50 يقول الشنقيطي -رحمه ا .)1(حِفظَه ويُيَسُِّ فَهمَه، إلا القيامُ به في جوفِ الليل وبالجُملةِ -أيا المؤمنون حياةِ قلوبهِم، يحرصون عليه أَكْثرَ مِن حِرصِهم على تحصيلِ الطعامِ والشرابِ )2(والراحة، ولمَِ لا! وهم يُدركون بأنَّ الحياةَ الحقيقيةَ هي حياةُ القلب فإنْ أَردْنا ذوقَ حلاوةِ القرآنِ كم ذاقوها، فَلْنَسِْ على طريقتِهم، التي أَشرَْنا إلى بعضِ معالمِها. اللهم كم مَننتَ على مَن شِئتَ مِن عبادِك بِلذّةِ مُناجاتِك بتلاوةِ كتابِك، فامْنُن علينا بمنِّك وكرمِك، واجعلنا مِن أهلِ القرآن، الذين هم أهلُك وخاصّتُك، واغفر اللهم لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ______ .4/1) مقدمة أضواء البيان1( .91) تحقيق الوصال بين القلب والقرآن ص2(
عدد الصفحات ٥٠51 )1(كيف نقراأ الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على عبدِهِ ورسولِهِ ومصطفاه، أما بعد: فالقرآنُ حدائقُ ذاتُ بهجة، إذا أَتَمْتَ سورةً وبدأتَ بأُخرى فقد انتَقَلْتَ مِن شَجَرةٍ يانعةِ الثمرةِ إلى شجرةٍ تُشبِهُها بِثمرةٍ تختلفُ عنها، وإذا انتقلتَ من حِزبٍ إلى حزبٍ فمِن حَديقةٍ غَنّاءَ إلى روضةٍ أخرى، فـ (السَّبْعُ الطِّوال) و(ذواتُ الراء) و(المسبحات السبع) و(الطواسيم) و(الم) و(الحواميم) و(المفصل)؛ لِكلِّ حِزبٍ لونُه وطعمُه الخاصُّ به، ولِكلِّ سورةٍ ذَوقُها الخاصُّ بها، فتَذَوَّقْها بِرفْقٍ وحاذِر الهرس! والجرش! فهو سببُ التخمة والملل. وهذا التنزيلُ العظيمُ هو مَأدُبةُ الله في الأرض، والناسُ حولها ثلاثةُ أصناف: جائعٌ محرومٌ منها، وسَقيمٌ يأكلُ وقَد فَقَدَ حاسةَ الذَّوقِ فلمْ يَتَهَنَّ بها، ) مختلفًا ألوانهُا، فأَصبَحَ يَطعَمُ بِرِفقٍ 114ومُعافى رَأى على مَأدُبَةِ الكريم ______ ) للشيخ الدكتور عصام بن صالح العويّد، عضو الهيئة العالمية لتدبر القرآن الكريم، وعضو هيئة 1( التدريس في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، بالرياض المجل
عدد الصفحات ٥١52 وأَدَبٍ كاملين، وفي فَمِهِ مع كلِّ (سورة) منها طَعْمٌ وذَوقٌ وعِطرٌ هو لها، ولأُختِها مِن سُورِ القرآنِ غيرُها، فكيف نَتَذَوَّقُ لَذّةَ القرآنِ، ونميِّزُ حلاوةَ كلِّ سورةٍ في القرآنِ عن حلاوةِ أختها؟ أولاً: لِيَكنْ بين يديك دائمً تفسيرٌ مختصرٌ، كالتفسيرِ الميَسَّ أو زُبدةِ التفسير أو الجلالين، أو المصباحِ المنيرِ أو الساجِ في غريبِ القرآن لـ د.الخضيري ونحوِها. ثانيًا: أَحضِْ قَلبَك وحَرِّكْهُ بالقرآن، فإنْ شرََدَ فَقِفْ والحَْقْ به، سَتَتعَبُ في ، لكنْ لِتَكُنْ على يَقينٍ أنه ضرَورةٌ كضورةِ )1(البدايةِ وسَيُذعِنُ لك في النهاية الروحِ للجَسَد. ثالثًا: اجعلْ نفسَك طَرَفًا ثم ظرْفًا لخطابِ ربِّك، اجعل القرآنَ مِرْآةً نورانيةً تَرى فيها أقوالَك وأفعالَك، فهذا يُعَطَّرُ وهذا يُغْسَل، وهذا يُقَصُّ وهذا يُصفَّف، وهذا يُعالج وهذا يُبترَُ إن لزم الأمر، وهكذا. رابعًا: قَبْلَ أَنْ تَبدأ بالسورةِ؛ تأمَّل في اسمِها أو أَسمئِها فهو مِفتاحُها رحمه ا –الذي تَدخُلُ به إليها، وقد قال ابنُ القَيِّم قوالبَ للمعاني، ودالةً عليها، اقتضت الحكمةُ أنْ يكونَ بينها وبينها ارتباطٌ ______ ) وقد بيّنت ذلك بالتفصيل في رسالتي (فن التدبر في القرآن) فلتنظر لمن أحب التفصيل1(
عدد الصفحات ٥٢53 وتناسب، وأن لا يكونَ المعنى معها بمنزلةِ الأجنبيِّ المحضِ الذي لا تَعَلُّق له بها، فإنَّ حكمةَ الحكيمِ تأبى ذلك، والواقِعُ يَشهدُ بخلافِه، بل للأسمءِ تأثيرٌ في المسمَّيات، وللمسمَّياتِ تأثُّرٌ عن أسمئِها؛ في الحُسْنِ والقُبح، والخِفّة والثِّقَل، واللطافةِ والكَثَافة، كم قيل: وَقَلّمَ أَبْصرََتْ عَيْنَاكَ ذَا لَقَب إلاّ وَمَعْنَاهُ إنْ فَكّرْتَ فيِ لَقَبِه ولما كان بين الأسمءِ والمسمياتِ من الارتباطِ والتناسُبِ والقَرابةِ ما بين قوالبِ الأشياءِ وحقائقِها، وما بين الأرواحِ والأجسامِ عَبرََ العَقلُ مِن كلٍّ منهم إلى الآخر، كم كان إياسُ بنُ مُعاويةَ وغَيرُه يرى الشخص، فيقول: ينبغي أنْ . )1(يكونَ اسمُه كيت وكيت، فلا يكادُ يخطئ!... الخ كلامه رحمه ا وهذا إنْ كانَ في غيرِ القرآنِ فم بالُك بالقرآنِ العظيم؟ الذي أسمءُ سُورِهِ إِمّا بِنَصِّ كتابٍ أو سنةٍ، أو إِجماعِ صحابةٍ أو استفاضةٍ في الأمة! وكان الصحابةُ رضوانُ الله عليهم -خصوصًا ابن عباس- يَعتَنون بأسمءِ السُّورِ، أو أوصافِها التي تدلُّ على مقصودِها، ورَحاها الذي تَدور حوله، فَعَن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهم أنّ عُمَرَ الفاروقِ رضي الله عنه قيل له: سورةُ التوبة؟ قال: هي إلى العَذابِ أَقرَبُ! ما أَقْلَعتْ عن الناسِ حتى ما كادَت تَدَع منهم أحدًا. ______ .)307 / 2) زاد المعاد1(
عدد الصفحات ٥٣54 وعن حذيفة رضي الله عنه في براءة: يُسمُّونها سورةَ التوبةِ وهي سورةُ العذاب!. وعن سعيدٍ بنِ جبير رضي الله عنه قال: قلتُ لابن عباس رضي الله عنهم: سورة التوبة؟ قال: التوبةُ! بل هي الفاضحة، ما زالتْ تَنزِلُ (ومنهم)، حتى ظَننّا أنْ لن يَبقى منّا أحدٌ إلا ذُكِرَ فيها. وعن قتادةَ قال: كانت تُسمَّى هذه السورة: (الفَاضِحَةَ)، فاضِحةُ .)1(المنافق وعن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: سورةُ الأنفال؟ قال: تلك .)2(سورةُ بدر وفي صحيحِ مسلم عن سعيدٍ بنِ جُبير قال: قلتُ لابنِ عباسٍ: سورة .)3(الحشر؟ قال: قل: بني النضير، أي: سورةُ بني النض وفي البخاريِّ عن سعيدٍ بنِ جُبير عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهم قال: جمََعْتُ .)4(المُحْكَمَ في عهدِ رسولِ الله -ﷺ-، فقلتُ له: وما المحكم؟ قال المُفَصَّل قال سعيدُ بنُ جُبير: إنّ الذي تَدعونه المُفصَّل هو المحكم. ______ .4) جميع الآثار السابقة راجعها في الدر المنثور الجزء1( .)3031) رواه مسلم2( ) المصدر السابق3( .)5036( )4(
عدد الصفحات ٥٤55 وأَضربُ مَثَلاً بأَعظمِ سَورِ القرآنِ وهي سورةُ الفاتحة هذا هو اسمُها الأَشهَرُ، وهو محلُّ إِجماعٍ يَقينيٍّ في أُمةِ القرآن، قال ابنُ رحمه الله-: والفاتحةُ مُشتقةٌ مِن الفَتْح، وهو إِزالةُ حَاجِزٍ عن مكانٍ –عاشور .)1(مقصودٍ وُلُوجُه، فَصِيغَتُها تَقتَضي أنَّ مَوصوفَها شيءٌ يُزيلُ حاجزًا فهي المفتاحُ الأعظمُ الذي يَفتحُ لك كلَّ بابٍ للخير، فهي مِفتاحُك لِعلْمِ الكِتاب، وهي مِفتاحُ الحُجُبِ بينك وبين الله، تأمَّل قولَ ابنِ كثير: وتحََوُّلُ الكلامِ مِن الغَيْبَةِ إلى المواجهةِ بكافِ الخطابِ هو المناسب؛ لأنَّه لما أثْنى على اللهِ فكأَنَّه اقترََبَ وحَضََ بين يدي الله تعالى؛ فلهذا قال: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ . )2(نَسْتَعِينُ ويقولُ ابنُ عاشور: وما هنا التفاتٌ بديع، فإنَّ الحامدَ لمّا حمَِدَ اللهَ تعالى ووَصَفَه بعظيمِ الصفاتِ، بَلَغَتْ به الفِكرةُ منتهاها، فتَخَيَّلَ نفسَه في حَضةِ .)3(الربوبية، فَخَاطَبَ ربَّه بالإِقبال فهي أبوابٌ تُفتَحُ شيئًا فشيئًا لمن وَفَّقَه الله، فَتَعَلَّم كيف يفتح بالفاتحِةِ تلك الأبوابَ المُغلَقَة. ______ .131/1) التحرير والتنوير1( .135/1) تفسير ابن كث2( .179/1) التحرير والتنوير3(
عدد الصفحات ٥٥56 فإذا أَضفتَ إليها أسمءَها الأُخرى « اللهم افتحْ قُلوبَنا لِتَدَبُّرِ كتابِك، وأَزِلْ ظُلمتَها بِنُورِ آياتِك، واغفِر اللهم لنا ولوالدينا ولجميعِ المسلمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عدد الصفحات ٥٦57 )1(بين فواتح الآيات وخواتمها الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على عبدِهِ ورسولِهِ ومصطفاه، أما بعد: فإنّ مِن أبوابِ تدبُّرِ القرآنِ الكريم، التأمُّلُ في علاقَةِ الآيةِ بخاتِتِها، والوقوفُ على ذلك يَفتحُ لك بابًا مِن أبوابِ فَهمِ كتابِ الله تعالى، ويُبينُِّ لك مع شرحٍ )2(نوعًا مِن إِعجازِ القرآنِ الكريم، وسوف نَعرِضُ بعضَ الأمثلةِ مُبسَّطٍ لها، ويَستطيعُ المُوفَّقُ أنْ يَقِيسَ عليها: المثالُ الأول: لمّا ذَكَرَ اللهُ قَوامةَ الرجلِ على المرأة، وحَقَّ الزوجِ في تأديبِ امرأتِهِ الناشزِ في ﱹ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ قولِه سبحانه: ، فذَكَّرَ )3(ﱹﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﱸ، خَتَمَ الآيةَ بقولِه: ﭯ ﱸ بِعُلُوِّهِ وكِبريائِهِ جَل جلالُه تَرهيبًا للرِّجال؛ لئلاّ يَعتَدوا على النساء، ويَتَعدَّوا حدودَ اللهِ التي أَمَرَ بها. ______ ) للدكتور عبد المحسن بن زبن المطيري، عضو الهيئة العالمية لتدبر القرآن، وعضو هيئة التدريس1( بكلية الشريعة في جامعة الكويت ) وكل هذه الأمثلة مأخوذة من كتاب (ليدبروا آياته) بأجزائه الأربعة الأولى.2( .34) النساء3( المجل
عدد الصفحات ٥٧58 المثالُ الثا ﱹ ﭟ ﭠ ﭡ لمّا ذَكَرَ اللهُ تَعالى عُقُوبَةَ السَِّقَةِ في قولِه: ﱹ ﭦ ﭧ ﭨﭩ ﭪ ﭫ ، قال في آخِرِها: ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﱸ ، أي: عَزَّ وحَكَمَ فَقَطَعَ يَدَ السارق، وعَزَّ وحَكَم فعَاقَبَ المُعتَدِين )1(ﭬﱸ شرعًا، وقدرًا، وجزاء، وفي ذلك القصةُ المشهورة، أنّ أَعرابيًّا سمعَ قارِئًا يقرأُ هذه الآيةَ فأخطأَ في آخِرِها، وقال: (والله غفور رحيم)، فقال الأعرابيُّ: لو غَفَرَ ﱹﭪ ورَحِم لمََا قَطَع، ولكنّه عَزَّ وحَكم فقطع، فنَظَروا في المصحفِ فإذا هي .ﭫ ﭬ ﱸ المثالُ الثالث: مِن الإنسِ والجِنِّ والملائكةِ ﱹ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔﱸفي قولِه تعالى: ، وفي هذا حَفَاوةٌ بالدعاءِ والسؤال، )2(ﱹﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﱸ وكلِّ المخلوقات، والتَّعَرُّضُ لنَفَحاتِ ذي الجلال، فإنها مَظِنَّةُ تعجيلِ التبديلِ والتغيير، فإذا سألوه وأَلحَُّوا في سؤالهِم، كان مِن شأنِهِ أنْ يجُيبَ سائلَهم، ويُغيرَِّ أحوالهَم مِن الهوانِ والتَّخَلُّفِ، والجهلِ، والمرضِ والفُرقةِ والضياعِ؛ إلى الرِّفعةِ والمجدِ .)3(والعلمِ والعافيةِ والاتحاد. وهذه مناسبةُ اتصالِ أوَّلِ الآيةِ بآخِرِها ______ ..38) المائدة1( .29) الرحمن2( وما بعدها495/7) انظر تفسير ابن كث3(
عدد الصفحات ٥٨59 المثالُ الرابع ﱹ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ حُكِيَ أنّ أَعرابيًّا سمع قارئًا يقرأُ: (فاعلموا أن الله غفور رحيم)! ولم يَكن الأعرابيُّ مِن القُرّاءِ فقال: ﯥ ﱸ إنّ كان هذا كلامَ الله، فلا يقول كذا، ومَرَّ بهم رجل، فقال له الأعرابيُّ: كيف فقال )1(ﱹ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﱸ تَقرأُ هذه الآية؟ فقال الرجل: الأعرابيُّ: هكذا يَنبغي، الحكيمُ لا يَذكُرُ الغفرانَ عند الزَّلَل، لأنه إِغراءٌ عليه! المثالُ الخام ﱹ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥﯦ ﯧ قولُه تعالى: ﱹﯨ ، ومُناسبةُ خَتْمِ الآيةِ بهذين الاسمين الكريمين: )2(ﯨ ﯩ ﱸ دونَ غيرِهما؛ لمناسبتِهِم للإِغاثةِ، لأَنَّ الوَليَّ يحُْسِنُ إلى مواليه، والحميدُ ﯩﱸ يُعطِي ما يحُمَدُ عليه. المثالُ ال ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭘﱹ قولُه تعالى عن الحُجّاج: ، لمَّا كان الحجُّ حَشرًْا في الدنيا، والانصرافُ منه يُشبِه انصرافَ ﭡ ﭢ ﭣﱸ فريقًا إلى الجنة وفريقًا إلى السعير-؛ ذَكَّرَهم بذلك –أَهلِ الموقفِ بعدَ الحشرِ ، فاعملوا لمِا يكونُ سببًا في )3(ﱹﭪ ﭫ ﭬ ﭭﱸ بقوله: انصرافِكم منه إلى دارِ كرامتِهِ لا إلى دارِ إهانتِه. ______ .209) البقرة1( .28) الشورى2( .203) البقرة3(
عدد الصفحات ٥٩60 المثالُ ال ﱹﯯ ﯰ ﯱ ﯲﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ في قولِهِ تعالى: ، فلم تخُْتَمُ الآيةُ بقوله (الغفور الرحيم)؛ لأَنَّ المقامَ مَقامُ غَضَبٍ )1(ﯺ ﱸ وانتقامٍ ممَِّن اتخذ إلهًا مع الله، فنَاسَبَ ذِكْرُ العِزَّةِ والحكمة، وصار أولى مِن ذِكرِ الرحمة. المثالُ الثامن: ﱹ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ قولُه تعالى بَعدَ ذِكْرِ أحكامِ القَذْف: ، قد يُقال: إِنَّ المُتَوَقَّعَ أنْ يُقال: (تواب رحيم)؛ لأَنَّ الرحمةَ )2(ﰉ ﰊ ﱸ إشارةٌ إلى فائِدةِ مَشروعيّةِ ﱹﰊﱸ مناسبةٌ للتَّوبة، لكنْ خُتِمتْ باسمِ الله اللعانِ وحِكمتِه، وهي السِّترُ عن هذه الفاحشةِ العظيمة. هذه -أيا المؤمنون- بعضٌ مِن الحِكَمِ التي تُلتَمسُ مِن المناسبةِ بين فَواتِحِ الآياتِ وخَواتهِم، وهي بابٌ عظيمٌ مِن أبوابِ التدبُّر، فاجتهدوا في تدبُّرِ كِتابِ ربِّكم، تَنْعَموا وتَسْعَدوا دنيا وأخرى. بذنوبِنا- فَهمَهُ والعملَ به، –اللهم لا تحرِمْنا بَرَكَةَ كتابِك، ولا تحجُبْ عنا واغفر اللهم لنا ولوالدينا ولجميعِ المسلمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ______ .203) البقرة1( .10) النور2(
عدد الصفحات ٦٠61 )1(الطلاق الراقي الحمد لله، والصلاة والسلام على عبده ورسوله ومصطفاه، أما بعد: .)2(ﱹﮦ ﮧﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭﱸفيقول الله تعالى: قد يحصلُ الشقاق، ويقعُ الطلاق، فلمذا تتغيرُ النفوس، ويظهَرُ العبوس؟ ففي الزواج كان الفرحُ والسور، والبهجةُ والحُبور، وعند الطلاقِ ننسى كلَّ شيء، وكأنها معركةٌ مع عدوٍّ لا يستحق رحمة ولا رأفة، فلا مجال لتسامُحٍ ولا تعاطُف، ولا تراحمٍ ولا إحسان، بل صلفٌ وجحود، وظلمٌ وغضبٌ وبغضاء! ما هذا الذي يفعله الناس؟ ألا يقرؤون كلامَ ربهم جلّ في علاه، ألا يتدبّرون آياتِه؟ ألا يحتكمون إلى أحكامِه، ويتخلَّقون بآدابِه؟ ألا يُدْرِكون كيف هذَّب اللهُ أخلاقَ المؤمنين، وزرع في قلوبهم الرحمة، على خِلاف أهل الجاهلية الذين كانوا يظلمون ويتجاوزون الحدَّ دون رادع. ______ ) للدكتور عويض العطوي، عميد البحث العلمي في جامعة تبوك1( .229) البقرة2( المجل
عدد الصفحات ٦١62 وقد ورد في سبب نزول هذه الآية ما روته عائشةُ رضي الله عنها، حيث قالت: كان الرجل يُطلِّقُ امرأتَهُ ما شاء أنْ يُطلِّقَها وإنْ طلّقَها مائةً أو أكثر، إذا ارتجعها قبل أن تنقضيَ عِدَّتهُا، حتى قال الرجل لامرأته: والله لا أطلقك فتبيني مني، ولا آويك إليّ، قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلقك وكلّم قاربتْ عِدَّتُك أن تنقضيَ ارتجعتُك، ثم أطلقك وأفعل ذلك، فشَكَتْ المرأةُ ذلك إلى عائشة، فذَكَرَتْ ذلك عائشةُ إلى رسول الله ﷺ فسَكتْ فلم يقل شيئًا حتى نزل القرآن . )1(ﱹﮦ ﮧﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭﱸ وعلينا أن نتلقّى هذا الحكمَ بالرّضى والقبول، وأن نطبِّقَه واقعًا عمليًّا عند الحاجة إليه، ولو تأمّلنا الآية الكريمة، وجدناها جمََعتْ الحكمَ الفقهي مع ، ﱹﮦ ﮧﱸالإشارة إلى خُلُقٍ نبيلٍ يحسنُ التخلُّق به، فقد قال سبحانه: لقد عرّف اللهُ لنا الطلاق، وسمّه لنا بهذا الاسم، والطلاق من الإطلاق وهو ضد التقييد، والقيدُ هنا هو عقد النكاح الذي سمّه اللهُ ميثاقًا غليظًا، وكم تمّ هذا المثياق بمحبة ووئام، يمكن أن يَتِمّ فكُّه وحَلُّه بتقدير واحترام. ومع أن المعروف أنّ الطلاق ثلاث، إلا أن الله -عز وجل- قال: ، قالوا: المراد أن الطلاق الذي فيه رجعةٌ مرتان، فإن راجع زوجتَه ﱹ ﮧﱸ ______ .)14950)، والبيهقي3106) أخرجه الحاكم في المستدرك1(
عدد الصفحات ٦٢63 فقد أمسكها، وإن تركها حتى تنقضيَ العِدّةُ فقد سرَّحها، وقد قال سبحانه ولم يقل: طلقتان؛ تنبيهًا على أنه ينبغي أن تكون مرّة بعد مرّة، كلُّ ﱹﮧﱸ طلقة في مرّة، لا أن يجمعهم في مرّة. وتأمل كلمة: (إمساك)، فهي تشير إلى الحرص والحياطة والحفظ، وحتى ، والباء للمصاحبة، أي: هذا ﱹ ﮪﱸ لا يُفهَم أمرٌ آخر قال سبحانه: الإمساك يكون مصحوبًا بمعروف، وجاء المعروف (نكرة)، ولم يقل جَلَّت قدرتُه: (المعروف)؛ ليكونَ ذلك أكثر شيوعًا، فلن يَعدَمَ الزوجُ العاقلُ صورًا كثيرة من المعروف يعاملُ بها زوجتَه التي عادتْ إليه، المُهم أن يضعَ الزوجُ أمام عينيه، فينظر عندما يُعيدُ زوجتَه إلى بيتِهِ كيف ﱹ ﮪﱸهذه الكلمة: يعاملُها، وكيف يكلِّمها، وكيف يعاشرُِها؟ أين هذا من أولئك الذين يرون في ضَعفِ الزوجةِ فرصةً لإبراز رجولاتٍ مُزيَّفة، في موقفٍ يحَسُنُ فيه المعروفُ والتعاملُ الحَسَن؟ إنّ عودةَ الزوجةِ تعني استمرارَ الحياةِ الزوجية، تعني استقرارَ العائلة، وإبحارَ السفينةِ من جديد، ولهذا بدأ سبحانه بها، فإنه قد خَيرَّه بين شيئين: الرجعة والتسيح الموصوفين، وكانت الرجعة أقرب إلى الخير، بدأ بها
عدد الصفحات ٦٣64 أمّا إذا تعذّر الإمساك، وكان الحل هو الفراق، فهنا يكون اللُّطفُ أكثر، ، يا لها من ﱹ ﮫ ﮬﱸوالإحسانُ أظهر، لذا قال سبحانه في هذا المقام: كلمة ما ألطفها في موقف لا يعرف فيه كثيرٌ من الناس إلا العنف! إنه لُطْفٌ حتى في الكلمة المعبرة عن الفراق، فلم يقل سبحانه: (أو فراق، أو ، إن أصواتَ الكلمة كلَّها هامسة ﱹ ﮫ ﮬ ﮭﱸطرد، أو إبعاد) بل هادئة، فأين هذا من صرُاخِ الأزواج، وعباراتِ السبِّ واللَّعن، والطردِ والتهديد؟! يا لها من أخلاق أصبحنا نتذكَّرُها كالأحلام، فهل من عودة لأخلاق القرآن؟ ليس هذا فحسب، بل لمّا كان التسيحُ يحملُ معنى المفارقةِ دون رجعة، وهذا ما لا يعهد فيه الإحسان عادة، جاء تقييد ذلك التسيح بالإحسان ، والباء للمصاحبة والملابسة، ﱹ ﮫ ﮬ ﮭﱸ فقال جَلَّت قدرتُه: فإن حصل ذلك التسيحُ فليكن مصحوبًا بم يخُفِّفُ ألمََ الفراقِ بعد العشرة. والإحسانُ أعلى من المعروف، فأمَرَنا بالإحسان حالَ الطلاق، حال الفراق، فمن يفعل ذلك اليوم؟! والإحسانُ هو حُبُّ الخيرِ للناس، ومساعدتهُم، ورفعُ معاناتهم،
عدد الصفحات ٦٤65 والإحسانُ عطاءٌ وحُبٌّ وكَرَم، وصُورُهُ كثيرةٌ تتناسبُ مع كلِّ حالة، وهذا هو المطلوبُ ولو في حال الطلاق، وقد قالوا: ومن الإحسان أدَّى إليها حقوقَها المالية، ولا يذكُرُها بعد المفارقة بسوء، ولا يُنَفِّر الناسَ عنها مالها، لأنه ظُلْمٌ، وأخْذٌ للمل في غير مقابلة بشيء الصَّدَاقِ كاملاً وأن لا يشاحِحَها في شيء لها فيه حق، مع طيب المقال وكرم الفعال مَنْ اليوم مَنْ يطبِّق هذا المفهوم الراقي في الطلاق؟ ويتسامى بأخلاقه فوق ما ألِفَه الناسُ من سلوكياتٍ وتصرُّفاتٍ لا تتناسبُ مع عَظَمةِ هذا الدين؟ مَنْ يَدي هديةً مع طلاقِه؟ أو يقولُ كلامًا طيّبًا مع طلاقِه؟ أليس هذا أدْعى إلى بقاءِ علاقات أهل الزوجة مع الزوج؟ هل المطلوب أن يغضبَ الجميع، ويتألم الجميع؟ أليس هذا أدْعى لحفظِ الوفاء بين الرجل والمرأة حتى بعد الطلاق، فيحفظان أسرارَ بعضهم؟ بلى والله. هذا رجلٌ في زماننا قدَّر اللهُ أن يُطلِّق زوجتَه، لكنّه لم يَرْعَ حقَّ اللهِ فيها، بل قال لها: واللهِ لأُحْرِقَنّ قلبَك في بناتِك، فكانت لا تراهن إلا خِلْسَةً في المدرسة!
عدد الصفحات ٦٥