82 الأرض، والكلالةُ ونحوُهم؛ لذا لم يَأْمُرِ اللهُ عز وجل بالقِسطِ (العدل) في شيءٍ مِن القرآن كم أَمَرَ به في سورتي النساء والمائدة، وبعضُ آياتهِا قد يحتاجُ ربطُها ، )1(بهذا المعنى إلى تَكَلُّف وقد نهُينا عنه كم في البخاري عن عمر رضي الله عنه لكن مَعاقِدُها تدورُ على القِسْطِ والعَدْل: ﱹ ﮄ ، وقولَه: )2(ﱹ ﭰ ﭱ ﭲﱸ-ففي مَطلعِها نَقرأُ قولَه تعالى: ، )4(ﱹ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﱸ ، وقولَه: )3(ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﱸ ﱹ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ وقولَه: .)5(ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﱸ ﱹ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ -وفي وَسَطِها نقرأُ قولَه تعالى: ﱹ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣﭤ ، وقولَه: )6(ﮰ ﮱ ﯓ ﯔﯕ ﯖ ﯗ ﱸ ﱹ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ، وقولَه: )7(ﭥ ﭦ ﭧ ﱸ ، )8(ﯥ ﯦﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﱸ ______ .)7293) البخاري1( .2) النساء2( .3) النساء3( .4) النساء4( .5) النساء5( .19) النساء6( .28) النساء7( .33) النساء8(
عدد الصفحات ٨٢83 ...ﱹ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ وقولَه: ﱹ ﯘ ﯙ ﯚ ، وقولَه: )1(ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﱸ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ .)2(ﯪﱸ ﱹ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ونقرأ في أواخِرِها: أنَّ الجهادَ فيها مِن أَجْلِ الضُّعَفاء: ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ .)3(ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﱸ ﱹ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ونقرأ فيها صلاةَ الخوف: .)4( الآياتﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﱸ وتَكَرَّرَ الأَمرُ فيها بالعدلِ مع الضعفاء، والتخويفِ باطِّلاعِ اللهِ وكملِ ﱹ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ علمِهِ بالخفايا، كم قال سبحانه: ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ .)5(ﭸ ﭹ ﱸ ______ .34) النساء1( .43) النساء2( .75) النساء3( .102) النساء4( .135) النساء5(
عدد الصفحات ٨٣84 ﱹ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ - وخُتِمت والكلالةُ: مَن لا وَلَدَ له ولا وَالِد، وهذا نوعُ ضَعفٍ في المالِ )1(ﭖ ﱸ ظاهر. فإنْ شرََعْتَ -أيا الموفق- في قراءتهِا أو سمعِها؛ فاعرِضْ نفسَك عليها، كيف أنت في إِنصافِك مِن نفسِك وأَدائِك لحَِقِّ الضعيف، أو انتصارِك له حين يُظلَم، أَيًَّا كان: - المرأةُ؛ سواءً كانت: أُمًَّا أو بنتًا أو أختًا أو زوجةً أو قريبةً أو بعيدة، مُسلمةً أو كافرة. - اليتيمُ واليتيمةُ أو اللقِيطُ واللقيطةُ؛ حين يُظلمون مِن الأفرادِ أو المجتمع. - الوارِثُ أو الوارِثةُ حُرِموا مِن مِيراثِهم. - سائقٌ أو خادِمةٌ أو عامل؛ لم يَستَلِموا حُقوقَهم مِن أَشْهُرٍ مُتطاوِلة. - مَظلومٌ مِن الناسِ أو مِن الحكومات. - مَرِيضٌ لم يجد مُستشفى يُؤويه. ______ .176) النساء1(
عدد الصفحات ٨٤85 - خائفٌ مُستَضعَفٌ مِن جَبّارٍ في الأرض وغيرُهم كثيرٌ، ثم تأمَّلْ بَعضًا مِن تهديدِ اللهِ للباغين على حقوقِ الضعفاء: ! )1(ﱹ ﰌ ﰍ ﰎ ﱸ - ﱹ ﯖ ﯗ ﯘﯙ - وبَعدَ آيةِ المواريثِ وَعَدَ وتَوَعَّد سبحانه: ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ .)2(ﯷ ﱸ ﱹ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ -وقال في المَهْرِ: . )3(ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﱸ ﱹ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ -وقال في شَأْنِ الزّوجةِ وظلمِها: .)4(ﭶﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﱸ ______ .6) النساء1( .14،13) النساء2( .21) النساء3( .34) النساء4(
عدد الصفحات ٨٥86 ﱹ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ -وقال في الأموالِ وظُلمِ الناسِ فيها: ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ )1(ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﱸ هذا -أيا المؤمنون- بَعضُ حديثِ سورةِ لنا لا علينا، وغَفَر لنا ولوالدينا، ولجميع المسلمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ______ .161 - 160) النساء1(
عدد الصفحات ٨٦87 )1(ﱹ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗﱸ الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على عبدِه ورسولِهِ ومصطفاه، أما بعد: فتَمُرُّ بالأُمّةِ والفَرْدِ أوقاتٌ من الانتصار، ومثلُها من الانكسار، وأوقاتٌ من الفرح، وأُخرى من الحزن، فيُسَّ بالأولى، ويحَزَنُ للثانية، ورُبم بَلَغَت عند البعضِ حَدَّ اليأسِ، أو إِساءة الظنِّ باللهِ وبإِخوانِه المسلمين، فأَورَثَه ذلك قُعودًا وإحباطًا. ولا يَقتَصرُِ هذا الأمرُ على أفرادِ الناسِ أو آحادِهم و عوامِّهم؛ بل رُبم يَشمَلُ فئاتٍ كثيرةً من المجتمع؛ من علمئِه أوقادتِه أو غيرِهم، وهي طبيعةٌ حَدَّثَنا عنها القرآنُ الكريمُ في مواضِعَ كثيرة، لِنعالجَها ونَتَبَصرَّ الطريقَ إزاءَها. وإذا عُدنا إلى قِصةِ الأَحْزاب؛ سنَتَذَكَّر أنّ الأحزابَ اجتمعتْ على النبيِّ ﷺ من خارجِ المدينةِ وداخلِها؛ كقريشٍ ويودٍ والمنافقين، ولكن لِنتأمَّل وَصْفَ القرآنِ ______ ) للدكتور محمد بن مصطفى السيد، عضو مجلس إدارة الهيئة العالمية لتدبر القرآن1( المجل
عدد الصفحات ٨٧88 ﱹ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎلهذهِ الحال، إذ يقول: ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ .ﱹﮒ ﮓ ﮔ ﱸ، فتأمَّل التعبيرَ بقوله: )1(ﮚ ﮛ ﱸ ثم يُعيدُ التاريخُ نَفسَه بَعدَ أكثرَ مِن ستةِ قرون من حادثة الأحزاب، حين هَجَمَ التَّتارُ على بلادِ الإسلامِ، فيأتي الإمامُ ابنُ الأثير، وهو أحدُ كِبار المؤرِّخين يقصد دخولَ –فيقول استعظامًا لها، كارِهًا لِذكرِها، فأنا – التتارِ وإفسادَهم وقتلَهم في بلاد المسلمين أُقدِّم رِجْلاً، وأُؤخِّرُ أخرى، فمن يَسهُل عليه نعيُ الإسلامِ والمسلمين، ومَن الذي يَُون عليه ذِكرُ ذلك، فيا لَيتَ أُمِّي لم تَلِدْني، ويا ليتني مِتُّ قبل هذا وكنتُ .)2(نَسْيًَا مَنسيًّا تأمَّلوا معي هذه الروحَ التي غَلَبت عليه أثناءَ تَسطِيرِ هذه الكلمت، وهي من جِهةٍ تحُمدُ له على حُزنِهِ على ما أَصابَ الإسلامَ والمسلمين، لكن لا تحُمدُ له تلك النظرةُ التشاؤميةُ التي عاشَها ونَقلَها إلى كلِّ من قَرَأَ كلمتِه هذه، ولكم أنْ تَتَساءلوا هل ماتَ الإسلامُ بعدَ سقوط بغداده، أَمْ أنَّه اتَّسَعَ وانتَشرََ، ووَصَل إلى أماكِنَ لم يَصِلْ إليها مِن قبل؟ ______ .11،10) الأحزاب1( .333/10« )2(
عدد الصفحات ٨٨89 بعضُ الناسِ -وبعضُهم فُضَلاء- قد يَقعُ -مِن حيث لا يشعر- فيم ذَم ﱹ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ اللهُ به طائفةً مِن المنافقين، وهم الذين قال الله عنهم: ، كم يَغِيبُ عنه الحديثُ القُد )1(ﭥ ﭦﱸ .)2(بي، فليظنّ بي ما شاء قال ابن القيّم رحمه ا إلى أهل الجهل، وظنّ غيرِ الحق؛ لأنه ظنُّ غير ما يليقُ بأسمئِهِ الحسنى، وصفاتِه العليا، وذاتِه المبرَّأة مِن كلِّ عيبٍ وسوء، بخلافِ ما يليقُ بحكمتِه وحمدِه، وتفرّدِه بالربوبية والألوهية، وما يليقُ بوعدِه الصادقِ الذي لا يخلِفُه، وبكلمتِه التي سَبَقت لِرُسُلِهِ أنه يَنصرُهم ولا يخذلهُم، ولجندِه بأنهم هم الغالبون، فمن ظنّ بأنه لا ينصرُ رسُولَه ولا يُتِمّ أمرَه، ولا يؤيدُه ويؤيدُ حِزبَه ويُعلِيهم . )3(ويُظفِرُهم بأعدائِه، ويُظهِرُهم عليهم؛ فقد ظَنّ باللهِ ظنَّ السوء إذن فنحن مأمورون بحُسْنِ الظنّ بربنا، ومأمورون بالوثوقِ بحكمتِهِ وقدرتِهِ التي نجهَلُ بعضَها، ويغيبُ عنا بعضُها لمحدودية عقولنا فلا نستوعبها، وتَظهرُ لنا آثارُ بعضِها في الحياةِ والكونِ والسنن، وحين نَشعُرُ بذلك الشعور؛ ، إضافةً إلى قدرٍ جيّدٍ مِن الراحةِ –بلا شك–فإنه سيقوُدنا إلى الرضى والتسليم النفسيةِ؛ التي تُعينُنا على مواجهةِ مصائبِ الحياةِ ومصاعِبِها، وعندها ترتاحُ نفوسُنا، وتسكُنُ قلوبُنا. ______ .154) آل عمران1( رضي الله عنه-: بلفظ: (أنا عند ظن–) عن أبي هريرة 2675)، ومسلم7505) رواه البخاري2( عبدي .205/3« )3(
عدد الصفحات ٨٩90 وحتى نَستَشعِر أهميةَ هذا الأمر، لِنستمعَ إلى حديثِ جابرٍ بنِ عبدِ الله ر الله عنه، قال: سمعت رسولَ اللهِ ﷺ قبل موتِه بثلاثةِ أيامٍ يقول .)1(أحدُكم إلاّ وهو يحُسِنُ الظنَّ باللهِ عز وجلّ إنُّ حسْنَ الظنّ باللهِ شأنُ المؤمنِ الموفَّقِ الواثقِ بربِّه، وهو الذي يجعلُه مُتفائِلاً في حياتِه، يَسيرُ باتجاه العملِ الفاعلِ المثمرِ البنّاء، مُتخَلِّيًا عن اليأسِ والإِحباط، وهو ما سوف يُساعِدُه على الثبات أَمام العقباتِ التي تَعترضُه في حياتِه وعملِه ودعوتِه. وبَعدَ أَنْ يحُسِنَ المرءُ الظنَّ بربِّه؛ فإنّه مأمورٌ بإحسانِ الظنِّ بإخوانِه المسلمين، ﱹ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ولْنَستمعَ سَويًّا إلى قولَ الله تعالى: ، ولْنستمعَ أيضًا إلى قولَ النبي ﷺ )2(ﭙ ﭚ ﭛ ﱸ .)3(أكذبُ الحديث إنَّ حُسنَ الظنّ بالمسلمين يُورِثُ الأُلفةَ والمحبةَ بينهم، وفي المقابل؛ فإنَّ سوءَ الظنِّ يورثُ العداوةَ والبغضاءَ والحسد، الأمرَ الذي يدفعُ المرءَ إلى ارتكابِ ﱹ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ جرائمَ وقبائحَ ليس لها حدّ، ولذلك جاءَ في تامِ الآية: ، كم جاء في تام )4(ﭡ ﭢﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﱸ ______ .)2877) رواه مسلم1( .12) الحجرات2( .)2563)، ومسلم5143) رواه البخاري3( .12) الحجرات4(
عدد الصفحات ٩٠91 الحديث .)1(وكونوا عباد الله إخوانًا لقد قَرَّر أهلُ العلمِ أنّ البُغضَ والحَسَدَ يَنشآنِ أولَ ما يَنشآن عن سوءِ الظنِّ بالآخرين، حيث يَتأول المرءُ أفعالَ إخوانِه أَيًّا كانت أَسوأَ تَأويل، وهذا واضحٌ ومُشاهدٌ، فكم يرى المرءُ أقوامًا أَساؤوا الظنَّ بإخوانهِم؛ فَنَشأَ عن ذلك ما لا يخفى من الحقدِ والحسدِ والغِيبةِ والنميمة، ولو أنهم أَحسَنوا الظنَّ بهم لكانَ الأمرُ أهونَ من ذلك بكثيرٍ، ولمََا احتاجوا كلَّ ذلك، بل باتوا في راحةٍ واطمئنان. كم هُدِمتْ بيوتٌ وأُسرَ، بل كَم فُضّت عقودٌ وشراكات، وانهارت أعملٌ؛ بسببٍ مِن سوءِ الظنّ، والشيطانُ واقفٌ يترصَّدُ ليوسِّعَ الشرّْخَ ويزيدَ في العداوة. هذا؛ وإنّ حُسنَ الظنّ ليس مطلوبًا مع كل أحدٍ، فربم يأتي مع أُناسٍ يجبُ أن لا نحسنَ الظنَّ بهم، فيغترّ بهم وبأعملهم المرء، كحالِ بعضِ المنافقين، ففي حديثِ عائشةَ رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ .)2(يعرفان من أمرِنا شيئًا قال ابن حجر رحمه ا الظنِّ المنهيِّ عنه، لأنه في مَقَامِ التحذيرِ مِن مِثلِ مَن كان حالُه كحالِ الرجلين، ______ ) التخريج السابق1( .)6067) البخاري2(
عدد الصفحات ٩١92 والنهيُ إنم هو عن الظنِّ السوءِ بالمسلم السالم في دينِهِ وعرضِه، وقد قال ابن عمر: إنّا كنّا إذا فقدْنا الرجلَ في عِشاءِ الآخرةِ أَسأْنا به الظنّ، ومعناه: أنه لا .)1(يغيب إلا لأَمْرٍ سيء، إما في بدنِه، وإما في دينِه إنّ هذا الأمرَ يقودُنا إلى أنْ لا نَكونَ أَغرارًا تُلبَّس علينا الأمور، فيَستغلّنا البعضُ تحت حجةِ حُسْنِ الظنِّ بالآخَرين، فيُمرِّر علينا -وتحت نظرِنا وسمعِنا- ما يريدُ من أعملٍ أو قراراتٍ أو أفكارٍ أو أخبار، بل المطلوبُ منا التمحيصُ؛ خاصّةً مع من لا تَظهرُ عدالتُه أو لا يظهرُ عدلُه، والتدقيقُ في الأمور، ومتابعتُها جيدًا، حتى لا نقعَ في شرَاكِ هؤلاء. إننا إذ نتحدّثُ عن ذلك؛ نطرحُ الأمرَ من جانبيه، والمسلمُ مطلوبٌ منه ألاّ يَفقِدَ حُسْنَ الظنِّ بالمسلمين، كم أنّه مَطلوبٌ منه ألا يحسنَ الظنَّ بكلِّ أحدٍ .)2(ﱹﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﱸ اللهم طهِّر قلوبَنا مِن أمراضِها، وارزقنا القصدَ في الفقرِ والغنى، واغفر اللهم لنا ولوالدينا ولجميعِ المسلمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ______ .486/10) فتح الباري1( .67) الفرقان2(
عدد الصفحات ٩٢93 )1(من اأ يَمُرُّ على المؤمنِ يومَ الجمعةِ عددٌ من السُّوَر، إمّا أنْ يقرأَها بنفسِه كسورةِ الكهف، أو يسمَعُها من إمامِ المسجدِ في صلاةِ الفجر أو الجمعة، أو يسمَعُها في خطبةِ الجمعة. وعند حصرِ هذه السُّورِ وَجَدْتُ أنها ثمن سور، منها المكيُّ وهي سورةُ السجدة و (ق) والكهف والأعلى والغاشية، ومنها المدنيُّ كالجمعةِ والمنافقون والإنسان، فهذه ثمن سور من السور التي كان النبي ﷺ يقرأُ بها .)2(ويحثُّ على القراءةِ بها يومَ الجمعة وإيمنًا مِنّا بأنّ كلَّ عملٍ يأمُرُ بهِ اللهُ أو يأمُرُ به رسولُه ﷺ؛ يشتَمِلُ على حِكَمٍ ومَعَانٍ يَظهرُ بعضُها للمتأمِّلِ المتدبِّرِ لأوِّلِ وهلة، ويحَتاجُ بعضُها إلى ______ ) للدكتور عبد الرحمن بن معاضة الشهري، عضو مجلس الهيئة العالمية لتدبر القرآن، أستاذ القرآن1( وعلومه المشارك بجامعة الملك سعود ﭑ ﭒ ﱹ) عن ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة 2( (سورة الإنسان)، وأن النبيﱹ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢﱸ (سورة السجدة) وﭓ ﭔﱸ ).879-صلى الله عليه وسلم- كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة والمنافقين. أخرجه مسلم وعن أَبيِ هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ فيِ الجُْمُعَةِ، فيِ صَلاَةِ الْفَجْرِ، آلمَ ).891تَنْزيلُ، السَّجْدَةَ، وَ هَلْ أَتَى عَلىَ الإِنْسَانِ. أخرجه البخاري المجل
عدد الصفحات ٩٣94 إِعملِ الفكرِ لاستخراجِها واستنباطِها، فسنحاولُ التدبُّرَ في هذه السورِ الثمن؛ لنرى شيئًا من أسرارِ هذه المزية والفضيلةِ التي اختصت بها. وهذه السُّورُ تَشترَِكُ في أنها تُذكِّرُ الإنسانَ بقضايا كبرى في حياتِه يجبُ أنْ تُكَرَّر على سَمعِ المؤمنِ باستمرار، بِحَيثُ تَستَقِرُّ في نفسِه استقرارًا ينفي كلَّ شك، وتُشَكِّلُ بتَكْرارِها وعيَ المؤمنِ الذي يُواظِبُ على حضورِ هذه الصلواتِ مع الجمعة. اأول أَغلبُ المتدبِّرين لهذه السورةِ يرون أنَّ المقصدَ الذي تدورُ حولَه آياتُ هذه السورةِ: هو الإرشادُ إلى كيفيةِ النجاةِ والعصمةِ مِن الفتنِ بأنواعها، وقد وَرَدَ في السورةِ أربعةُ أمثلةٍ للفتنِ؛ تُعتبرَُ مِن أعظمِ الفتنِ التي يُبتلى بها المرءُ في حياته: فتنةُ الدينِ في قصةِ أصحابِ الكهف، وكيف اعتصمَ الفتيةُ بالله، • وفَرُّوا من كفر قومهم، فعصمَهم اللهُ ونجّاهم. فتنةُ المالِ في قصةِ صاحبِ الجنتين، وكيف فَشِلَ الرجلُ في الاختبارِ • فمَحَقَ اللهُ مالَه. فتنةُ العلمِ في قصةِ الخضِ مع موسى عليه الصلاة والسلام، وكيف • شَكَرَ الخض هذه النعمة. فتنةُ المُلْكِ في قصةِ ذي القرنين، وكيف نجَحَ ذو القرنين في هذا • الابتلاء بشكرِ هذه النعمةِ العظيمةِ، واستعملَها في طاعةِ الله.
عدد الصفحات ٩٤95 وهذه المعاني العظيمةُ يحَتاجُ المؤمنُ إلى تذكُّرها باستمرار، فشرُعَتْ قراءتهُا كُلَّ جمُعة. وفي اسمها ما يدلُّ على موضوعِها ومَقصدِها، وهو (الكهف)؛ فهو عصمةٌ مادّيةٌ لمن يلجأُ إليه عادةً، وكذلك معاني وآياتُ هذه السورةِ عصمةٌ لمَن قرأها وتدبَّرَها من هذه الفتن، ومِن أعظمِ الفتنِ فتنةُ الدَّجَّال، ولذلك قال النبي ﷺ وفي رواية)1(»الكهف . وحذَّرَ اللهُ من الشيطانِ في أثناءِ هذهِ السورةِ وأشارَ إلى )2(»له من الدجال ﱹ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ مخالفتِه للإنسانِ وعداوتِه له في قوله: ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ . )3(ﮰ ﮱ ﯓ ﯔﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﱸ ثانيًاا تَدورُ آياتهُا حولَ بيانِ حقيقةِ الخَلقِ وأحوالِ الإنسانِ في الدنيا والآخرة، ببيانٍ شافٍ كافٍ، يُبعِدُ من نفسِ الإنسانِ كلَّ فِكرةٍ إلحاديةٍ تحُاوِلُ التسلُّلَ إلى ذِهنِ المؤمنِ، في زحامِ الأفكارِ وعَولمةِ الثقافات. فهي تُفصِّل كيف خلقَ الله السمواتِ والأرضَ في ستةِ أيام، وكيف خلقَ الإنسانَ الأوّلَ مِن طين، وخلَقَ ______ .)2936) صحيح مسلم1( .)948) رواه النسائي في عمل اليوم والليلة2( .50) الكهف3(
عدد الصفحات ٩٥96 سُلالتَه مِن ماءٍ مهين، في تفصيلٍ رائعٍ يَطمئنُّ له القلبُ المؤمن، ويَزدادُ تعلُّقُه بربِّه، ولا يملك إلا أنْ يخَِرَّ ساجدًا بين يديه، ولذلك سُمِّيت سورةُ السجدة، وشرُِعَ سجودُ التلاوةِ عند الآيةِ الخامسةَ عشرَ من آياتها. ثالثًاا سورة (ق) كان النبي ﷺ يقرؤها في الخطبةِ يومَ الجمعةِ في أحيانٍ كثيرة، وقد ذَكَرتْ أمُّ هشامٍ بنتُ حارثة رضي الله عنها حديثًا يدلُّ على كثرةِ تَكْرارِ ﱹ ﭑﭒ النبي ﷺ لقراءةِ سورة (ق) في خُطبة الجمعة، حيث قالت: وما أَخَذْتُ إلا على لسانِ رسول الله - ﷺ - كان يقرؤها كلَّ يومِ جمعةٍ ﭓ ﭔ ﱸ . وآياتهُا تدورُ على بيانِ حقيقةِ البعثِ واليومِ )1(على المنبرِ إذا خَطَبَ الناسَ الآخر، مع الاستدلال على اليومِ الآخرِ والبعثِ بعد الموت، والاستدلال على توحيدِ الألوهيةِ بتوحيدِ الربوبية. رابعًاا سميت بسورةِ الجمعةِ لمجيءِ ذِكْرِ يومِ الجمعةِ فيها، وهي تؤكِّدُ على تذكيرِ الأُمةِ في هذا اليومِ العظيمِ؛ بنعمةِ اللهِ عليها بإرسالِهِ محمدًا عليه الصلاةُ والسلام، وأنّ اللهَ قد جعلَه هدايةً لها بعد الضلالِ المبينِ الذي كانت فيه، ولا شكّ أنَّ هذا مِن أعظمِ القضايا في حياةِ المؤمن، التي لا ينبغي أنْ تغيبَ عن ذهنِه، ولذلك شرُِعتْ قراءتهُا في صلاةِ الجمعة. ______ .)378) رواه مسلم1(
عدد الصفحات ٩٦97 خام تؤكِّدُ السورةُ على كشفِ المنافقين، وبيانِ حقيقتِهم، وأبرزِ صفاتهم، لتكونَ بمثابةِ تحذيرٍ أسبوعيٍّ؛ مِن طائفةٍ خطيرةٍ تهَدِمُ الإسلامَ مِن الداخل، وتُوضِّحُ للمؤمنين أنَّ حصونَنا مهددةٌ من داخلِها بهؤلاءِ المنافقين! ولِعِظَمِ خَطَرِهم وعدمِ انقطاعِهم مِن المجتمعِ، منذُ عهدِ النبي ﷺ حتى اليوم؛ شرُِعَ التحذيرُ منهم بشكلٍ متكرر، بتلاوةِ هذه السورةِ في صلاةِ الجمعة. � تؤكِّدُ السورةُ على تذكيرِ الإنسانِ بأصلِ خِلقتِه، وتُبينُ عاقبتَه ومصيرَه الآخرة؛ ليكونَ على حذرٍ وعلى بينةٍ من أمرِه، فقد فصَّلَ اللهُ في السورةِ كيف بَدأَ خلقَ الإنسان، وكيف انقسمَ الناسُ إلى مؤمنٍ شاكر، وكافرٍ جاحد، ومصيرِ كلٍّ من الفريقين. وأَطالَ في بيانِ مصيرِ أهلِ الجنةِ تشويقًا وتحفيزًا للمؤمنين. وأَشارَ فيها إلى نعمةِ نزولِ القرآن، ووجوبِ الصبرِ على العملِ به. � المقصدُ من هذه السورةِ: تأكيدُ تعلُّقِ النفوسِ باللهِ العظيمِ الأعلى، والحرصِ على الآخرةِ ونعيمِها، وعدمِ التعلُّقِ بالدنيا وبهرجِها الزائل، وهي تحملُ رسالةً قصيرةً مُركَّزةً، تُؤكِّدُ للمؤمنِ أنّ العُلوَّ الحقيقيَّ هو في طاعةِ اللهِ وخشيتِه ، وأنّ الشقاءَ والخسانَ في اجتنابِ هذه النصيحةِ والتعلُّقِ ﱹﯬ ﯭ ﯮ ﱸ . لاحِظْ هنا كيف وَصَفَ ﱹ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﱸبالدنيا ، وهذه الحقيقةُ الكبرى ينبغي أن )1(ﱹ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﱸالشقيَّ بقوله: ______ .12 - 10) الأع1(
عدد الصفحات ٩٧