114 ﱹ ﭑاثني عشر: تضمَّنتْ السورةُ قاعدةً من قواعدِ صلاحِ القلب ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ وهي وإنْ نزلتْ )1(ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﱸ في شأنِ الأسرى؛ إلا أنّ المعنى أعمّ، كم هي القاعدة المعروفة عند أهل العلم: العبرةُ بعمومِ اللفظ لا بخصوصِ السبب. رضوان الله عليهم أجمعين- –ثلاثة عشر: التنويهُ بشأنِ الصحابةِ ﱹﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ فاعرفوا لهم قدرَهم )2(ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﱸ وترضَّوا عنهم، فقد بذلوا الغالي والنفيس، وضحَّوا بكلِّ ما استطاعوا، حتى وَصَلَ إلينا هذا الدينُ غَضًّا طريًّا. ﱹ ﭟ ﭠ ﭡ أربعة عشر: وفي قوله تعالى في سورة آل عمران: تذكيرٌ بأصْلٍ عظيمٍ في هذا )3(ﭢ ﭣ ﭤﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩﱸ .)4(ﱹ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙﱸالباب، وهو: أنّ النصرَ من عندِ الله ______ .70) الأنفال1( .72) الأنفال2( .123) آل عمران3( .126) آل عمران4(
عدد الصفحات ١١٤115 ﱹ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ فمَن أرادَه فلْينصرُ اللهَ بنصرِ دينِه وهذا يُوجِبُ البُعدَ عن كلِّ ما يُسخطُ )1(ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﱸ الله، ومِن أَخطرِ هذه الذنوبِ أكلُ الربا؛ الذي وصفه الله بأنه حربٌ له ﷺ-.–ولرسوله تنبيهٌ إلى الحالِ التي كان عليها ﭣ ﭤﱸ ﱹوفي قوله تعالى: رضوان الله عليهم-، فمع ما كانوا عليه من الضعفِ إلا أنّ –الصحابةُ نَصرَ اللهِ إذا نَزَلَ لم تدفعْه أيُّ قُوّةٍ في الدنيا، وإذا خَذَلَ اللهُ الأُمةَ فلن ﱹ ﭼ ﭽ ﭾ تستطيعَ أنْ تنتصرَ ولو وَقَفتْ معها جميعُ قوى الأرضِ ﭿ ﮀ ﮁﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊﮋ ﮌ ﮍ .)2(ﮎ ﮏ ﱸ إشارةٌ واضحةٌ إلى أنّ شُكرَ ﱹ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﱸوفي قوله: النِّعمِ مِن أعظمِ أسبابِ عونِ اللهِ وإمدادِه ونصرِه، وأنّ كُفرَ النِّعمِ ونسيانَ شكرِها، مِن أعظمِ أسبابِ الخذلان. ______ .7) محمد1( .160) آل عمران2(
عدد الصفحات ١١٥116 يا عبادَ اللهِ- بعضُ الدلالاتِ الإيمنيةِ التي تضمنتْها قصةُ بدرٍ –هذه في ضوءِ سورةِ الأنفالِ وآيةٍ من آلِ عمران، فاتقوا اللهَ واشكروا له نعمةَ نصرِهِ لعبادِه في ذلك اليومِ العظيم، وتدبَّروا هذه السورة، وتأمّلوا في عِبرِها ودلائِلها. اللهم أَبرِم لهذه الأُمةِ أمرَ رُشد، يُعزُّ فيه أولياؤك، ويُذلُّ فيه أعداؤك، واغفر اللهم لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عدد الصفحات ١١٦117 ﱹﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫﱸ الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على عبدِهِ ورسولِهِ ومصطفاه، أما بعد: ﱹﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣﯤ ﯥ ﯦ ﯧ فيقولُ الله تعالى: .)1(ﯨ ﯩ ﯪ ﯫﱸ هذه -أيا المؤمنون- هي الآيةُ الثانيةُ من سورةِ فاطر، وهي تتحدثُ عن معنىً بليغٍ من معاني قدرةِ اللهِ التي خَتَمَ بها الآيةَ الأولى، وهي قولُه تعالى: ، وحين تَستقرُّ هذه الصورةُ في قلبِ المؤمنِ فإنه )2(ﱹﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙﱸ سيَحدُثُ في قلبِه تَغيرًُّا كبيرًا في تصوُّراتِهِ ومشاعرِهِ واتجاهاتِهِ وموازينِهِ وقِيَمِه في هذه الحياةِ جميعًا. إنها تَقطعُه عن شبهةِ كلِّ قوةٍ في السمواتِ والأرضِ، وتَصِلُه بقوةِ الله، وتُيَئِّسُه من مَظِنَّةِ كلِّ رحمةٍ في السموات والأرض، وتصله برحمةِ الله، وتُوصِدُ ______ .2) فاطر1( .1) فاطر2( المجل
عدد الصفحات ١١٧118 أمامَه كلَّ بابٍ في السمواتِ والأرض، وتَفتحُ أمامَه بابَ الله، وتُغلِقُ في وجهِه كلَّ طريقٍ في السمواتِ والأرض، وتَشرعُ له طريقَه إلى الله. ﱹﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ورحمةُ اللهِ -التي نَصَّتْ عليها الآيةُ الكريمة: - تَتمثَّل في مظاهرَ لا يحُصيها العدُّ. ﯠﱸ ورحمةُ الله تَتمثّلُ في الممنوعِ تَثُّلَها في الممنوع، ويجدُها مَن يفتحُها اللهُ له في كلِّ شيء، وفي كلِّ وضعٍ وحال، وفي كلِّ مكان، يجدُها في نفسِه، وفي مشاعرِه، ويجدُها فيم حولَه، وحيثم كان، وكيفم كان. وما مِن نعمةٍ -يُمسِكُ اللهُ معها رحمتَه- حتى تَنقَلبَ هي بذاتها نقمة، وما مِن محنةٍ- تحفُّها رحمةُ الله- حتى تكونَ هي بذاتها نعمة! ينامُ الإنسانُ على الشوك- مع رحمةِ الله- فإذا هو مهاد، وينامُ على الحرير- وقد أُمسكتْ عنه الرحمة- فإذا هو شوكُ القَتَاد! ويُعالج أَعسََ الأمورِ- برحمةِ الله- فإذا هي هَوادَةٌ ويُس، ويُعالج أَيسَ الأمور- وقد تخلَّت رحمة الله- فإذا هي مَشقةٌ وعُس، ويخوضُ بها المخاوفَ والأخطارَ فإذا هي أمنٌ وسلام، ويعبر بدونها المناهِجَ والمسالِكَ فإذا هي مَهْلكةٌ وبَوَار! ولا ضيق مع رحمةِ الله! إنم الضيقُ في إمساكِها دون سواه، لا ضيق
عدد الصفحات ١١٨119 ولو كان صاحبُها في غياهِبِ السجن، أو في جحيمِ العذابِ، أو في شِعابِ الهلاك، ولا وسعة مع إمساكِها ولو تَقَلَّبَ الإنسانُ في أعطافِ النعيم، وفي مراتعِ الرخاء، فَمِنْ دَاخِلِ النفسِ -برحمة الله- تتفجَّرُ ينابيعُ السعادةِ والرضا والطمأنينة، ومِنْ دَاخِلِ النفسِ -مع إمساكِها- تَدُبُّ عقاربُ القلقِ والتعبِ والنصبِ والكَدِّ والمعاناة! يَبسُطُ اللهُ الرزقَ -مع رحمتِه- فإذا هو مَتاعٌ طيّبٌ ورَخاء، وإذا هو رَغَدٌ في الدنيا وزادٌ إلى الآخرة، ويُمسِكُ رحمتَه، فإذا هو مَثارُ قلقٍ وخوف، وإذا هو مثارُ حسدٍ وبُغض، وقد يكونُ معه الحرمانُ بِبُخلٍ أو مرض، وقد يكونُ معه التَّلفُ بإفراطٍ أو استهتار. ويَمنحُ اللهُ الذُّرّيةَ -مع رحمتِه- فإذا هي زينةٌ في الحياةِ، ومَصدرُ فرحٍ واستمتاع، ومضاعفةٌ للأجرِ في الآخرةِ بالخَلَفِ الصالحِ الذي يَذكرُ الله. ويُمسكُ رحمتَه فإذا الذُّرّيةُ بلاء، ونكدٌ وعنتٌ وشقاء، وسَهَرٌ بالليل وتعبٌ بالنهار! ويََبُ اللهُ الصحةَ والقوةَ -مع رحمتِه- فإذا هي نعمةٌ وحياةٌ طيبة، والتذاذٌ بالحياة. ويُمسكُ نعمتَه، فإذا الصحةُ والقوةُ بلاءٌ يُسلِّطُه اللهُ على الصحيح القوي، فيُنفِقُ الصحةَ والقوةَ فيم يحُطِّمُ الجسمَ ويُفسدُ الروح، ويَدَّخِرُ السوءَ ليوم الحساب!
عدد الصفحات ١١٩120 ومن رحمةِ اللهِ أن تحس برحمة الله! فرحمةُ الله تَضمُّك وتغمُرُك وتَفيضُ عليك، ولكنْ شعورُك بوجودِها هو الرحمة، ورجاؤك فيها وتطلُّعُك إليها هو الرحمة، وثقتُك بها وتوقُّعها في كلِّ أمرٍ هو الرحمة. والعذابُ هو العذابُ في احتجابِك عنها، أو يأسِك منها، أو شكِّكَ فيها. وهو عذابٌ لا يَصبُّه اللهُ على .)1(ﱹ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﱸمؤمن أبدا. ورحمةُ اللهِ لا تَعِزُّ على طالبٍ في أيِّ مكان، ولا في أيِّ حال! وجَدَها إبراهيمُ- عليه السّلام- في النار. ووجَدَها يوسفُ -عليه السّلام- في الجُبِّ كم وجدها في السجن. ووجدها يونسُ -عليه السّلام- في بطنِ الحوتِ في ظلمتٍ ثلاث. ووجدها موسى -عليه السّلام- في اليمِّ وهو طِفلٌ مجُرَّدٌ من كلِّ قوة ومن كل حراسة! كم وجدها في قصرِ فرعونَ وهو عدوٌّ له متربِّصٌ به ويَبحَثُ عنه. ووجد رحمةَ اللهِ أصحابُ الكهفِ في الكهف، حين افتقدوها في القصورِ ﱹ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ والدور، فقال بعضُهم لبعضٍ: . )2(ﭞﱸ ______ .87) يوسف1( .16) الكهف2( ﱹ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﱸ ٢ - ١السجدة: ﱹ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﱸ ١الإنسان: ٢فاطر:
عدد الصفحات ١٢٠121 ووجدها رسولُ اللهِ -صلىّ الله عليه وسلّم- وصاحبُه في الغار، والقومُ يتعقبونهم ويقصُّون الآثار. ووجدها كلُّ مَن آوى إليها؛ يائسًا مِن كلِّ ما سواها، مُنقطِعًا عن كلِّ شُبهةٍ في قوة، وعن كلِّ مَظِنّةٍ في رحمة، قاصدًا بابَ اللهِ وحدَه دونَ الأبواب. ثم إنه متى فتحَ اللهُ أبوابَ رحمتِه فلا ممُسكَ لها، ومتى أَمسَكَها فلا مُرسلَ لها، ومِن ثَمّ فلا مخافةَ مِن أحد، ولا رجاءَ في أحد، ولا مخافةَ مِن شيء، ولا رجاءَ في شيء، ولا خوفَ مِن فوتِ وسيلة، ولا رجاءَ مع الوسيلة، إنم هي مشيئةُ الله! ، يقدر بلا مُعقِّب على الإرسالِ ﱹﯭ ﯮ ﯯﱸ والأمرُ مباشرةٌ إلى الله، والإمساك. ويُرسلُ ويمسكُ وِفقَ حكمةٍ تَكْمُنُ وراءَ الإرسالِ والإمساك. وما بين الناسِ ورحمةِ اللهِ إلا أنْ يطلبُوها مباشرةً منه، بلا وساطةٍ وبلا وسيلةٍ إلا التوجُّه إليه في طاعة وفي رجاءٍ وفي ثقةٍ وفي استسلام. ، فلا رجاء في أحدٍ من خلقِه، ولا ﱹﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫﱸ خوف لأحدٍ من خلقه. فم أحدٌ بمُرسلٍ من رحمةِ اللهِ ما أَمسَكَهُ الله. أيَّةُ طُمأنينة؟ وأيُّ قرار؟ وأيُّ وضوحٍ في التصوراتِ والمشاعرِ والقيمِ والموازينِ تُقِرُّه هذه الآيةُ في قلبِ المؤمن؟! آيةٌ واحدةٌ تَرسِمُ للحياةِ صورةً جديدة، وتُنشِئُ في الشعورِ قِيَمً لهذه الحياةِ ثابتة، وموازينَ لا تهتزُّ ولا تَتأرْجح، ولا تتأثَّرُ بالمؤثراتِ كلِّها، ذهبتْ أم جاءت، كَبرُتْ أم صَغُرت، جَلَّت أم هانت، كان مصدُرها الناس أو الأحداث أو الأشياء!
عدد الصفحات ١٢١122 صورةٌ واحدةٌ لو استقرَّتْ في قلبِ إنسانٍ، لصَمَدَ كالطَّودِ للأحداثِ والأشياءِ والأشخاصِ والقُوَى والقِيَمِ والاعتبارات، ولو تَضافرَ عليها الإنسُ والجن، وهم لا يَفتحون رحمةَ الله حين يُمسِكُها، ولا يمسكونها حين يفتحُها. آيةٌ من القرآنِ تفتحُ كُوَّةً من النور، وتَفجُرُ يُنبوعًا من الرحمة، وتَشُقُّ طريقًا ممهودًا إلى الرضا والثقةِ والطُمأنينةِ والراحةِ في ومضةِ عين، وفي نبضةِ قلب، .)1(وفي خَفْقةِ جَنان وها أنتم ـ أيا المؤمنون ـ في شهرِ الرحمة، وشهرِ فتحِ أبوابِ الجِنان، وإغلاقِ أبوابِ النيران، وتصفيدِ الشياطين، فتعرَّضوا لنفحاتِ ربكم، عسى رحمةٌ يُرسلُها عليكم، لا يُمسكها أحدٌ، تَسْعدوا بها دنيا وأخرى. اللهم واجعلنا من عبادِك المرحومين، وأَدْخلنا برحمتِك في عبادك الصالحين، واغفر اللهم لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ______ .)2921/5) باختصار وتصرف من1(
عدد الصفحات ١٢٢123 )1(ﱸﱹ ﮱ ﯓ الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على عبدِهِ ورسولِهِ ومصطفاه، أما بعد: حين يقرأُ المؤمنُ هذه الصفاتِ أو تلك، فحَقِيقٌ به أنْ يَبْحثَ عن نَجَاتِه مِن خِلالِ التَّأسيِّ بالصفاتِ العاليةِ الفاضلة، والهَرَبِ مِن صفاتِ أعداءِ الله، وأولياءِ الشيطان. ألا وإِنَّ مِن تلك الآياتِ العظيمةِ التي تَستوقِفُ المؤمِن، هي ما ذَكَرَه اللهُ تعالى في خُواتِيمِ سورةِ الفرقان، والمعروفةِ بـ(صفاتِ عبادِ الرحمن). وقد اشتملتْ هذه الصفاتُ على صفاتٍ لهم في العبادة، وأُخرى في المُعاملة، وبعضُها في السُّلُوك، ولا شَكَّ أنها جميعُها داخلةٌ تحت العبادةِ بمفهومِها الواسعِ في الإسلام. ﱹ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ صِفتان ظاهرتان جامعتان: • كان الابتداءُ بهاتينِ الصفتينِ ) 2(ﱸﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ______ ) للدكتور عبد الله بن منصور الغفيلي، عضو الهيئة العالمية لتدبر القرآن، وعضو هيئة التدريس1( بالمعهد العالي للقضاء بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية .63) الفرقان2( المجل
عدد الصفحات ١٢٣124 الظاهرتين لعبادِ الرحمن؛ لأنهم الدليلان القابلان لأَِنْ يتبينهم المُتبينُِّ بسببِ ظهورِهما، ولأنهَّم الثمرةُ الطبيعيةُ الظاهرةُ، والنتيجةُ المنطقيةُ الحسنةُ لكثيرٍ مِن أنواعِ المجاهدةِ الروحيةِ والبدنيةِ في العديدِ من المجالات، وهما مِن بابِ .)1(الأخلاقِ الذي قُدِّمَ لأهميَّتِه ﱸ ﱹ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘال فطريقةُ المشي صفةٌ ظاهرة، تَدُلُّ على تثيلِ أصحابهِا للبساطةِ والفِطرةِ، وابتعادِهم عن التصنُّعِ والفَرَحِ الشديدِ أَشرًََا! والمَرَحِ الشديدِ بطرًا!. ، أي: بِسَكِينَةٍ ووَقَارٍ مِن غيرِ جَبرِْيَّةٍ ولا ﱸﱹ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘفهم ولم يَقُل (في الأرض) ﱸﱹ ﯖ ﯗ قال: – ، ولذا -والله أعلم )2(استكبار فهي وَسيلةٌ لِتَحقِيقِ مَقْصَدِهِم لغيرِها لا الإِخلاد إليها. ﱹ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ كم في قول سبحانه: فالأرضُ ظرفٌ لهم ومَقصدٌ عندهم؛ فلذلك يمرحون )3(ﰌ ﰍ ﰎ ﱸ فيها ويقضون أوقاتهم باللهو عليها، فأَمَّا عبادُ الرحمنِ فإنهم يمشون مِن غيرِ استكبارٍ ولا مَرَح، ولا أَشرٍَ ولا بَطَر، وليس المرادُ أنهم يمشون كالمرضى من التَّصَانُعِ تَصَنُّعًا ورياء، فقد كان سيدُ ولدِ آدمَ -ﷺ- إذا مَشَى كأنم يَنْحَطُّ مِن .)4(صَبَبٍ، وكأنم الأرضُ تُطوى له ______ )، وصححه ابن عبدال273)، والبخاري8939) حديث أخرجه أحمد، ح1( .)334 /24« في .)122/6) ينظر: تفسير ابن كث2( .37) الإسراء3( .)122/6) ينظر: تفسير ابن كث4(
عدد الصفحات ١٢٤125 ﱸﱹ ﯜ ﯝال فهذا هو المظهرُ الخارِجِيِّ الثاني لعبادِ الرحمن، وقد صَارَ فيهم سجيةً وطبعًا لا كُلفةَ فيه، وهو لسانهُم الرطبُ ومَنطِقُهم العَذْب. ﱹ ﯙ ﯚ والخِطابُ موجَّهٌ لعبادِ الرحمنِ مِن الجاهلين مباشرة: ! فهم في أَعلى درجةِ التبينُّ مِن اتهامِهم لهم، إلاّ أنهم آثروا ﱸﯛ السلام، وكأنهَّم لا يعلمون شيئًا مما يقولُ الجاهلون. ومع أنَّ الإسلامَ شرََعَ للمسلمِ أَخْذَ حَقِّهِ ممَّن ظَلَمَه؛ إلاّ أنَّه يَذْكُرُ هنا الأكملَ لعبادِ الرحمن، خاصَّةً الدعاة، فقد ظُلِموا مِن الجاهلين فكان المُقابلُ السلام، .)1(ﱹ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻﱸوهو ما أَمَرَ اللهُ بهِ نبيَّه رحمه ا–قال جعفرُ الصادقُ .)2(هذه الآية :)3(ﱸﱹ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ • وهو انتقالٌ مِن الأخلاقِ للتعبُّد، فلا قَوَامَ للأخْلاقِ بدونِه! كم أنَّ التعبدَ المفتقِرَ للخُلُقِ هو أَجْوفُ الأثر. ______ .199) الأعراف1( .)260/2) تفسير البغوي2( .64) الفرقان3(
عدد الصفحات ١٢٥126 وفي هذه ال الأول: أنَّ هذه الصفةَ الخفيةَ لِبَيَاتهِم بين يدي ربهِّم سُجَّدًا وقيامًا؛ أَتَتْ في مقابِلِ الصفتينِ الظاهرتينِ للعباد، وهما المشيُ هَونًا والتَّخَاطُبِ سَلامًا. ، فلا يكادُ يَعلمُ مخلوقٌ بم يقومون به ﱸ ﯡ ﱹوهذا واضحٌ مِن قولِه مِن إِخلاصِهم لله. والثاني: أنه ذَكَرَهم بواحدةٍ مِن أهمِّ العباداتِ! بل أَهمُّها وهي الصلاة، فهي عمودُ الدينِ ورُكْنُه الرَّكين. ﱹ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ كم أنهم تأسَّوا في ذلك بِقُدوتهِم ﷺ فقد قال عنه ربه: .)1(ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﱸ وقد ذَكَرَ اللهُ أهمَّ حالتين في الصلاة فذَكَرَهم بهم، وهما السجودُ والقيام. عباد الرحمن مُ • ﱹ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ففي هاتينِ الآيتينِ إظهارُ الضَّعفِ )2(ﱸﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ والخوفِ مِن ربهم، مع ما في ظاهرِهِم من الشفقةِ والخوفِ مِن أَنْ يكونَ مصيرُهمُ العذاب. ______ .20) المزمل1( .66،65) الفرقان2(
عدد الصفحات ١٢٦127 فهم يَتَحَدَّثون عن جَهنمَ بصفتين فيها، أنها كالغريمِ الملازمِ لِغريمِهِ المدين، وأنها بئسَ المستقرُّ والمُقام. وحيثُ إنَّ هؤلاءِ العبادَ يَطمَعون أَنْ يَستَجيبَ لهم ربهُّم ويَغفِرَ لهم خَطاياهم، وحيثُ إِنَّه لا يوجدُ يومَ القيامةِ مِن دارٍ سوى دارِ الجنةِ أو النار، فكان إِشفاقُهُم مِن جَهنم وطَمَعُهم أَنْ يَستَجيبَ لهم ربهُّم بِأَنْ يَصرِفَ عنهم عَذابهَا بالكليّة، معناه أنهم يدعون الله تعالى ضِمنًا أنْ يَتَغَمَّدَهم برحمتِهِ فيُدْخِلهم الجنةَ مَنًّا مِنه وفضلاً بعد أنْ يمتَنَّ عليهم، ويَتفضلَ بغُفرانِ ذنوبهِم، وسَترِْ عيوبهِم، وقبولِ أعملهِم الصالحة. التو• )1(ﱸﱹ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ هنا يُبينُِّ سُلُوكَهم الاقتصادي، وتَعامُلَهم الماليَّ في العطاءِ والإمساك، وهذا هو التَّكَامُلُ بين الأخلاقِ والعبادةِ والإِنفاق. فهم وَسَطٌ بين الإِسرافِ والإِقتار، فالإسرافُ هو الإنفاقُ بِكثرةٍ هي غايةُ ما يكونُ مِن النفقة، والإقتارُ هو الإمساكُ بِشدّةٍ هي غايةُ ما يكونُ في النفقة سَلْبًا، والتوسُّطُ بينهم هو الشرعُ والعقلُ والحكمة. ______ .67) الفرقان1(
عدد الصفحات ١٢٧128 فليسوا بمبَذِّرين في إِنفاقِهم فيصرفون فوقَ الحاجة، ولا بخلاء ع أهليهم فيُقصرِّون في حقِّهم فلا يَكْفُونهم، بل هم عَدْلٌ خيار، وخَيرُ الأُمورِ .)1(أوسطُها، لا هذا ولا ذاك :)2(ﱸﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗﱹ • وهنا بيانُ اجتنابهِم لعظائِمِ الذنوبِ، وأَشَدّها الشركُ بالله، فهو أعظمُ الذنوب، والمرادُ هنا: إِثباتُ ضِدِّها مِن التوحيدِ والنقاء. وهم بهذا يَنسَجِمون انسِجامًا كاملاً مع الكونِ حولهم، فم خَلَقَه اللهُ إلاّ .)3(ﱹ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﱸلِتوحيدِه وعبادتِه: وهذه الصفةُ مُؤكِّدةٌ للصفاتِ السابقة؛ مِن خوفِهم ودعائِهم له بِأنْ يَصرِفَ عنهم عذابَ جَهنم، وصِفَتِهم بالبَيَاتِ بين يديِهِ سُجّدًا وقيامًا فكان التتويجُ أنهَّم لا يَدْعُون آلهةً أُخرى، وهو التوحيدُ المُنجِّي مِن العذاب، والذي ﱹ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ يكونُ معه الغفرانُ .)4(ﮐﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﱸ ______ .)124/6) تفسير ابن كث1( .68) الفرقان2( .56) الذاريات3( .116) النساء4(
عدد الصفحات ١٢٨129 :ﱸ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟﱹ• هذا هو الذنبُ العظيمُ الثاني، الذي بَرِئ منه عبادُ الرحمن، واتَّصَفُوا بأنهم لا يُقارفوه، وهو قَتْلُ الإنسانِ بدونِ حق، وفي الصحيحين قال ﷺ امرئٍ مسلمٍ يشهدُ أن لا إله إلا الله وأني رسولُ الله إلا بإحدى ثلاثٍ: النفسِ .)1(بالنفس، والثَّيِّبِ الزاني، والمارقِ مِن الدين التاركِ للجمعة فالنفسُ غاليةُ الثمن، فَمَن أَهدَرَها وَقَعَ في الذنبِ العظيم! وكان مِن عظيمِ هذا الذنبِ أَنّ مَن اقترفَ منه بِحَقِّ واحدٍ مِن الناسِ كان دلالةٌ على ﱸ ﭞ ﭟﱹكَمَن اقترَفَه بحقِّ الجميع. إلاّ أنَّ الاستثناءَ في قوله: صفةٍ أخرى في عبادِ الرحمن، وهي أنهَّم أَحرَصُ الناسِ على إِقامةِ الحدود، فيُقيمُون القصاصَ مِن القاتِلِ؛ وكلِّ مَن حَلَّ دَمُه بالشرع. فهُم أبعدُ الناسِ عن اقترافِ ذنبِ القتلِ العظيم، وهم أَقرَبُ الناسِ لإِقامتِهِ إِنْ كان بالحق. :ﱸ ﭠ ﭡﱹ• هذا هو الذنبُ العظيمُ الثالثُ مِن الذُّنوبِ التي بَرِئ منها عبادُ الرحمن، فنفوسُهم كبيرةٌ، لا تجَُرُّها شهوةٌ تُنْزِلهُم مِن مكانتِهِم العالية، بأخلاقهم الكبيرة تلك؛ خاتةً لصفاتٍ سَلبيةٍ بَرَّأَ الرحمنُ منها عبادَه. ﱸ ﭠ ﭡﱹلِتكونَ هذه الصفةُ فمِن تامِ عبوديتِهم لله، ومعرفتِهم بمعاني التوحيد، لا تَنساقُ نفوسُهم إلى شهوةٍ محرّمة، لها تَبِعاتهُا في الدنيا والآخرة. ______ رضي الله عنه–)، عن ابن مسعود 1676)، ومسلم6878) البخاري1(
عدد الصفحات ١٢٩