصحابي ذنب لا يُغفر» قال ابن تيمية: "هذا كذب على النبي ، وقد قال الله تعالى: (ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ) [48]." ط- حديث: «حب الوطن من ا يمان» قال السخاوي: "لم أقف عليه، ومعناه صحيح قال المنوفي: "ما ادّعاه من صحة معناه عجب؛ إذ لا ملازمة بين حبّ
عدد الصفحات ٤٣آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 44 الوطن وبين الإيمان، ويرده قوله تعالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ) [66]، فإنه دل على حبهم وطنهم، مع عدم تلبُّسهم بالإيمان، إذ ضمير ( ﭔ ) للمنافقين". ي- حديث: «الغُرباء ورثة الأنبياء، ولم يبعث الله نبيًّا إلا وهو غريب في قومه» قال الشيخ على القارئ: "يروى عن أنس مرف وعًا، وهو باطل، ويرده ما ورد في القرآن قوله تعالى: (ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ) [1]،(ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ) [65]،(ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ) [73]،( ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ) [91]، وكذا إرسال موسى وعيسى وسائر أنبياء بني إسرائيل، وكذا نبيّنا محمد عليه الصلاة والسلام، وإنما حصلت له الغربة في الجملة بعد الهجرة". وكذا ردّ الشيخ القارئ هذا الحديث لمعارضته للآيات القرآنية -في نظره - ومخالفته لما تقتضيه، ومثله: ك- «ما من نبي ن ُب ِئ إلا بعد الأربع» قال ابن الجوزي: "إنه موضوع"، ذكره الزركشي، وسكت عنه السيوطي قال الشيخ علي القارئ: "ويعارضه ن صُّ قوله تعالى في يحيى: ( ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ) [12]، وقوله سبحانه في يوسف( ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ) [15] الآية.
عدد الصفحات ٤٤ل ّ المبحث الأو- معارضة الديث بالقرآن 45 ل- حديث: «الكريم حبيب الله ولو كان فاسقًا، والبخيل عدو الله ولو كان راهبًا» قــــال الشــــيخ علــــي القــــارئ: "لا أصــــل لــــه، بــــل الفقــــرة الأولى موضــــوعة؛ لمعارضــتها لــنص قولــ ه تعــالى: ( ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ) [222]،( ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ) [45]، ( ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ) [57، 140]، والفاسق إما من الظالمين أو الكافرين م- حديث: «الإيمان مثبت في القلب كالجبال الرواسي، وزيادته ونقصانه كفر» قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني بعد أن نقد سندهوهذا الحديث مخالف للآيات الكثيرة المصرّحة بزيادة الإيمان، كقوله تعالى: ( ﭳ ﭴ) [4]، فكفى بذلك دليلاً على بطلان هذا الحديث، وإن قال به جماعة. قال المؤلّ ف تعقيبًا على الأمثلة السابقة: "هذه بعض الأمثلة التي نقد فيها المحدّثون تلك الأحاديث بالنظر إلى مت ونها، واستعملوا فيها هذا المقياس، وهو عرض الحديث على القرآن" (1). ويمكن إجمال الجواب عم ا استدل به المؤل ِف -لإثبات إعلال المحد ثين للحديث بسبب مخالفته للقرآن- فيما يلي: (1) المصدر السابق (ص124.)
عدد الصفحات ٤٥آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 46 1- أن الأحاديث التي استدل بها المؤلّ ف هي مما حكم عليه المحدّثون بالوضع أو الضعف الشديد من ق بل أسانيدها، باستثناء حديث أبي هريرة في خلق التربة، وما كان هذا حاله من الأحاديث لا يستقيم القول بأن المحدّثين ضعفوه بمخالفته للقرآن، وما حكاه من قولهم -بعد بيان ضعف الحديث- "وهو مخالف للقرآن" إنما هو تأكيد لنكارته فحسب، ولا يتأثر الحكم على الحديث بحذف تلك العبارة لو حذفت، لكن طريقة المؤلّ ف في إيراد الأحاديث التي يستدل بها في هذا الموضع أو في غيره أنه يبرز من كلام العلماء ما يتفق مع مراده، ويمكن التمثيل لذلك بحديث أبي هريرة الذي سبقت الإشارة إليه، فالحديث قد أخرجه الإمام مسلم في صحيحه كما ذكر المؤلّ ف، ورواته ثقات، لكن وقع من بعض رواته وهم في رفعه، وأعلّه بذلك الإمام البخاري، فقد ساق الطريق المرفوعة ثم قال: "وقال بعضهم: عن أبي هريرة، عن كعب الأحبار، وهو أصح" (1) . وحكى إعلال البخاري للحديث ابن القيّم مقرًّا له، ومستشهدًا به، إذ يقول: "وهذا الحديث وقع ال غلط في رفعه، وإنما هو من كلام كعب الأحبار، كذلك قال إمام أهل الحديث محمد بن إسماعيل في تاريخ الكبير...". ثم إن ابن القيم بعد بيان علة الحديث قال: "وهذا الحديث يقتضي أن مدّة التخليق سبعة أيام، مع أن الله أخبر أنه خلق السموات والأرض (1) التاريخ الكب 1/413-414.)
عدد الصفحات ٤٦ل ّ المبحث الأو- معارضة الديث بالقرآن 47 وما بينهما في ستة أياّم..."(1). فالمؤلّ ف اعتمد الكلام الأخير من كلام ابن القيّم، ومن أجل ذلك أورد الحديث تحت هذا المقياس، ولو كان اعتمد كلام البخاري وما أيّده من كلام ابن القيم لما أورده هنا؛ لأن البخاري بينّ أنه ليس من كلام رسول الله ، وإنما هو من كلام كعب الأحبار، وبناء عليه فلا داعي لأن يقال: هو معارض للآية. 2- قال المؤلّ ف في بداية كلامه "أنه سيذكر نماذج من الأحاديث التي ردّها المحدّثون بهذا المقياس"، والذي يتبادر إلى ذهن قارئ هذا الكلام -ممن له عناية بعلوم الحديث- أن المؤلّ ف سيذكر نماذج من الأحاديث التي حكم عليها بالضعف لم خالفتها للقرآن علماء الحديث النقّاد، أمثال الإمام أحمد، وابن المديني، وابن معين، و أبي زرعة، و أبي حاتم، والبخاري، لكنّ الواقع كان على خلاف المتوقع؛ فإن النماذج التي ذكرها إنما حكم عليها بذلك بعض أهل العلم من المتأخرين، وأقدمهم ابن الجوزي، المتوفى سنة 597هـ -رحمه الله -، وهؤلاء العلماء الذين اعتمد على أحكامهم في نسبة ذلك المنهج للمحدثين هم أهل علم وفضل، ولكن لا يُبنى على أحكامهم مناهج ومقاييس للنقد، وهذا يفهم من كلام الحفّاظ في بيان الفرق بين المتقدمين والمتأخرين في ذلك. يقول الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى في ترجمة الإسماعيلي (ت371ه): (1) كلام ابن القيم سبق حكاية المؤلّ ف له.
عدد الصفحات ٤٧آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 48 "صنّف مسند عمر، طالعته وعلقت منه، وانبهرت من حفظ هذا الإمام، وجزمت بأن المتأخرين على إياس أن يلحقوا بالمتقدّمين في الحفظ والمعرفة" (1). ويقول الذه-أيضًا- متعقبًا بعض متأخري الفقهاء: "يا شيخ! ارفُ ق بنفسك، والزم الإنصاف، ولا ت نظر إلى هؤلاء النظر الشزر، ولا ترمقهم بعين النقص، ولا تعتقد فيهم أنهم من جنس محدّثي زماننا، حاشا وكلا، وليس في كبار محدّثي زماننا من يبلغ رتبة أولئك في المعرفة..."(2). ويقول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "بهذا التقرير يتبين عظم موقع كلام المتقدمين، وشدة فحصهم، وقوة بحثهم، وصحة نظرهم، وتقدمهم بما يوجب المصير إلى تقليدهم في ذلك، والتسليم لهم فيه..." (3)اهـ وقال الشيخ ناصر الدين الألباني –رحمه الله - عن الكرابيسي: "لم نجد فيما ذكروه فيه من أقوال الأئمة المتقدّمين ما يمكن جرحه به إلا قول ابن الجوزي هنا: "لا يحُتجّ به"، فإن كان يعني به جملة حديثه كما هو ظاهر عبارته فهو جرح غير مقبول من مثله؛ لأنه مما لم يُسبحق إليه من أحد من الأئمة المتقدّ مين"(4). وقال الذهبي في الميزان في ترجمة عنبسة بن أبي صغيرة: "أتى عن (1) تذكرة الحفاظ 3/948.) (2) المصدر السابق2/627-628.) (3) النكت2/726.) (4) سلسلة الضعيفة3/127.)
عدد الصفحات ٤٨ل ّ المبحث الأو- معارضة الديث بالقرآن 49 الأوزاعي بخبر باطل"، فتعقبه الحافظ ابن حجر في اللسان بقوله: "ما أدري لم حكم على هذا الحديث بالبطلان ولم يحك تضعيف عنبسة عن غيره". وحاصل كلام هؤلاء الحفّاظ أن الذين يعتمد على كلامهم في هذا الفن هم علماؤه المتقدمون، ويؤكد ذلك الممارسة العملية لأولئك الحفّاظ، فإنّك لا تجد في الكتب المصنّفة في علوم الحديث نقلاً عن أحد من المتأخرين في التأصيل لمسألة من علوم الحديث، فهل بعد ذلك كله يسوغ لأحد أن يبني على كلام أحد من المتأخرين منهجًا أو مقياسًا في النقد، وينسبه للمتقدّمين، وهذا على فرض التسليم بأنهم أرادوا بما حكاه المؤلّ ف عنهم تضعيف تلك الأحاديث بمجرد مخالفتها للقرآن، وإلا فأنا على يقين بأن المتأخرين لا يخالفون منهج المتقدمين في عدم إعلال الحديث بمخالفته للقرآن، ولا لغيره. واستدل مؤل فو تلك الكتب أيضًا لإثبات إعلال المحدثين للحديث إذا هو خالف آية من القرآن بوقائع رويت عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم، ولا دلالة فيما ذكروه على ذلك، وسوف أورد فيما يلي ما ذكروه من ذلك، مع مناقشته، وبيان ما فيه. 1- يقول صاحب كتاب منهج النقد: "رأينا من قبل أن عمر قد استعمل أسلوب معارضة الروايات بطلب الشهود في بعض الأحيان، لكنّه خطا خطوة أخرى، إذ عارض الرواية بالقرآن الكريم، عندما روت
عدد الصفحات ٤٩آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 50 فاطمة بنت قيس أنها طُلّقت البتة، فلم يجعل لها رسول الله سك ولا نفقة، فلم يأخذ بروايتها عمر، وقال: لا نترك كتاب ربّنا وسنّة نبيّنا لقول امرأة ندري لعلها حفظت أو نسيت، لها السكنى والنفقة، قال الله عز وجل: ( ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ) [ 1]، وشاع هذا المنهج فيما بعد ذلك"(1)اهـ وهذا المثال الذي ذكره المؤلّ ف لا يستقيم الاستدلال به على إعلال الحديث بمخالفته للقرآن؛ لأن عمر لم يطعن في الحديث بمخالفته للقرآن، وإنما توقف عن العمل به لعدم ثقته بحفظ راويه له، إذ يقول: "لا ندري لعلها حفظت أو نسيت"، وه ذا يعني أنه لو وثق من حفظها لأخذ به، وعمل عمر هذا هو الذي جرى عليه عمل المحدّثين، وعلى هذا فالمثال حجّة على المؤلّ ف، لا له. 2- قوله: "ولما أصيب عمر دخل صهيب يبكي، يقول وا أخاه، وا صاحباه، فقال عمر : يا صهيب، أتبكي عليّ وقد قال رسول الله :«إن اي ت ليعذ ب ببعض بكاء أهله عليه»ف قال ابن عباس: فلما مات عمر ذكرتُ لعائشة ، فقالت: رحم الله عمر! والله ما حدّث رسول الله : إناللهح ليعذّ ب المؤمن ببكاء أهله عليه، ولكن رسول الله قال«إن الله ليزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه »، وقالت (1) منهج النقد عند المحدّثص: 77.)
عدد الصفحات ٥٠ل ّ المبحث الأو- معارضة الديث بالقرآن 51 حسبكم القرآن ( ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ) [164]"(1). وهذا المثال لا يستقيم الاستدلال به أيضًا؛ لأن عائشة لم تردّ حديث عمر بمخالفته للآية، وإنما ردّته بمخالفته لما حفظتْ هي عن رسول الله ، ثم احتجت بعد ذلك بالآية لتأييد ما ذهبت إليه 3- قوله: "روى ابن عمرأن النبي وقف على قليب بدر، فقال: «هل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا »ف، ثم قال «إنهم يسمعون ما أقول »، فذُكر لعائشة فقالت: إنما قال النبي :«إنهم ليعلمون الآن أن ما كنت أقول حق »قال الزركشي: وقد روى أن عائشة احتجت بقوله تعالى: ( ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ) [22]"(2). وهذا المثال كسابقه، لم تـحرُدّ عائشة حديث ابن عمر بالآية، وإنما ردّته بما حفظت هي عن رسول الله ، وما حكاه الزركشي من أنها احتجت بالآية يحمل -كما سبق- على أنها احتجب بالآية لتأييد ما ذهبت إليه. 4- قوله: "أن رجلين دخلا على عائشة فقالا: إن أبا هريرة يقول: «إنما الطيرة في المر أة والدابة والدار». قال: فطارت شقة منها في السماء، وشقة منها في الأرض، وقالت: والذي أنزل القرآن على أبي القاسم! ما هكذا كان يقول ، ولكن كان نبي الله يقول«كان أهل الجاهلية (1) المصدر السابقص: 78.) (2) المصدر نفسه
عدد الصفحات ٥١