المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

آراء لبعض المعاصرين حول منهج المحدثين في النقد عرض ومناقشة

حافظ بن محمد الحكمي

صفحة ٢ من ٩

تمهيد 19 وإعلال الإمام مسلم لحديث أبي هريرة  الذي أشار إليه ابن رجب كان لمخالفة راويه، وفيما يلي نصه : يقول الإمامُ مسلم في "التمييز": "ححدثنحا أبو بكر بن أبي شيبحة ثـحنحا زيد بن حباب ثـحنحا عمر بن عب د الله بن أبي خثعم ححدثني يحيى بن أبي كثير عحن أبي سحلمحة عحن أبي هُرحيـْرحة «أحن رجلا قحالح ياح رحسُول الله محا الطّهُور بالخفينف قحالح : للمقيم يـحوْم وحلحيـْلحة وللمسافر ثحلاحثحة أحياَّمٍ ولياليهنّ ». هحذ ه الرّ وحايحة في الْمسْح عحن أبي هُرحيـْرحة لحيست بمحفوظة؛ وحذحل كح أحنّ أبا هُرحيـْرحة لم يحفظ الْمسْح عحن النَّبي صلى الله عحلحيْه وحسلم لثـُبُوت الرّ وحايحة عحنهُ بإنكاره الْمسْح على الخُْفَّينْ ، وحسحنذكر ذحل ك عحنهُ إن شحاءح الله. ححدثنحا محُحمَّد بن الْمثنى ثـحنحا محُحمَّد ثـحنحا شُعْ بحة عحن يز يد بن زحاذحان قحالح : سمح عت أبا زرْعحة قحالح : «سحأحلتأبا هُرحيـْرحة عحن الْمسْح على الخُْفَّينْ قحالح : فحدخل أبو هُرحيـْرحة دحار محرْوحان بن الحكم فـحبحال ثمَّ دحعحا بم حاء فـحتـحوحضَّأ وخلع خفّ يه وحقحالح محا أمرناح الله أحن نمسح على جُلُود الْبحقر وحالْغنم» فقد صححَّ ب ر وحايحةأبي زرْعحة وح أبي رزين عحن أبي هُرحيـْرحة إنكاره الْمسْح على الخُْفَّينْ وحلحو كحانح قد حفظ الْمسْح عحن النَّبي صلى الله عحلحيْه وحسلم كحانح أحجْدحر النَّاس وأولاهم للزومه والتدين ب ه . فـحلحمَّا أنكرهُ الَّذ ي في الخْحبرح من قـحوْله: «محا أمرناح الله أحن نمسح على جُلُود الْبحقر وحالْغنم»، وحالْقحوْل الآخر: «محا أُباحلي على ظهر حمحار مسحت أحو على خحف ي»، باحن ذحل ك أحنه غير ححافظ الْمسْح عحن رحسُول الله صلى الله عحلحيْه وحسلم

عدد الصفحات ١٩

آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد ال ك ّ مي 20 وأنّ من أسْند ذحل ك عحنهُ عحن النَّبي صلى الله عحلحيْه وحسلم واهي الرّ وحايحة، أحخطحأ ف يه إمّ ا سحهوً ا أحو تعمّ دً ا. فبجمع هحذ ه الرّ وحاياحت ومقابلة بـحعْضهحا ب بـحعْض تتحمحيَّز صحيحها من سقيمها وتتبين رُوحاة ض عحاف الأ خبار من أضدادهم من الحْفّ اظ وحلذحل ك أحضْعحف أهل الْمعرفحة با لحْحد يث عمر بن عبد الله بن أبي خثعم وأشباهم من نقلة الاخبار لروايتهم الأحاديث المستنكرة الَّتي تخحالف ر وحاياحت الثّ قحات المعروفين من الحْفاظ"(1). لكن إذا اختلفت مخارج الحديث، فجاء في بعض طرقه من حديث صحابي، وفي بعضها من حديث غيره؛ فإن النقّاد في هذه الحال لا يعارضون أحدهما بالآخر، ولا يعلونه به، كما ذكر ذلك غير واحد من الحفّاظ. ويقول الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: "واعلم أن هذا كله إذا علم أن الحديث الذي اختلف في إسناده حديث واحد، فإن ظهر أنهما حديثان بإسنادين لم يحكم بخطأ أحدهما"(2). وقد ذكر الحافظ ابن حجر أيضاً ، أن أهل الح ديث لا يعلّون رواية صحابي برواية صحابي آخر، فيقول رحمه الله: "والجواب عن ذلك أن الذي يبحث فيه أهل الحديث في هذه المسألة إنما زيادة بعض الرواة من التابعين فمن بعدهم، أما الزيادة الحاصلة من بعض الصحابة عن صحابي آخر إذا (1 )التمييز لمسلم (ص209-208.) (2) شرح علل الترمذي 2/843.)

عدد الصفحات ٢٠

تمهيد 21 صحّ السند إليه فلا يختلفون في قبولها(1). وهذا الحافظأبو الحسن ابن القطان رحمه الله تعالى يؤكّد هذا المعنى إذ يقول: "ووظيفة المحدّث النظر في الأسانيد من حيث الرواة، والاتصال، والانقطاع، وأما معارضة هذا المتن ذلك الآخر وأشباه هذا فليس من نظره، وإذا نظر الفقيه فيه تبينّ له خلاف ما ذكره" (2). ويقول متعقّبًا عبد الحقّ الإشبيلي: "ويجيء هذا على أصله في أن يكون صحيحًا من جهة الإسناد، فإن ابن إسحاق عنده ثقة، ولم يعرض له الآن إلا من جهة معارضة غيره له، وهذا ليس من نظر المحد ث، وإذا نظر الفقيه تبين له منه خلاف ما قال هو من أنه معارض "(3). وكلام ابن القطّان هذا صريح في عدم إعلال المحدّثين الحديث بمعارضة حديث صحابي آخر له، وفي إحالته النظر في التعارض بينهما إلى الفقيه إشارة إلى أن النظر في التعارض بين حديثين إنما يكون بعد تصحيح المحدّث لهما، وهذا ما يعرف بـ "المعارحض"، يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "ثم المقبول ينقسم إلى معمول به، وغير معمول به، لأنه إن سلم من المعارضة، أي لم يأت خبر يضادّه، فهو المحكم، وأمثلته كثيرة، وإن عورض فلا يخلو إما أن يكون معارضه مقبولاً أو مردودًا، فالثاني لا أثر له، لأن القويّ لا يؤثر فيه (1) النكت2/69.) (2) بيان الوهم والإيهام5/317.) (3) المصدر السابق5/336-337.)

عدد الصفحات ٢١

آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد ال ك ّ مي 22 مخالفة الضعيف، وإن كانت المعارضة بمثل ه فلا يخلو إما أن يمكن الجمع بين مدلوليهما بغير تعسّف أو لا، فإن أمكن الجمع فهو النوع المسمّى "مختلف الحديث"...، وإن لم يمكن الجمع فلا يخلو إما أن يُعرف التاريخ أو لا، فإن عُرف وثبت المتأخر به أو بأصرح منه فهو الناسخ، والآخر المنسوخ" (1). فكلام الحافظ ابن ح جر هذا صريح في كون المعارض ومعارضه من قسم المقبول، وذكر أن المردود لا يعارض به المقبول، ثم ذكر أنه يتفرع عن ذلك نوع "مختلف الحديث"، ونوع "الناسخ والمنسوخ". ويؤكّد هذا المعنى الحافظ السخاوي إذ يقول في كلامه عن "مختلف الحديث" وجملة الكلام فيه أنا نقول: المتن الصالَ للحجة إن نافاه بحسب الظاهر متن آخر مثله، وأمكن الجمع بينهما بوجه صحيح زال به التعارض، فلا تنافر بينهما حينئذ، بل يُصار إليهما ويُعمل بهما..."(2). فكلام السخاوي أيضًا ظاهر في كون كل من المعارحض والمعار ض صالحًا للحجّة، ومفاد كلامهما أن المحدّثين قد صححوا الحديثين دون نظر إلى التعارض الحاصل بينهما، وما دلّ عليه "مختلف الحديث" و "الناسخ والمنسوخ" من تصحيح المحدّثين للحديثين المتعارضين وعدم إعلال أحدهما بالآخر يؤكد ما سبق حكايته عن الحافظ ابن رجب، والحافظ ابن حجر، والحافظ أبي الحسن ابن القطان، من أن المح دّثين يجُرون الإعلال إذا وقع (1) نزهة النظر (ص 76-77.) (2) فتح المغيث3/471.)

عدد الصفحات ٢٢

تمهيد 23 الاختلاف بين طرق حديث الصحابي الواحد، أما إذا اختلفت المخارج، فكان كل طريق يؤدي إلى صحابي غير صحابي الطريق الآخر، ولا التقاءح بين تلك الطرق؛ فإنهم لا يعلّون أحد الحديثين بالآخر؛ إلا في حالة واحدة: وهي حال ورود الحديثين المتعار ضين في واقعة واحدة لا تحتمل التعدد، من ذلك ما جاء في كتاب التمييز للإمام مسلم، فقد روى بسنده عن أبي معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن زينب، عن أمّ سلمة، أن رسول الله  أمرها أن توا معه صلاة الصبح يوم النحر. قال مسلم: "وهذا الخبر وهم من أبي معاوية، لا من غيره، وذلك أن النبي  صلى الصبح في حجّته يوم النحر بالمزدلفة، وذلك سنّة رسول الله ، فكيف يأمر أم سلمة أن توافي معه صلاة الصبح يوم النحر بمكّة، وهو حينئذ يصلي بالمزدلفةف" (1). فالإمام مسلم عارض حديث أم سلمة من روايةأبي معاوية بخبر صلاة النبي  بالمزدلفة، وهو من حديث جابر (2)، وذلك لأنهما في واقعة واحدة، ولم يصل الصبح بالمزدلفة إلا مرّة واحدة، والله أعلم. ومن ذلك أيضًا قصّة زواج النبي  بميمونة، فقد روت(3) أنّ النبي (1) التمييز (ص186.) (2) صحيح مسلم، كتاب الحج 891.) (3) مسند الإمام أحمد44/397، رقم 26815.)

عدد الصفحات ٢٣

آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد ال ك ّ مي 24  تزوّجها وهو حلال، وجاء في حديث ابن عباس (1) أن الن  تزوّجها وهو محرم، فأجرى بعض أهل العلمالإعلال في هذا التعارض، قال الأثرم: "قلت لأحمد: إن أبا ثور يقول: بأيّ شيء يُدفع حديث ابن عباس - أي مع صحّته -ف قال: فقال: الله المستعان! ابن المسيّب يقول: وهم ابن عباس، وميمونة تقول: تزوّجني وهو حلال"(2)اهـ وأما ما يرد في كلام بعض النقاد من أن الحديث الفلاني خلاف الأحاديث، أو خلاف القرآن، ونحو ذلك من العبارات ، فإنما يقولون ذلك في أحاديث لا تثبت من جهة السند، ومن أمثلة ذلك حديث عبد الله بن هانئ أبي الزعراء عن ابن مسعود  في الشفاعة "ثم يقوم نبيكم رابعهم" فقد ذكره البخاري في تاريخه الكبير في ترجمة عبد الله بن هانئ وقال: "والمعروف عن النبي : "أنا أول شافع" ثم قال: "ولا يتابع في حديثه (3). فالبخاري أشار إلى مخالفة الحديث لحديث " أنا أول شافع " لكن ب أنه لا يثبت من جهة السند بقوله عن راوية "لا يتابع في حديثه" ومعنى هذه العبارة أن راوي الحديث لا يحتمل تفرده بالح ديث ولذلك عد الحافظ ابن حجر تلك العبارة جرحا في الراوي فقال في ترجمته: "قال البخاري: (1) صحيح البخاري 1837،5114.) (2) فتح الباري 9/165.) (3) التاريخ الكب 5/221.)

عدد الصفحات ٢٤

تمهيد 25 لا يتابع في حديثه(1). وقد وقفت على كتاب بعنوان : "الأحاديث التي أعل البخاري متونها بالتناقض"(2). جمع فيه مؤلفه الأحاديث التي أوردها البخاري في تاريخه الكبير أو غيره من تواريخه وأشار إلى مخالفتها لغيرها وقد بين المؤلف في مقدمة كتابه أن تلك الأحاديث هي معلّة من جهة أسانيدها إذ يقول:" غالب الأحاديث التي أعلّها البخاري من جهة متنها أعلّها أيضا من جهة سندها، وهذا يدل على ما بين صحة المتن وصحة السند من ملازمةٍ بمعنى أن وجود علة في المتن تقتضي وجود علة في السند ، وقد تكون واضحة وقد تكون خفية لا يفطن لها إلا الراسخون في هذا العلم" (3). فقوله:".... إن وجود علة في المتن يقتضي وجود علة في السند يفيد أن كل الأحاديث التي أوردها في كتابه هي معلّة من جهة السند وأن ما جاء في مطلع كلامه ال سابق ليس على ظاهره. ومن أمثلة ذلك أيضاً حديث أبي هريرة  أنّ النبي  قال«إذا (1) تهذيب التهذيب6/61.) (2) عنوان الكتاب يوهم أن البخاري أعلّ متون تلك الأحاديث بمجرد مخالفتها لنص آخر بينما يقرّ المؤلف في ك لامه بأن البخاري قد أعلّها من جهة السند وهذا هو الصواب والمتفق مع منهج المحدثين. (3 )(ص: 5.)

عدد الصفحات ٢٥

آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد ال ك ّ مي 26 كان النصف من شعبان فلا صوم». فقد روى المرّ وذي عن الإمام أحمد أنه أنكره، وقال: "سألت عبد الرحمن بن مهدي عنه فلم يحدثني به، وكان يتوقاه ، قال: "وهذا خلاف الأحاديث التي رويت عن النبي ."(1) وقد ذكر الحافظ المنذري أن إنكار الإمام احمد لهذا الحديث كان من أجل راويه العلاء بن عبد الرحمن إما بسبب كلام النقاد فيه أو بسبب تفرده بالحديث. قال المنذري: "حكى أبو داود عن الإمام أحمد أنه قال: هذا حديث منكر، وكان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث به، ويحتمل أن يكون الإمام أحمد إنما أنكره من حديث العلاء بن عبد الرحمن فإن فيه مقالا لأئمة هذا الشأن وقد تفرد بهذا الحديث... والعلاء بن عبد الرحمن وإن كان فيه مقال ، فقد حدث عنه الإمام مالك مع شدة نقده للرجال وتحريه في ذلك ، وقد احتج به مسلم في صحيحه، وذكر له أحاديث كثيرة فهو على شرطه ، ويجوز أن يكون تركه لأجل تفرده" (2)، والذي يظهر أن الاحتمال الأخير هو الراجح؛ وذلك لما عرف عن الإمام أحمد من التشدد في مسألة التفرد فقد أنكر أفراد كثير من الثقات ، ومن ذلك ما رواه عبد الله قال حدثني أبي نا وكيع نا أبو بكر بن عبد الله النهشلي عن عاصم بن كليب عن أبيه عن علي (1) العلل ومعرفة الرجال برواية المرّوذي وغيره (ص: 159) رقم 278.) (2) مختصر سننأبي داود (2/224.)

عدد الصفحات ٢٦

تمهيد 27  أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ثم لا يعود" قال وكان قد شهد معه صفين" قال عبد الله قال أبي: لم يروه عن عاصم غير أبي بكر النهشلي أعلمه كأنّ ه ينكره (1). فالإمام أحمد أنكر هذا الحديث كما قال ابنه عبد الله لتفرد النهشلي به والنهشلي قد وثقه الإمام أحمد، فقد سأله عنه ابنه عبد الله فقال: " كوفي ثقة"(2). وحكى الإمام أحمد عن شيخه بن سعيد القطان أنه أنكر حديث عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي  في سفر المرأة فوق ثلاث..." حتى تابعه عبد الله العمري الصغير ، وساق الحافظ ابن رجب هذه القصة ثم قال: "وهذا الكلام يدل على أن النكارة عند يحيى القطان لا تزول إلا بمعرفة الحديث من وجه آخر، وكلام الإمام أحمد قريب من ذلك" ، ثم ذكر نماذج من أفراد الثقات التي أنكرها الإمام أحمد (3). ومن خلال ما سبق يتب أن الإمام أحمد إنما أنكر حديث أبي هريرة من جهة تفرد الراوي به ، وأما قوله: "إنه مخالف للأحاديث" فهو تأكيد للنكارة. ومن أمثلة ما وصفه النقاد بأنه مخالف للقرآن؛ حديث ابن مسعود  في الوضوء بالنبيذ، قال الحافظ ابن عدي: "هذا الحديث مداره على أبي فزارة (1) مسائل أحمد بروايةعبد الله (1/374، رقم 329.) (2) العلل ومعرفة الرجال برواية عبد الله (ص: 399، رقم 437.) (3) شرح علل الترمذي 2/655 – 656.)

عدد الصفحات ٢٧

آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد ال ك ّ مي 28 عنأبي زيد مولى عمرو بن حريث عن ابن مسعو د ، و أبو فزارة مشهور واسمه زيد بن كيسان، و أبو زيد مولى عمرو بن حريث مجهول ولا يصح هذا الحديث عن النبي ، وهو مخالف للقرآن "(1). فهذا الحديث قد ضعفه ابن عدي لجهالة راويه وهو إعلال من جهة السند ثم ذكر مخالفته للقرآن تأكيدًا للنكارة. ومن خلال ما سبق يتبين أن النقاد إنما يطلقون هذه العبارات ونحوها فيما هو ضعيف من جهة سنده. والمخالفة التي يعلّ بها المحدثون إنما تكون في أحاديث الثقات التي لا علّة لها إلا تلك المخالفة بقول الحاكم النيسابوري: " وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل فإن حديث المجروح ساقط واهٍ وعلة الأحاديث تكثر في أحاديث الثقات"(2)، وسيأتي مزيد كلام على ذلك في ثنايا البحث إن شاء الله تعالى. وفيما يلي تجري مناقشة تلك المقاييس المنسوبة إليهم، والله المستعان.  (1) الكامل7/2747.) (2) معرفة علوم الحديث (ص: 359.)

عدد الصفحات ٢٨

المبحث الأول - معارضة الديث بالقرآن ل ّ المبحث الأو- معارضة الديث بالقرآن

عدد الصفحات ٢٩

ل ّ المبحث الأو- معارضة الديث بالقرآن 31 ّ المبحث الأول- معارضة الديث بالقرآن: هذا المقياس لنقد الحديث جاء ذكره في الكتب المشار إليها في المقدّ مة وقد اتفقت كلمة أصحابها على نسبته لأهل الحديث: يقول صاحب كتاب منهج النقد عند المحدثين: "منهج المحدثين في نقدهم للحديث المروي ومدى صحته، أو بتعبير آخر: مدى ضبط الراوي، فهو منهج متشعب ومتطور، فتارة يقارنون بين الروايات، وأخرى يعارضونها بالقرآن الكريم..."(1). ويقول صاحب كتاب نقد ا : "ظهر لي بعد التأمل في عشرات النصوص المتعلقة بنقد المتن في كتب الرجال، وكذلك كتب العلل، أن الأسباب الموجبة لنقد رواة الحديث النبوي المتعلقة بالمتون عند أئمة الجرح والتعديل لا تخرج في الجملة عن ثلاثة، هي: السبب الأول- المخالفة. السبب الثاني- التفرّ د. السبب الثالث- الاضطراب". ثم عند ذكر السبب الأول -المخالفة- قال: "نقصد بالمخالفة هنا أن متن الحديث الذي يرويه الراوي الذي يكون محل الدراسة عند علماء الجرح والتعديل يتعارض مع أحد الأصول التالية: (1) منهج النقد عند المحدث(ص: 49.)

عدد الصفحات ٣١

آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 32 1- صريح القرآن. 2- أو صحيح السنة النبوية 3- أو الإجماع 4- أو قول الراوي أو فعله (1). وقال صاحب كتاب مقاييس نقد متون السنة: "الباب الثالث: مقاييس النقد عند المحدثين"، ثم عمل مقدمة لهذا الباب جاء في آخرها قوله: "لكننا في هذا الباب سنحاول أن نستنتج تلك المقاييس التي كانت تحكم عملهم من خلال النصوص القليلة التي استخرجناها من ثنايا كلامهم في كتبهم وتصانيفهم"(2). ثم ذكر تلك المقاييس التي قال أنه سيستنتجها من كلام المحدثين، وقد جعل في مقدمتها "عرض الحديث على القرآن"، إذ يقول: "المقياس الأول: عرض الحديث على القرآن"، وقال تحت هذا العنوان: "من المقاييس التي استخدمها المحدثون لنقد الحديث: النظر في متنه، فإن كان مخالفًا لكتاب الله مخالفة لا يمكن معها الجمع بينهما ولا معرفة المتأخر حتى يمكن الحكم بنسخ المتقدم؛ رُدّ الحديث، وحُكم عليه بالضعف أو الوضع"(3). وعقد صاحب كتاب جهود المحدثين في نقد متن الحديث عنواناً قال (1) نقد متن الحديث وأثره في الحكم على الرواة عند علماء الجرح والتعديل ص: 22-23.) (2) مقاييس نقد متون السنة (ص: 110-114.) (3) المصدر نفسه (ص117.)

عدد الصفحات ٣٢

ل ّ المبحث الأو- معارضة الديث بالقرآن 33 فيه: "منهج نقد متن الحديث عند المحدّثين بعد الصحابة" قال في كلام له تحت هذا العنوان: ظل عرض الحديث على القرآن وعلى ما حُفظ وعرف من الأحاديث مقياسين ثابتين يطرح كل ما عارض القرآن مما نُسب إلى الأحاديث ولم يمكن تأويله، وكل ما خالف الحديث وكان دونه في درجة الصحّة"(1). وبالتأمل في كلام أصحاب تلك المؤلَّفات نجدهم قد جزموابأن عرض الحديث على القرآن هو من منهج المحدّثين، وأنّ الحديث إذا خالف القرآن حكموا عليه بالضعف أو الوضع، لكن لم أجد لأحد منهم مستندًا فيما ذهب إليه من أقوال النقّاد، ولا من ممارساتهم النقدية، نعم حاول صاحب كتاب نقد متن الحديث وصاحب مقاييس نقد المتون أن يؤصّلا لذلك من كلام المحدثين لكن من غير جدوى، ومعظم ما استدل به الأساتذة هو عبارة عن تصرفات لبعض الصحابة حملوها على غير وجهها، ثم جعلوا منها منهجًا للمحدثين، وسوف نورد تلك الأدلة مع مناقشتها. ونبدأ بما في كتاب نقد متن الحديث: في الموضع الأول بعد أن ذكر المؤلف المخالفة وبينّ مراده بها -كما سبق حكايته عنه- قال: "ومما يؤكد أن علماء الجرح والتعديل التفتوا إلى هذا السبب -يعني المخالفة - بصورة أساسيّة وجعلوها ركنًا من أركان العملية (1) جهود المحدثنقد متن الحديث (ص: 484.)

عدد الصفحات ٣٣

آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد الكمي 34 النقديّة في فحص الرواة والحكم عليهم؛ قول الحافظ ابن حجر: "مدار التعليل في الحقيقة على بيان الاختلاف"...."(1). فاستدلال المؤلّ ف بكلام الحافظ ابن حجر في هذا الموضع يوهم القارئ بأن الحافظ ابن حجر يقصد بالاختلاف: مخالفة الحديث للقرآن، بينما مراد الحافظ ابن حجر الاختلاف بين رواة الحديث الواحد، وسوف أسوق كلام ابن حجر بتمامه ليتضح مراده: يقول رحمه الله: "وإذا تقرر هذا فالسبيل إلى معرفة سلامة الحديث من العلّة كما نقله المصنّف عن الخطيب: أن يجمع طرقه، فإن اتفقت رواته واستو وا ظهرت سلامته، وإن اختلفوا أمكن ظهور العلّة، فمدار التعليل في الحقيقة على بيان الاختلاف"(2). فكلام الحافظ ابن حجر حول بيان منهج المحدّثين في نقدهم للحديث، وأنهم كما ذكر الخطيب البغدادي يجمعون طرق الحديث الواحد، ويقارنون بينها، فإن اتفقت رواته في سياقة الحديث سندًا ومتنًا ولم يختلفوا في شيء من ذلك دلّ على سلامة الحديث من العلة، وإن اختلفوا دل على وجود علّة في الحديث، وعليه: فمراد الحافظ ابن حجر بقوله: "فمدار التعليل في الحقيقة على بيان الاختلاف" مراده الاختلاف الذي سبق ذكره في بداية كلامه، وهو اختلاف رواة الحديث الواحد فيه. (1) المصدر نفسه (2) النكت2/710-711.)

عدد الصفحات ٣٤

ل ّ المبحث الأو- معارضة الديث بالقرآن 35 الموضع الثا - قول المؤلف: "ومما يدل على استعمال أئمة الجرح والتعديل لنقد المتن الحديثي بسبب مخالفته لظاهر القرآن من خلال كلامهم العام ما ذكره ابن حبان -أحد أئمة الجرح والتعديل المشهورين - في سياق كلامه، وهو يقرر قاعدة عامة في معرفة الرواة بطريق الاعتبار، فقال: "ومتى عدم ذلك -يعني وجود متابعة أو شاهد - والخبر نفسه يخالف الأصول الثلاثة علم أن الخبر موضوع ولا شك فيه، وأن ناقله الذي تفرّد به هو الذي وضعه". ثم يقول تعقيبًا على ذلك: "ويشهد لما ذكرته هنا بصورة قاطعة نص آخر لابن حبان، ذكره في ترجمة أبي زيد الذي يروي عن عبد الله بن مسعود  حديث الوضوء بالنبيذ لمن لم يجد الماء، فقد قال في ترجمته: "و أبو زيد يروي عن ابن مسعود ما لم يتابع عليه، ليس يُدرى من هو، ولا يُعرف أبوه، ولا بلده، والإنسان إذا كان بهذا النعت ثم لم يرو إلا خبرًا واحدًا خالف فيه الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، والنظر، والرأي؛ يستحق مجانبته فيها، ولا يحتجّ به..."(1). وبالتأمل في هذين النصّين الذين يحكيهما المؤلّف عن ابن حبان للاستدلال بهما على إعلال المحدثين للحديث بمخالفته للقرآن، نجد أنه لا يستقيم الاستلال بهما على ذلك، أما النص الأول فإنه يدل على عكس (1) نقد المتن الحديثي (ص24-25.)

عدد الصفحات ٣٥