66 وعلى النقيض من ذلك: ذُكِر أنّ رجلاً كانت بينه وبين زوجتِه خلافات، فإذا سُئِل عن ذلك، قال: هذه أسرارُ بيتي لا أُفشيها، وبعد مُدَّةٍ طلّقها، فقالوا له:لم فعلْتَ ذلك، ما عيوبهُا؟ فقال: هي الآن غريبةٌ عني لا ﱹﮦ ﮧﮨ يحقُّ لي التحدُّثَ في عرضِها، يا لها من أخلاق، وصدق الله: . ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭﱸ والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عدد الصفحات ٦٦67 )1(ﱹﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗﱸ الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ الله، وعلى آلِه وصحبِه ومَن والاه، أما بعد: فإنه لما تَقلَّبَت الأحوالُ بيوسفَ عليه الصلاةُ والسلام، وتَطوَّرَتْ به الأطوار، عَرَف أنّ هذه الأشياءَ وغيرَها لُطفٌ من لُطفِ اللهِ له، فاعترفَ بهذه .)2(ﱹﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﱸالنعمةِ فقال: وهذا من أَعظمِ نِعَمِ اللهِ على العبد، أنْ يَعرِضَ أحوالَه التي ترُّ به على معاني أسمءِ الله الحسنى، وصفاتِه العلى؛ فإنّ هذا له فائدتان: الأولى: زيادةُ الإيمن. الثانية: سهولةُ تلقي المصائبِ المؤلمة، وهذا يزدادُ حين يبلُغُ العبدُ منزلةَ الرضا عن الله، بحيث يوقِنُ أنَّ اختيارَ اللهِ خيرٌ مِن اختيارِه لنفسِه. ______ ) وما119) الدرس في أغلبه ملخص من كتاب1( بعدها .100) يوسف2( المجل
عدد الصفحات ٦٧68 اأيها الموؤمنون إنّ مِن أسمءِ اللهِ الحسنى التي تَكرَّرَ ذِكرُها في كتابِ الله تعالى، ولها أثرُها البالغُ في حياةِ العبد -لمن فقه معناها وعمل بمقضاها-: اسمُ اللهِ اللطيف، ﱹ ﭥ ﭦ ﭧ الذي تّدّحَ سبحانه به في مواضعَ مِن كتابِ الله، منها: ﱹ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ،)1(ﭨ ﭩ ﭪﭫ ﭬ ﭭ ﭮﱸ ، فكيف نعيشُ مع هذا الاسم؟ وما آثارُه الإيمنيةُ علينا؟ )2(ﭢ ﱸ إنّ التأمُّلَ في آثارِ لطفِه بعبادِه، هو الذي يجُيبُ على هذه الأسئلة، والتي تعرَّضُ لها العلامة السعدي -حين بينّ شيئًا من آثارِ لطف اللهِ بعباده- فقال: « بحسَبِ مراداتهِم، فقد يريدون شيئًا وغيرُه أصلح؛ فيُقدِّرُ لهم الأصلحَ وإن ﱹ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏﮐ ﮑ كرهوه؛ لطفًا بهم وبِرًّا وإحسانًا ﱹ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ، )3(ﮒ ﮓ ﱸ .)4(ﮱ ﯓ ﯔ ﯕﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﱸ ______ .103) الأنعام1( .14) الملك2( .19) الشورى3( .27) الشورى4(
عدد الصفحات ٦٨69 ومِن لطفِه بهم: أنه يُقدِّرُ عليهم أنواعَ المصائب، وضروبَ المحنِ، والابتلاءِ بالأمرِ والنهيِ الشاق؛ رحمةً بهم ولطفًا، وسَوْقًا إلى كملهِم وكملِ ﱹﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ نعيمهم: . )1(ﭦﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﱸ ومِن لطفه بعبِده: أن يُقدّرَ له أن يتربّى في ولاية أهلِ الصلاحِ والعلمِ والإيمن، وبين أهلِ الخير؛ ليَكتَسِبَ مِن أدبهِم وتأديبِهم، ولينشأَ على صلاحِهم ﱹ ﯰ ﯱ ﯲ وإصلاحِهم، كم امتنَّ الله على مريمَ في قوله تعالى: . )2(ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸﱸ ومن ذلك: إذا نشأَ بين أبوين صالحين، وأقاربَ أتقياء، أو في بلدِ صلاح، أو وفّقه الله لمقارنةِ أهلِ الخيرِ وصحبتِهم، أو لِتربيةِ العلمءِ الربانيين؛ فإنّ هذا مِن أعظمِ لطفِه بعبدِه، فإنّ صلاحَ العبدِ موقوفٌ على أسبابٍ كثيرة: منها؛ بل مِن أكثرِها وأعظمِها نفعًا: هذه الحالة، ومِن ذلك إذا نشأَ العبدُ في بلدٍ أهلُهُ على مذهبِ أهلِ السنةِ والجمعةِ فإنَّ هذا لُطفٌ له. ومِن لطفِ اللهِ بعبدِه: أنْ يجعلَ رزقَه حلالاً في راحةٍ وقناعة، يحصلُ به المقصود، ولا يَشغَلُه عم خُلق له من العبادةِ والعلمِ والعمل، بل يُعينه على ______ .216) البقرة1( .37) آل عمران2(
عدد الصفحات ٦٩70 ذلك ويُفرّغه، ويُريحُ خاطرَه وأعضاءَه، ولهذا مِن لُطفِ اللهِ تعالى لعبدِه أنه ربم طَمِحتْ نفسُه لسببٍ من الأسباب الدنيوية، التي يَظُنّ فيها إدراكَ بغيتِه، فيَعلَمُ اللهُ تعالى أنها تَضُّه وتَصُدُّه عم ينفعه؛ فيحولُ بينَه وبينها، فيظلّ العبدُ كارهًا وهو لم يدرِ أنّ ربَّه قد لَطَفَ به، حيث أبقى له الأمرَ النافع، وصرفَ عنه الأمرَ الضار، ولهذا كان الرضى بالقضاء في مثل هذه الأشياء من أعلى المنازل. ومِن لطفِ الله بعبدِه - إذا قَدَّر له طاعةً جليلةً لا تُنال إلا بأعوان -: أن يُقدِّرَ له أعوانًا عليها ومساعدين على حملِها، قال موسى عليه السلام: ﱹﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﱹ ﮩ ﮪ ﮫ ، وكذلك امتنّ على عيسى بقوله: )1(ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﱸ ، وامتَنَّ )2(ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖﱸ . )3(ﱹ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﱸعلى سيد الخلق في قوله: ومِن لُطفِ اللهِ بعبدِه: أنْ يُعطيَ عبدَه - من الأولادِ والأموالِ والأزواج - ما به تقرّ عينُه في الدنيا، ويحصُلُ له به السور، ثم يبتليه ببعضِ ذلك، ويأخذُه ويُعوّضُه عليه الأجرَ العظيمَ إذا صبرَ واحتَسَب، فنعمةُ اللهِ عليه بأخذِه على هذا الوجهِ أعظمُ من نِعمتِه عليه في وجودِه، وقضاءُ مجرد وطَرِه الدنيوي منه. ______ .34 - 29) طه1( .111) المائدة2( .62) الأنفال3(
عدد الصفحات ٧٠71 وهذا أيضًا خيرٌ وأجرٌ خارجٌ عن أحوالِ العبدِ بنفسه، بل هو لُطفٌ مِن الله له، قيّض له أسبابًا أعاضَه عليها الثوابَ الجزيل، والأجرَ الجميل. ومِن لُطفِ الله بعبدِه: أن يبتليَه ببعضِ المصائب، فيوفِّقَه للقيامِ بوظيفةِ الصبرِ فيها؛ فيُنيلُه درجاتٍ عاليةً لا يدركُها بعملِه، وقد يُشدِّد عليه الابتلاءَ بذلك، كم فُعِل بأيوب عليه السلام، ويوجِد في قلبه حلاوةَ روحِ الرجاء، وتأميلَ الرحمة، وكشفَ الض، فيُخفَّف ألمُه، وتنشطُ نفسُه، ولهذا من لُطفِ الله بالمؤمنين: أنْ جَعَل في قلوبهِم احتسابَ الأجر؛ فخفَّتْ مصائبُهم، وهان ما يلقون من المشاقِّ في حصولِ مرضاتِه. ومِن لُطفِ الله بعبدِهِ المؤمنِ الضعيف: أن يعافيَه من أسبابِ الابتلاءِ التي تُضعِف إيمنَه، وتُنقِصُ إيقانَه، كم أنّ مِن لُطفِه بالمؤمنِ القوي: تهيئة أسبابِ الابتلاءِ والامتحانِ ويعينُه عليها، ويحمِلُها عنه ويزدادُ بذلك إيمنُه، ويعظُمُ أجرُه، فسبحان اللطيفِ في ابتلائِه وعافيتِه، وعطائِه ومنعِه. ومِن لطفِ الله بعبدِه: أنْ يسعى لكملِ نفسِه مع أقربِ طريقِ يوصلُه إلى ذلك، مع وجودِ غيرِها من الطُرُقِ التي تبعُدُ عليه، فيُيَسّ عليه التعلُّم مِن كتابٍ أو مُعلمٍ يكونُ حصولُ المقصودِ به أقربَ وأسهل، وكذلك يُيسُه لعبادةٍ يفعلُها بحالةِ اليسِ والسهولة، وعدمِ التعويقِ عن غيرِها مما ينفعُه، فهذا من اللطف.
عدد الصفحات ٧١72 ومِن لُطفِ اللهِ تعالى بعبدِه: أنْ يجعلَ ما يبتليه به مِن المعاصي سببًا لرحمتِه، فيفتحُ له عند وقوعِ ذلك بابَ التوبةِ والتضع، والابتهالِ إلى ربه، وازدراءِ نفسِه واحتقارِها، وزوالِ العُجبِ والكبرِ من قلبِه ما هو خيرٌ له من كثيرٍ من الطاعات. ومِن لطفِه بعبدِه الحبيبِ عنده: إذا مالتْ نفسُه مع شهواتِ النفسِ الضارة، واسترْسلَتْ في ذلك؛ أن يُنَغِّصَها عليه ويُكدِّرَها، فلا يكاُد يتناولُ منها شيئًا إلا مَقرونًا بالمكدِّرات، محشوًّا بالغصص؛ لئلا يميلَ معها كلَّ المَيل، كم أنّ مِن لُطفه به أن يُلذِّذ له التقرُّبات، ويحَُليِّ له الطاعات؛ ليَميلَ إليها كلَّ المَيل. ومِن لَطيفِ لطفِ اللهِ بعبدِه: أن يأجُرَه على أعملٍ لم يعملْها بل عزَمَ عليها، فيعزِمُ على قُربةٍ من القُرَب ثم تَنحلُّ عزيمتُه لسببٍ من الأسبابِ فلا يفعلُها، فيحصُلُ له أجرُها، فانظر كيف لَطَفَ اللهُ به! فأوقَعَها في قلبِه، وأَدارَها في ضميرِه، وقد عَلِمَ تعالى أنه لا يفعلُها؛ سَوقًا لبرِِّهِ لعبدِه وإحسانِهِ بكلِّ طريق. وأَلطَفَ من ذلك: أنْ يُقيِّضَ لعبدِهِ طاعةً أخرى غيرَ التي عَزَمَ عليها، هي أنفعُ له منها؛ فيَدَعَ العبدُ الطاعةَ التي تُرضي ربَّه لطاعةٍ أخرى هي أرضى لله منها، فتحصُلُ له المفعولةُ بالفعل والمعزومُ عليها بالنية، وإذا كان من يُاجِرُ إلى اللهِ ورسولِه، ثم يُدرِكُهُ الموتُ قبل حصولِ مقصودِه قد وقَعَ أجرُهُ على الله - مع أنّ قَطعَ الموتِ بغيرِ اختياره - فكيف بمن قَطَعت عليه نيتُه الفاضلةُ طاعةً قد عَزَمَ على فعلِها؟! وربم أدار اللهُ في ضميرِ عبدِه عِدَّةَ طاعات، كلُّ طاعةٍ لو انفردتْ
عدد الصفحات ٧٢73 لفعلَها العبد؛ لكملِ رغبتِه، ولا يمكنُ فعلُ شيءٍ منها إلا بتفويتِ الأخرى، فيوَفِّقُهُ للموازنةِ بينها، وإيثارِ أفضلِها فعلاً، مع رجاءِ حصولهِا جميعهًا عَزْمًا ونيةً. وأَلْطفُ من هذا: أنْ يُقدِّرَ تعالى لعبدِه ويبتليهِ بوجودِ أسبابِ المعصية، ويُوفِّرَ له دواعيها، وهو تعالى يعلمُ أنه لا يفعلُها؛ ليكونَ تَرْكُهُ لتلك المعصيةِ التي توفَّرَتْ أسبابُ فِعلِها مِن أكبرِ الطاعات، كم لَطَفَ بيوسفَ عليه السلام في مُراودةِ المرأة، وأحدُ السبعةِ الذين يُظلُّهمُ اللهُ في ظلِّه يومَ لا ظل إلا ظله: رجلٌ دعتْه امرأةٌ ذاتُ منصبٍ وجمال فقال: إِنيِّ أَخَافُ اللهََّ. ومِن لُطفِ اللهِ بعبدِه: أنْ يُقدِّرَ خيرًا وإحسانًا مِن عبدِه، ويجُرِيَه على يدِ عبدِه الآخر، ويجعله طريقًا إلى وصولِه للمُستَحِق، فيُثِيبُ اللهُ الأولَ والآخِرَ. ومِن لُطفِ اللهِ بعبدِه: أن يجُرِيَ بشيءٍ مِن مالِه شيئًا من المنافعِ وخيرًا لغيرِه؛ فيُثيبهُ من حيث لا يحتسِبُ، فمَن غَرَسَ غرساًَ، أو زَرَعَ زرعًا؛ فأصابت منه رُوحٌ من الأرواحِ المحترمةِ شيئًا، آجرَ اللهُ صاحبَه وهو لا يدري! خصوصًا إذا كانتْ عنده نيةٌ حسنة، وعَقَدَ مع ربِّه عقْدًا في أنه مهم تَرتّب على ماله شيءٌ من النفع، فأسألُك يا ربِّ أنْ تأجرَني، وتجعلَه قربةً لي عندك، وكذلك لو كان له بهائمُ انْتُفِعَ بدَرِّها ورُكُوبهِا والحَمْلِ عليها، أو مساكنُ انْتُفِعَ بسُكناها ولو شيئًا قليلاً، أو ماعونٌ ونحوُه انْتُفِع به، أو عينٌ شرُِبَ منها، وغيرُ ذلك - ككتابٍ انْتُفع به في تعلُّمِ شيءٍ منه، أو مُصحفٍ قُرئ فيه - والله ذو الفضل العظيم.
عدد الصفحات ٧٣74 ومِن لُطفِ اللهِ بعبدِه: أنْ يفتحَ له بابًا من أبوابِ الخيرِ لم يكن له على بال، وليس ذلك لقلةِ رغبتِه فيه، وإنم هو غفلةٌ منه، وذهولٌ عن ذلك الطريق، فلم يَشعُرْ إلا وقد وَجَدَ في قلبِهِ الداعيَ إليه، واللافتَ إليه؛ ففَرِحَ بذلك، وعَرَفَ أنها مِن أَلطافِ سيِّدِه، وطُرُقِه التي قَيّضَ وصولهَا إليه؛ فصرََفَ لها ضَميرَه، ووجّه إليها فِكْرَه، وأَدرَكَ منها ما شاء اللهُ وفَتَحَ والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عدد الصفحات ٧٤75 )1(وا الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على عبدِهِ ورسولِهِ ومصطفاه، أما بعد: فلقد تَأثَّرَ سَلَفُنا الصالحُ بآياتِ الله، وكانوا حَدِيثي عَهْدٍ بِنزولهِا، وكان رسولُ اللهِ ﷺ يحيا بالقرآنِ بين أظهُرِهِم، ولكنّ القرآنَ الكريمَ الذي أَخرَجَ لنا تلك النمذِجَ المشرقةَ مِن سَلَفِ الأمة؛ لم يَفْقِدْ قُدرَتَه على التّأثيرِ على قَارِئِيهِ في زمانِنا، ولم يُعْدَمْ مِنْ أهلِه مَن يَتلوه حَقَّ تلاوتِه؛ ويَستخرجُ منه كُنُوزَه، ويَسْتَلْهِمُ منه تَوجِيهَه، ويَسيرُ على خُطاه وهَديِهِ، حيث تَبقى هذه الخَيريَّةُ في أُمَّةِ الاستجابةِ إلى آخِرِ الزمانِ كم جاءَ فيم رُوي عن النبيِّ ﷺ مِن وُجوهٍ مخُتلِفَةٍ: . قال شيخُ الإسلامِ )2(« ابنُ تيمية -رحمه الله- في بيانِ معناه ويُقارِبهُم حتى يَبقى -لِقوَّةِ المُشابهََةِ والمقارَنَةِ- لا يَدرِي الذي يَنظُرُ إليه أهذا ______ ) للدكتورة أسمء بنت راشد الرويشد، عضو الهيئة العالمية لتدبر القرآن الكريم، والمشرفة العامة ع1( مؤسسة آسية للاستشارات والتدريب، وموقع آسية الإلكترو )، وقال ابن عبدالبر عنه: روي من وجوه 7226) وصححه ابن حبان12327) رواه أحمد2( .)253 /20حسان، ينظر: التمهيد المجل
عدد الصفحات ٧٥76 خيرٌ أم هذا، وإنْ كان أحدُهما في نفسِ الأمرِ خيرًا، فهذا فيه بُشرى للمتأخرين .)1(بأنّ فيهم مَن يُقارِبُ السابق وها هنا بعضُ المواقفِ المعاصرِةِ التي تحَدَّثَ بها أصحابهُا في بيانِ حالهِم مع القرآنِ تَدبُّرًا وعملا، وكيف كان أَثَرُ ذلك في تحََوُّلهِم مِن الضلالِ إلى الهداية، ومِن اتِّباعِ الشهواتِ إلى الاجتهادِ في العبادات، لقد أَثَمَرَ ذلك في قلوبهِم حلاوةً وإيمنًا لا يجدُهما إلا مَن عاشَ مع القرآنِ كم عاشوا، وتَدبَّرَه كم تَدبَّروا! ـ فهذا أحدُهم أَزْهَرَتْ حياتُهُ بالقرآنِ، يقول: اكتَشَفْتُ أنَّ العلاجَ الناجحَ لكلِّ داءٍ هو القرآنُ الكريم، دائي كان ذنوبي، وضَعْفُ سيطرتي على شهواتِ نفسي، حتى أَوْصَلني ذلك إلى حدِّ كُرْهِ ذاتي، ولم يكنْ عُمْري قد تجاوَزَ السابِعةَ عشرةَ بعد! وقُبَيْلَ رمضانَ بأيامٍ؛ سمعتُ كَلِمتٍ ناصحةٍ تحَُثُّ على استثمرِ فرصةِ رمضانَ، وجَعْلِهِ نقطةَ انطلاقٍ لحياةٍ جديدةٍ مِن خلالِ تَدبُّرِ القرآنِ الكريم، فامتثلتُ لهذه الموعظةِ وقَرَأتُهُ بخشوعٍ وتدبُّرٍ، فأحسستُ به يَغْسِلُ كُلَّ رُكامِ الآثامِ بِداخِلي، وبَدَأتُ أُدَوِّنُ كلَّ آيةٍ أَتَأثَّرُ بها في دَفترٍ خاصٍّ! وأَبحثُ عن تفسيرِها، فأقرؤه بعد ذلك فيزيدُ إيمني وأَهْنأُ بالسكينة، وأَزْهَرَت حياتي بالقرآن، والحمدُ للهِ الذي بنعمتِه تتِمُّ الصالحات. ______ .)371/11) ينظر: مجموع الفتاوى1(
عدد الصفحات ٧٦77 ﱹ ﯛ ـ وآخَرُ استوقفتْه آيةٌ مِن سورةِ الأنفال، إنها قولُ الله تعالى: ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ، فيقولُ: بحثتُ عن تفسيرِها وتَأثَّرتُ بهِ جدًا، )1(ﯩ ﯪ ﯫ ﯬﱸ فأصْبَحَتْ بَعدَ ذلك المقياسَ والمحكَّ لكلِّ موقفٍ يمرُّ بي: هل أنا في المسارِ الصحيح، أم حِدْتُ عن الطريق؟ فتَسْتَحِثُّني للإسراعِ في الاختيار، ففي الآيةِ دعوةٌ بنداءِ الإيمن، وأَمرٌ بالمسارعةِ إلى طاعةِ كلِّ أَمرٍ مِن اللهِ ورسولِه؛ خشيةَ أن يحُال بينكَ وبين قلبِك إذا توانيتَ أو تردَّدتَ، ثم تَتَمنى بعد ذلك الوصولَ إليه فلا تستطيع!. ـ وهذه فَتاةٌ عَرَفَتْ طَعْمَ الحياةِِ الحقيقيَّةِ يومَ تَدَبَّرتْ كلامَ اللهِ فأحبَّتْه وآثَرَتْ محََابَّه على كلِّ شهواتهِا، فتقول: مَرَرْتُ ذاتَ يومٍ -وأنا أقرأُ في كتابِ الله- بآيةٍ لَكَأَنَّني أقرؤها لأوَّلِ مَرّة، وقَفْتُ هذه المرة أمامَها وُقُوفًا طويلا، انتهى بي إلى بكاءٍ شديد، وَلَّدَ في أعمقِي إصرارًا كبيرًا، وقوةً لا تقفُ عند حدٍّ في تغييرِ واقعِ نفسي وأُمَّتي؛ ولو خُطوةً واحدةً إلى الأَمام، لقد أَحْسَسْتُ بِقَشْعَرِيرةٍ لا تزالُ تَسِي في أَوصالي كلّم ردَّدتهُا، وكأنهّا تُناديني قائلةً: غَيِّــري وإِلاّ تُغَيرَّي! ﱹ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ إنها قولُهُ تعالى: ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ، إِنه فَضْلُ اللهِ يُؤتِيهِ )2(ﯗ ﯘﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﱸ ______ .64) الأنفال1( .54) المائدة2(
عدد الصفحات ٧٧78 مَن يَشاء، وإِني لأَسألُ اللهَ أَن أَكونَ ممَّن يُؤتاه بِمِنَّتِهِ ورحمتِهِ، وأنْ نَكونَ ممَّن يَستَعمِلُهم سبحانه في طاعتِهِ وخِدمةِ دينِه، لا ممَّن يَستَبدِلهُم... آمين. - فتاةٌ أُخرى تحُدِّثُ عن آيةٍ غَيرَّتْ حياتهَا، فتقول: قَرَأتُ ذاتَ يومٍ ﱹ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ آيةً غَيرت مجَْرَى حياتي كلَّه، وهي قولُهُ تعالى: ، مَعصيةُ اللهِ )1(ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹﱸ عز وجل ثلاثَ سنواتٍ كاملة، حَاوَلْتُ أَنْ أَتْرُكَ المعصيةَ لكني ما استطعت! وجَلَسْتُ يومًا أَبكي بِشِدَّة، وأُناجِي ربي، فسمعتُ الآيةَ السابقة، فانشرََحَ لها صدري، وتََلَّكني الحياءُ مِن ربي عز وجل، وسَألتُ نفسي حينها بصدقٍ: هل أَقْبَلُ أنْ يَرَاني أَبي أو أُمِّي أو أيُّ أَحَدٍ في هذه الدنيا على ما أنا فيه؟ أو حتى أنْ يَسمَعوا بم أَفْعَل؟ وكان جوابي الأكيد لِنفسي: لا، وألْفُ لا...، فإنْ كنتُ قد استحييتُ مِن العبادِ، فكيف بِرَبِّ العبادِ وهو المطَّلعُ على كلِّ شيء! فاستحييتُ مِن نَظَرِهِ سبحانه إِليَّ وأنا أَعصِيه، وقَرَّرتُ أنْ أَتْركَ ما أنا فيه، ومَن تَرَكَ شيئًا للهِ عَوَّضَه اللهُ خيرًا منه، وبمنَّةٍ مِن اللهِ وفَضلٍ تركتُ المعصية، وها أنا أَنعَمُ بالسعادةِ بِفضلِ ربي مُنذُ سنوات. ______ .108) النساء1(
عدد الصفحات ٧٨79 - ما أَعظمَ أَثَر هذا القرآنِ في النفوسِ المؤمنةِ! فهذا مُتدَبِّرٌ يقول: كم أَثَّرَ ، لقد صَارَتْ أمامَ عيني كلّم )1(ﱹ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﱸفيَّ قولُهُ سبحانه: همََمْتُ بمعصية، أَتخََيَّلُ أنَّ اللهَ -سبحانه- يخُاطِبني بها فأَرْتَدِع، فها هو القرآنُ بين أَظهرِنا يُتلى آناءَ الليلِ والنهار، نُورًا يَمحُو ظلمتِ الهوى، لا يَترُكُ لأَحدٍ ﱹ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ على اللهِ حُجَّة، فلْنَستَمِع لآياتِه، ونَتَّعظ بها قَبلَ أنْ يُقالَ لنا .ﭕ ﱸ - وهذا أحدُهُم يقول: احتاجَتْ أُمِّي في يومٍ مِن الأيامِ لِشيءٍ يُكلِّفُ بعضَ المال، وكُنتُ أَلمْسُ رَغبتَها فيه وحاجَتَها إليه، وكان لديَّ بعضُ المالِ الذي رَصَدتُه لحاجَةٍ لي، لكنَّه قَد يَقضيِ حاجةَ أُمّي، ومَرَّ في نَفسيِ خاطر: لمَِ لا أُقدِّمُ حاجتَها على حاجتي؟ ألمَْ يأمرْنيَ اللهُ بِبرِّها؟ ورَاوَدَتْني نفسي فصارعتُها؛ حتى قَرَّرتُ تقديمَ حاجتِها على حاجتي مهم كَلَّفَني ذلك، وتَذَكَّرْتُ قولَه تعالى: ، قَضيتُ )2(ﱹ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ ﰚ ﰛ ﰜ ﱸ حاجتَها، وكَلفني ذلك مَبلغًا مِن المال، كُليِّ أَمَلٌ في رِضاها بَعدَ رِضا الله، ولمَّا فاجَأتهُا بِالأَمرِ بَكَتْ مِن شِدَّة الفَرَح، فانْشرََحَ صَدري لمَِا وَفَّقنيَ اللهُ إليه مِن بِرِّها وإِدخالِ السورِ عليها. ______ .105) المؤمنون1( .11) الحديد2(
عدد الصفحات ٧٩80 العجيبُ في الأَمرِ أَنَّه في اليومِ التالي لِقضائي حاجتَها؛ تمَّ تحويلُ مَبلغٍ لحسابي مُكافأةً مِن جِهةٍ رسمية، والأَعجبُ أنها كانت بمعدَّلِ الضِّعفِ وزيادة، ﱹ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ فبَكَيْتُ حينها؛ لأنني تَذَكَّرْتُ مَوعودَ اللهِ عز وجل: .ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ ﰚ ﰛ ﰜﱸ إنهم جميعًا عاشوا مع الآياتِ بِتَفَاعُلٍ! حتى سرََت الروحُ في قلوبهِم، ﱹ ﮗ ﮘ ﮙ وشَعَّتْ أنوارُ القرآنِ في نفوسِهم، إنّه الحقُّ في قولِه تعالى: ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ .)1(ﮧ ﮨ ﱸ هذه -أيا المؤمنون- نمذجُ مِن أحوالِ أُناسٍ يعيشون في عصرِنا، ويتأثرون بم حولهِم، عاشوا مع آيةٍ فَنَقَلَتهم إلى عالمٍَ آخرَ مِن السعادة، وحياةِ القلوب، التي هي الحياةُ الحقيقة. هذا حالهُم مع آية، فكيف بِمَن عَاشَ مع القرآنِ طِيلةَ حياتِه؟! اللهم اجعل القرآنَ ربيعَ قلوبِنا، ونورَ صدورِنا، وجلاءَ أحزانِنا، وذهابَ همومِنا، واغفر اللهم لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ______ .122) الأنعام1(
عدد الصفحات ٨٠81 )1(كيف نقراأ ون الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على عبدِهِ ورسولِهِ ومصطفاه، أما بعد: فإنَّ الحديثَ عن تَدبُّرِ القرآنِ الكريمِ حديثٌ ذو شُجُون، والكلامُ فيه له شُعَبٌ، وتفاصيلُ، ومناهج. وإنَّ مِن الأساليبِ التي تُعينُ على تَقريبِ فهم هذه العبادة العظيمة -عبادة التدبر- أن يُذْكَرَ نموذجٌ يحُْتَذى، ويُقاسُ عليه في كَيفيةِ قِراءةِ القرآنِ قراءةً تدبُّرية. ولَعلَّنا في هذا المجلسِ نَضِبُ لذلك مَثَلاً بسورةٍ عظيمةٍ من السبعِ الطوال، المليئةِ بالأحكام، تِلكم هي سورةُ النساء، نُحاوِلُ أنْ نُجيبَ على هذا السؤالِ: كيف نَقرَأُ ونَستَمِعُ سورةَ النساء؟. سورةُ النساءِ -أيا المؤمنون- عامَّتُها واليتيمُ، واليتيمةُ، والسفيهُ، والوارثُ الضعيف، والذي يُغلَب في التجارة، والموالي (الخدم)، والمظلومُ، والمريضُ، والمسافرُ، والخائفُ، والمُستَضْعَفُ في ______ ) للشيخ الدكتور عصام بن صالح العويّد، عضو الهيئة العالمية لتدبر القرآن الكريم، وعضو هيئة 1( التدريس في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، بالرياض المجل
عدد الصفحات ٨١