المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

آراء لبعض المعاصرين حول منهج المحدثين في النقد عرض ومناقشة

حافظ بن محمد الحكمي

صفحة ١ من ٩

بقلَم ِِ الأستاذ الدكتور حافظ بن محمد الحَكَمِي كلية الحديث، بالجامعة الإسلامية، بالمدينة النبوية لبعض ٌ آراء المعاص رين ول ح ج ه ْ ن م ثي ِّ المحد في الن ْ قد ع ْ ر ٌ ومناقشة ٌ ض

عدد الصفحات ١

ممة ّ قد 3 مة ّ المقد  إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أم ا بعد: فإن جهود المحدّثين في حفظ حديث رسول الله  وصيانته من عبث الجاهلين، وانتحال المبطلين، كانت عظيمة تفوق الوصف؛ لقد فارقوا في سبيل ذلك الأهل والأوطان، ورحلوا إلى مختلف الأقاليم والأمصار، طلبًا للحديث، وبحثً ا وتنقيرًا عن رواته، وقد بارك الله في جهودهم، ومكنّهم من الظفر بمقصودهم، فجمعوا الحديث، ودوّنوه، وعرفوا أحوال رواته، فميزوا الثقات من الضعفاء، وبيّنوا لقاء الشيوخ والسماع والإرسال والتدليس، والاختلاط، وغير ذلك من الصفات المؤثّرة في الحكم على الحديث، ورسموا منهجًا للنقد واضح المعالم، جرى عليه العمل في بيان صحيح الحديث من سقيمه، وكانت جهودهم تلك مثار إعجاب الحفّاظ الذين جاؤوا من بعدهم، فقد أدركوا من خلالها غزارة حفظ أولئك الأئمة لحديث رسول الله ، وسعة اطّ لاعهم في علم الحديث وعلله، وتمييزهم بين صحيحه وسقيمه، ورأوا أنه

عدد الصفحات ٣

آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد ال ك ّ مي 4 لا يساويهم في ذلك أحد ممن جاؤوا بعدهم، بل ولا يقاربهم، يقول الحافظ العلائي رحمه الله تعالى: "الحكم على الحديث بكونه موضوعًا من المتأخرين عسر جدًّا...، وهذا بخلاف المتقدّمين الذين منحهم الله التبحّر في علم الحديث، والتوسع في حفظه، كشعبة بن الحجّاج، ويحيى بن سعيد القطّان، و عبد الرحمن بن مهدي، ونحوهم، ثم أصحابهم مثل أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وإسحاق بن راهويه، وطائفة منهم، ثم أصحابهم مثل البخاري، ومسلم، و أبي داود، والترمذي، والنسائي، وكذلك إلى الدارقطني، والبيهقي ممن لم يجيء بعدهم مساوٍ لهم ولا مقارب، رحمة الله على الجميع"(1)اهـ ويقول الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى في ترجمة الإسماعيلي: "وصنّف الصحيح وأشياء كثيرة، من جملتها مسند عمر ، هذّبه في مجلدين، طالعته، وعلّقت منه، وابتهرت بحفظ هذا الإمام، وجزمت بأن المتأخرين على إياس من أن يلحقوا المتقدّمين في الحفظ والمعرفة"(2)اهـ ويقول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "بهذا التقرير يتبينّ عظم موقع كلام المتقدّمين، وشدّة فحصهم، وقوّة بحثهم، وصحّة نظرهم، وتقدّمهم بما يوجب المصير إلى تقليدهم في ذلك، والتسليم لهم فيه..."(3)اهـ (1) النقد الصحيح25-26.) (2) تذكرة الحفّاظ3/948.) (3) النكت2/726.)

عدد الصفحات ٤

ممة ّ قد 5 فكلام هؤلاء الحفّ اظ صريح في التفريق بين المتقدّمين والمتأخّرين في الحفظ والمعرفة، وقد عدّ الذهبي رحمه الله الإسماعيلي من المتقدّمين، وكانت وفاته سنة 371هـ، لكن لم يأت في كلامه بيان لنهاية زمن المتقدّمين، وسبق في كلام العلائي أنه جعل البيهقي من المتقدّمين، وكانت وفاته سنة 458هـ، وقد جعله خاتمة المتقدمين إذ يقول: "وكذلك إلى الدارقطني والبيهقي ممن لم يجئ بعدهم مساو لهم، ولا مقارب"، لكن الحافظ ابن حجر جعل الحدّ الفاصل بين المتقدّمين والمتأخرين هو نهاية القرن الخامس، إذ يقول: "وأما المتأخرون وهم من بعد الخمسمائة وهلّم جرًّا..."(1)اهـ وكلام هؤلاء الحفّاظ لا يختلف في أن من بعد الخمسمائة هم من المتأخرين، وقد جاء في كلام العلائي أن كلّ من جاء بعد زمن البيهقي لا يساوي أحد منهم المتقدّمين، بل ولا يقاربهم، وقال الذهبي: "إن المتأخرين على إياس من أن يلحقوا المتقدّمين في الحفظ والمعرفة"، وجعل الحافظ ابن حجر ما بلغه المتقدّمون من شدّة الفحص وصحّة النظر والتقدّم في علم الحديث موجبًا لتقليد وتسليم المتأخرين لهم، وقد تطابق كلام هؤلاء الحفّاظ مع واقع الكتب المصنّفة في مصطلح الحديث؛ فإنك لا تجد في شيء منها التأصيل لنوع من أنواع علوم الحديث بكلام أحد من المتأخرين، وإنما يقتصر مصنّفوها في التأصيل لذلك على كلام المتقدّمين. (1) المصدر السابق2/568.)

عدد الصفحات ٥

آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد ال ك ّ مي 6 وبناء على ما سبق حكايته من أقوال أولئك الحفّاظ، وواقع كتب علوم الحديث، نعلم أن الاعتماد في معرفة اصطلاحات المحدّثين ومناهجهم في النقد إنما يكون على كلام المتقدّمين، وممارستهم النقديّة، ولا تُنكر للمتأخرين جهودهم في جمع كلام المتقدمين، وممارستهم النقديّة، وفهم ذلك، والتقعيد له، واستخراج الضوابط والتعريفات منه، لكن قد وُجد اليوم بين أيدي طلبة العلم ما يخالف ذلك، وقد وقفت أثناء تدريسي لمقرر منهج النقد عند المحدّثين في منهجيّة الدكتوراه على كتب يتحدّث فيها أصحابها عن منهج النقد عند المحدّثين، وذكروا فيها أمورًا -وسمّاها بعضهم مقاييس - يرون معارضة الحديث بها، والحكم عليه بالضعف أو الوضع حال مخالفته لها، وهم ينسبون تلك المقاييس إلى علماء الحديث، فرأيت جُلّ اعتمادهم على كلام لبعض المتأخرين، وليس صريحًا في الدلالة على ما أوردوه من أجله، وهناك عبارات لبعض المتقدّمين انتزعت من السياق الذي وردت فيه، وحملت على غير المعنى الذي يقتضيه السياق، وقد جرى الحوار حول تلك المقاييس مع الدارسين في منهجيّة الدكتوراه ضمن المقرر المشار إليه قريبًا، وذلك في أكثر من دفعة، ويوجد في كلّ دفعة أصحاب قناعة بتلك الآراء، لكن بعد نقاش قد يطول وقد يقصر تكون النتيجة هي التسليم بعدم ثبوت نسبة شيء من تلك المقاييس لعلماء الحديث، وقد اقترح عليّ بعض الدارسين أن أناقش تلك المقاييس بشيء مكتوب يمكن الرجوع إليه، فترددت في ذلك لعدة اعتبارات، ثم ترجّح لي جانب الكتابة لما رأيت من التأثر بتلك الآراء، وعدم

عدد الصفحات ٦

ممة ّ قد 7 وجود كتابات تناقش تلك الآراء، وتبينّ ما فيها، ورجوت أن يكون ما أقوم به نصحًا لعلماء الحديث أن ينسب لهم ما لم يقولوه، أو يعملوا به، ونصحًا لطلبة العلم أن يلتبس عليهم وجه الصواب في هذه ا لقضيّة المهمّة، ونصحًا كذلك للأساتذة الأفاضل الذين سوف يدور الحوار معهم، فالظنّ أنهم أرادوا الخير، وبذلوا وسعهم في الوصول إلى الحقّ، وهم مأجورون إن شاء الله على اجتهادهم، والمحاورات والمناقشات والاستدراكات معهودة ومألوفة بين المنتسبين للعلم من أهل الحديث و غيرهم، وقد انتقد الدارقطني في كتابه التتبع أحاديث في صحيحي البخاري ومسلم، واستدرك عليهما هو في كتابه الإلزامات، والحاكم في كتابه المستدرك أحاديث قالا إنها فاتتهما وهي على شرطهما، وتعقّب الحافظ العراقي في كتابه التقييد والإيضاح الحافظ ابن الصلاح في مواضع من كتابه علوم الحديث، وتعقب الحافظ ابن حجر في كتابه النكت شيخه الحافظ العراقي والحافظ ابن الصلاح في مواضع من كتابيهما المذكورين آنفًا، وتعقّب الحافظ البقاعي في كتابه النكت الوفيّة الحافظ العراقي في مواضع من ألفيته وشرحها، والمقام يطول إن أردنا تتبع استدراكات وتعقّبات العلماء بعضهم على بعض، والغرض من ذكر ما سبق هو التمثيل ولعل فيه كفاية. وقد كانت تدور بين علماء الحديث مذاكرات يح صل فيها بيان بعضهم لبعض ما وقع فيه من خطأ، فيرجع المخطئ عن خطئه، ويأخذ بالصواب حال ظهوره له، يقول ابن أبي حاتم رحمه الله تعالى: "حضر ع ند أبي زرعة

عدد الصفحات ٧

آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد ال ك ّ مي 8 محمد بن مسلم -يعني ابن وارة - والفضل بن العباس المعروف بالصائغ، فجرى بينهم مذاكرة، فذكر محمد بن مسلم حديثًا فأنكره فضل الصائغ، فقال: يا أبا عبد الله، ليس هكذا هو. فقال: كيف هوف فذكر رواية أخرى، فقال محمد بن مسلم: بل الصحيح ما قلت، والخطأ ما قلت. قال فضل: فأبو زرعة الحاكم بيننا. فقال محمد بن مسلم لأ بي زرعة: أيش تقول أينا المخطئف فسكت أبو زرعة، ولم يجب، فقال محمد بن مسلم: مالك سكتّف تكلم. فجعل أبو زرعة يتغافل، فألَحّ عليه محمد بن مسلم، وقال: لا أعرف لسكوتك معنى، إن كنت أنا المخطئ فأخبر، وإن كان هو المخطئ فأخبر. فقال: هاتوا أبا القاسم ابن أخي. فدُعي به، فقال: اذهب وادخل بيت الكتب، فدع القمطر الأول، والقمطر الثاني، والقمطر الثالث، وعدّ ستة عشر جزءًا، وائتني بالجزء السابع عشر. فذهب فجاء بالدفتر، فدفعه إليه، فتصفح الأوراق، وأخرج الحديث، ودفعه إلى محمد بن مسلم، فقرأه محمد بن مسلم، فقال: نعم، غلطنا فكان ماذاف"(1). وقال ابنأبي حاتم أيضًا: "رأيت في كتاب كتبه عبد الرحمن بن عمر الأصبهاني -المعروف بـ "رسته" - من أصبهان إلى أبي زرعة بخطّه: وإني كنت رويت عندكم عن ابن مهدي عن سفيان عن الأعمش عن أبي صالَ عن أبي هري رة عن النبي  أنه قال«أبردوا بالظهر؛ فإن شد ة الحر من فيح جهن م»، فقلتح: هذا غلط، الناس يروون عن أبي سعيد عن النبي ، فوقع (1) تقدمة الجرح والتعديل 1/337.)

عدد الصفحات ٨

ممة ّ قد 9 ذلك في نفسي، فلم أكن أنساه، حتى قدمت ونظرت في الأصل، فإذا هو عن أبي سعيد عن النبي ، فإن خفّ عليك فأعلم أبا حاتم عافاه الله، ومن سألك من أصحابنا، فإنك في ذلك مأجور إن شاء الله، والعار خير من النار"(1). وإذا عُلم أن التعقّبات والاستدراكات والمذاكرات كانت مألوفة ب علماء الحديث وأنهم كانوا لا يرون حرجًا في بيان الحقّ ووجه الصواب في مسائل العلم، ولا يرون كذلك غضاضة في الرجوع عن الخطأ وق بول الحقّ حال استبانته، فأرجو أن يكون فيما نقوم به مقتفين آثارهم، سالكين سبيلهم. والكتب التي سوف يدور الحوار في بعض ما اشتملت عليه هي:  "منهج النقد عند المحدّث-نشأته وتاريخه-"(2).  "نقد المتن الحديثي وأثره في الحكم على الرواة عند علماء الجرح والتعديل"(3).  "مقاييس نقد متون السنّة(4).  "جهود المحدّثين في نقد الحديث النبوي الشريف(5). (1) المصدر السابق (ص: 336.) (2) الطبعة الثالثة1410هـ- 1990م، مكتبة الكوثر (3) الطبعة الأو1428هـ، دار المحدّث (4) تاريخ الطبعة 1415هـ- 1995م، مكتبة العلوم والحكم (5) نشر وتوزيع مؤسسات ع بد الكريم بن عبد الله، بدون تاريخ.

عدد الصفحات ٩

آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد ال ك ّ مي 10 وهناك كتب جاء فيها ذكر بعض تلك المقاييس، مثل كتاب "اهتمام المحدّثين بنقد الحديث"، لكن يظهر أنها لا تخرج عمّا في الكتب الآنفة الذكر، فرأيت عدم ذكرها خشية الإطالة. وتم توزيع مادة البحث على ستّة مباحث، عدد المقاييس التي ذُكرت في تلك الكتب، وهي: المبحث الأول: معارضة الحديث بالقرآن. المبحث الثاني: معارضة الحديث بحديث صحابي آخر. المبحث الثالث: معارضة الحديث بالوقائع والمعلومات التاريخية. المبحث الرابع: معارضة الحديث بالعقل. المبحث الخامس: معارضة الحديث بالإجماع. المبحث السادس: معارضة الحديث بالأصول الشرعيّة والقواعد المقرّرة. ويسبق هذه المباحثح تمهيد في بيان منهج المحدّثين في الإعلال بالمعارضة، وقد جعلت للبحث مقدّمة ضمّنتها بيان أهميّة البحث، وسبب الكتابة فيه، ثم ختمته ببيان أهم نتائجه ، وذيّلته بثبت المصادر والمراجع، وفهرس الموضوعات. أما ما يتعلق بعملي في البحث: فبما أن تلك المقاييس لم تكن جميعها محلّ اتّفاق بين أصحاب تلك المؤلَّفات؛ فإني أذكر تحت كل واحد منها ما يدل على وجود قناعة به ، ثم أتبع ذلك بذكر الأدلّ ة، مع مناقشة كلّ دليل على حدة، ولم أخالف ذلك إلا في موضع واحد، استشهد فيه بعض مؤلّفيها

عدد الصفحات ١٠

ممة ّ قد 11 بعدد من الأحاديث، واكتفى بذكر حكم بعض العلماء عليها، ولم تكن له تعليقات تستوجب المناقشة، فأرجأت الإجابة إلى ما بعد ذكر تلك الأحاديث لهذا السبب، ولسبب آخر أهم منه، وهو: اشتراك تلك الأحاديث في الأمر الموجب لردّ الاستدلال بها، فلو أُفرد كلّ حديث منها بالإجابة عنها لوقع تكرار كثير. وأنبّه هنا إلى أن ثمة أحاديث وأقوال لبعض أهل العلم جاءت ضمن كلام لبعض أصحاب تلك المؤلَّفات سيق لمناقشته، فلم أر تخريج تلك الأحاديث، ولا عزو تلك الأقوال؛ لأنها لم ترد في كلامي ، وإنما جاءت ضمن الكلام المراد مناقشته. هذا وأسأل الله بمنّه وفضله أن يرينا الحق حقًّا ويرزقنا اتّباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه. وسبحان ربك رب العزّة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله ربّ العالمين. 

عدد الصفحات ١١

ممة ّ قد الطبعة الثانية 13 مة الطبعة الثانية ِّ مقد الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أم ا بعد: فهذه هي الطبعة الثانية لكتاب «آراء لبعض المعاصرين، عرضٌ ونقدٌ »، أقدّمها لأهل الاختصاص، وقد أُجريت على هذه الطبعة بعضُ التعديلات والإضافات، كان من أبرزها التعديل في عنوان الكتاب، من «عرض ونقد»، إ«عرض ومناقشة»، ولفظة«مناقشة»مرادفة للفظة «نقد»، ومن أراد التّبينّ ف بإمكانه الرجوع لتعريف «النقد»في كتاب «منهج المحد ثين في النقد»المطبوع مع هذا الكتاب وقد تمّ حذف أسماء مؤلّ في الكتب التي كانت مادّ تها محورح النقاش من مقدّمة الكتاب، كما تمّ حذف عبارات وإضافة أخرى اقتضاها المقام. وقد أُعيدت صياغة مادّة «التمهيد»لتكون صورة منهج المحدّث الإعلال بالمخالفة أكثر وضوحًا. أمّا ما يتعلّق بالجانب العلمي في مناقشة أدلّة أصحاب تلك المقاييس فلم يطرأ عليه تع ديل البتّة، وما وصلني بخصوصها من أهل

عدد الصفحات ١٣

آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد ال ك ّ مي 14 النصح كان مجرّد تأييد وثناء؛ فلله الحمد على ذلك، وللإخوة الفضلاء الذين تواصلوا لإبداء ملحوظاتهم ومقترحاتهم وتصويباتهم خالصُ الشكر والثناء. وأجدّد الدعوة لكل من وقف على ما يستحقّ التنبيه والنصح في هذه الطبعة ألاّ يتوانى في التواصل والنصح، ولهم خالص الشكر والثناء سلفًا. وصلَّى الله على عبده ورسوله محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين. 

عدد الصفحات ١٤

تمهيد 15 ثي في الإعلال بالمخالفة ّ تمهيد في بيان منهج المحد جمع طرق الحديث الواحد والمقابلة بينها للتأكد من سلامة الحديث من العلل أو معرفة علته إن كان معلاً هو منهج المحدّثين المعروف والمشتهر عنهم، من خلال أقوالهم المتواترة، وممارستهم النقديّة الواسعة. يقول الإمام علي بن المديني رحمه الله تعالى: "الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه"(1). ويقول الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه"(2). وروى الخطيب بسنده عن الميموني قال: "تعجّب إليّ أبو عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- ممن يكتب الإسناد، ويدع المنقطع، ثم قال: ربمّا كان المنقطع أقوى إسنادًا وآكد. قلت: بيّنه لي، كيفف قال: يكتب الإسناد متّصلاً وهو ضعيف، ويكون المنقطع أقوى إسنادًا منه، وهو ير فعه ويسنده، وقد كتبه هو على أنه متصل، وهو يزعم أنه لا يكتب إلا ما جاء عن النبي ، معناه لو كتب الإسنادين جميعًا لعرف المتصل من المنقطع، يعني ضعف ذا، وقوّة ذا"(3)اهـ (1) علوم الحديث لابن الصلاحص: 82.) (2) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 2/212.) (3) المصدر السابق2/284.)

عدد الصفحات ١٥

آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد ال ك ّ مي 16 فالإمام أحمد يريد جمع طرق الحديث المتصل منها والمنقطع، والمقابلة بينها؛ ليعرف الأقوى فيأخ ذ به، ويطرح الضعيف. ويقول الإمام مسلم رحمه الله تعالى: "فبجمع هذه الروايات ومقابلة بعضها ببعض يتميز صحيحها من سقيمها"(1). وقبل هؤلاء الأئمة يقول الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: "إذا أردت أن يصحّ لك الحديث فاضرب بعضه ببعض"(2). ويعني بذلك جمع طرق الحديث، والمقابلة بينها، فقد استشهد به الخطيب البغدادي لقوله: "السبيل إلى معرفة علّة الحديث أن يجمع بين طرقه، وينظر في اختلاف رواته"(3). ويقول الحافظ ابن حجر معقّبًا على كلام الخطيب هذا بعد أن ساقه ضمن كلام لابن الصلاح: "وإذا تقرر هذا فالسبيل إلى معرفة سلا مة الحديث من العلّة -كما نقله المصنّف عن الخطيب- أن يجمع طرقه، فإن اتفقت رواته واستووا ظهرت سلامته، وإن اختلفوا أمكن ظهور العلّة"(4). فهذه أقوال أئمة النقّاد، وأقوال بعض الحفاظ المشهود لهم بسعة الاطلاع على كلام النقّاد صريحة في ضرورة جمع طرق الحديث، ومقاب لة (1) التمييزص: 209.) (2) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 2/354.) (3) المصدر نفسه (4) النكت2/710-711.)

عدد الصفحات ١٦

تمهيد 17 بعضها ببعض لمعرفة مدى صحّته، وسلامته من العلل، والمقابلة بين الروايات المذكورة في كلام النقاد إنما تتحقق حال وجود مدار لتلك الروايات، فيروي بعض الرواة الحديث عن ذلك المدار على وجه ويرويه البعض الآخر عنه على وجه يخالف ذلك الوجه كما هو حال الأحاديث التي ا شتملت عليها المصنفات في بيان علل الحديث مثل كتاب العلل لابن أبي حاتم، وكتاب التمييز للإمام مسلم، وكتاب العلل للدارقطني، يقول الحافظ ابن الصلاح: "وكثيرا ما يعللون الموصول بالمرسل مثل: أن يجيء الحديث بإسناد موصول، ويجيء أيضا بإسناد منقطع أقوى من إسناد الموصو ل، ولهذا اشتملت كتب علل الحديث على جمع طرق الحديث"(1). وواضح من سياق كلام ابن الصلاح أن تلك المصنفات اشتملت على جمع طرق الحديث الواحد. وقد لا يحصل الالتقاء بين الطرق إلا في الصحابي، فيروي بعض الرواة عنه حديثاً ما، ويروي البعض الآخر عنه حديثاً يعارض ذلك الحديث. فهذه الحال أيضاً مما يجري فيها المحدثون الإعلال بالمخالفة، فيرجحون بينها حسب القرائن المتوافرة. يقول ابن رجب: "قاعدة في تضعيف أحاديث رُويت عن بعض الصحابة، والصحيح عنهم رواية ما يخالفها، فمن ذلك: حديث سعد بن (1) علوم الحديث (ص82.)

عدد الصفحات ١٧

آثي في النقد، أ.د. حافظ ّ راء لبعض المعاصرين حول منهج المحد بن محمد ال ك ّ مي 18 سعيد، عن عمرة، عن عائشة، عن الن  في النه ي عن الصلاة بعد العصر..." الحديث، أنكره أحمد والدارقطني، وغيرهما، قال الدارقطني: المحفوظ عنها أنها قالت: "ما دخل عليّ النبي  بعد العصر إلا صلّى ركعت ومن ذلك حديث يزيد الرّ شك وقتادة، عن معاذة، عن عائشة: كان النبي  يصلّي الضحى أربعًا، ويزيد ما شاء . أنكره أحمد والأثرم، وابن عبد البر، وغيرهم، وردّوه بأن الصحيح عن عائشة  قالت: ما سبّح رسول الله  سبحة الضحى قط(1). ومما يجري فيه المحدثون الإعلال بالمخالفة أيضاً ما إذا روى بعض الرواة عن الصحابي حديثاً يخالف رأيه المشهور عنه، يقول الحافظ ابن رجب: "قاعدة في تضعيف حديث الراوي إذا روى ما يخالف رأيه، قد ضعّف الإمام أحمد وأكثر الحفّاظ أحاديث كثيرة بمثل هذا: فمنها أحاديث أبي هريرة عن النبي  في المسح على الخفّين، ضعّفها أحمد ومسلم، وغير واحد، وقال: أبو هريرة ينكر المسح على الخفّين، فلا يصحّ له فيها رواية. ومنها أحاديث ابن عمر عن النبي  في المسح على الخفّ-أيضًا-، أنكرها أحمد وقال: ابن عمر أنكر على سعد المسح على الخفّين، فكيف يكون عنده عن النبي  فيه رواية..."، في أمثلة أخرى (2). (1) المصدر السابق2/891.) (2) شرح علل الترمذي 2/888-891.)

عدد الصفحات ١٨